النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
تفسير سورة آل عمران : ٣٨
قال : فلما رأى ذلك زكريا - يعنى فاكهة الصيف فى الشتاء ، وفاكهة الشتاء
فى الصيف - عند مريم قال: إنّ الذى يأتى بهذا مريمَ فى غير زمانه، قادرٌ أن
يرزقنى ولداً، قال الله عز وجل: ((هنالك دعا زكريا ربه))، قال: فذلك حين
دعا .
٦٩٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن أبى
بكر، عن عكرمة قال : فدخل المحرابَ وغلَّق الأبوابَ ، وناجى ربه فقال:
﴿رَبِّ إِّى وَهَنَ العَظْمُ مِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} إلى قوله: ﴿رَبِّ رَضِيًّا)
- ﴿فَنَادَتْهُ المَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُعَلَّى فِ المِخْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْسَى مُصَدِّفاً
بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ الآية .
٦٩٤٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ، حدثنى
بعض أهل العلم قال : فدعا زکریا عند ذلك بعد ما أسنّ ولا ولد له ، وقد انقرض
أهل بيته فقال: ((ربّ هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء))، ثم شكا إلى ربه
فقال: ﴿رَبِّ إِى وَهَنَ العَظْمُ مِّى وَاشْتَعَلَ الرَأَسُ شَيْبًا﴾ إلى (واجْعَلْهُ رَبِّ
رَضِيًا﴾ = ﴿فَنَادَتْهُ المَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِىِ المِحْرابِ) الآية .
٠
#
وأما قوله: ((ربّ هب لى من لدنك ذرية طيبة))، فإنه يعنى: ((الذرية))
النسل، وب ((الطيبة)) المباركة، (١) كما : -
٦٩٤٤ - حدثنى موسى قال: حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((قال رَبّ هب لى من لدنك ذرية طيبة))، يقول : مباركة.
٠ ٠
(١) انظر قوله ((ذرية)) فيما سلف ٣: ١٩، ٧٩ / ثم ٥٤٣:٥ / ٣٢٧:٦ ولم يفسرها
فى هذه المواضع ، ثم فسرها هنا ، وهو من اختصار هذا الكتاب الجليل ، كما قيل فى ترجمته .
ثم انظر تفسير («الطيب)» فيما سلف ٣ : ٣٠١ / ثم ٥٥٥:٥.

٣٦٢
تفسير سورة آل عمران : ٣٨
وأما قوله: (( من لدنك))، فإنه يعنى : من عندك .
٠٠
وأما ((الذرية))، فإنها جمع ، وقد تكون فى معنى الواحد ، وهى فى هذا
الموضع واحد . وذلك أن الله عز وجل قال فى موضع آخر، مخبراً عن دعاء زكريا:
﴿فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [سورة مريم: ٥]، ولم يقل: أولياء - فدلّ على أنه
سأل واحداً. وإنما أنث ((طيبة))، لتأنيث الذرّية، كما قال الشاعر: (١)
أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِفَةٌ، ذَاكَ الكَمَالُ(٢)
فقال: ((ولدته أخرى))، فأنّث، وهو ذَكر، لتأنيث لفظ ((الخليفة))،
كما قال الآخر : (٣)
فَمَا تَزْدَرِى مِنْ حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ
سُكَاتٍ، إِذَا مَاعَضَّ لَيْسَ بِأَدْرَهَا(٤)
فأنث ((الجبلية)) لتأنيث لفظ ((الحية))، ثم رجع إلى المعنى فقال: ((إذا
مَاعَضّ))، لأنه كان أراد حية ذكراً. وإنما يجوز هذا فيما لم يقع عليه ((فلانٌ))
من الأسماء، كـ ((الدابة، والذرية، والخليفة)). فأما إذا ◌ُسمّى رجل بشىء من ذلك،
:
(١) لم أعرف قائله .
(٢) معانى القرآن للفراء ١: ٢٠٨، سيأتى فى التفسير ٤: ١٥٠ (بولاق).
(٣) لم أعرف قائله .
(٤) معانى القرآن للفراء ١: ٢٠٨، واللسان (سكت)، وكان فى المطبوعة: ((كما تزدرى ...
سكاب ... ليس بأزدرا))، وهو خطأ . والحية إذا كانت جبلية، فذاك أشد لها ولسمها، يقول عنترة:
أَصَمَّ جَبَالِيّ، إِذا عَضَّ عَضَّةً
تَزَايَلَ عَنْهُ جِلْدُه فتبدّدَا
وحية سكوت وسكات ( بضم السين): إذا لم يشعر الملسوع به حتى يلسعه ، والأدرد : الذى سقطت
أسنانه ، فلم يبق فى فه من . يصف رجلا داهية . يقول : كيف تستخف به ، وهو حية فاتكة ،
لا يشعر الملسوع بعضها حتى تعضه بناب لم يسقط ولم يذهب سمه .

