النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
تفسير سورة آل عمران : ١٥
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب، قولُ من جعل الاستفهام
متناهياً عند قوله: ((بخير من ذلكم))، والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله :
((للذين اتقوا عند ربهم جنات))، فيكون مخرج ذلك مخرج الخبر، وهو إبانة عن
معنى ((الخير)) الذى قال: أؤنبئكم به؟ (١) فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى
ضمير . (٢)
#
#
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى: وأما قوله: ((خالدين فيها))،
فمنصوب على القطع . (٣)
ومعنى قوله: ((الذين اتقوا))، للذين خافوا الله فأطاعوه بأداء فرائضه واجتناب
معاصيه (٤) = ((عند ربهم))، يعنى بذلك : لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار
عند ربهم .
((والجنات))، البساتين، وقد بينا ذلك بالشواهد فيما مضى = وأن" قوله: ((تجرى
من تحتها الأنهار))، يعنى به: من تحت الأشجار، وأن ((الخلود)) فيها دوام
البقاء فيها، وأن ((الأزواج المطهرة))، هن نساء الجنة اللواتى ◌ُهِّن من كل
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((أنبئكم به))، والصواب ما أثبت، وانظر تفصيل ذلك فى معانى
القرآن للفراء ١ : ١٩٥ - ١٩٨
(٢) عند هذا انتهى آخر جزء من التقسيم القديم الذى نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه :
(( يتلوه : وأما قوله : ﴿ خالدين فيها) فمنصوب على القطع .
وصلى الله على سيدنا محمد النبيّ وعلى آله الطاهرين وسَلَم كثيراً))
ويتلوه ما نصه :
(بسم الله الرحمن الرحيم))
(٣) ((القطع))، يعنى: الحال، كما بينت فى ٢: ٣٩٢، والمراجع هناك، وانظر فهرس
المصطلحات فى الأجزاء السالفة. ثم انظر ما سيأتى: ص ٢٧٠، تعليق: ٣
(٤) انظر تفسير ((اتى)) فى فهارس اللغة مادة ((وق)

٢٦٢
تفسير سورة آل عمران : ١٥
أُذّى يكون بنساء أهل الدنيا ، من الحيض والمنىّ والبوْل والنفاس وما أشبه ذلك
من الأذى = بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (١)
٠ ٥
وقوله: ((ورِضْوَانٌ من الله))، يعنى : ورضى اللّه ، وهو مصدر من قول
القائل: ((رضى الله عن فلان فهو يَرْضى عنه رضّ)) منقوص ((ورِضْواناً ورُضْواناً
وَمَرْضاةٌ)). فأما ((الرُّضوان)) بضم الراء، فهو لغة قيس، وبه كان عاصم يقرأ .
٥
قال أبو جعفر: وإنما ذكر الله جل ثناؤه فيما ذكر للذين اتقوا عنده من الخير
= رضْوانَه، لأن رضوانه أعلى منازل كرامة أهل الجنة ، كما : -
٦٧٥١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنى أبو أحمد الزبيرى قال ، حدثنا
سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : إذا دخل أهلُ
الجنة الجنة، قال الله تبارك وتعالى: أعطيكم أفضلَ من هذا! فيقولون: أىْ ربنا،
أىّ شىء أفضل من هذا؟ قال: رِضْوانى.(٢)
. ..
وقوله: ((والله بصير بالعباد))، يعنى بذلك: واللّهُ ذو بصر بالذى يتقيه من
عباده فيخافه، (٣) فيطيعه، ويؤثر ما عنده مما ذكر أنه أعدّه للذين اتقوه على
محبّ ما زُيِّنَ له فى عاجل الدنيا من شهوات النساء والبنين وسائر ما عدّد منها تعالى
(١) انظر تفسير ((الجنة)) فيما سلف ١: ٣٨٤/ ثم ٥٣٥:٥، ٥٤٢ = وتفسير ((الخلود)»
فيما سلف ١ : ٣٩٧، ٣٩٨ / ٢: ٤/٢٨٦: ٥/٣١٧: ٤٢٩ = وتفسير ((الأزواج المطهرة)»
فيما سلف ١ : ٣٩٥ - ٣٩٧
(٢) الأثر: ٦٧٥١ - هذا خبر غير مرفوع، ولكن شاهده من المرفوع ما رواه البخارى عن
أبى سعيد الخدرى قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة!
يقولون : لبيك ربنا وسعديك! فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم
تعط أحداً من خلقك ! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك ! قالوا: يا رب ، وأى شىء أفضل من ذلك؟
فيقول: أحل عليكم رضوانى ، فلا أسخط عليكم أبداً)).
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى حديث جابر فى الفتح ١١ : ٣٦٤، وقال : عند البزار ومصحه
ابن حبان)). ولم أجد لفظه .
(٣) انظر تفسير ((بصير)) فيما سلف ٢: ١٤٠، ٣٧٦، ٥٠٦ / ثم ١٦٧،٧٦:٥.

