النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
تفسير سورة آل عمران : ٣٠
عباد بن منصور، عن الحسن فى قوله: (( وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه
أمداً بعيداً))، قال: يسر أحدَ هم أن لا يلقى عمله ذاكَ أبداً، يكونُ ذلك مناه .
وأما فى الدنيا فقد كانت خطيئةً يستلذّ ها. (١)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَيُحَذّرُ كُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ
بالْعِبَادِ) ®
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه : ويحذركم الله نفسه: أن تُسخيطوها عليكم
بركوبكم ما يسخطه عليكم ، فتوافونه يوم تجد كلُّ نفس ما عملت من خير
محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ، وهو علىكم ساخط ،
فينالكم من أليم عقابه ما لا قيبّل لكم به .
ثم أخبر عز وجل أنه رؤوف بعباده رحيمٌ بهم، وأنّ من رأفته بهم: (٢)
تحذيرُه إياهم نفسه ، وتخويفهم عقوبته ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معاصيه ،
كما : -
٦٨٤٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، أخبرنا عبد الرزاق ، عن ابن
عيينة ، عن عمرو، عن الحسن فى قوله: (( ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد))،
قال: من رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه. (٣)
٠ ٥
(١) فى المطبوعة: ((خطيئته))، وفى المخطوطة: ((حطيته)) هكذا نقطت، ورأيت الصواب
أن أقرأها كما أثبتها .
(٢) فى المطبوعة: ((ومن رأفته بهم))، وفى المخطوطة: ((وأرض رأفته بهم))، وصواب قراءتها
ما أثبت .
(٣) الأثر: ٦٨٤٤ - ((والحسن))، هو الحسن البصرى بلا ريب، فقد نسب هذا الأثر إليه
ج ٦ (٢١)

٣٢٢
تفسير سورة آل عمران : ٣١
القول فى تأويل قوله ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَأَتَّسُوْنِى
يُحْتِكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذَنُوَبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (٦)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى السبب الذى أنزلت هذه الآية فيه .
فقال بعضهم : أنزلت فى قوم قالوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنا
نحب ربنا))، فأمر الله جل وعز نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم:
إن كنتم صادقين فيما تقولون ، فاتبعونى ، فإن ذلك علامة صِدْقكم فيما قلم
من ذلك .
• ذكر من قال ذلك :
٦٨٤٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن
عبد الله، عن بكر بن الأسود قال ، سمعت الحسن يقول : قال قومٌ على عهد
النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إنا نحبّ ربنا! فأنزل الله عز وجل: ((قُل
إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم))، فجعل اتباع نبيه
محمد صلى اللّه عليه وسلم عَلَماً لحبه، وعذابٍ من خالفه .
٦٨٤٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا على بن الهيثم قال ، حدثنا عبد الوهاب ،
عن أبى عبيدة قال: سمعت الحسن يقول: قال أقوامٌ على عهد رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم: يا محمد، إنا لنحب ربنا! فأنزل الله جل وعز بذلك قرآناً: ((قل
إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم))، فجعل الله اتباع
نبيه محمد صلى الله عليه وسلم علماً لحبه، وعذاب من خالفه.(١)
ابن كثير فى تفسيره ٢ : ١٢٥، والسيوطى فى الدر المنثور ٢: ١٧، وكان فى المطبوعة والمخطوطة:
((عمرو بن الحسن))، فظهر أنه خطأ لا شك فيه. أما ((عمرو))، فلم أستطع أن أقطع من يكون ،
قمن روی عن الحسن ، ممن اسمه (( عمرو )) كثير .
(١) الأثران: ٦٨٤٥، ٦٨٤٦، سيذكر الطبرى ضعفهما عنده بعد قليل.

٣٢٣
تفسير سورة آل عمران : ٣١
٦٨٤٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريح قوله: (( إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله))، قال : كان قوم
يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: "إنا نحب ربنا! فأمرهم الله أن يتبعوا محمداً
صلى الله عليه وسلم ، وجعل اتباع محمد علماً لحبه .
٦٨٤٨ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى قال ، حدثنا
عباد بن منصور، عن الحسن فى قوله: ((إن كنتم تحبون اللّه)) الآية ، قال: إن
أقواماً كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعمون أنهم يحبون اللّه، فأراد
الله أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فقال: ((إن كنتم تحبون اللّه)) الآية ، كان
اتباعُ محمد صلى اللّه عليه وسلم تصديقاً لقولهم. (١)
وقال آخرون: بل هذا أمرٌ من اللّه نبيّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم أن يقول
لوفد نجران الذين قدموا عليه من النصارى : إن کان الذى تقولونه فی عیسی من
عظيم القول ، إنما تقولونه تعظيماً للّه وحبًا له، فاتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم .
• ذكر من قال ذلك :
٦٨٤٩ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق ، عن
محمد بن جعفر بن الزبير: ((قل إن كنتم تحبون الله))، أى: إن كان ١٥٦/٣
هذا من قولكم - يعنى: فى عيسى - (٢) حبًّاً لله وتعظيماً له =، ((فاتبعونى
يحبيكم اللّه ويغفر لكم ذنوبكم))، أى: ما مضى من كفركم = ((والله غفور
رحيم)). (٣)
٥
#
(١) فى المخطوطة: ((تصديق لقولهم))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) ما بين الخطين زيادة تفسير من أبى جعفر. وفى سيرة ابن هشام: ((إن كان هذا من قولكم
حقاً، حباً لله ... )) بزيادة ((حقاً))، وأخشى أن يكون ناسخ الطبرى قد أسقطها.
(٣) الأثر: ٦٨٤٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٨، وهو بقية الآثار التى آخرها رقم: ٦٨٢٤.