٣٦٣
تفسير سورة آل عمران : ٣٨، ٣٩
فكان فى معنى ((فلان))، لم يجز تأنيثُ فعله ولا نعته . (١)
وأما قوله: ((إنك سميع الدعاء))، فإن معناه: إنك سامع الدعاء ، غير أنّ
((سميع))، أمدَحُ، وهو بمعنى: ذو سمع له. (٢)
١٦٩/٣
. .
وقد زعم بعض نحوبى البصرة أن معناه : إنك تسمعَ ما تُدْعى به .
٥٠
قال أبو جعفر : فتأويل الآية ، فعند ذلك دعا زكريا ربه فقال : رب هب
لى من عندك ولداً مباركاً ، إنك ذو سمعٍ دُعاءَ من دَعاك .
٠
القول فى تأويل قوله ﴿فَنَدَتْهُ اٌلْمَلَبِكَةُ﴾
قال أبو جعفر : اختافت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعضُ أهل الكوفة والبصرة: ((فنادته الملائكة))
على التأنيث بالتاء، يراد بها جمع ((الملائكة)). وكذلك تفعل العرب فى جماعة
الذّ كور ، إذا تقدّمت أفعالها، أنَّت أفعالها ، ولا سيما الأسماء التى فى ألفاظها
التأنيث، كقولهم: ((جاءَت الطَّحات)).
٠٠٠
وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء ، (٣) بمعنى فناداه جبريل، فذكروه
للتأويل، كما قد ذكرنا آنفاً أنهم يؤنثون فعل الذّ كر للفظ، (٤) فكذلك يذكِّرون
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٢٠٨، ٢٠٩.
(٢) انظر تفسير ((سميع)) فيما سلف ٢: ١٤٠، ٣٧٧، ٥٤٠ / ٣: ٣٩٩ / ٤: ٤٨٨.
(٣) يعنى قراءة من قرأ ((فناداه)) ممالة، ورسمها فى المصحف عندئذ ((فناديه)) بالياء، وهى قراء
حمزة والكسائى .
(٤) انظر ص : ٣٦٢.

٣٦٤
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
فعلَ المؤنث أيضاً للفظ . واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءة، يذكر أنها قراءَةُ
عبد الله بن مسعود ، وهو ما : -
٦٩٤٥ - حدثنى به المثنى قال ، حدثنا إسحق بن الحجاج قال ، حدثنا
عبد الرحمن بن أبى حماد، أنّ قراءة ابن مسعود: ﴿فَنَادَاهُ جِبْرِيلٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلَّى
فِىِ المِحْرَابِ ﴾.
٥
وكذلك تأوّل قوله: ((فنادته الملائكة)) جماعةٌ من أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
٦٩٤٦ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((فنادته الملائكة))، (١) و هو جبريل = أو : قالت الملائكة ، وهو
جبريل = ((أنّ اللّه يُبشرك بيحيى)).
قال أبو جعفر : فإن قال قائل : وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل :
((فنادته الملائكة))، و ((الملائكة)) جمع لا واحد؟
قيل : ذلك جائز فى كلام العرب ، بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع ،
كما يقال فى الكلام: ((خرج فلان على بغال البُرُد))، وإنما ركب بغلاً واحداً =
((وركب السفن))، وإنما ركب سفينةً واحدة. وكما يقال: ((ممن سمعتَ هذا
الخبر))؟ فيقال: ((من الناس))، وإنما سمعه من رجل واحد. وقد قيل إنّ منه
قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣]،
والقائلُ كانَ = فيما كان ذُكر - واحداً =(٢) وقوله: ﴿وَ إِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾.
(١) فى المخطوطة: ((فناداه الملائكة)).
( ٢) انظر ما سلف ١: ٢٩٢، ٢٩٣ / ٤: ١٩١.

٣٦٥
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
[ سورة الروم: ٣٣]، والناس بمعنى واحد. وذلك جائز عندهم فيما لم يقصد فيه
قصد واحد . (١)
قال أبو جعفر : وإنما الصواب من القول عندى فى قراءة ذلك، أنهما قراءتان
معروفتان=أعنى ((التاء) و((الياء)) = فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وذلك أنه لا اختلاف
فى معنى ذلك باختلاف القراءتين، وهما جميعاً فصيحتان عند العرب. وذلك أنّ
((الملائكة)) إن كان مراداً بها جبريل، كما روى عن عبد اللّه، فإن التأنيث فى
فعلها فصيحٌ فى كلام العرب للفظها ، إن تقدمها الفعل . وجائز فيه التذكير
لمعناها .
وإن كان مراداً بها جمع ((الملائكة))، فجائز فى فعلها التأنيث ، وهو قبلها،
للفظها. (٢) وذلك أن العرب إذا قدّمت على الكثير من الجماعة فعلها، أنثته،
فقالت: ((فالت النساء)). وجائز التذكير فى فعلها، بناءً على الواحد ، إذا تقدم
فعله، فيقال: ((قال الرجال )).
٠ ٠
وأما الصّواب من القول فى تأويله، فأنْ يقال : إن الله جل ثناؤه أخبر أنّ
الملائكة نادته . والظاهرُ من ذلك ، أنها جماعة من الملائكة دون الواحد ،
وجبريلُ واحد. ولا يجوز أن يحمل تأويل القرآن (٣) إلاّ على الأظهر الأكثر
من الكلام المستعمل فى ألسن العرب ، دون الأقل = ما وُجِد إلى ذلك سبيل. ١٧٠/٣
ولم تَضَّطرنا حاجةٌ إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب
المخرج بالخفىّ من الكلام والمعانى.
وبما قلنا فى ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم ، منهم : قتادة ، والربيع
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٢١٠.
(٢) فى المطبوعة: ((وهو من قبلها))، والصواب من المخطوطة.
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فلن يجوز ... ))، والأشبه بالصواب ما أثبت.