٢٦٣
تفسير سورة آل عمران : ١٦،١٥
ذكره = وبالذى لا يتقيه فيخافه ، ولكنه يعصيه ويطيع الشيطان ويؤثر ما زيِّن
له فى الدنيا من حب شهوة النساء والبنين والأموال، على ما عنده من النعيم المقيم =
عالمٌ تعالى ذكره بكلّ فريق منهم ، حتى يجازى كلَّهم عند معادهم إليه جزاء هم ،
المحسنَ بإحسانه، والمسىءَ بإساءته .
القول فى تأويل قوله (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّشَآَ ءامَنَّا فَأَغْفِرْ
لَاذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
قال أبو جعفر : ومعنى ذلك. قل هل أنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ،
[ الذين ]يقولون: ((ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)).
وقد يحتمل ((الذين يقولون))، وجهين من الإعراب: الخفض على الردّ على
((الذين)) الأولى، والرفع على الابتداء ، إذ كان فى مبتدأ آية أخرى غير التى
فيها ((الذين)) الأولى، فيكون رفعها نظير قول الله عز وجل: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرَى
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَّهُمْ﴾ [سورة التوبة: ١١١]، ثم قال فى مبتدأ الآية
التى بعدها: ﴿ التَّائِبُونَ العَابِدُونَ﴾ [سورة التوبة: ١١٢]. ولو كان جاء ذلك
مخفوضاً كان جائزاً .(١)
ومعنى قوله: ((الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا)): الذين يقولون:
إننا صدّقنا بك وبنبيك وما جاء به من عندك = ((فاغفر لنا ذنوبنا))، يقول :
فاستر علينا ذنوبنا، بعفوك عنها، وتركك عقوبتنا عليها = ((وقنا عذاب النار)).
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ١٩٨.

٢٦٤
تفسير سورة آل عمران : ١٧،١٦
ادفع عنا عذابك إيانا بالنار أن تعذبنا بها . وإنما معنى ذلك : لا تعذبنا يا ربنا
بالنار .
وإنما خصّوا المسألةَ بأن يقيهم عذاب النار، لأن من زحزح يومئذ عن النار
فقد فاز بالنجاة من عذاب الله وحسن مآبه .
٠٠ ٠
وأصل قوله: ((قنا)) من قول القائل: ((وفى اللّه فلاناً كذا))، يراد : دفع
عنه، ((فهو يقيه)). فإذا سأل بذلك سائلٌ قال: ((قِنِى كذا)).(١)
۵
٠ ٥
القول فى تأويل قوله (الصَّبِرِينَ وَالصَّدِّقِينَ وَالْقَّنِنَ وَالْمُنْفِقِينَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله ((الصابرين))، الذين صبروا فى البأساء والضراء
وحين البأس .
١٣٩/٣
ويعنى بـ((الصادقين))، الذين صدقوا الله فى قولهم بتحقيقهم الإقرارَ به
وبرسوله وما جاء به من عنده ، بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه .
ويعنىبـ ((اتمانتين))، المطيعين له .
٠ ٠ ٠
وقد أتينا على الإبانة عن كل هذه الحروف ومعانيها بالشواهد على صحة ما قلنا فيها،
وبالأخبار عمن قال فيها قولا ، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٢)
...
• وقد كان قتادة يقول فى ذلك بما : -
٦٧٥٢ - حدثنا به بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
(١) انظر تفسير ((قنا)) و((وقى)) فيما سلف ٤ : ٢٠٦.
(٢) انظر تفسير ((الصابرين)) فيما سلف ٢: ١١ / ثم ٣: ٢١٤، ٣٤٩ = وتفسير
((الصادقين)» فيما سلف ٣: ٣٥٦= وتفسير ((القانتين)» فيما سلف ٢: ٥٣٨، ٥٣٩/ ثم ٢٢٨:٥-٢٣٧.

٢٦٥
تفسير سورة آل عمران : ١٧
قوله: ((الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين))، ((الصادقين)): قوم صدقت
أفواههم واستقامت قُلوبهم وألسنتهم، وصَدقوا فى السرّ والعلانية = ((والصابرين))،
قوم صبروا على طاعة الله، وصَبروا عن محارمه = ((والقانتون))، هم المطيعون لله.
٠
وأما ((المنفقون))، فهم المؤتون زكوات أموالهم، وواضعوها على ما أمرهم الله بإتيانها ،
والمنفقون أموالهم فى الوجوه التى أذن الله لهم جل ثناؤه بإنفاقها فيها . (١)
#
٠٠
وأما ((الصابرين)) و((الصادقين))، وسائر هذه الحروف، فمخفوض ردًا على
قوله: ((الذين يقولون ربنا إننا آمنا))، والخفض فى هذه الحروف يدل على أن
قوله: ((الذين يقولون)) خفض، ردًّا على قوله: ((للذين اتقوا عند ربهم)). (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿والْمُسْتَغْفِرِينَ بِاْأسْحَرِ ) )
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى القوم الذين هذه الصفة صفتهم .
فقال بعضهم : هم المصلون بالأسعار .
• ذكر من قال ذلك :
٦٧٥٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((والمستغفرين بالأسحار))، هم أهل الصلاة.
٦٧٥٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن قتادة: ((والمستغفرين بالأسحار ))، قال: يصلون بالأسحار .
٠ ٥
(١) انظر تفسير ((الإنفاق)) فيما سلف : ٥ : ٥٨٠،٥٥٥ .
(٢) انظر معانى القرآن للفراء ١: ١٩٩.

