النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ تفسير سورة آل عمران : ٩ القول فى تأويل قوله ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) )) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه أنهم يقولون أيضاً = مع قولهم : آمنا بما تشابه من آى كتاب ربّنا ، كلّ المحكم والمتشابه الذى فيه من عند ربنا = : يا ربنا، «إنك جامعُ الناس ليوم لا ريب فيه إنّ الله لا يخلف الميعاد ». وهذا من الكلام الذى استُغنى بذكر ما ذكر منه عما ترك ذكره . وذلك أن معنى الكلام : ربنا إنك جامع الناس ليوم القيامة ، فاغفر لنا يومئذ واعف عنا، فإنك لا تخلف وَعْدك: أنّ من آمن بك، واتَّبع رَسُولك، وعمل بالذى أمرته به فی کتابك، أنك غافره يومئذ . وإنماهذا من القوم مسألة ربَّهم أن يثبّتهم على ما هم عليه من حسن بصيرتهم، (١) بالإيمان بالله ورسوله ، وما جاءهم به من تنزيله ، حتى يقبضهم على أحسن أعمالهم وإيمانهم ، فإنه إذا فعل ذلك بهم ، وجبتْ لهم الجنة ، لأنه قد وعد من فعل ذلك به من عباده أنه يُدخله الجنة . فالآية ، وإن كانت قد خرجت مخرج الخبر ، فإن تأويلها من القوم : مسألةٌ ودعاءٌ ورغبة إلى ربهم . وأما معنى قوله: ((ليوم لا ريب فيه))، فإنه: لا شك فيه. وقد بينا ذلك بالأدلة على صحته فيما مضى قبل . (٢) ٥ (١) فى المطبوعة: ((من حسن نصرتهم))، ولا معنى لها، وفى المخطوطة: ((مصربهم)). غير منقوطة ، والذى أثبته هو صواب قراءتها . (٢) انظر ما سلف ١ : ٢٢٨، ٣٧٨/ ثم ٧٨:٦. ٢٢٢ تفسير سورة آل عمران : ١٠،٩ ومعنى قوله: ((ليوم))، فى يوم. وذلك يومٌ يجمع اللّه فيه خلقه لفصل القضاء بينهم فى موقف العَرْض والحساب . ٠ ٠ ٠ (((والميعاد))((المفعال))، من ((الوعد)). ٠ القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَّلُهُمْ وَلَّ أَوْ لَدُهُم مِّنَ اللهِغَيْئًا وَأَوْلَنَّبِكَ هُمْ وَقُوُ النَّارِ﴾ (٥) ١٢٧/٣ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((إنّ الذين كفروا))، إن الذين جحدوا الحق الذى قد عرفوه من نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم من يهود بنى إسرائيل ومنافقيهم ومنافقى العرب وكفارهم، الذين فى قلوبهم زيغٌ فهم يتَّبعون من كتاب الله المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله = ((لنْ تُغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئاً))، يعنى بذلك أنّ أموالهم وأولادهم لن تُنجيهم من عقوبة اللّه إن أحلَّها بهم - عاجلا فى الدنيا على تكذيبهم بالحق بعد تبيّهم ، (١) واتباعهم المتشابه طلب اللبس - فتدفعها عنهم، ولا يغنى ذلك عنهم منها شيئاً، وهم فى الآخرة = ((وقودُ النار))، يعنى بذلك: حَطَبُها. (٢) # (١) فى المطبوعة: ((بعد تثبيتهم))، ولا معنى لها. وفى المخطوطة (((سهم)) غير منقوطة، والذى أثبته هو صواب قراءتها . (٢) انظر تفسير ((الوقود)) فيما سلف ١ : ٣٨٠. ٢٢٣ تفسير سورة آل عمران : ١١ القول فى تأويل قوله ﴿كَدَأُبِ ،الِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِمْ كَذَّبُواْ بَّا يُقِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَبِ ) ) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً عند حلول عقوبتنا بهم، كسُنَّة آل فرعون وعادتهم=(١) = ((والذين من قبلهم)) من الأمم الذين كذبوا بآياتنا ، فأخذناهم بذنوبهم ، فأهلكناهم حين كذبوا بآياتنا، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً حين جاءهم بأسنا، (٢) كالذين عوجلوا بالعقوبة على تكذيبهم ربّهم من قبل آل فرعون: من قوم نوح وقوم هود وقوم لوط وأمثالهم . واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((كدأب آل فرعون)). ٠٠ ٠ ٠ فقال بعضهم : معناه : کسُنَّهم . * ذكر من قال ذلك : ٦٦٥٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق بن الحجاج قال ، حدثنا عبد الله ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((كدأب آل فرعون))، يقول: کستهم . وقال بعضهم : معناه : كعملهم . • ذكر من قال ذلك : ٦٦٦٠ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان = (١) فى المخطوطة: ((ودعاهم)) غير منقوطة، والصواب ما فى المطبوعة، وإنما هو سبق قلم من الناسخ . وهذا اللفظ هو نص أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١ : ٠٨٧ (٢) فى المطبوعة: ((فلن تغنى عنهم ... »، وهو مخالف للسياق. وفى المخطوطة: ((فلن تغن معهم ... )) وهو سهر من الناسخ، والصواب ما أثبت . ٢٢٤ تفسير سورة آل عمران : ١١ وحدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان = جميعاً ، عن جويبر ، عن الضحاك: ((كدأب آل فرعون))، قال: كعمل آل فرعون . ٦٦٦١ - حدثنا يحيى بن أبى طالب قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((كدأب آل فرعون))، قال: كعمل آل فرعون . ٦٦٦٢ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((كدأب آل فرعون))، قال: كفعلهم ، كتكذيبهم حين كذبوا الرسل= ٥ وقرأ قول الله: ﴿مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [سورة غافر: ٣١]، أن يصيبكم مثل الذى أصابهم عليه من عذاب الله . قال : الدأبُ العمل . ٦٦٦٣٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح ، عن أبى حمزة ، عن جابر ، عن عكرمة ومجاهد فى قوله : (( کداب آل فرعون))، قال : كفعل آل فرعون، كشأن آل فرعون . ٦٦٦٤ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: ((كدأب آل فرعون))، قال : كصنع آل فرعون . # وقال آخرون : معنى ذلك : کتكذيب آل فرعون . * ذكر من قال ذلك : ٦٦٦٥ - حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمروو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم اللّه بذنوبهم))، ذكر الذين كفروا وأفعالَ تكذيبهم ، كمثل تكذيب الذين من قبلهم فى الجحود والتكذيب . قال أبو جعفر: وأصل ((الدأب)) من: ((دأبت فى الأمر دأباً))، إذا أدمنت ٢٢٥ تفسير سورة آل عمران : ١١ العمل والتعب فيه. ثم إن العرب نقلت معناه إلى: الشأن، والأمر ، والعادة ، كما قال امرؤ القيس بن حجر : فَهَلْ عِنْدَ رَمْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلٍ (١) وَإِنَّ شِفَئِى عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةً وَجَارَتِهَاَ أُمِّ الرَّبَبِ بِمَأْسَلِ كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَاَ ١٢٨/٣ يعنى بقوله: ((كدأبك))، كشأنك وأمرك وفعلك. يقال منه: ((هذا دَأبى ودأبك أبداً)). يعنى به: فعلى وفعلك، وأمرى وأمرك، وشأنى وشأنك. يقال منه: (( دَأَبْتُ دُؤُوباً ودأْبًا)). وحكى عن العرب سماعاً: ((دأبْتُ دأَباً))، مثقلة محركة الهمزة، كماقيل: ((هذا شعَرٌ، وَنَهَر))، (٢) فتحرك ثانيه لأنه حرفٌ من الحروف الستة، (٣) فألحق ((الدأب)) إذا كان ثانية من الحروف الستة، كما قال الشاعر: (٤) لَهُ نَعَلُّلاَ تَطَِّ الكَلْبَ رِيحُهَا وَإِنْ وُضِعَتْ بَيْنَ الْمَجَالِسِ ثُمَّتِ (٥) ... وأما قوله: ((واللهُ شديدُ العقاب))، فإنه يعنى به : واللّه شديد عقابه لمن كفر به وكذّب رسله بعد قيام الحجة عليه . # ۵ # (١) ديوانه: ١٢٥ من معلقته المشهورة، ثم يأتى فى التفسير ١٢: ١٣٦ (بولاق) البيت الثانى . وهو شعر مشهور خبره ، فاطلبه فى موضعه . (٢) فى المطبوعة: ((بهر)) بالباء، وهى فى المخطوطة غير منقوطة، وصواب قراءتها بالنون. (٣) ((الحروف الستة))، يعنى حروف الحلق. (٤) هو كثير عزة . (٥) ديوانه ٢: ١١٢، الحيوان ١: ٢٦٦، والبيان ٣: ١٠٩، ١١٢ واللسان (فعل). ورواية اللسان ((وسط المجالس))، أما رواية الديوان فيخلاف هذا ولا شاهد فيها، كما سترى. والشعر مما قاله كثير حين بلغه وفاة عبد العزيز بن مروان بمصر ، فرثاه ، فكان مما قال فيه : إِلَى طَيِّبِ الأَنْوَابِ غَيْرِ مُؤَمَّتِ يَؤُوبُ أُولُو الْحَاجَاتِ مِنْهُ إِذَا بَدَا سُجُوفُ الْخِيَاءِ عَنْ حَبِيبٍ مُشَمَّتِ كَأَنَّ أَبْنَ لَيْلَى حِينَ يَبْدُو فَتَنْجَلِى ج ٦ (١٥) ٢٢٦ تفسير سورة آل عمران : ١٢ القول فى تأويل قوله ﴿قُل لَلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُقْلَبُونَ وَتُخْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ آلِهَادُ﴾ (١) قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى ذلك . فقرأه بعضهم: ﴿قُلْ لِلَِّينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ بالتاء ، على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون. واحتجوا لاختيارهم قراءة ذلك بالتاء بقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِى فِئَتَيْنِ﴾. قالوا: ففى ذلك دليل على أن قوله: ((ستغلبون))، كذلك، خطابٌ لهم. وذلك هو قراءة عامة قرأة الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين . وقد يجوز لمن كانت نيته فى هذه الآية: أنّ الموعودين بأن يُغلبوا، هم الذين ◌ُأمير النبى صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم = أن يقرأه بالياء والتاء . لأن الخطاب بالوحى حين نزل ، لغيرهم. فيكون نظير قول القائل فى الكلام: (( قلت للقوم : إنكم مغاوبون))، و((قلت لهم: إنهم مغلوبون)). وقد ذكر أن فى قراءة عبد الله: ﴿قُلْ لِلَِّينَ كَفَرُوا إِنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٣٨]، وهى فى قراءتنا: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾. وقرأت ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة: ﴿سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾، على معنى : قل لليهود : سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلى جهنم . ومن قرأ ذلك رَهِيفَ الشِّرَاكِ ، سَهْلَةَ الْمُتَسَّمَّتِ مُقَرَبُ خَطْوٍ لا يُغَيِّ ◌َعْلَهُ وَ إِنْ وُضِعِتْ فِى ◌َجْلِسِ القَوْمِ ثَمّتِ إِذَا طَرِحتْ لَمْ تَطَّبِ الكَلْبَ رِيحُهَاَ يقول: لا يلبس من النعال إلا المدبوغ الجلد ، فذهبت رائحة الجلد منها، لأن النعل إذا كانت من جلد غير مدبوغ ، وظفر بها كلب أقبل عليها بريحها فأكلها . يصفه بأنه من أهل النعمة واليسار والترف . ثم زادها صفة أخرى بأن جعلها قد كسبت من طيب رائحته طيباً ، حتى لو وضعت فى مجلس قوم، تلفتوا يتشممون شذاها من طيبها. وقوله: ((يطبى)) من: ((اطباء)) أى: دعاه إليه. ٢٢٧ تفسير سورة آل عمران : ١٢ كذلك على هذا التأويل ، لم يجز فى قراءته غير الياء . (١) ٠ ٠ قال أبو جعفر: والذى نختار من القراءة فى ذلك، قراءة من قرأه بالتاء، بمعنى: قل يا محمد للذين كفروا من يهود بنى إسرائيل الذين يتبعون ما تشابه من آى الكتاب الذى أنزلته إليك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله: ((ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد)). وإنما اخترنا قراءةً ذلك كذلك، على قراءته بالياء ، لدلالة قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِى فِئْتَيْنِ)، على أنهم بقوله: ((ستغلبون))، مخاطبون خطابهم بقوله: ((قد كان لكم)) ، فكان إلحاق الخطاب بمثله من الخطاب، أولى من الخطاب بخلافه من الخبر عن غائب . = وأخرى أنّ :- ٦٦٦٦ - أبا كريب حدثنا قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحق قال، حدثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما أصاب رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قريشاً يوم بدْر فقدم المدينة ، جمع يهودَ فى سوق بنى قينُقاع . فقال : يا معشر يهود ، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً ! فقالوا : يا محمد ، لا تغرّنك نفسك أنك قتلتَ نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، (٢) إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تأت مثلنا !! (٣) فأنزل الله عز وجل فى ذلك من قولهم: ((قلْ للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد)) إلى قوله: ((لأولى الأبصار)). (١) انظر هذا كله فى معانى القرآن للفراء ١ : ١٩١ - ١٩٢ (٢) فى سيرة ابن هشام: ((لا يغرنك من نفسك)). والأغمار جمع غمر ( بضم فسكون): وهو الجاهل الغر الذى لم يجرب الأمور ، ولم تحنكه التجارب . (٣) فى ابن هشام: ((لم تلق مثلنا)). ٢٢٨ تفسير سورة آل عمران : ١٢ ٦٦٦٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنا محمد بن إسحق ، عن عاصم بن مُمر بن قتادة ، قال : لما أصاب اللّه قريشاً يوم بدر، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود فى سوق بنى قينقاع حين قدم المدينة = ثم ذكر نحو حديث أبى كريب، عن يونس . (١) ٦٦٦٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال: كان من أمر بنى قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بنى قينقاع، ثم قال: يا معشر ١٢٩/٣ اليهود، احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش من النِّقْمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نىٌّ مُرْسل، تجدون ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم !فقالوا: يا محمد، إنك ترى أنا كقومك !(٢) لا يغرَّنك أنك لقيت قوماًلا علم لهم بالحرب فأصبتَ فيهم فرصة! إنا والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنا نحن الناس. (٣) ٦٦٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عنمحمدبن إسحق ، عن محمد ابن أبى محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال: ما نزلت هؤلاء. الآيات إلاّ فيهم: ((قُلْ للذين كفروا ستغلون وتحشرونَ إلى جهنم وبئس المهاد)) إلى ((لأولى الأبصار)). (٤) ٦٦٧٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين فان، حدثى حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة فى قوله: ((قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد))، قال فِنْحاص اليهودى فى يوم بدر: لا يغرَّنَّ محمداً أنْ غلب قريشاً وقتلهم! إنّ قريشاً لا تُحسنُ القتال! فنزلت هذه الآية: ((قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد )). # # (١) الأثر: ٦٦٦٦، ٦٦٦٧ - فى سيرة ابن هشام ٢: ٢٠١ .. (٢) فى ابن هشام: ((أنا قومك)) بحذف الكاف، وهى جيدة جداً، ولكن ما فى التفسير موافق لما فى التاريخ . (٣) الأثر: ٦٦٦٨ - سيرة ابن هشام ٣: ٥٠ / تاريخ الطبرى ٢: ٢٩٧. (٤) الأثر ٦٦٦٩ - سيرة ابن هشام ٣: ٥١. ٢٢٩ تفسير سورة آل عمران : ١٣،١٢ قال أبو جعفر: فكل هذه الأخبار تنبئ عن أن المخاطبين بقوله: ((ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد))، هم اليهود المقولُ لهم: ((قد كان لكم آية فى فئتين))، الآية - وتدل على أن قراءة ذلك بالتاء، أولى من قراءته بالياء . ٠ ٠ ومعنى قوله: ((وتحشرون))، وتجمعون، فتجلبون إلى جهنم . (١) وأما قوله: ((وبئس المهاد))، وبئس الفراش جهنم التى تحشرون إليها. (٢) وكان مجاهد يقول كالذى : - ٦٦٧١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((وبئس المهاد))، قال: بئسما مَهدُوا لأنفسهم . ٦٦٧٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿قَدْ كَانَ لَحُكُمْءَايَةٌ فِ فِشْتَبْنِ اَلْتَقَتَائِثَّةُ ◌ُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ◌ُقُلْ، يا محمد، للذين كفروا من اليهود الذين بين ظهرانَىْ بلدك: ((قد كان لكم آية))، يعنى: علامةٌ ودلالةٌ على صدق ما أقول: إنكم ستغلبون، وعبرة، (٣) كما : - ٦٦٧٣ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (١) لم يفسر أبو جعفر ((تحشرون)) فيما سلف ٤: ٢٢٨، وذلك دليل على ما روى من اختصاره هذا التفسير اختصاراً . (٢) انظر ما سلف ٤ : ٢٤٦ (٣) انظر تفسير ((الآية)) فى (أبى ) من فهارس اللغة. ٢٣٠ تفسير سورة آل عمران : ١٣ ((قد كان لكم آية ))، عبرة" وتفكر . ٦٦٧٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله = إلا أنه قال: ومُنْفَكّر . = ((فى فئتين))، يعنى: فى فرقتين وحزبين = و((الفئة)) الجماعة من الناس.(١) = ((التقتا)) للحرب، وإحدى الفئتين رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن كان معه ممن شهد وقعة بدر ، والأخرى مشركو قريش . -« فئة تُقاتل فى سبيل الله))، جماعة تقاتل فى طاعة الله وعلى دينه ، (٢) وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه = ((وأخرى كافرة))، وهم مشركوقريش، كما : - ٦٦٧٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسمق قال ، حدثی محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ((قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله))، أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدر = ((وأخرى كافرة))، فئة قريش الكفار . (٣) ٦٦٧٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن محمد بن أمی محمد مولی زید بن ثابت ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس مثله . (٣) ٦٦٧٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنى حجاج ، عن ابن (١) انظر ما سلف فى تفسير ((فتة)) ٥ : ٣٥٣،٣٥٢. (٢) انظر تفسير ((سبيل الله)) فيما سلف ٢: ٤٩٧ / ثم ٣: ٥٦٣، ٥٨٣/ ٤: ٣١٨/ ثم ٥ : ٢٨٠. (٣) الأثران: ٦٦٧٥، ٦٦٧٦ - سيرة ابن هشام ٣: ٥١ باختلاف فى اللفظ، لاختلاف الرواية عنه . ٢٣١ تفسير سورة آل عمران : ١٣ جريج، عن عكرمة: ((قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله))، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه = ((وأخرى كافرة )) ، قریش يوم بدر . ٦٦٧٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((قد كان لكم آية فى فئتين))، قال : فی محمد وأصحابه ، ومشرکی قریش یوم بدر . ٦٦٧٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٦٦٨٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثورى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: (( قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله))، قال : ذلك يوم بدر ، التقى المسلمون والكفار . ١٣٠/٣ ٠٠ ٠ قال أبو جعفر: ورفعت: ((فئةٌ تقاتل فى سبيل اللّه))، وقد قيل قبل ذلك : ((فى فئتين))، بمعنى: إحداهما تقاتل فى سبيل الله - على الابتداء، كما قال الشاعر : (١) فَكُنْتُ كَذِى رِ جْلَيْنِ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ وَرِجْلٌ رَمَى فِيهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ (٢) (١) هو كثير عزة . (٢) ديوانه ٤٦:١، ومعانى القرآن الفراء ١: ١٩٢، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٨٧، وسيبويه ١: ٢١٥، والخزانة ٢: ٣٧٦ وغيرها كثير، وسيأتى فى التفسير ٣٠: ٥٨ (بولاق)، وهو من قصيدته التائية المشهورة ، وهذا البيت معطوف على أمنية تمناها فى الأبيات السالفة : ٠٠٠٠٠ فَلْتَ قَلُوصِى عِنْدَ عَزَّةَ قُّدَتْ بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ غُرَّ مِنْهَا فَضَلَّتِ وغُودِرَ فِىِ الحَىِّ الْمُقِيِينَ رَحْلُهَا وَكَانَ لَهَا بِغِ سِوَاىَ فَبَلَّتِ وَكُنْتُ كَذِى رِ جْلَّيْنِ: رِجْلٌ صَحِيحٌ قال الأعلى: ((تمنى أن تشل إحدى رجليه وهو عندها، وتضل ناقته فلا يرحل عنها)). وقال آخرون: ((تمنى أن تضع قلوسه فيهتى فى حى عزة ، فيكون ببقائه فى حى عزة كذى رجل صحيحة ، ويكون من عدمه إقليمه كنى رجل عليلة)). وقال ابن سيدة: «لما خانته عزة العهد فزلت عن عهده، وثبت هو ٢٣٢ تفسير سورة آل عمران : ١٣ وكما قال ابن مفرِّغ: (١) وَرِجْلٌ بِهَاَ رَيْبٌ مِنَ الحَدَثَنِ (٣) فَكُنْتُ كَذِىِرِ جْلَيْنِ:رِجْلٌ صَحِيحَةٌ فَأَمَّا أَّتِ صَحَّتْ فَأَزْدُ شَنُوءَةٍ، وَأَمَّا الّتِى شَّتْ فَزْدُ عَانٍ وكذلك تفعل العرب فى كل مكرر على نظير له قد تقدمه ، إذا كان مع المكرر خبر: تردُّه على إعراب الأوّل مرة، وتستأنفه ثانيةً بالرفع، وتنصبه فى التام من الفعل والناقص. وقد ◌ُجُرّ ذلك كله ، فخفض على الردّ على أوّل الكلام، كأنه يعنى إذا خفض ذلك : فكنت كذلك رجلين : كذى رجل صحيحة ورجل سقيمة. وكذلك الخفض فى قوله: ((فئة))، جائز على الردّ على قوله: ((فى فئتين التقتا)) ، فى فئة تقاتل فى سبيل الله . " وهذا وإن كان جائزاً فى العربية، فلا أستجيز القراءة به ، لإجماع الحجة من القرأة على خلافه. ولو كان قوله: ((فئة))، جاء نصباً، كان جائزاً أيضاً على قوله: ((قد كان لكم آية فى فئتين التقتا))، مختلفتين. (٣) * على عهدها ، صار كذى رجلين : رجل صحيحة: هوثباته على عهدها ، وأخرى مريضة : وهو زللها عن عهده)). وقال آخرون: ((معنى البيت: أنه بين خوف ورجاء، وقرب وتناء))، ولى فى معنى الأبيات رأى ليس هذا موضع بيانه . (١) لم أعرف نسبة هذا الشعر إلى ابن مفرغ، وهو بلا شك النجاشى الحارثى، من قصيدته فى معاوية وعلى، وأكثرها فى الوحشيات لأبى تمام ، ووقعة صفين : ٦٠١ - ٦٠٥. (٢) الوحشيات رقم: ١٨٣، وحماسة ابن الشجرى: ٣٣، وخزانة الأدب ٢: ٣٧٨. وأرد شنوءة، وأزد عمان، كانا من القبائل التى قاتلت يوم صفين، وكانت أزد شنودة مع أهل الشام، وأزد عمان فى أهل العراق. ورواية الشعر: ((وكنتم كذى رجلين ... ))، والخطاب لبنى تميم وغطفان فى قوله قبل ذلك: تَمِيماً، وَهْذَا الحَىَّ مِنْ غَطَفَان أَيَا رَاكِبَا إِنَّا عَرَضْتَ قَبِّلُّغَنْ بيد أن رواية البيت : وَأُمَّا التى صَخَّتْ فَأَزْدُ ثُمَانٍ فَأَمَّا التى شَلَّتْ فَأَزْدُ شَنُوءَةٍ لأن النجاشى كان مع على ، وكانت أزد عمان معه . أما أزدشنودة فكانت مع معاوية . (٣) انظر أكثر هذا وأبسط منه فى معانى القرآن الفراء ١ : ١٩٢ - ١٩٤، وبجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٨٧، ٨٨ . ٢٣٣ تفسير سورة آل عمران : ١٣ القول فى تأويل قوله ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ﴾ قال أبو جعفر : اختلفت القرأةُ فى قراءة ذلك . فقرأته قرأة أهل المدينة: ( تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء ، بمعنى: قد كان لكم أيها اليهود آيةٌ فى فئتين التقتا، فئة تقاتل فى سبيل الله، والأخرى كافرةٌ، ترونَ المشركين مثلى المسلمين رأى العين. يريد بذلك عِظَتهم، يقول: إن لكم عبرةً، أيها اليهود، فيما رأيتم من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين ، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم ، بهؤلاء مع كثرة عددهم. # وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة والبصرة وبعض المكيين: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ بالياء ، بمعنى : يرى المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله، الجماعةَ الكافرةَ مثلى المسلمين فى القدْر. فتأويل الآية على قراءتهم: قد كان لكم، يا معشر اليهود، عبرةٌ ومتفكرٌ فى فئتين التقتا، فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة، يرى هؤلاء المسلمون مع قلة عددهم، هؤلاء المشركين فى كثرة عددهم . # # فإن قال قائل : وما وجه تأويل قراءة من قرأ ذلك بالياء ؟ وأىّ الفئتين رأت صاحبتها مثليها ؟ الفئة المسلمةُ هى التى رأت المشركة مثليها ، أم المشركة هى التى رأت المسلمة كذلك ، أم غيرهما رأت إحداهما كذلك ؟ قيل : اختلف أهل التأويل فى ذلك . فقال بعضهم: الفئةُ التى رأت الأخرى مثلى أنفسها، الفئةُ المسلمة رأت عدَد الفئة المشركة مثلى عدد الفئة المسلمة، قلَّلها اللّه عز وجل فى أعينها حتى رأتها مثلى عدد أنفسها ، (١) ثم قللها فى حال أخرى فرأتها مثل عَدَدَ أنفسها. (١) قوله: ((قلها اللّه عز وجل فى أعينها))، وذلك أن المشركين كانوا أكثر منهم أمثالا، فأراهم الله عددهم مثليهم وحسب. وسيأتى بيان ذلك بعد قليل . وانظر التعليق التالى . ٢٣٤ تفسير سورة آل عمران: ١٣ ذكر من قال ذلك : ٠ ٦٦٨١ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى فى خبر ذكره ، عن مرة الهمدانى، عن ابن مسعود: ((قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين))، قال : هذا يوم بدر . قال عبد الله بن مسعود : قد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضْعِفون علينا ، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً ، وذلك قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ يُرِيَكُمُوهُمْ إِذِ الْتَغَيُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلُِّكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ﴾ [ سورة الأنفال : ٤٤ ] # فمعنى الآية على هذا التأويل: قد كان لكم، يا معشر اليهود، آيةٌ فى فئتين التقتا: إحداهما مسلمة والأخرى كافرة ، كثيرٌ عدد الكافرة ، قليلٌ عدد المسلمة، ترى الفئة القليلُ عددُها الكثيرَ عددُها أمثالاً ، أنها إنما تكثر من العدد بمثل واحد، (١) فهم يرونهم مثليهم. فيكون أحدُ المثلين عند ذلك، العددُ الذى هو مثل عدد الفئة التى رأتهم ، والمثل الآخر الضّعف الزائد على عددهم. فهذا أحد معنى التقليل الذى أخبر الله عز وجل المؤمنين أنه قلَّلهم فى أعينهم . ٠٠ ١٣١/٣ والمعنى الآخر منه : التقليل الثانى ، على ما قاله ابن مسعود : وهو أنْ أراهم عددَ المشركين مثل عددهم ، لا يزيدون عليهم . فذلك التقليل الثانى الذى قال اللّه جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ يُرِيَكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾. وقال آخرون من أهل هذه المقالة : إن الذين رأوا المشركين مثلىْ أنفسهم ، هم (١) فى المطبوعة: (( ... أمثالا لها أنها تكثرها ... ))، والصواب من المخطوطة، وكأن الطابع خفى عليه معنى الحصر فى هذا الكلام، فغيره. وانظر التعليق السالف. ٢٣٥ تفسير سورة آل عمران : ١٣ المسلمون . غير أن المسلمين رَأوهم على ما كانوا به من عددهم لم يقلّلوا فى أعينهم ، ولكن اللّه أيدهم بنصره . قالوا : ولذلك قال الله عز وجل لليهود : قد كان لكم فيهم عبرةٌ، يخوّفهم بذلك أنْ يحل بهم منهم مثل الذى أحَلَّ بأهل بدر على أيديهم . * ذكر من قال ذلك : ٦٦٨٢ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة))، أنزلت فى التخفيف يوم بدر، فإن المؤمنين كانوا يومئذ ثلثمئة وثلاثة عشر رجلا ، (١) وكان المشركون مثليهم ، فأنزل الله عز وجل : (قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين))، وكان المشركون ستةً وعشرين وستمئة ، فأيد الله المؤمنين . فكان هذا الذى فى التخفيف على المؤمنين . * قال أبو جعفر : وهذه الرواية خلافُ ما تظاهرت به الأخبار عن عدة المشركين يوم بدر . وذلك أن الناس إنما اختلفوا فى عددهم على وجهين . فقال بعضهم : كان عددهم ألفاً = وقال بعضهم : ما بين التسمعئة إلى الألف . * ذكر من قال: ((كان عددهم ألفاً)). ٦٦٨٣ - حدثنى هرون بن إسحق الهمدانى قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال ، حدثنا إسرائيل قال ، حدثنا أبو إسحق ، عن حارثة ، عن على قال : سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط . فأما القرشىّ فانفلت ، وأما مولى (١) فى المطبوعة: ((كأن المؤمنين كانوا ... ))، وهو فاسد جداً، لم يحسن الناشر أن يقرأ المخطوطة ، فقرأها على وجه لا يصح . ٢٣٦ تفسير سورة آل عمران: ١٣ عقبة فأخذناه ، فجعلنا نقول : كم القوم؟ فيقول: هم واللّه كثير شديدٌ بأسُهم ! فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه ، (١) حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: كم القوم؟ فقال: هم والله كثير شديدٌ بأسهم ! فجهد النبى صلى اللّه عليه وسلم على أن يخبره كم هم ، فأبى . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله : كم يَنحرون من الجزر ؟ قال: عشرة كل يوم. (٢) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القومُ ألفٌ . (٣). ٦٦٨٤ - حدثنى أبو سعيد بن يوشع البغدادى قال، حدثنا إسحق بن منصور، عن إسرائيل ، عن أبى إسحق ، عن أبى عبيدة ، عن عبد اللّه قال: أسرنا رجلا منهم - يعنى من المشركين - يوم بدر، فقلنا : كم كنتم ؟ قال: ألفاً . (٤) # # * ذكر من قال: ((كان عددهم ما بين التسمعئة إلى الألف)): ٦٦٨٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحق، حدثنى يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم نفراً من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبرَ له عليه ، (٥) فأصابوا راويةً من قريش: (٦) فيها أسلم، غلام بنى الحجاج ، وَعريض أبو يسار غلام بنى العاص . فأتوا بهما (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((إذا قال ذلك صدقوه))، وهو خطأ بين، والصواب من تاريخ الطبرى ، وسيأتى مرجعه فى آخر الأثر . (٢) فى التاريخ: ((عشراً))، وهى الأجود. والجزر جمع جزور: وهى الناقة المجزورة أو البعير المجزور ، فهو يقع على الذكر والأنثى . (٣) الأثر: ٦٦٨٣ - تاريخ الطبرى ٢ : ٢٦٩. (٤) الأثر: ٦٦٨٤ - ((أبر سعيد بن يوشع البغدادى))، لم أجد له ترجمة فيما بين يدى من الكتب ، وانظر رقم : ٦٦٩٠ أيضاً . عليه)» بينهما بياض ، وأتمتها المطبوعة ، كنص ابن هشام. (٥) فى المخطوطة: ((يلتمسون له (٦) الراوية: هى المزادة فيها الماء، ثم سمى البعير الذى يستسقى عليه الماء ((راوية))، وسمى الرجل المستسى أيضاً ((راوية)). وجاء فى روايته هنا بالإفراد ((راوية))، وهى بمعنى الجمع، أى الذين يستقون القوم ، أو الإبل التى يستى عليها . ٢٣٧ تفسير سورة آل عمران : ١٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما: كم القوم؟ قالا : كثير ! قال : ما عدّتهم؟ قالا : لا ندرى ! قال : كم ينحرون كل يوم؟ قالا : يوماً تسعاً، ويوماً عشراً. قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: القومُ ما بين التسعمئة إلى الألف . (١) ٦٦٨٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين))، ذلكم يوم بدر، ألفٌ المشركون أو قاربوا، (٢) وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمئة وبضعة عشر رجلا . ٦٦٨٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر عن قتادة فى قوله: ((قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة)) إلى قوله: ((رأى العين))، قال : يُضْعفون عليهم، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، يوم بدر . ١٣٢/٣ ٦٦٨٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين )) ، قال : كان ذلك يوم بدر ، وكان المشركون تسعمئة وخمسين ، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثلثمئة وثلاثة عشر . ٦٦٨٩ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج : كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلثمئة وبضعة عشر ، والمشركون ما بين التسعمئة إلى الألف . # (١) الأثر: ٦٦٨٥ - هو مختصر ما فى سيرة ابن هشام ٢: ٢٦٨، ٢٦٩، وتاريخ الطبرى ٢ : ٢٧٥ (٢) فى المخطوطة: ((ألف))، وعلى اللام الأولى شدة، وأظنه كان أراد أن يكتب: ((لألف)). ٢٣٨ تفسير سورة آل عمران : ١٣ قال أبو جعفر : فكل هؤلاء الذين ذكرنا مخالفون القول الذى رويناه عن ابن عباس فی عدد المشر کین یوم بدر . فإذا کان ما قاله من حکینا قوله - ممن ذكر أن عددهم كان زائداً على التسعمئة ــ [ صحيحاً]، (١) فالتأويل الأول الذى قلناه على الرواية التى روينا عن ابن مسعود ، أولى بتأويل الآية . ٥ وقال آخرون : كان عددُ المشركين زائداً على التسعمئة ، فرأى المسلمون عدّدَهم على غير ما كانوا به من العدد. وقالوا: أرى اللّهُ المسلمين عددَ المشركين قليلاً، آية للمسلمين. قالوا: وإنما عنى الله عز وجل بقوله: ((يروهم مثليهم)) ، المخاطبين بقوله: ((قد كان لكم آية فى فئتين)). قالوا : وهم اليهود ، غير أنه رجع من المخاطبة إلى الخبر عن الغائب، لأنه أمرٌ من الله جل ثناؤه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يقول ذلك لهم ، فحسن أن يخاطب مرة، ويخبرَ عنهم على وجه الخبر مرّة أخرى، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِ الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾(٢) [ سورة يونس: ٢٢ ] وقالوا: فإن قال لنا قائل: فكيف قيل: (( يَرَونهم مثليهم رأى العين))، وقد علمتم أن المشركين كانوا يومئذ ثلاثة أمثال المسلمين ؟ قلنا لهم: كما يقول القائل وعنده عبد: ((أحتاج إلى مثله))، فأنت محتاج إليه وإلى مثله، (٣) ثم يقول: ((أحتاج إلى مثليه))، فيكون ذلك خبراً عن حاجته إلى مثله، وإلى مثلَىْ ذلك المثل. (٤) وكما يقول الرجل: ((معى ألفٌ وأحتاج (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فإذا كان ما قاله من حكيناه ممن ذكر أن عددهم كان زائداً على التسعمئة فالتأويل الأول ... ))، وهى عبارة غير مستقيمة، وسهو الناسخ كثير ، فرجحت أن صوابها: ((حكينا قوله)) فى الموضع الأول، وزيادة ((صحيحاً)) فى آخر الجملة كما وضعتها بين القوسين. (٢) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ١٩٥. (٣) فى المطبوعة: ((أنا محتاج إليه وإلى مثله))، وهو إفساد. والصواب من المخطوطة ومعانى القرآن للفراء ١ : ١٩٤ . (٤) عبارة الفراء أوضح وهى: ((فأنت إلى ثلاثة محتاج)). ٢٣٩ تفسير سورة آل عمران : ١٣ إلى مثليه)). فهو محتاج إلى ثلاثة. (١) فلما نوى أن يكون ((الألف)) داخلاً فى معنى ((المثل)) صار ((المثل)) اثنين، والاثنان ثلاثة. (٢) قال: ومثله فى الكلام: (٣) ((أراكم مثلكم))، كأنه قال: أراكم ضعفكم = (٤) «وأراكم مثليكم)). يعنى: أراكم ضعفيكم . قالوا : فهذا على معنى ثلاثة أمثالهم . (٥) ٠ ٠ وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنّ اللّه أرى الفئة الكافرةَ عددَ الفئة المسلمة مثلَیْ عددهم . وهذا أيضاً خلاف ما دلّ عليه ظاهر التنزيل. لأن الله جل ثناؤه قال فى كتابه: ﴿وَإِذْ يُرِيَكُوهُمْ إِذِ الْتَقْتُ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقْلَُّكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ﴾ [سورة الأنفال: ٤٤]، فأخبر أن كلا من الطائفتين قلل عددها فى مرأى الأخرى. ٠٠ قال أبو جعفر: وقرأ آخرون ذلك: ﴿تُرَوْنَهُمْ﴾ بضم التاء ، بمعنى : يريكوهم الله مثليهم . قال أبو جعفر: وأولى هذه القراآت بالصواب، قراءةُ من قرأ: ((يرونهم)) بالياء ، بمعنى : وأخرى كافرة ، يراهم المسلمون مثليهم - يعنى : مثلى عدد # (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وهو محتاج))، والسياق يقتضى الفاء، كما فى معانى القرآن للفراء: ((فهو يحتاج)) ... )) (٢) فى المطبوعة: ((صار المثل أشرف والاثنان ثلاثة))، وهو تصحيف، وفى المخطوطة: ((أسرب)) غير واضحة بل مضطربة، والصواب من معانى القرآن للفراء. (٣) قوله: ((قال)) يعنى الفراء، فالذى مضى والذى يأتى نص كلامه أو شبيه بنص كلامه أحياناً ، وقلما يصرح أبو جعفر باسم الفراء ، كما رأيت فى جميع المواضع التى أشرنا إليها مراراً ، أنه نقل عنه نص كلامه . (٤) فى المطبوعة والمخطوطة: (( كما يقال إن لكم ضعفكم))، وهو كلام بلا معنى، واستظهرت صوابه من نص الفراء فى معانى القرآن وهو: ((ومثله فى الكلام أن تقول: أراكم مثلكم - كأنك قلت : أراكم ضعفكم)). (٥) أكثر هذا بنصه من معانى القرآن للفراء ١٩٤:١. ٢٤٠ تفسير سورة آل عمران : ١٣ المسلمين، لتقليل اللّه إياهم فى أعينهم فى حال، فكان حَزْرهم إياهم كذلك، ثم قللهم فى أعينهم عن التقليل الأول، فحزروهم مثل عدد المسلمين ، (١) ثم تقليلاً ثالثاً ، فحزروهم أقل من عدد المسلمين ، كما : - ٦٦٩٠ - حدثنى أبو سعيد البغدادى قال ، حدثنا إسحق بن منصور ، عن إسرائيل، عن أبى إسحق، عن أبى عبيدة، عن عبد اللّه قال: لقد قُلِّلوا فى أعيننا يوم بدر ، حتى قلت لرجل إلى جنبى : تَرَاهم سبعين؟ قال: أراهم مئة . قال : فأسرنا رجلا منهم فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفاً . وقد روى عن قتادة أنه كان يقول: لو كانت: ((ترونهم))، لكانت ((( مثلیكم)). ٦٦٩١ - حدثنى المثنى قال، حدثنى عبد الرحمن بن أبى حماد ، عن ابن المبارك ، عن معمر ، عن قتادة بذلك . (٢) قال أبو جعفر : ففى الخبرين اللذين روينا عن عبد الله بن مسعود ، ما أبان عن اختلاف خَزْر المسلمين يومئذ عددَ المشركين فى الأوقات المختلفة . فأخبر اللّه: عز وجل - عما كان من اختلاف أحوال عددهم عند المسلمين - اليهودَ ، على (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((مثلى عدد المسلمين)) هنا أيضاً، وهو خطأ ظاهر، والسياق الماضى والآتى يدل على خلافه ، وهو كما أثبت . (٢) الأثر: ٦٦٩١ - ((عبد الرحمن بن أبى حماد)) لم أعرف من هو على التحقيق. وقد مر ((عبد الرحمن بن أبى حماد الكوفى القارئ)) فى رقم: ٣١٠٩، ٤٠٧٧، ولكن لم يرو عنه ((المثنى)) إلا بالواسطة، وإسناده: ((حدثنى المثنى قال حدثنا إسحق، عن عبد الرحمن بن أبى حماد)»، ولا أظنه هو هو. وقد جاء فى تاريخ الطبرى ١: ١٧١: ((حدثنى المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن أبى حماد ... ))، فأكبر الظن أنهما رجلان . أما ((ابن المبارك)) فهو ((عبد الله المبارك)) فيما رجحت، وقد كان فى المطبوعة ((عن ابن المعرك))، ولم أجد من يسمى بهذا الاسم، وفى المخطوطة: ((عن ابن المسرل)) كأنها ميم وسين ثم راء ثم كاف أو لام. فلعلها كانت مكتوبة فى الأصل ((ابن المبرك)) بغير ألف بين الباء والراء، فقرأها الناسخ هكذا. والله أعلم .