٣٦٦
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
ابن أنس، وعكرمة ، ومجاهد، وجماعة غيرهم. وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما
مَضى. (١)
٠ ٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَهُوَ قَابٌِ يُعَلّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ
◌ُبَشِّرُكَ بِتَخْتَى﴾
قال أبو جعفر: وتأويل قوله: ((وهو قائم: )) فنادته الملائكة فىحال قيامه
مصلِّياً. فقوله: ((وهو قائم ))، خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا .
وقوله: (( يُصَلى)) فى موضع نصب على الحال من ((القيام))، وهو رفع
بالياء .
٠
٥
وأما ((المحراب))، فقد بينا معناه، وأنه مقدّم المسجد. (٢)
٠
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((أنّ اللّهَ يبشرك)).
فقرأته عامة القرأة: ﴿أَنَّ اللهَ) بفتح ((الألف)) من ((أن))، بوقوع ((النداء))
عليها ، بمعنى : فنادته الملائكة بذلك .
وقرأه بعض قرأة أهل الكوفة: ﴿ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ) بكسر ((الألف))، بمعنى:
قالت الملائكة: إنّ الله يبشرك، لأن النداء قول". وذكروا أنها فى قراءة عبد الله:
﴿فَتَدَتْهُ المَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٍ يُصَلِى فِى الِحْرابِ يَازَ كَرِيًّا إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ)
قالوا: وإذا بطل الندا أن يكون عاملاً فى قوله: ((يا زكريا))، فباطلٌ أيضاً
(١) لم يمض من ذلك شىء فى خبر زكريا ومريم، وأنا أخشى أن يكون فى النسخ المخطوطة التى
بأيدينا اختصار فى هذا الموضع .
(٢) انظر ما سلف قريباً ص : ٣٥٧، ٣٥٨

٣٦٧
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
أن يكون عاملا فى ((إن)).
. .
والصواب من القراءة فى ذلك عندنا: (( أنّ اللّه يبشرك)) بفتح (( أن )) بوقوع
النداء عليه، بمعنى : فنادته الملائكة بذلك .
وليست العلة التى اعتلّ بها القارئون بكسر ((إن)) = منْ أنّ عبد اللّه كان
يقرؤها كذلك ، فقرأوها كذلك = [لهم بعلة](١). وذلك أن عبد اللّه إنْ كان قرأ
ذلك كذلك، فإنما قرأها، بزعمهم، وقد اعترض بنداء زكريا بين ((إن)) وبين
قوله: ((فنادته))، (٢) وإذا اعترض به بينهما، فإن العرب تعمل حينئذ النداء فى
((أنّ)) وتبطله عنها. أما الإبطال، فلأنه بطل عن العمل فى المنادى قبله، (٣)
فأسلكوا الذى بعده مسلكه فى بطول عمله. وأما الإعمال ، فلأن النداء فعل واقعٌ .
كسائر الأفعال . (٤)
وأما قراءتنا، (٥) فليس نداء زكريا؛ ((يا زكريا)) معترضاً به بين ((أن))
وبين قوله: ((فنادته)). وإذ لم يكن ذلك بينهما، فالكلامُ الفصيح من كلام
العرب إذا نصبتْ بقوْلِ: ((ناديت)) اسمَ المنادى وأوقعوه عليه، أن يوقعوه كذلك
على ((أنّ)) بعده. وإن كان جائزاً إبطالُ عمله. فقوله: ((نادته ))، قد وقع على
مكنىّ ((زكريا))، (٤) فكذلك الصواب أن يكون واقعاً على ((أن)) وعاملا فيها . (٦)
(١) فى المطبوعة: ((من أن عبد اللّه كان يقرؤها كذلك، وذلك أن عبد الله ... ))، حذف من
نص المخطوطة ما أثبته ((فقرأوها كذلك))، وبقيت الجملة بعد ذلك مختلة، قد سقط منها خبر ((وليست
العلة ... ))، فاستظهرت من سياق كلامه أنه قد سقط من الناسخ قوله: ((لهم بعلة)) فزدتها بين قوسين ،
والسياق ((وليست العلة ... لهم بعلة)).
(٢) فى المطبوعة: ((وقد اعترض بيا زكريا)) وفى المخطوطة: ((بهذا زكريا))، وصواب قراءتها ما
أثبت. وفى المخطوطة أيضاً ((فناداه))، مكان ((فنادته)).
(٣) فى المطبوعة: ((فإنه بطل عن العمل))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب.
(٤) الفعل الواقع: هو الفعل المتعدى، كما سلف ، فانظر فهرس المصطلحات فيما سلف ،
والوقوع هو التعدى .
(٥) فى المخطوطة: ((وأما قراءتها))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٦) انظر تفصيل ما أجمله الطبرى فى معانى القرآن الفراء ١: ٢١٠، ٢١١.