٢٦٦
تفسير سورة آل عمران : ١٧
وقال آخرون : هم المستغفرون .
• ذكر من قال ذلك :
٦٧٥٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن حريث بن أبى مطر ،
عن إبراهيم بن حاطب ، عن أبيه قال : سمعت رجلا فى السحر فى ناحية المسجد
وهو يقول : ربّ أمرتنى فأطعتك، وهذا سحرٌ، فاغفر لى. فنظرت فإذا ابنُ
مسعود . (١)
٦٧٥٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال :
سألت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن قول الله عز وجل: ((والمستغفرين بالأسحار))،
قال : حدثنى سليمان بن موسى قال ، حدثنا نافع : أن ابن عمر كان يحيى الليل
صلاةً ثم يقول: يا نافع ، أسمَرْنا ؟ فيقول : لا . فيعاود الصلاة ، فإذا قلت :
نعم ! قعد يستغفر ويدعو حتى يُصْبح.
٦٧٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن بعض البصريين ، عن
أنس بن مالك قال : أمرنا أن نستغفر بالأسعار سبعين استغفارة .
٦٧٥٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا زيد بن الحباب
قال ، حدثنا أبو يعقوب الضبى قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من صلَّى من
الليل ثم استغفر فى آخر الليل سبعين مرة ، كتب من المستغفرين بالأسحار .
٠ ٠
وقال آخرون : هم الذين يشهدون الصّبح فى جماعة .
(١) الأثر: ٦٧٥٥ - ((حريث بن أبى مطر عمرو الفزارى، أبو عمر الحناط)) روى عن
الشعبى والحكم بن عتيبة، وروى عنه شريك، وابن نمير، ووكيع. قال ابن معين: ((لا شىء))، وقال
أبو حاتم ((ضعيف الحديث)). وقال البخارى: ((فيه نظر، ليس بالقوى عندهم)). وعلق له البخارى
فى الأضاحى، مترجم فى التهذيب. وأما ((إبراهيم بن حاطب)) فلم أجد له ولا لأبيه ((حاطب)) ترجمة،
وأخشى أن يكون فى اسمه تحريف أو سقط، وأن يكون ((حاطب)) هذا، هو ((حاطب بن أبي بلتعة))
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأثر بنصه هذا فى تفسير ابن كثير ٢ : ١١٣، ولم يقل
فيه شيئاً .

٢٦٧
تفسير سورة آل عمران : ١٨،١٧
ذكر من قال ذلك:
٠
٦٧٥٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسماعيل بن مسلمة أخو القعنبى
قال،(١) حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن قال، قلت لزيد بن أسلم: "مَنْ ((المستغفرين
بالأسحار))، قال : هم الذين يشهدون الصّبح .
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل قوله: ((المستغفرين بالأسحار))،
قول من قال : هم السائلون ربهم أن یستر عليهم فضیحتهم بها .
٠
٥
=((بالأسحار)) وهى جمع ((تَحَر)).
...
وأظهر معانى ذلك أن تكون مسألتهم إياه بالدعاء . وقد يحتمل أن يكون معناه :
تعرّضهم لمغفرته بالعمل والصلاة ، غيرَ أنّ أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء .
القول فى تأويل قوله {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَ وَالْمَلِكُ
وَأُوْلُوْ آلِ قَآَبِمَ بِالْقِسْطِ لَا إِلَّهَ إِلَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٥)
قال أبو جعفر يعنى بذلك جل ثناؤه : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، وشهدت
الملائكة وأولو العلم .
=فـ ((الملائكة)) معطوف بهم على اسم ((الله))، و((أنه)) مفتوحةبـ ((شهد)).
a
قال أبو جعفر: وكان بعض البصريين يتأول قوله: ((شهد اللّه))، قضى ١٤٠/٣
اللّه، ويرفع ((الملائكة))، بمعنى: والملائكة شهود وأولو العلم. (٢)
(١) أخوه هو: ((عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثى المعنى))، شيخ البخارى ومسلم وأبى داود.
(٢) هذا قول أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١: ٨٩، ولم يسمه الطبرى، بل قال ((بعض
البصريين)). وانظر رد الطبرى قوله فى ص : ٢٧٢

٢٦٨
تفسير سورة آل عمران : ١٨
وهكذا قرأت قرأة أهل الإسلام بفتح الألف من ((أنه))، على ما ذكرت من
إعمال ((شهد)) فى ((أنه)) الأولى، وكسر الألف من ((إن)) الثانية وابتدائها. (١)
سوى أنّ بعض المتأخرين من أهل العربية، (٢) كان يقرأ ذلك جميعاً بفتح
ألفيهما، بمعنى: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وأنّ الدين عند الله الإسلام -
فعطف: ((أن الدين)) على ((أنه)) الأولى، ثم حذف ((واو)) العطف، وهى مرادة
فى الكلام. واحتج فى ذلك بأن ابن عباس قرأ ذلك: ﴿شَهِدَ اللهُ إِنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّهُوَ)
الآية. ثم قال: ((أنّ الدين))، بكسر ((إنّ)) الأولى، وفتح ((أنّ))
الثانية بإعمال ((شهد)) فيها، وجعل ((أن)) الأولى اعتراضاً فى الكلام غير عامل
فيها ((شَهد)) = وأن ابن مسعود قرأ: ((شهد الله أنه لا إله إلاّ هو)) بفتح ((أن))
وكسر ((إنّ)) من: ((إنّ الدّين عند الله الإسلام)) = على معنى إعمال
((الشهادة)) فى ((أن)) الأولى، و((أن)) الثانية مبتدأة. فزعم أنه أراد بقراءته إياهما
بالفتح ، جمع قراءة ابن عباس وابن مسعود. (٣) فخالف بقراءته ما قرأ من ذلك
على ما وصفت ، جميعَ قرأة أهل الإسلام المتقدّمين منهم والمتأخرين ، بدعوى
تأويلٍ على ابن عباس وابن مسعود، زعم أنهما قالاه وقرآً به. وغيرُ معلوم ما ادّعى
عليهما برواية صحيحة ولا سقيمة . وكفى شاهداً على خطأ قراءته ، خروجها من
قراءة أهل الإسلام .
٠٠
قال أبو جعفر : فالصواب إذا كان الأمر على ما وصفنا من قراءة ذلك -
فتحُ الألف من ((أنه)) الأولى، وكسر الألف من ((إنّ)) الثانية ، أعنى من قوله:
(١) يعنى، فى قوله فى صدر الآية التالية: ((إن الدين عند الله الإسلام)).
(٢) هو الكسائى، انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٠٠ وتفسير القرطبي ٤ : ٤٢، ٤٣.
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ١٩٩ - ٢٠٠.