٣٢٤
تفسير سورة آل عمران : ٣١
قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية ، قولُ محمد بن جعفر بن الزبير .
لأنه لم يجر لغير وفد نجرانَ فى هذه السورة ولا قبل هذه الآية، ذكرُ قوم ادَّعوا
أنهم يحبُّون اللّه، ولا أنهم يعظمونه، فيكون قوله: ((إن كنتم تحبون الله فاتبعونى))
جواباً لقولهم ، على ما قاله الحسن .
وأممّا ما روى الحسن فى ذلك مما قد ذكرناه ، فلا خبر به عندنا يصحّ ،
فيجوز أن يقال إنّ ذلك كذلك ، وإن لم يكن فى السورة دلالة على أنه كما قال .
إلاّ أن يكون الحسن أرادَ بالقوم الذين ذكر أنهم قالوا ذلك على عهد رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم ، وفدَ نجران من النصارى ، فيكون ذلك من قوله نظير
اختیارنا فيه .(١)
فإذْ لم يكن بذلك خبر على ما قلنا، ولا فى الآية دليلٌ على ما وصفنا، فأولى
الأمور بنا أن نُلحق تأويله بالذى عليه الدّلالة من آى السورة ، وذلك هو
ما وصفنا . لأن ما قبل هذه الآية من مبتدأ هذه السورة وما بعدها، خبرٌ عنهم،
واحتجاجٌ من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودليل على بطول قولهم فى المسيح.
فالواجب أن تكون هى أيضاً مصروفةَ المعنى إلى نحو ما قبلها ومعنى ما بعدها .
قال أبو جعفر : فإذْ كان الأمر على ما وصفنا ، فتأويلُ الآية : قل ،
يا محمد، للوفد من نصارى نجران: إن كنتم كما تزعمون أنكم تحبون الله، (٢)
وأنكم تعظمون المسيح وتقولون فيه ما تقولون، حبًّا منكم ربّكم = فحققوا قولكم الذى
تقولونه ، إن كنتم صادقين، باتباعكم إياى، فإنكم تعلمون أنى اللّه رسولٌ إليكم،
كما كان عيسى رسولاً إلى من أرسل إليه، فإنه = إن اتبعتمونى وصد قتمونی علی
(١) فى المطبوعة: ((نظير أخبارنا))، وفى المخطوطة: ((نظير أحسار ىاللّه)) غير منقوطة. وظاهر
أن المطبوعة حذفت ما كان رسمه ((لله))، وظاهر أن قراءتنا لنصها هو الصواب إن شاء الله.
(٢) فى المطبوعة: ((إن كنتم تزعمون ... )) بحذف ((كما))، فأثبتها من المخطوطة.

٣٢٥
تفسير سورة آل عمران : ٣٢،٣١
ما أتيتكم به من عند الله = يغفرُ لكم ذنوبكم ، فيصفح لكم عن العقوبة عليها ،
ويعفو لكم عما مضى منها ، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين ، رحيمّ بهم وبغيرهم
من خلقه .
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُ اَلْكُّفِرِينَ)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: قل ، يا محمد ، لهؤلاء الوفد من
نصارى نجران: أطيعوا الله والرسول محمداً، فإنكم قد علمتم يقيناً أنه رسولى إلى
خلقی ، ابتعدتُه بالحق، تجدونه مکتوباً عند کم فى الإنجيل؛ فإن تولّوا فاستدبروا
عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه، فأعلمهم أن الله لا يحبُّ من كفر
فجحد ما عرف من الحق ، وأنكره بعد علمه، (١) وأنهم منهم، (٢) بجحودهم
نبوتك ، وإنكارهم الحقّ الذى أنت عليه، بعد علمهم بصحة أمرك، وحقيقة
نبوتك ، كما : -
٦٨٥٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير: ((قل أطيعوا الله والرسول))، فأنتم تعرفونه - يعنى الوفد من
نصارى نجران - وتجدونه فى كتابكم = ((فإن تولوا)) على كفرهم = ((فإن الله لا يحبّ
الكافرين)) . (٣)
٠ ٥
٥
(١) فى المطبوعة: ((من كفر بحجد ما عرف ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) قوله: ((وأنهم منهم))، معطوف على قوله: ((فأعلمهم أن الله لا يحب من كفر ... ))،
((وأنهم منهم))، أى من هؤلاء الذين لا يحبهم الله ، بجحودهم نبوتك.
(٣) الأثر: ٦٨٥٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٨، وهو من بقية الآثار التى آخرها رقم :
٠٦٨٤٩

٣٢٦
تفسير سورة آل عمران : ٣٣
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَىَ ادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ
إِبْرَاهِيمَ وَءَلَ عِمْرُنَ عَلَى الْعُلَمِينَ) )
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : إن اللّه اجتبى آدمَ ونوحاً واختارهما
لدينهما = وآل إبراهيم وآل عمران لدينهم الذى كانوا عليه، لأنهم كانوا أهل الإسلام.
فأخبرَ اللّه عز وجل أنه اختار دين مَنْ ذكرنا على سائر الأديان التى خالفته. (١)
وإنما عنىبـ ((آل إبراهيم وآل عمران))، المؤمنين .
...
وقد دللنا على أن ((آل الرجل))، أتباعه وقومه، ومن هو على دينه. (٢)
٠ ٠
وبالذى قلنا فى ذلك روى القول عن ابن عباس أنه كان يقوله .
٦٨٥١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية،
عن على ، عن ابن عباس قوله: ((إن الله اصطفى آدمَ ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران
على العالمين))، قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد، يقول
اللّه عز وجل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتْبَعُوهُ﴾ [سورة آل عمران: ٦٨]،
وهم المؤمنون.
٦٨٥٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: ((إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآلَ عمران على العالمين))، رجلان
نبيَّان اصطفاهما الله على العالمين .
٦٨٥٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((إنّ الله اصطفى آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيم وآلَ عمران على
العالمين))، قال: ذكر اللّه أهلَ بيتين صالحين ، ورجلين صالحين، ففضلهم
١٥٧/٣
(١) انظر تفسير (اصطف)) فيما سلف ٣: ٩١، ٩٦ / ثم ٣١٣،٣١٢:٥
(٢) انظر ما سلف ٢: ٣٧ / ٣: ٢٢٢، تعليق: ١.

٣٢٧
تفسير سورة آل عمران : ٣٤
على العالمين ، فكان محمد من آل إبراهيم .
٦٨٥٤ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، قال ،
حدثنا عباد، عن الحسن فى قوله: ((إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم)» إلى
قوله: ((والله سميع عليم))، قال: فضلهم اللّه على العالمين بالنبوّة، على الناس
كلهم ، كانوا هم الأنبياء الأتقياءَ المصطفين لربهم.(١)
القول فى تأويل قوله ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهاَ مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِعٌ
عَلِيمْ)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك: إن الله اصطفى آلَ إبراهيم وآل عمران ((ذرية"
بعضها من بعض)).
#
فـ((الذرية)) منصوبة على القطع من ((آل إبراهيم وآل عمران))، لأن
((الذرية))، نكرة، ((وآل عمران)) معرفة. (٢)
ولو قيل نصبت على تكرير ((الاصطفاء))، لكان صواباً. لأن المعنى :
اصطفى ذرية بعضها من بعض . (٣)
وإنما جعل (( بعضهم من بعض)) فى الموالاة فى الدين، والمؤازرة على الإسلام
والحق، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾
[سورة التوبة: ٧١]، وقال فى موضع آخر: ﴿المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
[سورة التوبة: ٦٧]، يعنى: أنّ دينهم واحدٌ وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله :
(١) فى المطبوعة: ((المطيعين لربهم))، كما فى الدر المنثور ٢: ١٧، ١٨، ولكن المخطوطة
واضحة جداً، ومطابقة لقوله تعالى: ((إن الله اصطفى آدم ... )).
(٢) انظر ما سلف فى معنى ((القطع))، وهو الحال، قريباً ص: ٢٧٠، تليق: ٣.
(٣) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٢٠٧.

٣٢٨
تفسير سورة آل عمران : ٣٥،٣٤
((ذرية بعضها من بعض))، إنما معناه: ذرية دينُ بعضها دينُ بعض ، وكلمتهم
واحدةٌ ، وملتهم واحدة فى توحيد الله وطاعته ، كما : -
٦٨٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ذرية بعضها من بعض))، يقول: فى النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.
٠٠٠
وقوله: ((والله سميعٌ عليمٌ))، يعنى بذلك: واللّه ذُو سمع لقول امرأة عمران،
وذو علم بما تضمره فى نفسها، إذ نذّرت له ما فى بطنها مُحرِّراً.
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ إِذْ قَلَتِ أَمْرَأْتُ عِرَانَ رَبِّ إِّى
نَذَرْتُ لَّ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبْلْ مِنِّىَ إِنَّكَ أَنتَ السَِّيعُ الْعَلِيمُ) )
يعنى بقوله جل ثناؤه: ((إذ قالت امرأة عمران رب إنى نذرت لك ما فى بطنى
محرّراً فتقبل منى))، فـ((إذْ)) من صلة ((سميع)).(١)
٠٠٠
وأمّا (امرأة عمران))، فهى أم مريم ابنة عمران، أم عيسى بن مريم صلوات
اللّه عليه. وكان اسمها فيما ذكر لنا حنّة ابنة فاقوذ بن قبيل، (٢) كذلك : -
٦٨٥٦ - حدثنا به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق فى نسبه -
وقال غير ابن حميد : ابنة فاقود - بالدال - ابن قبيل . (٢)
٠
فأما زوجها ((عمران))، فإنه : عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا بن
(١) يعنى أن الظرف ((إذ)) متعلق بقوله: ((سميع)) فى الآية السابقة. وقد ظن الناشر الأول
التفسير ، أن فى الكلام سقطاً ، وليس كذلك ، والكلام تام لا خرم فيه .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((قتيل)) فى الموضعين وأثبت ما فى تاريخ الطبرى ٢ : ١٣.

٣٢٩
تفسير سورة آل عمران : ٣٥
أحزيق (١) بن يوثم (٢) بن عزاريا (٣) بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو (٤) بن يارم
ابن يهفاشاط بن أسابر (٥) بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود بن إيشا ، كذلك :-
٦٨٥٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق فى نسبه .
٠٠٠
وأما قوله: ((رَبّ إنى نذرتُ لك ما فى بطنى محرّراً))، فإنّ معناه: إنى جعلت
لك يا رب نَذْراً أنّ لك الذى فى بطنى محرّراً لعبادتك. يعنى بذلك: حبستُه على
خدمتك وخدمة ◌ُدْسك فى الكنيسة، عتيقةً من خدمة كلّ شيء سواك ،
مفرغة لك خاصة .
ونصب ((محرّراً)) على الحال مما فى الصفة من ذكر ((الذى)). (٦)
((فتقبل منى))، أى: فتقبل منى ما نذرت لك يا ربّ = ((إنك أنت السميع
٠ ٠٠
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أحريق))، وأثبت ما فى تاريخ الطبري ٢: ١٣.
(٢) فى المطبوعة: ((يويم))، وفى المخطوطة غير منقوطة، وفى تاريخ الطبرى: ((يوثام)) فجعلتها
((ثاء)) بغير ألف، مطابقة للرسم .
(٣) فى تاريخ الطبرى ((عزريا)) بغير ألف.
(٤) فى المطبوعة والخطوطة: ((أحريهو)) بالراء.
(٥) فى المطبوعة والخطوطة: ((يازم)) بالزاى، وفى تاريخ الطبرى: ((يهشافاظ))، وكأنه
الصواب. وفى المطبوعة: ((أشا)» بالشين المعجمة، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ، بيد أن فى المخطوطة
والمطبوعة، قد جعل هذا والذى بعده اسماً واحداً كتب هكذا: (( أسابرابان)) والصواب ما أثبت من
تاريخ الطبرى .
(٦) فى المطبوعة: ((ونصب محرراً على الحال من ( ما) التى بمعنى (الذي))). فغيروا ما فى
المخطوطة، وأساءوا أشد الإساءة، ونسبوا إلى أبى جعفر إعراباً لم يقل به، ومذهباً لم يذهب إليه. فإن
تصحيح المصحح جعل ((محرراً)) حالا من (( ما)»، والذى ذهب إليه الطبرى أن ((محرراً)) حال من
الضمير الذى فى الجار والمجرور ((فى بطنى))، والعامل فى الجار والمجرور هو ((استقر)». وبين
الإعرابين فرق بين. انظر تفسير أبي حيان ١: ٤٣٧، وتفسير الألوسى ٣: ١١٨ وغيرهما . والذى
أفضى به إلى هذا التبديل أنه استبهم عليه معنى ((الصفة))، وهو: حرف الجر ، وحروف الصفات هى
حروف الجر ، كما مضى ١ : ٢٩٩ تعليق: ١/ ٤٧٥:٣ تعليق: ٤/١: ٢٢٧ تعليق: ١/ ثم :
٢٤٧ تعليق : ٣ .

٣٣٠
تفسير سورة آل عمران : ٣٥
العليم))، يعنى: إنك أنتَ يا رب ((السميع)) لما أقول وأدعو = ((العليم)، لما
أنوى فى نفسى وأريد، لا يخفى عليك سرّ أمرى وعلانيته.(١)
#
وكان سبب نذر حنة ابنةً فاقوذ ، امرأة عمران = الذى ذكره الله فى هذه الآية
فيما بلغنا، ما :-
٦٨٥٨ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن
إسحق قال : تزوج زكريا وعمران أختين، فكانت أمّ يحيى عند زكريا ، وكانت
أمَ مَريم عند عمرانَ ، فهلك عمران وأم مريم حاملٌ بمريم، فهى جنينٌ فى بطنها .
قال : وكانت ، فيما يزعمون ، قد أمسك عنها الولد حتى أسنَّت ، وكانوا أهل بيت
من الله جل ثناؤه بمكان . فبينا هى فى ظلّ شجرة نظرت إلى طائر يُطعم فرخاً له ،
فتحرّ كت نفسُها للولد ، فدعت الله أن يهبَ لها ولداً، فحملت بمريم، وهلك
عمران. فلما عرفت أن فى بطنها جنيناً جعلته اللّه نذيرةً = و((النذيرة))، أن تعبِّده
اللّه ، فتجعله حبيساً فى الكنيسة، لا ينتفع به بشىء من أمور الدنيا .
١٥٨/٣
٦٨٥٩ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير قال = ثم ذكر امرأة عمران وقولها: «رب إنى نذرتُ لك ما فى
بطنى محرّراً)) = أى نذرته، نقول: جعلته عتيقاً لعبادة الله، لا ينتفع به
بشىء من أمور الدنيا = (٢) (فتقبَّل منى إنك أنتَ السميع العليم)). (٣)
٦٨٦٠ - حدثنى عبد الرحمن بن الأسود الطفاوى قال ، حدثنا محمد بن ربيعة
(١) انظر معنى (النذر)) فيما سلف ٥ :٥٨٠
(٢) نص ابن هشام: ((أى: نذرته فجعلته عتيقاً، تعبده لله، لا ينتفع به لشىء من الدنيا))،
فتركت رواية الطبرى على حالها .
(٣) الأثر : ٦٨٥٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٨، وهو بقية الآثار السالفة التى آخرها رقم:
٦٨٥٠ .

٣٣١
تفسير سورة آل عمران : ٣٥
قال، حدثنا النضر بن عربى، عن مجاهد فى قوله: ((محرراً))، قال: خادماً
للبيعة . (١)
٦٨٦١ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن النضر بن
عربى ، عن مجاهد قال : خادماً للكنيسة .
٦٨٦٢ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح قال، أخبرنا إسمعيل،
عن الشعبى فى قوله: ((إنى نذرت لك ما فى بطنى محرّراً))، قال: فرّغته للعبادة.
٦٨٦٣ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل
ابن أبى خالد، عن الشعبى فى قوله: ((إنى نذرت لك ما فى بطنى محرراً))، قال:
جعلته فى الكنيسة ، وفرّغته للعبادة .
٦٨٦٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ،
عن إسماعيل ، عن الشعبى نحوه .
٦٨٦٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((إنى نذرت لك ما فى بطنى محرراً))،
قال : للكنيسة يخدُمُها .
٦٨٦٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٦٨٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن خصيف ،
عن مجاهد: ((إنى نذرت لك ما فى بطنى محرراً))، قال: خالصاً، لا يخالطه
شىء من أمر الدنيا .
٦٨٦٨ - حدثنا ابن حميدقال، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ،
(١) الأثر: ٦٨٦٠ - ((عبد الرحمن بن الأسود بن المأمون، مولى بنى هاشم)) بغدادى، روى
عن محمد بن ربيعة، وروى عنه الترمذى والنسائى، وابن جرير. مترجم فى التهذيب. و((محمد بن ربيعة
الكلابى الرؤاسي )) ابن عم وكيع . وهو ثقة . مترجم فى التهذيب.
والبيعة ( بكسر الباء ) : كنيسة النصارى ، أو كنيسة اليهود .

٣٣٢
تفسير سورة آل عمران : ٣٥
عن سعيد بن جبير: ((إنى نذرت لك ما فى بطنى محرراً))، قال: للبيعة والكنيسة .
٦٨٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحمانىّ قال ، حدثنا شريك ، عن
سالم، عن سعيد: ((إنى نذرت لك ما فى بطنى محرراً))، قال: محرّراً للعبادة.
٦٨٧٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إذ قالت امرأة عمران رَبّ إنى نذرت لك ما فى بطنى محرراً))، الآية،
كانت امرأة عمران حَرّرت لله ما فى بطنها، وكانوا إنما يحرّرُون الذكور ، وكان
المحرّر إذا ◌ُحُرِّر جعل فى الكنيسة لا يبرَحها، يقوم عليها ويكنُسها .
٦٨٧١-حدثنا الحسن بنیحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،عن
قتادة فى قوله: ((إنى نذرت لك ما فى بطنى محرراً))، قال: نذرت ولدها للكنيسة.
٦٨٧٢ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: (( إذ قالت امرأة عمران رب إنى نذرت لك ما فى بطنى محرّراً فتقبل منى
إنك أنت السميع العليم))، قال: وذلك أن امرأة عمران حملت، فظنت أن ما فى
بطنها غلام ، فوهبته لله محرّراً لا يعمل فى الدنيا .
٦٨٧٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع قال: كانت امرأة عمران حرّرَت اللّه ما فى بطنها . قال :
وكانوا إنما يحرّرون الذكور ، فكان المحرّر إذا ◌ُحُرِّر جعل فى الكنيسة لا يبرحها،
يقوم عليها ويكنسها .
٦٨٧٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا
عبيد قال، سمعت الضحاك فى قوله: ((إنى نذرت لك ما فى بطنى محرراً))، قال:
جعلت ولدها لله، وللذين يدرُسون الكتاب ويتعلّمونه .
٦٨٧٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن القاسم بن أبي بزة : أنه أخبره عن عكرمة = وأبى بكر ، عن
عكرمة : أن امرأة عمران كانتْ عجوزاً عاقراً تسمى حَنَّة، وكانت لا تلد ،
فجعلتِ تغبطُ النساء لأولادهن ، فقالت: اللهمّ إنّ على " نذراً شكراً إن رزقتنى

٣٣٣
تفسير سورة آل عمران : ٣٦،٣٥
ولداً أن أتصدّق به على بيت المقدس ، فيكون من ◌َسَدَلته وُخدّامه. قال :
وقوله: ((نذرتُ لك ما فى بطنى محرّراً)) = إنها للحرّة ابنة الحرائر = ((محرراً))
للكنيسة يخدمها .
٦٨٧٦ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد بن
منصور، عن الحسن فى قوله: ((إذ قالت امرأة عمران)) الآية كلها قال: نذرت ١٥٩/٣
ما فى بطنها، ثم سيّبَتْها.(١)
٥
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿ فَلَمَّا وَضَمَنْهاَ قَالَتْ رَبِّ
إِى وَضَمْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَ وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى وَإِنّى
سَمْتُهَا مَرْيَمَ)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فلما وضعتها))، فلما وضعت حَنَّة
النذيرة، ولذلك أنث. ولو كانت ((الهاء)) عائدة على ((ما)) التى فى قوله: ((إنى نذرت
لك ما فى بطنى محرراً))، لكان الكلام: ((فلما وضعته قالتْ رب إنى وضعته أنثى)).
٠٠٠
ومعنى قوله: ((وضعتها))، ولدتها. يقال منه: ((وضعت المرأة تَضَع وضْعاً)).
۵
(١) سيب الشىء: تركه. وسيب الناقة أو الدابة: تركها تسيب حيث شاءت، والدابة سائبة،
فإذا كانت نذراً ، كان لا ينتفع بظهرها، ولا تحلأ عن ماء، ولا تمنع من كلا، ولا تركب. وهى التى
قال اللّه فيها ((ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة)). ثم قيل منه للعيد إذا أعتقه مولاه، وأراد أن لا يجعل
ولاءه إليه، فهو لا يرثه، وللمعتق أن يضع نفسه وماله حيث شاء ((سائبة)). انظر ما سلف ٣: ٣٨٦
فى خبر أبى العالية .
أما قوله: ((سيبتها)) هنا، فإنه أراد أنها جعلتها سائبة للّه، ليس لأحد عليها سبيل، وهو قريب من
معنى ((التحرير)).

٣٣٤
تفسير سورة آل عمران : ٣٦
=((قالت ربّ إنى وضعتها أنثى))، أى: ولدت النذيرة أنثى = ((والله أعلم بما
وضعت)).
٠ ٠
ـو
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة القرأة: ﴿وَضَعَتْ)، خبراً من الله عز وجل عن نفسه: أنه العالم
بما وضعت، من غير قيلها: ((ربّ إنى وضعتها أنثى)).
٠
#
وقرأ ذلك بعض المتقدّمين: ﴿واللهُ أَعْلَمُ بِمَ وَضَعْتُ) على وجه الخبر بذلك
عن أم مريم أنها هى القائلة: ((والله أعلم بما ولدتُ منى)).
. .
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب ما نقلته الحجة مستفضية فيها
قراءته بينها ، لا يتدافعون صحتها . وذلك قراءة من قرأ ((والله أعلم بما وضعتْ))،
ولا يعترض بالشاذّ عنها عليها .
. .
فتأويل الكلام إذاً : والله أعلم من كل خلقه بما وضعت = ثم رجع جل ذكره
إلى الخبر عن قولها ، وأنها قالت - اعتذاراً إلى ربها مما كانت نذرتْ فى حملها
فحررته لخدمة ربها -: ((وليس الذكر كالأنثى))، لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقوم
بها ، وأن الأنثى لا تصلح فى بعض الأحوال لدخول القدْس والقيام بخدمة
الكنيسة، لما يعتريها من الحيض والنفاس = ((وإنى سميتها مريم))، كما : -
٦٨٧٧ - حدثنى ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير: ((فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى والله أعلم بما
وضعت وليس الذكر كالأنثى))، أى: لما جعلتها محرّراً له نذيرة. (١)
٦٨٧٨ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق :
(١) الأثر: ٦٨٧٧ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٨، وهو بقية الآثار التى آخرها رقم:
٦٨٥٩. ونص ابن هشام فى المطبوعة الأوربية: ((لما جعلتها محرراً له نذيرة)) كنص الطبرى هنا،

٣٣٥
تفسير سورة آل عمران : ٣٦
(((وليس الذكر كالأنثى))، لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى.
٦٨٧٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((وليس الذكر كالأنثى))، كانت المرأة لا يستطاع أن يصنع بها ذلك =(١) يعنى
أن تحرر للكنيسة ، فتجعل فيها ، تقوم عليها وتكنسها فلا تبرحها = مما يصيبها
من الحيض والأذى، فعند ذلك قالت: (٢) (( ليس الذكر كالأنثى)).
٦٨٨٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر،
عن قتادة: ((قالت رب إنى وضعتها أنثى))، وإنما كانوا يحرّرون الغلمان - قال:
((وليس الذكر كالأنثى وإنى سميتها مريم)).
٦٨٨١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع قال : كانت امرأة عمران حرّرت لله ما فى بطنها ، وكانت
على رَجاء أن يهبَ لها غلاماً ، لأن المرأة لا تستطيع ذلك = يعنى القيامَ على
الكنيسة لا تَبرحها، وتكنُسها = لما يصيبها من الأذى .
٦٨٨٢ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: أن امرأة عمران ظنتّ أن ما فى بطنها غلامٌ، فوهبته للّه. فلما وضعت إذا
هى جارية، فقالت تعتذر إلى الله: ((رب إنى وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى))،
تقول: إنما يحرّر الغلمان. يقول الله: ((والله أعلم بما وضعت))، فقالت: ((إنى
سَمّيتها مريم)).
وفى مطبوعة الحلبى: ((محرراً لك))، وفى إحدى نخ سيرة ابن هشام ((محررة))، وهى صواب جيد ،
ولكن مطبوعة الطبرى غيرت نص المخطوطة الذى أثبته، فجعلتها: ((لما جعلتها له محررة نذيرة))، ولست
أدرى لم فعل ذلك !!
(١) فى المطبوعة: ((لا تستطيع))، وفى المخطوطة: ((لا تستطاع))، وهو الصواب، إلا أن
الناسخ أخطأ فجعلها بالتاء الفوقية .
(٢) هكذا فى المطبوعة والمخطوطة، وأنا أرجح أن الصواب: ((فعن ذلك قالت))، أى من أجل
ذلك قالت. و((عن)) هنا بمعنى التعليل، كما فى قوله تعالى: (( وما نحن بتاركى آلهتنا عن قولك)).
وهى عبارة مشهورة من نهج عبارات القدماء ، وهى أجود من نص المخطوطة والمطبوعة وأشبه بالعربية .

٣٣٦
تفسير سورة آل عمران : ٣٦
١٦٠/٣
٦٨٨٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن
جريج، عن القاسم بن أبي بزة : أنه أخبره عن عكرمة = وأبى بكر، عن عكرمة :
(( فلما وضعتها قالت رَبّ إنى وضعتها أنثى)) = ((وليس الذكر كالأنثى))، يعنى:
فى المحيض، ولا ينبغى لامرأة أن تكون مع الرجال = أمها تقول ذلك .
٠
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿وَإِنِىَ أُعِيذُهاَ بِكَ وَذُرْيَّتَهَاَ
مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمٍ﴾﴾)
قال أبو جعفر: تعنى بقولها: ((وإنى أعيذها بك وذُريتها))، وإنى أجعل
مَعاذها وَمَعاذ ذرّيتها من الشيطان الرجيم ، بك .
*
وأصل ((المعاذ)»، الموثل والملجأ والمعقل. (١)
= فاستجاب الله لها، فأعاذها اللّه وذريتها من الشيطان الرجيم، فلم يجعل له
عليها سبيلاً .
٠ ٥ ٠
٦٨٨٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسمق،
عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى عليه
وسلم ما من نَفْس مولود يُولد إلا والشيطان ينال منه تلك الطعنة، ولها يستهلّ
الصبى ، إلاّ ما كان من مريم ابنة عمران، فإنها لما وضعتها قالت: ((رب إنى
أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم))، فضُرب دُونها حجاب، فطعَن فيه. (٢)
(١) انظر ما سلف فى تفسير ((عاذ يعوذ))١: ١١١، قال: ((الاستعاذة: الاستجارة)).
(٢) الحديث : ٦٨٨٤ - يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثى المدنى: تابعى فقيه ثقة من الثقات،
من شيوخ مالك ، احتج به فى مواضع من الموطأ . وأخرج له الجماعة .

٣٣٧
تفسير سورة آل عمران : ٣٦
٦٨٨٥ - حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بکیر قال، حدثی محمد
ابن إسحق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى هريرة قال ، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : كل مولود من ولد آدم له طعنةٌ من الشيطان، وبها
يستهلُّ الصبى، إلا ما كان من مريم ابنة عمران وولدها، فإنّ أمها قالت حين
وضعتها: (( إنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ))، فضرب دونهما حجاب،
فطَعَن فى الحجاب .
٦٨٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنى محمد بن إسحق،
عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بنحوه .
٦٨٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هرون بن المغيرة، عن عمرو ، عن
شعيب بن خالد، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت أبا هريرة يقول:
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من بنى آدم مولود يولد إلاّ قد مسَّه
الشيطان حين يولد، فيستهلّ صارخاً بمسُّه إياه، غير مريم وابنها . فقال أبو هريرة :
اقرأوا إن شئتم: ((إنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم)).(١)
والحديث سيأتى ، عقب هذا ، بإسنادين آخرين إلى ابن إسحق ، بهذا الإسناد ، نحوه .
وأشار إليه ابن كثير فى التاريخ ٢: ٥٧، من رواية ابن إسحق ، دون تعيين فى تخريجه .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٥٩٤، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن عبد الله بن
قسيط، عن أبى هريرة. وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه )). ووافقه الذهبي.
وإسمعيل بن جعفر بن أبى كثير ، قارئ أهل المدينة : ثقة مأمون ، شارك مالكاً فى أكثر شيوخه .
ووقع فى المستدرك ومختصر الذهبى: (( يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبيه، عن أبى هريرة)).
وزيادة ((عن أبيه)) فى الإسناد - خطأ صرف، لا معنى لها . وأرجح أنه خطأ من ناسخى المستدرك . فإن
والد يزيد هذا - غير معروف بالرواية ، ولم يذكره أحد فى رواة الحديث .
ثم رواه ابن جرير بنحوه ، بأسانيد متعددة ، إلى رقم : ٦٨٩٩. وكلها عن أبى هريرة ، إلا :
٦٨٩٢، فإنه عن ابن عباس .
(١) الحديث: ٦٨٨٧ - عمرو - شيخ هرون: هو عمرو بن أبى قيس الرازى الأزرق، وهو
ثقة ، أثنى عليه الثورى .
ج٦ (٢٢)

٣٣٨
تفسير سورة آل عمران : ٣٦
:
٦٨٨٨ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب، قال، أخبرنى ابن أبى
ذئب ، عن عجلان مولى المشمعيلّ، عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه صل الله
عليه وسلم: كل مولود يولد من بنى آدم يمسُّه الشيطان بإصبعه، إلاّ مريم وابنتها. (١)
٦٨٨٩ - حدثنى أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال ، حدثنى عمى عبد الله
ابن وهب قال ، أخبرنى عمرو بن الحارث: أن أبا يونس ◌ُسليماً مولى أبى هريرة
حدثه ، عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل بنى آدم
آدم يمسُّه الشيطان يوم ولدته أمه، إلاّ مريم وابنها. (٢)
٦٨٩٠ - حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى عمران ، أن
شعيب بن خالد البجلى ، قاصى الرى: ثقة، أثنى عليه الثورى أيضاً. وقال ابن عيينة: ((حفظ
من الزهرى ومالك شاباً )) .
وهو هنا يروى عن ((الزهرى)). ووقع فى المطبوعة ((الزبير)) بدل ((الزهرى)). وهو خطأ. صوابه
من المخطوطة .
والحديث رواه البخارى ٦ : ٣٣٨ - ٣٣٩، من طريق شعيب، عن الزهرى ، بهذا ، بنحوه.
و ((شعيب)) - فى إسناد البخارى -: هو ((شعيب بن أبى حمزة الحمصى)). وأما ((شعيب بن خالد))
فلم يرو له من أصحاب الكتب الستة غير أبى داود .
وكذلك رواه مسلم ٢ : ٢٢٤، من طريق شعيب بن أبى حمزة .
وانظر : ٦٨٩١ .
(١) الحديث: ٦٨٨٨ - عجلان مولى المشمعل: تابعى ثقة.
والحديث : رواه أحمد فى المسند : ٧٨٦٦، عن إسمعيل بن عمر : و : ٧٩٠٢، عن يزيد بن
هرون، و: ٧٩٠٢، عن هاشم بن القاسم (٢: ٢٨٨، ٢٩٢، ٣١٩ حلى) - ثلاثتهم عن
ابن أبى ذئب ، بهذا الإسناد .
ونقله ابن كثير فى التاريخ ٢ : ٥٧، عن الرواية الأولى من روايات المسند .
وذكره فى التفسير ٢ : ١٣٠، من رواية ابن وهب - إشارة إلى رواية الطبرى هذه .
(٢) الحديث: ٦٨٨٩ - عمروبن الحارث بن يعقوب المصرى: مضت ترجمته فى: ١٣٨٧.
سليم - بضم السين - بن جبير ، أبو يونس مولى أبى هريرة : تابعى مصرى ثقة .
ووقع فى المطبوعة: ((أن أبا يونس سليمان))، بزيادة النون فى آخر الاسم. وصوابه من المخطوطة
((سليما))، بالتنوين. بل فى رواية مسلم طبعة بولاق: ((أن أبا يونس سليم مولى أبى هريرة))، فرسم
بالتنوين دون ألف ، على لغة ربيعة ، فى الوقوف على المنصوب بالسكون .
والحديث رواه مسلم ٢: ٢٢٤، من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث ، بهذا الإسناد.

٣٣٩
تفسير سورة آل عمران : ٣٦
أبا يونس حدثه، عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله. (١)
٦٨٩١ - حدثنى الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الزهرى ، عن ابن المسيب ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلاّ يمسُّه الشيطان ، فيستهل صارخاً
من مسَّةِ الشيطان، إلا مريم وابنها . ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ١٦١/٣
((وإنى أعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم)).(٢)
٦٨٩٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنى الحمانى قال ، حدثنا قيس ، عن
الأعمش، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم: ما من مولود يولد إلاّ وقد عَصَرَه الشيطان "عصرة" أو عصرتين، إلاّ عيسى
ابن مريم ومريم. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنى أعيذها بك وذريتها
من الشيطان الرجيم)) . (٣)
(١) الحديث ٦٨٩٠ - ((عمران)) - فى الإسناد: هكذا ثبت فى المخطوطة والمطبوعة. ولا ندرى
من هو؟ والظاهر أنه خطأ من الناسخين، نرجح أن صوابه ((ابن عمران)). فإن يكنه يكن ((حرملة بن
عمران التجيبى المصرى)). وهو ثقة ، يروى عن سليم بن جبير مولى أبى هريرة ، راوى هذا الحديث.
ويروى عنه ابن وهب . وهو الصواب إن شاء الله .
(٢) الحديث : ٦٨٩١ - مضى بنحوه : ٦٨٨٧، من رواية شعيب بن خالد عن الزهرى .
وأشرنا هناك إلى رواية شعيب بن أبى حمزة عن الزهرى . وهذه رواية معمر عن الزهرى .
وقد رواه أحمد فى المسند : ٧٦٩٤ ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، به . ونقله ابن كثير فى
التاريخ ٢ : ٥٧، عن رواية المسند .
وكذلك رواه البخارى ٨ : ١٥٩، ومسلم ٢ : ٢٢٤ - كلاهما من طريق عبد الرزاق .
ورواه أحمد أيضاً : ٧١٨٢ ، عن عبد الأعلى ، عن معمر ، به .
وكذلك رواه مسلم ٢ : ٢٢٤، من طريق عبد الأعلى .
(٣) الحديث : ٦٨٩٢ - الحمانى، بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم: هو يحيى بن عبد الحميد
ابن عبد الرحمن، أبو زكريا الحافظ . وقد اختلف فيه كثيراً، والراجح عندى أنه ثقة . وقد وثقه ابن معين .
وقال فيه غيره كلاماً شديداً . ولكن المنصف إذا تتبع ترجمته مع إنصاف اقتنع بتوثيقه. مترجم فى التهذيب،
والكبير ٢٩١/٢/٤، والصغير: ٢٣٩، وابن أبى حاتم ٤ /١٦٨/٢ - ١٧٠، وتاريخ بغداد
١٤ : ١٦٧ - ١٧٧، وتذكره الحفاظ ٢ : ١٠ - ١١.
قيس : هو ابن الربيع الأسدى . وهو ثقة ، كما رجحنا فى : ٤٨٤٢.

٣٤٠
تفسير سورة آل عمران : ٣٦
٦٨٩٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هرون بن المغيرة ، عن عمرو بن أبى
قيس ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ، قال: ما ولد مولود إلاّ وقد
استهلّ، غير المسيح بن مريم، لم يسلَّط عليه الشيطان ولم يَنْهَزْه. (١)
والحديث - من هذا الوجه - ذكره ابن كثير فى التفسير ٢ : ١٣٠، والتاريخ ٢ : ٥٧ - تعليقاً
عن قيس ، دون أن يبين مخرجه .
ولكن سياق كلامه فى التفسير يدل على أنه يشير إلى روايته عند الطبرى ، يعنى هذا الإسناد .
فإنه ذكر فى التفسير رواية الطبرى الآتية: ٦٨٩٩، ثم قال: ((وروى من حديث قيس ، عن
الأعمش ... )) - إلخ. فهذا الفعل ((روى))، ينبغى أن يقرأ مبنياً للفاعل، فيكون، معناه أن ابن جرير
((روى من حديث قيس)). ولا نرى أن يقرأ بالبناء لما لم يسم فاعله. لأن علماء الحديث وأمته، أمثال
ابن كثير - لا يستعملون صيغة التمريض هذه، بالبناء للمجهول ، إلا فى الأحاديث الواهية الإسناد.
ولا يذكر الأحاديث الجياد بصيغة التمريض إلا جاهل أو غافل .
ثم ذكر ابن كثير - بعد حديث قيس هذا، عطفاً عليه - ما نصه: ((ومن حديث العلاء ، عن
أبيه ، عن أبى هريرة)).
فهذه إشارة منه إلى إسناد آخر . أرجح أنه رواه أيضاً الطبرى ، بعد حديث قيس . ولعله سقط سهواً
من الناسخين .
فرأيت - تماماً للسياق - أن أذكره هنا من رواية أحمد، واحتياطاً أيضاً:
فقال الإمام أحمد فى المسند: ٨٨٠١ (ج ٢ ص ٣٦٨ حلبي): ((حدثنا هُشر، قال : حدثنا
حفص بن ميسرة ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبى هريرة، أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: كل إِنسانِ تَلِدُه أَتُه ◌َيْكُزُه الشَّيطانُ بِحِضْفَيْهِ، إلاّ
ما كان مِن مريمَ وابنها، أَلَمْ تَرَوْا إِلى الصَّبِىّ حين يَنْقُطُ، كيفَ يَصْرُعُ؟ قالوا:
بلى يا رسول الله! قال: فَذَاكَ حين يُلْكُزُه الشيطان بحِضْنَيْه».
وهذا إسناد صحيح ، على شرط مسلم .
ورواية قيس بن الربيع ذكرها السيوطى ٢: ١٩، ولم ينسبها لغير الطبرى.
وقوله ((عصره الشيطان ... )) - عصر العنب وغيره عصراً : ضغطه ليستخرج ما فيه . وهو هنا
مجاز ، أى : شديده عليه وضغطه .
(٣) الحديث : ٦٨٩٣ - هذا إسناد صحيح .
ولم أجد هذا الحديث من غير رواية الطبرى، وكذلك ذكره السيوطى ٢ : ١٩، ولم ينسبه لغيره.