٣٦٨
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
مع أنّ ذلك هو القراءة المستفيضة فى قراءة أمصار الإسلام. ولا يُعترض
بالشاذّ على الجماعة التى تجىء مجىء الحجة .
. ..
وأما قوله: (( يبشرك))، فإن القرأة اختلفت فى قراءته .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والبصرة: ﴿أَنَّ اللّه يُبَشِّرُكَ) بتشديد
((الشين)) وضم ((الياء))، على وجه تبشير اللّه زكريا بالولد، من قول الناس:
((بشّرَتْ فلاناً البُشراء بكذا وكذا))، أى: أتته بشارات البُشراء بذلك.(١)
٠ ٥
وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة وغيرهم: ﴿ أَنَّ اللهَ يَبْشُرُكَ)، بفتح ((الياء))
وضم ((الشين)) وتخفيفها، بمعنى: أن الله يَسرّك بولد يَهَبُّه لك، من قول الشاعر: (٢)
بَشَرْتُ عِيَلِ إِذْ رَأَيْتُ صَحِيفَةً أَتَنْكَ مِنَ الحَجَّاجُ يُتْلَى كِتَابُهاَ (٣)
١٧١/٣
وقد قيل: إن (( بشَرَت)) لغة أهل تهامة من كنانة وغيرهم من قريش، وأنهم
يقولون ((بشَرَتُ فلاناً بكذا، فأنا أبشُرُه بَشْراً))، و((هل أنتَ باشرٌ بكذا))؟
وينشد لهم البيت فى ذلك : (٤)
بِقَاعٍ مُمْحِلٍ (٥)
غُبْرًا أَكُفُّهـ
وَإِذَا رَأَيْتَ البَهِشِينَ إلَى الُلَى
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((البشرى)) مكان ((البشراء)) فى الموضعين، والصواب ما أثبت،
وظاهر أن الناسخ رآها ((البشرا))، بغير همزة كالكتابة القديمة، ففلها ((البشرى)) فكتبها كذلك.
(٢) لم أعرف قائله .
(٣) معانى القرآن للفراء، وقال: ((أنشدنى بعض العرب)).
(٤) هو عبد قيس بن خفاف البرجمى.
(٥) الأصمعيات رقم: ٨٧، والمفضليات رقم: ١١٦، ولسان العرب (کرب) (بشر)
(يسر)، ومعانى القرآن للفراء ١: ٢١٢، وغيرها من المراجع. وهى نصيحته إلى ولده جبيل، وهى من
حكيم الشعر .

٣٦٩
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
فَأَعِنْهُمُ، وَأَبْشَرْ بِمَا بَشِرُوا بِهِ،
وَ إِذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ (١)
فإذا صاروا إلى الأمر، فالكلام الصحيح من كلامهم بلا ألف فيقال:
((ابشَرْ فلاناً بكذا))، ولا يكادون يقولون: ((بشِّره بكذا ولا أبشره)). (٢)
٠ ٠٠
وقد روى عن حميد بن قيس أنه كان يقرأ: ﴿ يُبْشِرُكَ)، بضم (( الياء)) وكسر
((الشين)) وتخفيفها. وقد : -
٦٩٤٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن أبى
حماد، عن معاذ الكوفىّ قال: من قرأ: (يُبَشِّرُهُمْ) مثقلة، فإنه من البشارة، ومن
قرأ: (يَبْشُرُهُمْ)، مخففة، بنصب ((الياء))، فإنه من السرور، يسرِّهم.
٠
قال أبو جعفر: والقراءة التى هى القراءة عندنا فى ذلك، ضم ((الياء)) وتشديد
((الشين))، بمعنى التبشير. لأن ذلك هى اللغة السائرةُ والكلامُ المستفيض المعروف
فى الناس ، مع أن جميع قرأة الأمصار مجمعون فى قراءة: ﴿ فَمَ تُبَشِّرُونِ﴾
[سورة الحجر: ٥٤]، على التشديد. والصواب فى سائر ما فى القرآن من نظائره ،
أن يكون مثله فى التشديد وضم ((الياء)).
بهش إلى الشىء: فرح به فأسرع إليه، وروايتهم ((إلى الندى))، وهو الكرم. والقاع: أرض
سهلة مستوية تنفرج عنها الجبال والآكام ، ولا حصى فيها ولا حجارة ولا تنبت الشجر. والممحل: المجدب .
يقول : إذا رأيت الكرام الأسخياء ، قد أجهدتهم السنة والقحط والجدب حتى اغبرت أيديهم من قلة ما
يجدون ، وكثرة ما بذلوا فى معونة الناس ... فأعنهم .
(١) ((وابشر)) هى من ((بشر)) على وزن (فرح) ((يبشر)) (بفتح الشين) يقال: ((أتانى أمر
بشرت به)) أى سررت به . يقول: شاركهم فى ارتياحهم وفرحهم بالسخاء مع ما يلقون من جهد السنة .
والضنك : الضيق . يقول : كن مع الكرام حيث كانوا ، وانزل معهم كل منزل أنزلهموه كرمهم ، من
ضنك وحاجة .
(٢) انظر تفسير: ((بشرى)) و((بشر)) فيما سلف ١: ٢/٣٨٣: ٣٩٣/ ٣: ٢٢١/
٦ :٠٢٨٧
ج ٦ (٢٤)