٢٦٩
تفسير سورة آل عمران : ١٨
((إنّ الدين عند الله الإسلام))، ابتداءً".
٠٠
٠
وقد روى عن السدى فى تأويل ذلك قول كالدالّ على تصحيح ما قرأ به فى
ذلك من ذكرنا قوله من أهل العربية، فى فتح ((أنّ)) من قوله: ((إنّ الدين))،
وهو ما : -
٦٧٦٠ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة)) إلى ((لا إله إلاّ هو العزيز
الحكيم))، (١) قال: اللّه يشهد هو والملائكة والعلماء من الناس: أنّ الدين عند الله
الإسلام .
#
فهذا التأويل يدل على أن ((الشهادة)) إنما هى عاملة فى ((أنّ)) الثانية التى
فى قوله: ((أن الدين عند الله الإسلام)). فعلى هذا التأويل جائز فى ((أن)) الأولى
وجهان من التأويل : (٢)
=أحدهما: أن تكون الأولى منصوبةً على وجه الشرط، بمعنى: شهد الله بأنه
واحد = فتكون مفتوحة بمعنى الخفض فى مذهب بعض أهل العربية ، وبمعنى
النصب فى مذهب بعضهم = (( والشهادة)) عاملة فى ((أن)) الثانية، كأنك قلت :
شهد الله أن الدّين عند الله الإسلام، لإنه واحدٌ. ثم تقدم ((لأنه واحد))،
فتفتحها على ذلك التأويل .
=والوجه الثانى: أن تكون ((إنّ)) الأولى مكسورة بمعنى الابتداء ، لأنها
معترضٌ بها، ((والشهادة)) واقعة على ((أنّ)) الثانية : فيكون معنى الكلام : شهد
(١) فى المطبوعة: ((فإن اللّه يشهد))، وفى المخطوطة: فأن اللّه يشهد))، وكأن صواب قراءتها
ما أثبت .
(٢) فى المطبوعة: ((فى أن فى الأولى وجهان))، أما المخطوطة فقد وضع فوق ((أن)) ((فى)) صغيرة.
كأنه أراد: ((جائز فى الأولى))، بحذف ((أن))، لأنه لم يضع علامة تدل على الزيادة . فلذلك أسقطتها .

٢٧٠
تفسير سورة آل عمران : ١٨
اللّه = فإنه لا إله إلا هو - والملائكة، أنّ الدين عند الله الإسلام، كقول القائل:
((أشهد - فإنى محقّ - أنك مما تعاب به برئ))، ((إن) الأولى مكسورة ، لأنها
معترضة، ((والشهادة)) واقعة على ((أنّ)) الثانية. (١)
٠ ٠٠
قال أبو جعفر: وأما قوله: ((قائماً بالقسط))، فإنه بمعنى: أنه الذى يلى
العدل بين خلقه .
...
((والقسط))، هو العدل من قولهم: ((هو مقسط)) و((قد أقسط))، إذا
عَدَّل. (٢)
ونصب ((قائماً)) على القطع. (٣)
...
وكان بعض نحوبى أهل البصرة يزعم أنه حال من ((هو)) التى فى ((لا إله إلا
هو )) .
٠
وكان بعض نحوبى الكوفة يزعم أنه حالٌ من اسم ((اللّه )) الذى مع قوله :
((شهد اللّه))، فكان معناه: شهد اللّه القائمُ بالقسط أنه لا إله إلاّ هو. وقد
ذُ كر أنها فى قراءة ابن مسعود كذلك: ﴿ وَأُولُو الْعِلْرِ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ ﴾، ثم حذفت
((الألف واللام)) من ((القائم))، فصار نكرة وهو نعت لمعرفة، فنصب.
٠
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب فى ذلك عندى، قولُ من جعله قطعاً، (٣)
(١) انظر بيان ذلك أيضاً فى معانى القرآن الفراء ١: ٢٠٠
(٢) انظر تفسير ((القسط، فيما سلف ص: ٧٧.
(٣) ((القطع)) هو الحال، كما سلف منذ قريب: ص: ٢٦١. تعليق: ٣. وقد بينه الفراء فى كلامه
فى معانى القرآن ١: ٢٠٠ إذ قال: ((منصوب على القطع، لأنه نكرة نعت به معرفة)). وبين
أن الحال ضرب من النعت. تقول: ((جامفى زيد الراكب)» بالرفع، فيكون نعتاً لأنه معرفة فعت بمعرفة ،
فإذا نعته بالنكرة لم يجز أن تقول: ((جامفى زيد راكب)) بالرفع، إلا أن تجعله بدلا من المعرفة،
وإنما الوجه أن تقطعه عن إعراب النعت، فتنصبه، فيكون حالا. فذلك تفسير ((القطع)) على أنه الحال .

٢٧١
تفسير سورة آل عمران : ١٨
على أنه من نعت الله جل ثناؤه، لأن ((الملائكة وأولى العلم))، معطوفون
عليه. فكذلك الصحيح أن يكون قوله: (( قائماً )) حالاً منه .
وأما تأويل قوله: ((لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم))، فإنه نفى أن يكون شىء
يستحقّ العُبودة غير الواحد الذى لا شريك له فى ملكه. (١)
٠ ٠
ويعنى بـ ((العزيز))، الذى لا يمتنع عليه شىء أراده، ولا ينتصر منه أحد عاقبه
أو انتقم منه (٢) = ((الحكيم)) فى تدبيره، فلا يدخله خلل. (٣)
١٤١/٣
...
قال أبو جعفر: وإنما عنى جل ثناؤه بهذه الآية نَفْىَ ما أضافت النصارى الذين
حاجُوا رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى عيسى من البنوّة ، وما نسب إليه سائرُ
أهل الشرك من أنّ له شريكاً ، واتخاذهم دونه أرباباً. فأخبرهم الله عن نفسه أنه
الخالقُ كلّ ما سواه، وأنه ربّ كلّ ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربًا دونه ،
وأنّ ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهلُ العلم به من خلقه. فبدأ جل ثناؤه بنفسه،
تعظيماً لنفسه وتنزيهاً لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به - ما نسبوا
إليها، كما سنّ لعباده أن يبدأوا فى أمورهم بذكره قبل ذكر غيره، مؤدّباً خلقه بذلك.
ولم أجد تفسيره فى كتاب مما بين يدى . وهو من اصطلاح أهل الكوفة فيما أرجح ، لاستعمال الفراء إياه ،
ولذكر الطبرى له فى مقالة الكوفيين كثيراً، كما سلف. وكما سيتبين من قول الطبرى بعد ذلك ((أنه حال))
فى الجمل الآتية .
(١) قوله: ((العبودة)) هو مصدر من ((عبد)) على وزن ((شرف)) يقال: ((هو عبد بين
العبودة والعبودية والعبدية)) وقد استعملها الطبرى بهذا المعنى فيما سلف ٣ : ٣٤٧، وانظر التعليق هناك.
وهو بمعنى الخضوع والتذلل ، فكأنه استعمله هنا أيضاً بذلك المعنى ، كأنه قال: فإنه نى أن يكون شىء
يستحق الخضوع له والتذلل، غير الواحد الذى لا شريك له فى ملكه . وقد صرح ابن القطاع فى كتاب
الأفعال ٢: ٣٣٧ أن مصدر ((عبد الله يعبده)): ((عبادة وعبودة وعبودية))، أى : خدم، وذل
أشد الذل .
(٢) انظر تفسير ((العزيز)) فيما سلف ٣: ٨٨ / ثم هذا ص: ١٦٩،١٦٨ وفهارس اللغة (عزز).
(٣) انظر تفسير ((الحكيم)) فيما سلف ٣: ٨٨، وفهارس اللغة ( حكم).

٢٧٢
تفسير سورة آل عمران : ١٨
والمرادُ من الكلام، الخبرُ عن شهادة من ارتضاهم من خلقه فقد سوه: (١) من
ملائكته وعلماء عباده. فأعلمهم أن ملائكته - التى يعظُّمها العابدون غيره من
أهل الشرك ويعبدُها الكثير منهم - وأهلَ العلم منهم ، (٢) منكرون ما هم عليه
مقيمون من كفرهم وقولهم فى عيسى، وقولَ من اتخذ رباً غيره من سائر الخلق، (٣)
فقال : شهدت الملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، وأن كل من اتخذ ربًّا
دون اللّه فهو كاذبٌ = احتجاجاً منه لنبيه عليه السلام على الذين حاجُوه من وقد
نجران فی عیسی .
٥
واعترض بذكر الله وصفته، على ما بيَّنْتُ، (٤) كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَاعْلُمُوا
أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلِهِ مُسَهُ﴾ [سورة الأنفال: ٤١]، افتاحاً باسمه الكلام، (٥)
فكذلك افتتح باسمه والثناء على نفسه الشهادةَ بما وصفناه : من نَفى الألوهة عن
غيره ، وتكذيب أهل الشرك به .
فأما ما قال الذى وصفنا قوله: من أنه عنى بقوله: ((شهد))، قضى - فما
لا يعرف فى لغة العرب ولا العجم، لأن ((الشهادة))، معنَى، ((والقضاء)) غيرها. (٦)
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فقدموه)) كأنه أراد معنى: ((البدء بذكره تعالى))، ولو كان كذلك
لكان أجود أن يقول: ((فقدموا ذكره))، ولكنى أستظهر من سياق كلامه معنى التنزيه، فلذلك رأيت
أنها تصحيف قوله: ((فقدسوه).
(٢) سياق الكلام: فأعلمهم أن ملائكته ... وأهل العلم منهم، متكرون ... "
(٣) قوله: ((وقول من اتخذ رباً غيره ... )) بنصب ((وقول)) عطفاً على قوضم ((ما هم عليه
مقيمون))، وهو مفعول به لقوله: ((منكرون)).
(٤) فى المطبوعة: ((على ما نبينه))، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، ولكنه لم يحسن قراءتها.
(٥) معنى ذلك: أن ذكر ((الله)) فى آية الأنفال هذه، إنما هى افتاح كلام، قال أبو جعفر
فى تفسيرها ( ١٠: ٣ بولاق): ((قال بعضهم: قوله: ((فأن اته خمسه)) مفتاح كلام، وعله الدنيا
والآخرة وما فيهما. وإنما معنى الكلام: فأن الرسول خمسه)). وهذا القول هو الذى رجحه الطبرى فى
تفسير الآية هناك .
(٦) هذا رد على مقالة أبى عبيدة فى مجاز القرآن، كما سلف فى ص : ٢٦٧ تعليق: ٢.

٢٧٣
تفسير سورة آل عمران : ١٩،١٨
وبنحو الذى قلنا فى ذلك روى عن بعض المتقدمين القول فى ذلك .
٦٧٦١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير: ((شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولو العلم)»،
بخلاف ما قالوا - يعنى: بخلاف ما قال وفدُ نجران من النصارى = ((قائماً
بالقسط)) ، أى بالعدل . (١)
٦٧٦٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن
أبى نجيح ، عن مجاهد: ((بالقسط)) ، بالعدل .
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلُمُ ﴾
قال أبو جعفر: ومعنى ((الدين))، فى هذا الموضع: الطاعة والذّلة ، من
قول الشاعر : (٢)
وَيَوْمُ الحَزْنِ إِذْ جُشِدَتْ مَعَدٌّ وَكَانَ النَّاسُ، إِلَّا نَحْنُ، دِينَ (٣)
سمم
(١) الأثر: ٦٧٦١ - هو ما رواه ابن هشام من سيرة ابن إسحق ٢: ٢٢٧، وهو من بقية الآثار
التى آخرها فيما سلف رقم : ٦٦٤٩.
(٢) لم أعرف قائله بعد .
(٣) سيأتى فى التفسير ٢٦: ١١٥ (بولاق) ومعه بيت سنذكره. والشطر الثانى من البيت
الأول فى اللسان ( دين)، وفى غيره من كتب اللغة. وأنا فى شك من صحة هذا البيت، ولم أعرف (( يوم
الحزن))، ما أراد به. وأظن ((حشدت))، ((حشرت)) من ((الحشر))، والبيت الذى يليه :
عَصَيْنَا عَزْمَةَ الجَبَّارِ، حَتَّى صَبَحْنَا الْجُرْفَ ألفاً مُعْلِيناً
هكذا صححته هنا من معانى القرآن للفراء ، تفسير سورة ( ق ) مخطوطة ، وهو فى المطبوعة من التفسير
(٢٦: ١١٥) ((صحبنا الخوف أكفاً)) وهو كلام لا معنى له. وقد قال الطبرى بعد هذا البيت هناك
((ويروى: الحوف. وقال: أراد بالجبار: المنذر، لولايته)) وصوابه ((الحرف)) فإذا كان ذلك كذلك،
فأكبر ظنى أنه كما أثبته ((الجرف)) ( بضم الجيم وسكون الراء): وهو موضع بالحيرة كانت به منازل المنذر .
ح ٦ (١٨)

٢٧٤
تفسير سورة آل عمران : ١٩
يعنى بذلك: مطيعين على وجه الذل ، ومنه قول القطامى :
• كانَتْ نَوَارُ تَدِينُك الأديانَاءِ(١)
یعنی : تُذلك ، وقول الأعشی میمون بن قيس :
هُوَ دَانَ الرُّبَبَ إِذْ كَرِهُوا الدِّينَ دِرَاكَا بِفَزْوَةٍ وَصِيَالٍ(٣)
يعنى بقوله: ((دان)) ذلل = وبقوله: ((كرهوا الدين))، الطاعة .
...
وكذلك ((الإسلام))، وهو الانقياد بالتذلل والخشوع ، والفعل منه :
((أسلم )) بمعنى: دخل فى السلم، كما يقال: ((أقحط القوم))، إذا دخلوا فى القحط،
وفى الطبرى هناك ((صحبنا)) وهو خطأ. و((صبحنا))، من قولهم: ((صبح القوم شراً)) أى جاءهم به ،
و((صبحتهم الخيل))، جاءتهم صبحاً. و((ألفاً)) يعنى: ألف فرس عليها فرسانها. و((المعلم)):
الفارس يجعل لنفسه علامة الشجعان ، أو جعل على فرسه علامة ، فهو فرس معلم . يريد : غزونا معقل
المنذر الجبار ومنازله، وصبحناه فدمرنا عليه منازله. وفى الطبرى ((حرمة الجبار))، والتصحيح من
معانى القرآن للفراء ، كما أسلفت .
(١) ديوانه: ١٥، من أبيات جياد وصف فيها صاحبته ((أميمة))، وسماها ((جنوب)) فى
البيت الذى رواه الطبرى، وسماها ((نوار))، ويروى: ((ظلوم))، فكان مما قال:
رَمَتِ الْمَقَاتِلَ مِنْ فُؤَّادِكَ، بَعْدَ ما كانَتْ جَنُوبُ تَدِينُكَ الأديانَ
((أى: تفعل بك الأفاعيل . ويقال: تستعبدك ، أو : أنها كانت تعذبك . أو تدينك:
تجزيك)).
وَأَرَى الغَوَانِ إِنَّا هِىَ جِئَّةٌ شَبَهُ الرِّيَاحِ تَلَوَّنُ الأَلْوَانَ
فَهُنَكَ لَا يَجِدُ الصَّفَاءِ مَكَانَا
فَإِذَا دَعَوْنَكَ عَمَّهُنّ ، فَلَاَ ◌ُجِبْ
وَعَلَى ذَوَاتٍ شَبَابِنْ هَوَانَ
نَسَبٌ يَزِيدُكَ عِنْدَهُنّ حَقَارَةٌ
خُلْفاً، وَأَمْلَحُ حانِثٍ أَيْمَنَ
فَسَتْ حِبَلُكَ أَنْ تَكُونَ مِتَاناً!
وَ إِذَا وَعَدْنَ ، فَهُنَّ أ كثَرُ واعِدٍ
وَإِذَا رَأَيْنَ مِنَ الشّبَبِ لِدُونَةٌ ،
وهذا شعر بارع مقدم .
(٢) مضى بيان هذا البيت فيما سلف ٣ : ٥٧١.

٢٧٥
تفسير سورة آل عمران : ١٩
((وأربعوا))، إذا دخلوا فى الربيع - فكذلك ((أسلموا))، إذا دخلوا فى السلم، وهو
الانقياد بالخضوع وترك الممانعة . (١)
٠٠٠
فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل قوله: ((إنّ الدّين عند الله الإسلام)»:
إنَّ الطاعةَ التى هى الطاعة عنده ، الطاعةُ له ، وإقرار الألسن والقلوب له
بالعبودية والذّلة، وانقيادُها له بالطاعة فيما أمر ونهى ، وتذلُّلها له بذلك ،
من غير استكبار عليه ، ولا انحراف عنه ، دون إشراك غيره من خلقه معه فى
العبودة والألوهة (٢)
٠
٠ ٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٦٧٦٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إنّ الدين عندَ الله الإسلام))، والإسلام: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، ١٤٢/٣
والإقرار بما جاء به من عند اللّه، (٣) وهو دين الله الذى شرع لنفسه، وبعث به
رسله ، ودلّ عليه أولياءه ، لا يقبل غيرَه ، ولا يجزى إلاّ به.
٦٧٦٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع قال، حدثنا أبو العالية فى قوله: ((إن الدين عند الله
الإسلام))، قال: ((الإسلام))، الإخلاص لله وحده ، وعبادته لا شريك له ،
(١) انظر تفسير ((الإسلام)) و((السهم)) فيما سلف ٢: ٥١٠، ٥١١ / ثم ٣: ٧٣، ٧٤،
٩٢، ٩٤، ١١٠/ ٤ : ٢٥١ - ٠٢٥٥
(٢) فى المطبوعة: ((فى العبودية والألوهية))، وأثبت ما فى المخطوطة، وقد مضى استعماله
العبودة فيما سلف ص: ٢٧١، تعليق: ١. و((الألوهة، والإلاهة، والأولوهية)): العبادة، وانظر
ما سلف ١ : ١٢٤ وما قبلها .
(٣) قوله: ((بما جاء به))، الضمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: ((شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)»، ولا تتم شهادة إلا به، بأبى هو وأمى. وهكذا ذكره السيوطى
بنصه فى الدر المنثور ٢: ١٢، ونسبه إلى عبد بن حميد أيضاً بهذا اللفظ.

٢٧٦
تفسير سورة آل عمران : ١٩
وإقامُ الصّلاة، وإيتاءُ الزكاة، وسائرُ الفرائض لهذا تبعٌ .
٦٧٦٥ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
﴿أَسْلَمْنَا﴾ [سورة الحجرات: ١٤]، قال: دخلنا فى السُلم، وتركنا الحرب. (١)
٦٧٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير: (( إنّ الدين عند الله الإسلام»، أى: ما أنت عليه يا محمد
من التوحيد للربّ، والتصديق للرسل. (٢)
I':
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا أُخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّمِن
بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الِْمُ بَغْيَ يْنَهُمْ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل ...
وهو (( الكتاب)) الذى ذكره الله فى هذه الآية - فى أمر عيسى، وافترائهم على اللّه
فيما قالوه فيه من الأقوال التى كثر بها اختلافهم بينهم، وتشتّئت به كلمتهم ، وباين
بها بعضهم بعضاً حتى استحلّ بها بعضُهم دماءَ بعض = ((إلا من بعد ما جاءهم
العلم بغياً بينهم))، يعنى : إلا من بعد ما علموا الحقّ فيما اختلفوا فيه من أمره ،
وأيقنوا أنهم فيما يقولون فيه من عظيم الفيرْية مبطلون. (٣) فأخبر الله عباده أنهم أنوا
ما أتوا من الباطل ، وقالوا من القول الذى هو كفر بالله ، على علم منهم بخطأ
(١) الأثر: ٦٧٦٥ - سيأتى فى تفسير ((سورة الحجرات)) (٢٦ : ٩٠ بولاق)، بغير
هذا اللفظ مطولا: (( وأسلمنا: استسلمنا، دخلنا فى السلم، وتركنا المحاربة والقتال)). وإسناده هو هو.
(٢) الأثر: ٦٧٦٦ - رواه ابن هشام فى سيرته عن ابن إسحق ٢: ٢٢٧، وأسقط ((من))
من قوله: ((من التوحيد)). وهو من بقية الآثار التى آخرها رقم : ٦٧٦١.
(٣) انظر تفسير ((البغى)) فيما سلف ٢: ٣٤٢/ ثم تفسير مثل هذه الآية فيما سلف ٤: ٢٨١،
٢٨٢ ٠

٢٧٧
تفسير سورة آل عمران : ١٩
ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلاً منهم بخطئه ، ولكنهم قالوه واختلفوا فيه
الاختلافَ الذى هم عليه، تعدّياً من بعضهم على بعض ، وطلبَ الرياسات
والملك والسلطان ، كما : -
٦٧٦٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع فى قوله: (( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما
جاءهم العلم بغيا بينهم))، قال: قال أبو العالية ، إلا من بعد ما جاءهم الكتابُ
والعلم = ((بغياً بينهم))، يقول : بغياً على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها ، فقتل
بعضهم بعضاً على الدنيا ، من بعد ما كانوا علماءَ الناس .
٦٧٦٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن ابن عمر : أنه كان يكثر تلاوة هذه الآية :
((إنّ الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءهم
العلم بغياً بينهم))، يقول: بغياً على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها. مِنْ قِبَلها
واللّه أتِينا! ما كان علينا مَنْ يكون علينا، (١) بعد أن يأخذ فينا كتابَ الله وسنة
نبيه؟ ولكنا أتِينا من قبلها .
٦٧٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع قال : إن موسى لما حضره الموتُ دعا سبعين خبراً من أحبار بنى
إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه، كلّ حبر جزءًا منه، (٢)
واستخلف موسى يوشع بن نون . فلما مضى القرن الأول ومضى الثانى ومضى
الثالث ، وقعت الفرقة بينهم - وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين - حتى
(١) فى المطبوعة: ((ما كان علينا من يكون بعد أن يأخذ فينا ... )) حذف ((علينا)) الثانية
فاختلط الكلام اختلاطاً، والصواب من المخطوطة . ومعناه: ما كان يضيرنا أن يكون علينا والياً كائناً
من كان ، بعد أن يقيم فيها كتاب الله وسنة رسوله ؟
(٢) هكذا جاء نص هذه العبارة فى المخطوطة أيضاً، وفى الدر المنثور ٢: ١٣، كأنه قال:
استودع كل حبر جزءاً منه . وهى عبارة فيها ما فيها .

٢٧٨
تفسير سورة آل عمران : ١٩
أهَراقوا بينهم الدماء ، ووقع الشرّ والاختلاف. وكان ذلك كله من قبل الذين
أوتوا العلم، بغياً بينهم على الدنيا، طلباً لسلطانها وملكها وخزائنها وزخرفها، فسلّط اللّه
عليهم جبابرتهم، فقال الله: ((إن الدّين عند الله الإسلام)) إلى قوله: ((والله
بصير بالعباد )) .
فقولُ الربيع بن أنس هذا، (١) يدلّ على أنه كان عنده أنه معنىٌّ بقوله :
(( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب))، اليهودُ من بنى إسرائيل، دون النَّصارى منهم ،
وغيرهم . (٢)
#
*
وكان غيره يوجه ذلك إلى أن المعنىّ به النصارى الذين أوتوا الإنجيل .
* ذكر من قال ذلك :
٦٧٧٠ - حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن محمد بن
جعفر بن الزبير: (( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءهم العلم))،
الذى جاءك، أى: أنّ اللّهَ الواحدُ الذى ليس له شريك = ((بغياً بينهم))، يعنى
بذلك النصارى . (٣)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يقول الربيع بن أنس هذا يدل ... ))، وهو فاسد جداً.
فإن هذا قول الطبرى وتعليقه على خبر الربيع . والصواب ما أثبت ، كما هو ظاهر .
(٢) قوله: ((دون النصارى منهم)) معناه: دون النصارى من الذين أوتوا العلم. أما قوله :
((وغيرهم))، أى: ودون غير النصارى من الذين أوتوا العلم، إشارة إلى ما جاء فى خبر ابن عمر السالف
رقم ٦٧٦٨. وكان فى المطبوعة: ((دون النصارى منهم ومن غيرهم))، وهى جملة لا يستقيم معناها،
فحذفت ((من)) لذلك .
(٣) الأثر: ٦٧٧٠ - رواه ابن هشام فى سيرته عن ابن إسحق ٢: ٢٢٧، وهو بقية الآثار
التى آخرها رقم: ٦٧٦٦. وقوله: ((يعنى بذلك النصارى))، ليس فى ابن هشام ، وكأنه من تفسير
الطبرى للخبر .

٢٧٩
تفسير سورة آل عمران : ١٩
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَن يَكْفُرْ بَّايَّتِ اُللهِ فإنّ اللّهَ ١٤٣/٣
سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ٥)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك: ومن يجحد حجج الله وأعلامه التى نصَبَها ذكرى
لمن عقل، وأدلةً لمن اعتبر وتذكر ، فإن الله محص عليه أعماله التى كان يعملها
فى الدنيا، فمجازيه بها فى الآخرة، فإنه جل ثناؤه ((سريع الحساب))، يعنى:
سريع الإحصاء. وإنما معنى ذلك أنه حافظ على كل عامل عمله ، لا حاجة به
إلى عقد كما يعقده خلقه بأكفِّهم، أو يعونه بقلوبهم ، ولكنه يحفظ ذلك عليهم ،
بغير كلفة ولا مؤونة، ولا معاناة لما يعانيه غيرُه من الحساب. (١)
• وبنحو الذى قلنا فى معنى ((سريع الحساب))، كان مجاهد يقول :
٦٧٧١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((ومن يكفر بآيات اللّه فإنّ
الله سريع الحساب))، قال : إحصاؤه عليهم .
٦٧٧٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد: ((ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب))،
إحصاؤه .
٥
٠
٥
(١) انظر معنى ((الكفر)) و((الآيات)) فيما سلف من فهارس اللغة (كف)، و (أبى).
وتفسير ((سريع الحساب)» فيما سلف ٤: ٢٠٧، وأيضاً: ٢٧٤، ٢٧٥/ ثم: هذا: ١٠٢،١٠١.

٢٨٠
تفسير سورة آل عمران : ٢٠
القول فى تأويل قوله ﴿ فَإِنْ حَجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْعِّ
لِلّهِ وَمَنِ أَتَّبْعَنِ ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : فإن حاجَّك: يا محمد ، النفرُ من
نصارى أهل نجران فى أمر عيسى صلوات الله عليه ، فخاصموك فيه بالباطل ، (١)
فقل: انقدت لله وحده بلسانى وقلبى وجميع جوارحى. وإنما تخصّ جل ذكره
بأمره بأن يقول: ((أسلمت وجهى اللّه ))، لأن الوجه أکرمُ جوارح ابن آدم عليه ،
وفيه بهاؤه وتعظيمه ، فإذا خضع وجهه لشىء ، فقد خضع له الذى هو دونه
فی الکرامة علیه من جوارح بدنه . (٢)
٠ ٠
وأما قوله: ((ومن اتبعنى))، فإنه يعنى: وأسلم من اتبعنى أيضاً وجهه لله معى .
و((من)) معطوف بها على ((التاء)) فى ((أسلمت))، كما : -
٦٧٧٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير: (( فإن حاجُّوك)) أى: بما يأتونك به من الباطل ، من
قولهم: (( خلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا))، فإنما هى شبه باطلة قد عرفوا ما فيها
من الحق = ((فقل أسلمت وَجهى اللّه ومن اتبعنى)). (٣)
(١) انظر تفسير ((حاج)) فيما سلف ٣ : ١٢٠، ٢٠١ / ثم ٥: ٤٣٠،٤٢٩.
(٢) انظر تفسير ((أسلم وجهه)) فيما سلف ٢: ٥١٠ - ٥١٢، وتفسير ((الإسلام)» فى مراجعه
التى ذكرتها آنفاً ص: ٢٧٥ تعليق: ١ .
(٣) الأثر: ٦٧٧٣ - رواه ابن هشام فى سيرته ٢: ٢٢٧، وهو من بقية الآثار التى آخرها
رقم : ٦٧٧٠