٣٧٠
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
وأما ما روى عن معاذ الكوفى من الفرق بين معنى التخفيف والتشديد فى
ذلك، فلم نجدْ أهل العلم بكلام العرب يعرفونه من وجه صحيح ، فلا معنى لما حُكى
من ذلك عنه ، وقد قال جرير بن عطية :
هَلَّ غَضِبْتَ لَنَا؟ وَأَنْتَ أَمِيرُ!(١)
ياً بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ
فقد علم أنه أراد بقوله: ((التبشير))، الجمال والنضارة والسرور، فقال
((التبشير)) ولم يقل ((البشر))، فقد بيَّن ذلك أن معنى التخفيف والتثقيل فى ذلك
واحدٌ .
*
٦٩٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة قوله: ((إن الله يبشرك بيحيى))، قال: بشرته الملائكة بذلك.
#
٠ ٠
وأما قوله: ((بيحيى))، فإنه اسم، أصله ((يفعل))، من قول القائل: ((حی
فلانٌ فهو يحيى))، وذلك إذا عاش. ((فيحيى)) ((يفعل)) من قولهم ((حي)).
وقيل : إن الله جل ثناؤه سماه بذلك، لأنه يتأوّل اسمه: أحياه بالإيمان .
* ذكر من قال ذلك :
٦٩٤٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((أنّ الله يبشرُك بيحيى))، يقول: عبدٌ أحياه اللّه بالإيمان.
٦٩٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
(١) ديوانه: ٣٠١، وطبقات فحول الشعراء: ٣٧٨، وغيرهما. من قصيدته التى قالها لبشر بن
مروان ، وكان قدم معه العراق ، سراقة البارق ، وكان بشر يغرى بين الشعراء ، فحمل سراقة على جرير
حتى هجاه . فترك جرير بشراً ، بل مدحه ، وأخذ بمجامع سراقة يخنقه حتى فضحه . وعاتب بشراً عتاب
من يظهر الجهل بأمر بشر ، وهو يعلمه . وهذا البيت دال على ذلك .
كان فى المطبوعة: (( حق لبشرك التبشير))، وهو من سهو الناشر، كما سلف من سهوه، والصواب
فى المخطوطة وسائر المراجع .

٣٧١
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
جعفر، عن أبيه، عن قتادة قوله: ((إنّ اللّه يبشرك بيحيى))، قال: إنما سمى
يحيى ، لأن اللّه أحياه بالإيمان.
٥
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: (١) أن اللّه يبشرك يا زكريا بيحيى ابناً
لك، = ((مصدّقاً بكلمة من اللّه))، يعنى : بعيسى بن مريم.
...
ونصب قوله: ((مصدقاً)) على القطع من ((يحيى))، (٢) لأنّ((مصدقاً ))نعتٌ له،
وهو نكرة، و ((يحيى )) غير نكرة .
١٧٢/٣
#
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
٦٩٥١ - حدثنى عبد الرحمن بن الأسود الطفاوى قال، حدثنا محمد بن
ربيعة قال ، حدثنا النضر بن عربىّ، عن مجاهد قال : قالت امرأة زكريا لمريم :
إنى أجد الذى فى بطنى يتحرّك للذى فى بطنك ! قال : فوضعت امرأةُ زكريا
يحيى، ومريمُ عيسى، ولذا قال: ((مصدِّقاً بكلمة من اللّه))، قال: يحيى)
مصدّق بعيسى .
٦٩٥٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن الرقاشى فى قول الله: ((يبشرك بيحبى مصدقاً
بكلمة من اللّه))، قال : مصدقاً بعيسى بن مريم .
(١) فى المطبوعة: ((يعنى بقوله جل ثناؤه))، والصواب من المخطوطة.
(٢) القطع: الحال، كما سلف مراراً، آخرها ص: ٣٢٧ تعليق ٢، والمراجع هناك .

٣٧٢
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
٦٩٥٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٦٩٥٤ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا سليمان قال ، حدثنا أبو هلال قال ،
حدثنا قتادة فى قوله: (( مصدقاً بكلمة من اللّه))، قال : مصدقاً بعيسى .
٦٩٥٥ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((مصدقاً بكلمة من اللّه))، يقول: مصدقاً بعيسى بن مريم، وعلىُسُنَّته ومنهاجه. (١)
٦٩٥٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((مصدقاً بكلمة من اللّه))، يعنى : عيسى بن
مريم .
٦٩٥٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه، عن قتادة: ((مصدقاً بكلمة من اللّه))، يقول : مصدقاً بعيسى
ابن مريم ، يقول على سننه ومنهاجه .
٦٩٥٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع: ((مصدقاً بكلمة من اللّه))، قال: كان أوّلّ رجل
صدَّق عيسى ، وهو كلمة من الله ورُوحٌ .
٦٩٥٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن
السدى: (( مصدقاً بكلمة من اللّه))، يصدق بعيسى.
٦٩٦٠ - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد بن
سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إنّ اللّه يبشرك بيحي مصدقاً
بكلمة من اللّه))، كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهدَ أنه كلمة من اللّه،
وكان يحيى ابن خالة عيسى ، وكان أكبر من عيسى .
(١) فى المطبوعة: ((مصدق ... وعلى سننه))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٣٧٣
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
٦٩٦١ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن إسرائيل، عن سماك، عن
عكرمة عن ابن عباس قوله: ((مصدقاً بكلمة من اللّه))، قال : عيسى بن مريم ،
هو الكلمة من اللّه ، اسمُه المسيح .
٦٩٦٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، أخبرنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله: ((مصدقاً بكلمة من اللّه))، قال :
كان عيسى ويحيى ابنَىْ خالة ، وكانت أم يحيى تقول لمريم : إنى أجد الذى فى
بطنى يسجدُ للذى فى بطنك ! فذلك تصديقه بعيسى : ◌ُسجوده فى بطن أمه .
وهو أول من صدق بعيسى وكلمة عيسى ، ويحيى أكبر من عيسى . (١)
٦٩٦٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس: (( أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة
من الله))، قال : الكلمة التى صدق بها : عيسى .
٦٩٦٤ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال: لقيت أمّ يحي أمّ عيسى، وهذه حامل بيحيى ، وهذه حامل
بعيسى ، فقالت امرأة زكريا : يا مريم ، استشعرتُ أنَّى حبلى! قالت مريم :
استشعرت أنى أيضاً حبلى ! قالت امرأة زكريا : فإنى وجدتُ ما فى بطنى يسجُد
لما فى بطنك! فذلك قوله: ((مصدّقاً بكلمة من اللّه)).
١٧٣/٣
٦٩٦٥ - حدثنى محمد بن سنان قال ، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ،
عن الحسن فى قول الله: ((أنّ اللّه يبشرك بيحي مصدقاً بكلمة من اللّه))، قال:
مصدّقاً بعيسى بن مريم .
قال أبو جعفر : وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة ، (٢)
(١) السجود هنا: الخضوع والتطامن والخشوع، لا سجود الصلاة والعبادة. وإنما سجود الصلاة
مجاز من هذا الأصل، وانظر تفسير ذلك فيما سلف ٢ : ١٠٤، ١٠٥.
(٢) هو أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتابه مجاز القرآن ١ : ٩١.

٣٧٤
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
أنّ معنى قوله: ((مصدقاً بكلمة من اللّه))، بكتاب من اللّه، من قول العرب:
((أنشدنى فلانٌ كلمة كذا))، يراد به: قصيدة كذا = جهلاً منه بتأويل
((الكلمة))، واجتراءٌ على ترجمة القرآن برأيه.(١)
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَسَيِّدًا﴾
r
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وسيداً))، وشريفاً فى العلم والعبادة.
ونصب ((السيد)) عطفاً على قوله: ((مصدقاً)).
...
وتأويل الكلام: أن اللّه يبشرك بيحيى مصدقاً بهذا، وسيداً .
. . .
((والسيد))(الفيعل)) من قول القائل: ((ساد" يسود))، (٢) كما : -
٠
٦٩٦٦ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة:
(وسيداً)) إى واللّه، لسيدٌ فى العبادة والحلم والعلم والوَرَّع.
٦٩٦٧ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا مسلم قال، حدثنا أبو هلال قال ،
حدثنا قتادة فى قوله: (( وسيداً))، قال: السيدُ، لا أعلمه إلاّ قال : فى العلم
والعبادة .
(١) ترجمة القرآن تفسيره وبيانه، وانظر ما سلف ١: ٧٠، تعليق: ١.، وانظر فهرس
المصطلحات . وإذا كان أبو جعفر يعد هذا اجتراء على تفسير كتاب الله ، فليت شعرى ماذا يقول فى
الذين نصبوا أنفسهم ، من أهل زماننا ، للتهجم على كتاب الله ، بما لا تعد فيه مقالة أبى عبيدة ، إلا
تسبيحاً واستغفاراً واجتهاداً فى العبادة ! !
(٢) انظر ما سلف ٣ : ٣١٩.

٣٧٥
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
٦٩٦٨ - حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
قتادة قال : السيد الحليمُ.
٦٩٦٩ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن شريك ، عن سالم
الأفطس، عن سعيد بن جبير، ((وسيداً))، قال : الحليم .
٦٩٧٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن
سالم، عن سعيد بن جبير: (( وسيداً))، قال: السيد التقىّ.
٦٩٧١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول اللّه عز وجل: ((وسيداً))، قال: السيد
الكريم على الله .
٦٩٧٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل قال :
زعم الرّقاشى أنّ السيد، الكريم على اللّه .
٦٩٧٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ،
عن جويبر ، عن الضحاك فى قول الله عز وجل: ((وسيداً))، قال: السيد الحليم
التّقى .
٦٩٧٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد بن
ابن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((وسيداً))، قال يقول: تقيّا
حلما .
٦٩٧٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى،
عن سفيان فى قوله: ((وسيداً))، قال: حلما تقيًا.
٦٩٧٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد فى قوله :
((وسيداً))، قال : السيد الشريف .
٦٩٧٧ - حدثنى سعيد بن عمرو السكونى قال، حدثنا بقية بن الوليد ،

٣٧٦
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
عن عبد الملك ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب فى قول الله عز وجل :
(((وسيداً))، قال: السيد الفقيه العالم.
٦٩٧٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال: حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((وسيداً))، قال ، يقول: حلما تقيًّا .
٦٩٧٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنی حجاج ، عن أبى
بكر، عن عكرمة: ((وسيداً))، قال: السيد الذى لا يغلبُه الغضب.
١٧٤/٣
٣٩
القول فى تأويل قوله ﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ)
قال أبو جعفر ، يعنى بذلك : ممتنعاً من جماع النساء ، من قول القائل :
(("حَصِرْتُ من كذا أحْصَّر))، إذا امتنع منه. ومنه قولهم: ((حَصِيرَ فلان فى
قراءته))، إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها. وكذلك (("حَصْرُ العدوّ))،
حَبْسهم الناس" ومنعهم إياهم التصرف . ولذلك قيل الذى لا يُخرج مع ندمائه
شيئاً، (("حَصُور))، كما قال الأخطل:
وَشَارِبٍ مُرْ بِحٍ بِالكَأْسِ نَدَمَنِ لاَ بِالْحُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَوَّارٍ (١)
ويروى: ((بسآر)). ويقال أيضاً للذى لا يخرج سره ويكتمه ((حصور))،
(١) ديوانه: ١١٦، ومجاز القرآن ١: ٩٢، وطبقات فحول الشعراء: ٤٣٢، واللسان (حصر)
(سأر) (سور)، من قصيدته التى قالها ليزيد بن معاوية، لما منعه حين هجا الأنصار فى قصة
مشهورة. وفى المخطوطة ((مرجح بالكأس))، وهو خطأ. والمربح: المعطى الربح التاجر ، يريد أنه
يغالى بثمن الخمر لا يبالى بما يبذل فيها . والسوار: الذى تسور الخمر فى دماغه، فيعربد على إخوانه
وندمائه عربدة رديئة، والخمر عندهم تشف عن غرائز شاربيها. وأما رواية ((سآر)) التى سيذكرها، فهى من
الزر : وهو بقية الخمر فى القدح. يريد أنه عرضة شراب ، لا يكف عن الخبر ، ولا يدع فى كأسه
سؤزاً من قلة صبره ، أو سو أحماله لشدتها.

٣٧٧
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
لأنه يمنع سره أن یظھر ، کما قال جرير :
وَلَقَدْ تَسَاقَطَنِ الوُشَةُ، فَصَادَفُوا حَصِيرًا بِسِرِّكِ يَا أَمَيْمَ ضَفِينَا(١)
وأصل جميع ذلك واحد ، وهو المنع والحبس .
٠٠٠
وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٦٩٨٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن خلف قال ، حدثنا حماد بن
شعيب، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله فى قوله: ((وسيداً وحصوراً))،
قال : الحصور، الذى لا يأتى النساء .
٦٩٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن يحيى
ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال : حدثنى ابن العاص: أنه سمع رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم يقول: كل بنى آدم يأتى يوم القيامة وله ذنْبٌ ، إلا ما كان
من يحيى بن زكريا. قال: ثم دلَّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يده إلى الأرض،
فأخذ عُوَيْداً صغيراً ثم قال: وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود ،
وبذلك سماه الله ((سيداً وحصُوراً)). (٢)
(١) ديوانه: ٥٧٨، ومجاز القرآن ١: ٩٢ واللسان (حصر) (سقط)، ورواية هذه الكتب
وفى المطبوعة: (( تَسَقْطَنى)) غيروا ما فى المخطوطة، كما أثبته. وتسقطه واستسقطه: تتبع عثرته وسقطته أن
يفرط منه ما يؤخذ عليه . من السقط ( بفتحتين) وهو الخطأ فى القول، أو من السقطة (بفتح فسكون) وهى
العثرة والزلة. وأما ما جاء فى المخطوطة: ((تساقطى))، فإنى أستجيدها. جيد أن يقال ((ساقطه)) بمعنى
((تسقطه واستسقطه))، وكأن (( السقاط)) بمعنى العثرة والزلة، مصدر ((ساقطه » ، وقد قال سويد بن أبى
كاهل :
كَيْفَ يَرْجُونَ سِقَطِى، بَعْدَ مَا جَلَّلَ الرأسَ مشيبٌ وصَلَعْ
كأنه يجاذبه القول، حتى يسقط ويزل، وهو نفس المعنى فى (( تسقطه واستسقطه)»، وإذا جاز فى
صريح العربية، فلا معنى لاطراحه. وفى المخطوطة، أسقط الناسخ ((أمير)» من البيت وترك مكانها بياضاً،
وضع فيه نقطة حمراء .
(٢) الأثر: ٦٩٨١ - أنظر التعليق على الأثر: ٦٩٨٣.

٣٧٨
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
٦٩٨٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا أنس بن عياض ، عن يحيى بن سعيد
قال ، سمعت سعيد بن المسيب يقول: ليس أحدٌ إلا يلقى الله يوم القيامة ذا ذَنْب
إلا يحيى بن زكريا ، كان حصوراً ، معه مثل الهُدْبة .
٦٩٨٣ - حدثنا أحمد بن الوليد القرشى قال ، حدثنا عمر بن جعفر قال ،
حدثنا شعبة ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال : قال ابن العاص
- إما عبد الله، وإما أبوه -: ما أحد يلقى الله إلا وهو ذو ذنب، إلا يحيى بن
زكريا. قال وقال سعيد بن المسيب: ((وسيداً وحصوراً))، قال: الحصور، الذى
لا يغشى النساء، ولم يكن ما معه إلاّ مثل ◌ُهُدْبة الثوب. (١)
٦٩٨٤ - حدثنى سعيد بن عمرو السكونى قال، حدثنا بقية بن الوليد ، عن
عبد الملك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب فى قوله: ((وحصوراً))
قال : الحصور الذى لا يشتهى النساء. ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة
فقال : ما كان معه إلاّ مثل هذه .
٦٩٨٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ،
عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير قال: الصور، الذى لا يأتى النساء.
٦٩٨٦ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن عطاء ، عن سعيد مثله .
٦٩٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء،
عن سعيد مثله .
٦٩٨٨ - حدثنى عبد الرحمن بن الأسود قال، حدثنا محمد بن ربيعة قال ،
(١) الحديث: ٦٩٨٣ - رواه الطبرى قبل ذلك: ٦٩٨١، عن سعيد بن المسيب: ((حدثنى
ابن العاص ... )) - فذكره مطولا مرفوعاً. ثم رواه هنا عن ابن المسيب، عن ابن العاص - مع الشك
فى أنه ((عبد الله بن عمرو)) أو ((أبود)) - موقوفاً. وقد ذكره ابن كثير ٢: ١٣٥، من رواية ابن أبى حاتم
- بهذا الشك - ولكنه مرفوع. ثم ذكره ص ١٣٥ - ١٣٦، من رواية ابن أبى حاتم أيضاً ((عن
عبد الله بن عمرو بن العاص)) - موقوفاً. ووصف المرفوع بأنه ((غريب جداً)). ثم قال بعد الموقوف:
((فهذا موقوف أصح إسناداً من المرفوع)). وكذلك ذكر السيوطى ٢ : ٢٢ المرفوع والموقوف، وقال:
(( وهو أقوى إسناداً من المرفوع)).

٣٧٩
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
حدثنا النضر بن عربى، عن مجاهد: ((وحصوراً))، قال: الذى لا يأتى ١٧٥/٣
النساء .
٦٩٨٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : الحصور لا يقرَبُ النساء .
٦٩٩٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل قال :
زعم الرقاشى: ((الحصور)» الذى لا يقرب النساء.
٦٩٩١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ،
عن جويبر، عن الضحاك: ((الحصور))، الذى لا يولد له ، وليس له ماء .
٦٩٩٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((وحصوراً))، قال: هو
الذی لا ماء له .
٦٩٩٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا سويد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(((وحصوراً))، كنا نُحدّث أن الحصور الذى لا يقرب النساء.
٦٩٩٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال ،
حدثنا قتادة فى قوله: ((وسيداً وحصوراً)) ، قال : الحصور الذى لا يأتى النساء.
٦٩٩٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن قتادة مثله .
٦٩٩٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة مثله .
٦٩٩٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن قابوس ، عن أبيه،
عن ابن عباس قال : الحصور الذى لا ينزل الماء .
٦٩٩٨ -حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد: ((وحصوراً ))،
قال : الحصور الذى لا يأتى النساء .

٣٨٠
تفسير سورة آل عمران : ٣٩
٦٩٩٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((وحصوراً))، قال: الحصور، الذى لا يريد النساء.
٧٠٠٠ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى، عن عباد ،
عن الحسن: ((وحصوراً))، قال : لا يقرب النساء.
٠٠٠
وأمّا قوله: (( ونبيًّا من الصالحين)) فإنه يعنى: رسولاً لربه إلى قومه ، ينبئهم
عنه بأمره ونهيه ، وحلاله وحرامه ، ويبلغهم عنه ما أرسله به إليهم .
٠ ٠٠
ويعنى بقوله: ((من الصّالحين))، من أنبيائه الصالحين. (١)
٠
٠
وقد دللنا فيما مضى على معنى ((النبوّة)) وما أصلها، بشواهد ذلك والأدلة
الدالة على الصحيح من القول فيه، بما أغنى عن إعادته . (٢)
٠
(١) انظر تفسير ((الصالح)) فيما سلف ٣ : ٩١.
(٢) انظر تفسير ((النبى)) فيما سلف ٢ : ١٤٠ - ١٤٢.
هذا ، وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذى نقلت عنه نسختنا ، وكتب هنا ما نصه :
(( يتلُوهُ، إِن شاء الله ، القولُ فى تأويل قوله :
( قال ربّ أتى يكون لى غلامٌ وقد بلغنى الكِبر
وامرأتى عاقر ﴾.
والحمد لله وحده على إحسانه ، وصلى الله على
محمد وآله وصحبه وسلِّ»
ثم يتلوه ما نصه :
(بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ يسر
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى))