النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
تفسير سورة آل عمران : ٧
لما قد دللنا عليه قبلُ من إخبار الله جل ثناؤه أن ذلك التأويل لا يعلمه إلاّ اللّه.
ولا شك أن معنى قوله: ((قضينا)) ((فعلنا))، قد علم تأويله كثيرٌ من جهلة ١٢٢/٣
أهل الشرك ، فضلاً عن أهل الإيمان وأهل الرسوخ فى العلم منهم .
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّ اللهُ وَالرَّسِخُونَ
فِ الِْ يَقُولُونَ ، مَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبَِّ)
قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك : وما يعلم وقتَ قيام الساعة ، وانقضاء
مدة أكل محمد وأمته ، (١) وما هو كائن، إلا اللّه، دون مَنْ سواه من البشر الذين
أمَّلوا إدراك علم ذلك من قبل الحساب والتنجيم والكهانة . وأما الراسخون فى العلم
فيقولون: ((آمنا به، كل من عند ربنا)) - لا يعلمون ذلك، ولكن فَضْل علمهم
فى ذلك على غيرهم ، العلمُ بأن الله هو العالم بذلك دون مَنْ سواه من خلقه.
٠٠
٠
واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك، وهل ((الراسخون )) معطوف على اسم
(الله))، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أمْ هم مستأنفٌ ذكرهم، (٢) بمعنى
الخبر عنهم أنهم يقولون: آمنا بالمتشابه وصدّقنا أنّ علم ذلك لا يعلمه إلا الله ؟
فقال بعضهم : معنى ذلك : وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفرداً بعلمه .
وأما الراسخون فى العلم ، فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون : آمنا بالمتشابه
والمحكم ، وأنّ جميع ذلك من عند الله .
• ذكر من قال ذلك :
(١) فى المطبوعة: ((مدة أجل محمد ... ))، والصواب ما فى المخطوطة، وانظر التعليق
السالف ص : ١٩٦ رقم : ١ ٠
(٢) فى المطبوعة: ((أوهم مستأنف ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٢٠٢
تفسير سورة آل عمران : ٧
٦٦٢٦ - حدثنى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثنا خالد بن
نزار، عن نافع، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قوله: ((والراسخون فى العلم
يقولون آمنا به)»، قالت : كان من رسوخهم فى العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه، ولم
يعلموا تأويله . (١)
٦٦٢٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: كان ابن عباس يقول: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلَّ اللهُ، وَ يَقُولُ الرَّاسِخُونَ [ فِىِ الِ] آمَنَّا بِهِ﴾(٢)
٦٦٢٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنى ابن أبى الزناد
قال، قال هشام بن عروة: كان أبى يقول فى هذه الآية، ((وما يعلم تأويله إلاّ
اللّه والراسخون فى العلم))، أنّ الراسخين فى العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون:
(( آمنا به كل من عند ربنا)).
٦٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا
عبيد اللّه، عن أبى نهيك الأسدى قوله: ((وما يعلم تأويله إلاّ اللّه والراسخون فى
العلم ))، فيقول: إنكم تصلون هذه الآية، وإنها مقطوعة: (( وما يعلم تأويله
إلاّ اللّه = والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا))، فانتهى علمهم
إلى قولهم الذى قالوا .
(١) الأثر: ٦٦٢٦ - انظر الأثر السالف رقم : ٦٦١٤، والتعليق عليه.
(٢) فى المطبوعة ((يقول الراسخون)) بحذف الواو. والصواب إثباتها، لأنه سيأتى فى ص: ٢٠٤
س : ١٣ أن ابن عباس هكذا كان يقرأها. وأنا أرجح أن الصواب كان فى الأصل ((كان ابن عباس
يقرأ)) ((وما يعلم تأويله ... ))، ولكن الناسخ مضى على عجلته، فكتب مكان ((يقرأ)) ((يقول))،
ثم أسقط الواو من «ويقول الراسخون ... )). فلذلك أثبت الواو، وهى الصواب المحض إن شاء الله.
ومن أجل ذلك زدت بين القوسين [ فى العلم]، لأن هذه قراءة فى الآية، لا تفسير من ابن عباس ،
ولم يرو إسقاط [فى العلم] من قراءة أحد من القرأة.

٢٠٣
تفسير سورة آل عمران : ٧
٦٦٣٠ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا ابن دكين قال ، حدثنا عمرو بن عثمان
ابن عبد الله بن موهب قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: ((والراسمون
فى العلم))، انتهى علم الراسخين فى العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا، ((آمنا به كل" من عندربنا».
٦٦٣١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا أشهب، عن مالك فى قوله: (( وما يعلم
تأويله إلا الله))، قال: ثم ابتدأ فقال: ((والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من
عند ربنا )) ، وليس يعلمون تأويله .
*
وقال آخرون: بل معنى ذلك : وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون فى العلم ، وهم
مع علمهم بذلك ورسوخهم فى العلم يقولون: ((آمنا به كلّ من عند ربنا)).
• ذكر من قال ذلك :
٦٦٣٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ،، عن ابن عباس أنه قال : أنا ممن يعلم تأويله .
٦٦٣٣ - حدثنى محد بن عمروقال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((والراسخون فى العلم)) يعلمون تأويله، ويقولون: ((آمنا به)).
٦٦٣٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((والراسخون فى العلم يعلمون تأويله، ويقولون: ((آمنا به)).
٦٦٣٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع: ((والراسخون فى العلم)) يعلمون تأويله ويقولون: ((آمنا به)).
٦٦٣٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد بن
جعفر بن الزبير: ((وما يعلم تأويله)) الذى أراد، ما أراد، (١) (( إلاّ اللّه والراسخون
فى العلم يقولون آمنا به كلّ من عند ربنا))، فكيف يختلف، وهو قولٌ واحدٌ
(١) هكذا فى المخطوطة والمطبوعة وتفسير ابن كثير ٢: ١٠٠، أما سيرة ابن هشام ٢، ٢٢٦
ففيها ((أى: الذى به أرادوا ما أرادوا))، وكأن الصواب ما فى التفسير، وقوله: ((ما أراد))
استفهام. أما قوله: ((الذى أراد))، أى الذى أراده الله سبحانه. وما فى سيرة ابن هشام صواب
أيضاً، والضمير فى أرادوا))يعنى به الذين يتبعون ماتشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهذا ما أرادوا.

٢٠٤
تفسير سورة آل عمران : ٧
١٢٢/٣ من ربّ واحد؟(١) ثم ردّوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التى
لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتَّسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضاً،
فنفذَت به الحجة، وظهر به العذر، وزاحَ به الباطل، (٢) ودُ مُغ به الكفر. (٣)
...
قال أبو جعفر: فمن قال القول الأول فى ذلك ، وقال : إن الراسخين لا يعلمون
تأويل ذلك ، وإنما أخبر الله عنهم بإيمانهم وتصديقهم بأنه من عند الله،
فإنه يرفع (الراسخين فى العلم)) بالابتداء فى قول البصريين، ويجعل خبره: ((يقولون آمنا
به)). وأما فى قول بعض الكوفيين، فبالعائد من ذكرهم فى (( يقولون)». وفى قول
بعضهم: بجملة الخبر عنهم، وهى: ((يقولون)).
...
ومن قال القول الثانى، وزعم أنّ الراسخين يعلمون تأويله، عطف بـ ((الراسخين))
على اسم ((الله))، فرفعهم بالعطف عليه.
٠
٠ ٠
قال أبو جعفر : والصواب عندنا فى ذلك أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم
وهو: ((يقولون))، لما قد بينا قبل من أنهم لا يعلمون تأويل المتشابه الذى ذكره
الله عز وجل فى هذه الآية. وهو فيما بلغنى مع ذلك فى قراءة أبيّ: ﴿ وَيَقُولُ
الرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾ كما ذكرناه عن ابن عباس أنه كان يقرؤُه (٤) وفى قراءة
عبد الله: ﴿إِنْ تَأْوِيُهُ إِلَّ عِنْدَ الله وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِ يَقُولُونَ ﴾
. .
قال أبو جعفر: وأما معنى ((التأويل)) فى كلام العرب، فإنه التفسير والمرجع
والمصير . وقد أنشد بعضُ الرواة بيتَ الأعشى:
(١) من أول قوله: ((كل من عند ربنا)) إلى قوله: ((من رب واحد)) زيادة من نص
رواية ابن هشام فى السيرة ٢ : ٢٢٦، ولا شك أن الناسخ قد أسقطها من عجلته وسهوه .
(٢) زاح الشىء يزيح زيحاً وزيوحاً، وانزاح هو أيضاً (كلاهما لازم): ذهب وتباعد وزال .
(٣) الأثر ٦٦٣٦ - هو بقية الآثار السالفة التى آخرها رقم : ٦٦٢٥ بإسناده عن ابن
إسحق، وهو فى سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٦.
(٤) انظر التعليق السالف على الأثر: ٦٦٢٧، ص: ٢٠٢ س: ٧، تعليق: ٢.

٠٥ ٢
تفسير سورة آل عمران : ٧
عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَأَوُّلُ حُبَِّ تَأَوَّلَ رِبْعِىِّ السَّقَبِ فَأَصْحَبَ(١)
وأصلهُ من: ((آل الشىء إلى كذا)) - إذا صار إليه ورَجَع ((يَؤُول أوْلاً))
و((أوَّلته أنا )) صيرته إليه. وقد قيل إنّ قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [سورة النساء ٥٩]
سورة الإسراء: ٣٥] أى جزاءً. وذلك أن ((الجزاء)) هو الذى آل إليه أمر القوم وصار إليه.
ويعنى بقوله: ((تأوّلُ ◌ُحبها)): تفسير حبها ومرجعه. (١) وإنما يريد بذلك أنّ"
حبها كان صغيراً فى قلبه، فآلَ من الصّغر إلى العظم، فلم يزل ينبت حتى أصحّب، فصار
قديماً ، كالسَّقْب الصغير الذى لم يزل يشبّ حتى أصحَبّ فصار كبيراً مثل أمه. (٢)
(١) ديوانه: ٨٨، مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٨٦ الصاحبى: ١٦٤، اللسان (صحب)
( ربع) (أول) (ولى)، ثم ما سيأتى بعد قليل من ذكر رواية أخرى، لم أجدها فى غيره بعد.
أما الرواية الأخرى التى جاءت فى اللسان (ربع)، (ولى) فهى :
تَوَالِىَ رِبْمِيِّ السَّقَبِ فَأَصْحَبَا
عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَوَّى أَجْنَبِيَّةً
الربعى : الذى ولد فى أول النتاج . والسقاب جمع سقب ( بفتح فسكون) : وولد الناقة ساعة
تضعها يقال له (سليل)» قبل أن يعرف أذكر هو أم أنثى، فإذا علم أنه ذكر فهو ((سقب)).
وأصحب : ذل وانقاد وأطاع . وهذا البيت بهذه الرواية التى ذكرتها هنا، قد فسرها الأزهرى وقال:
(( هكذا سمعت "عرب تنشده. وفسروا ((توالى ربعى السقاب)) أنه من الموالاة: وهو تمييز شىء من
شىء. يقال: ((والينا الفصلان عن أمهاتها فتوالت))، أى فصلناها عنها عند تمام الحول، وتشتد
عليها الموالاة ، ويكثر حنينها فى إثر أمهاتها ، ويتخذ لها خندق تحبس فيه وتسرح الأمهات فى
وجه من مراتعها . فإذا تباعدت عن أولادها سرحت الأولاد فى جهة غير جهة الأمهات ، فترعى
وحدها ، فتستمر على ذلك وتصحب بعد أيام . أخبر الأعشى أن نوى صاحبته اشتدت عليه ،
فحن إليها حنين ربعى النتاب إذا وولى ( فصل) عن أمه . وأخبر أن هذا الفصيل يستمر على
الموالاة ، وأنه يصحب إصحاب السقب . قال الأزهرى: وإنما فسرت هذا البيت ، لأن الرواة لما
أشكل عليهم معناه، تخبطوا فى استخراجه وخلطوا، ولم يعرفوا منه ما يعرفه من شاهد القوم فى باديتهم)).
أما الرواية الأولى، فقد شرحها أبو جعفر فيما يلى. وأما روايته الثانية، وهى قوله: ((توابع
حبها))، فإنى لم أدر ما معناها، وأخشى أن يكون صوابها: ((نزائع حبها)). والنزائع جمع نزيعة،
يقال : ناقة نازع من فوق نوازع . وناقة نزيعة : وهى التى تحن إلى وطنها . نزع البعير إلى وطنه :
حن واشتاق .
(٢) فى المخطوطة: ((وتفسير حبها ... )) بزيادة الواو، وهو خطأ. وهذا نص أبى عبيدة فى
مجاز القرآن ١: ٨٧، على خطأ فيه، إذ ظن الناشر أن قوله: ((تفسيره))، بمعنى الشرح والبيان
لهذه الكلمة فوضع بعد نقطتان هكذا: ((تفسيره: ومرجعه)) وعندئذ فلا معنى الواو فى ((ومرجعه))،
والصواب ما أثبتناه .
(٣) إنظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٨٧.

٢٠٦
تفسير سورة آل عمران : ٧
وقد يُنشد هذا البيت :
عَلَى أَنَّهَ كَانَتْ تَوَابِعُ حُبَِّ تَوَالِيَ رِبْعِيِّ السََّبِ فَأَصْحَباً(١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَالرّ سِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ،إِمَنَّا بِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بـ ((الراسخين فى العلم))، العلماء الذين قد أتقنوا علمهم
ووَعَوْه فحفظوه حفظاً ، لا يدخلهم فى معرفتهم وعلمهم بما علموه شكّ
ولا لبس .
٠
وأصل ذلك من: ((رسوخ الشىء فى الشىء))، وهو ثبوته وولوجه فيه. يقال
منه: (( رسخ الإيمان فى قلب فلان، فهو يَرْسَخُ رَسْخاً ورُسُوخاً)).(٢)
٠ ٠
* وقد روى فى نعتهم خبرٌ عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وهو ما : -
٦٦٣٧ - حدثنا موسى بن سهل الرملى قال، حدثنا محمد بن عبد اللّه قال ،
حدثنا فياض بن محمد الرقى قال ، حدثنا عبد الله بن يزيد بن آدم، عن أبى
الدرداء وأبى أمامة قالا : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن الراسخ فى
العلم ؟ قال : من بَرَّت يمينهُ ، وصَدقَ لسانه ، واستقام به قلبه ، وعفّ بطنه ،
فذلك الراسخُ فى العلم . (٣)
(١) انظر ص ٢٠٤، تعليق: ٤
(٧) قوله: ((رحاً))، هذا مصدر لم تذكره كتب اللغة.
(٣) الحديث: ٦٦٣٧ - فياض بن محمد الرقى: ترجمه البخارى ١٣٥/١/٤، وابن أبى
حاتم ٨٧/٢/٣، فلم يذكرا فيه جرحاً .
عبد الله بن يزيد بن آدم: ترجمه ابن أبى حاتم ١٩٧/٢/٢، قال: ((روى عن أبى الدرداء،
وأبى أمامة ، وواثلة بن الأسقع: أن النبى صلى اللّه عليه وسلم سئل: كيف تبعث الأنبياء ؟ روى
عنه فياض بن محمد الرقى ... سألت أبى عنه؟ فقال: لا أعرفه. وهذا حديث باطل)).
وترجمه الذهبى فى الميزان، والحافظ فى اللسان. وذكرا عن أحمد، قال: ((أحاديثه موضوعة)).
وليس فى ترجمته كلمة طيبة عنه . وكفى أن يرميه أحمد بالوضع .

٢٠٧
تفسير سورة آل عمران : ٧
٠ ٠ ٠
٦٦٣٨ - حدثنى المثنى وأحمد بن الحسن الترمذى قال ، حدثنا نعيم بن حماد
قال ، حدثنا فياض الرقى قال ، حدثنا عبد الله بن يزيد الأودى = قال: وكان
أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال، حدثنا أنس بن مالك وأبو أمامة
وأبو الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ◌ُسُئل عن الراسخين فى العلم فقال :
من برَّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام به قلبه ، وعفّ بطنه وفرجه، فذلك
الراسخ فى العلم . (١)
وقد قال جماعة من أهل التأويل: إنما سمى الله عز وجل هؤلاء القوم ((الراسخين
#
(١) الحديث: ٦٦٣٨ - هو الحديث الماضى بزيادة قليلة، وزيادة ((أنس بن مالك)).
ولكن فى هذا الإسناد ((عبد الله بن يزيد الأودى)). والراجح أن هذا خطأ من أحد الرواة ، أو من
الناسخين، وأن صوابه كالإسناد السابق ((عبد الله بن يزيد بن آدم)). وأما ((عبد الله بن يزيد الأودى))،
فهو غير هذا يقيناً. وقد مضى فى: ٥٤٦١. وترجمته عند ابن أبى حاتم ٢٠٠/٢/٢: أنه (( روى عن
سالم بن عبد الله، عن حفصة، فى الصلاة الوسطى. روى عنه أبو بشر جعفر بن أبى وحشية)). والمباينة
بينهما فى الطبقة واضحة . ثم الأودى ثقة ، والراوى هنا كذاب .
والحديث رواه أيضاً ابن أبى حاتم ، عن محمد بن عوف الحمصى ، عن نعيم بن حماد ، عن فياض
الرق ((حدثنا عبد الله بن يزيد))، بهذا الإسناد. ولم يذكر أنه ((الأودى)). ووقع فى ابن كثير ((عبيد
اللّه))، بدل ((عبد الله))، وهو خطأ.
وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ٦: ٣٢٤ ((عن عبد الله بن يزيد بن آدم، قال: حدثنى أبو
الدرداء، وأبو أمامة، وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ... )). وقال: ((رواه الطبرانى، وعبد اللّه
ابن يزيد : ضعيف)). فزاد فى رواية الطيرانى صحابياً رابعاً، هو واثلة بن الأسقع .
وذكره السيوطى ٢ : ٧ ، عن هؤلاء الصحابة الأربعة، ونسبه لابن جرير ، وابن أبى حاتم ،
والطبرانى . وهو تساهلعنه، فليس فى رواية الطبرى ولا ابن أبى حاتم ((واثلة بن الأسقع))، بل هو فى
رواية الطبرانى فقط .
ثم ذكر السيوطى نحو معناه من رواية ابن عساكر: (( من طريق عبد الله بن يزيد الأودى،
سمعت أنس بن مالك يقول ... )).
فهذا يرجح أن زيادة ((الأودى)) - خطأ من أحد الرواة ، لا من الناسخين.

٢٠٨
تفسير سورة آل عمران : ٧
فى العلم))، بقولهم: ((آمنا به كل من عند ربنا)).
. ذكر من قال ذلك :
٦٦٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى، عن سفيان، عن جابر ،
عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ((والراسخون فى العلم يقولون آمنا به))، (١) قال:
((الراسخون)) الذين يقولون: (( آمنا به كل من عند ربنا)).
٦٦٤٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
١٢٤/٣ السدى: ((والراسخون فى العلم))، هم المؤمنون، فإنهم يقولون: ((آمنًا به))،
بناسخه ومنسوخه = ((كلّ من عند ربنا )).
٦٦٤١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال،
قال ابن جريج، قال ابن عباس قال، عبد الله بن سلام: ((الراسخون فى العلم))،
وعلمهم قولهم = قال ابن جريج: ((والراسخون فى العلم يقولون آمنا به))، وهم الذين
يقولون -: ﴿رَبَّنَ لَاتُزِغْ قُلُوبَنَاَ﴾ ويقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمِ
لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيةُ.
#
وأما تأويل قوله: ((يقولون آمنا به))، فإنه يعنى أنّ الراسخين فى العلم يقولون:
صدقنا بما تشابه من آی الكتاب ، وأنه حقّ وإن لم تعلم تأويله ، وقد : -
٦٦٤٢ - حدثنى أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سلمة بن
نبيط، عن الضحاك: ((والراسخون فى العلم يقولون آمنا به))، قال: المحكم والمتشابه .
(١) فى المخطوطة والمطبوعة. ((الراسخون فى العلم .. ))، بغير واو، وأثبت نص الآية.

٢٠٩
تفسير سورة آل عمران : ٧
القول فى تأويل قوله ﴿ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبّاً)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((كل من عند ربنا))، كلّ المحكم
من الكتاب والمتشابه منه = (( من عند ربنا))، وهو تنزيله ووحيه إلى نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم ، كما :-
٦٦٤٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن جابر ،
عن مجاهد، عن ابن عباس فى قوله: ((كل من عند ربنا))، قال : يعنى
مَا نُسخ منه وما لم يُنسخ.
٦٦٤٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( وما يعلم تأويله إلاّ اللّه والراسخون فى العلم))، قالوا: ((كلّ من عندربنا))،
آمنوا بمتشابهه ، وعملوا بمحكمه .
٦٦٤٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه،
عن الربيع قوله: ((كل من عند ربنا))، يقولون : المحكم والمتشابه من عند ربنا .
٦٦٤٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: (( والراسمون فى العلم يقولون آمنا به كل
من عند ربنا ))، نؤمن بالمحكم وندین به ، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به ، وهو من
عند الله كله . (١)
٦٦٤٧ - حدثنا يحيى بن أبى طالب قال، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ،
عن الضحاك فى قوله: (( والراسخون فى العلم)) يعملون به ، يقولون: نعمل بالمحكم
ونؤمن به ، ونؤمن بالمتشابه ولا نعمل به ، وكل من عند ربنا .
٠
(١) فى المطبوعة: ((يؤمن ... ويدين)) جميعاً بالياء، والسياق يقتضى أن تكون بالنون.
ج ٦ (١٤)

٢١٠
تفسير سورة آل عمران : ٧
قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية فى حكم ((كلّ)) إذا أضمر فيها .
فقال بعض نحوبى البصريين: إنما جاز حذفُ المراد الذى كان معها الذى
((الكل)) إليه مضاف فى هذا الموضع، (١) لأنها اسمٌ، كما قال: ﴿إِنَّا كُلّ
فِيهَا﴾ [سورةغافر: ٤٨]، بمعنى: إنا كلنا فيها. قال: ولا يكون ((كل)) مضمراً
فيها وهى صفة، لا يقال: ((مررت بالقوم كل)) وإنما يكون فيها مضمرٌ إذا
جعلتها اسماً. لوكان: ((إنا كُلاَّ فيها)) على الصفة لم يجز، لأن الإضمار فيها
ضعيفٌ لا يتمكن فى كلّ مكان .
وكان بعض نحوبى الكوفيين يرى الإضمار فيها وهى صفةٌ أو اسم ،
سواءً" . لأنه غير جائز أن يحذف ما بعدها عنده إلاّ وهى كافية بنفسها عما كانت
تضاف إليه من المضمر . وغير جائز أن تكون كافية منه فى حال ، ولا تكون كافية
فى أخرى. وقال: سبيل ((الكل)) و((البعض)) فى الدلالة على ما بعدهما بأنفسهما
وكفايتهما منه بمعنى واحد فى كل حال، صفةً كانت أو اسماً . (٢)
قال أبو جعفر : وهذا القول الثانى أولى بالقياس ، لأنها إذا كانت كافية
بنفسها مما حذف منها فى حالٍ لدلالتها عليها ، فالحكم فيها أنها كلما وجدت دالة
على ما بعدها فهى كافية منّه .
(١) فى المطبوعة: ((إذا جاز حذف المراد))، وعلق الطابعون السابقون أنها زائدة من قلم الناسخ !!
وسبب ذلك سوء كتابة الناسخ ، فلم يحسنوا قراءته .
(٢) انظر ما سلف عن ((كل)) ٣: ١٩٥ / ثم ٥ : ٥٠٩.

٢١١
تفسير سورة آل عمران : ٨،٧
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ) )
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وما يتذكر ويتّعظ وينزجر عن أن
يقول فى متشابه آى كتاب الله مالا علم له به، إلاّ أولو العقول والنهى، (١) وقد :-
٦٦٤٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير: ((وما يذكر إلاّ أولو الألباب))، يقول: وما يذكر
فى مثل هذا = يعنى : فى ردّ تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم ،
حتى يَتّسقا على معنى واحد = ((إلا أولو الألباب)). (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿ رَبَّنَاَ لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَ
وَهَبْ لَنَا مِن لَِّنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : أنّ الراسخين فى العلم يقولون: آمنا
بما تشابه من آى كتاب الله ، وأنه والمحكم من آيه من تنزيل ربنا ووحيه . ويقولون
أيضاً : ((ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا))، يعنى أنهم يقولون = رغبةً
منهم إلى ربهم فى أن يصرف عنهم ما ابتلى به الذين زاغت قلوبهم من اتباع متشابه ١٢٥/٣
آى القرآن، ابتغاء الفتنة وابتغاءَ تأويله الذى لا يعلمه غيرُ الله -: يا ربنا، لا تجعلنا
مثل هؤلاء الذين زاغت قلوبهم عن الحق فصدوا عن سبيلك =((لا تزغ قلوبنا))،
(١) انظر ما سلف فى تفسير ((يذكر)) ٦/٥٨٠:٥: ٥= وفى تفسير ((الألباب)): ٣:
٦٨/ ثم ٤ : ١٦٢ / ثم ٨٠:٥.
(٢) الأثر: ٦٦٤٨ - هو بقية الآثار السالفة التى آخرها رقم : ٦٦٣٦ بإسناده عن ابن إسحق.

٢١٢
تفسير سورة آل عمران : ٨
لا تملها فتصرفها عن 'ھدَاك بعد إذ هديتنا له، فوفقتنا للإيمان بمحكم كتابك
ومتشابهه = ((وهب لنا)) ياربنا- (من لدنك رحمة))، يعنى: من عندك رحمة، يعنى
بذلك : هب لنا من عندك توفيقاً وثباتاً للذى نحن عليه من الإقرار بمحكم كتابك
ومتشابهه == ((إنك أنتَ الوهاب))، يعنى: إنك أنت المعطى عبادك التوفيق والسداد
للثبات علی دینك، وتصدیق کتابك ورسلك ، كما : -
٦٦٤٩ - حدثناً ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير: ((ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)»، أى: لا تمل قلوبنا
وإن ملنا بأحداثنا (١) = ((وهب لنا من لدنك رحمة)). (٢)
٠٠٠
قال أبو جعفر : وفى مدح الله جل ثناؤه هؤلاء القوم بما مدحهم به = من
رغبتهم إليه فى أن لا يزيغ قلوبهم ، وأن يعطيهم رحمةً منه معونة لهم للثبات على
ما هم عليه من حسن البصيرة بالحق الذى هم عليه مقيمون = ما أبان عن خطأ قول
الجهلة من القدرية: (٣) أن إزاغة اللّه قلب من أزاغ قلبه من عباده عن طاعته
وإمالته له عنها ، جَوْرٌ . لأن ذلك لو كان كما قالوا، لكان الذين قالوا:
((ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا))، بالذم أولى منهم بالمدح. لأن القول لوكان
كما قالوا، لكان القوم إنما سألوا ربَّهم = بمسألتهم إياه أن لا يبزيغ قلوبهم (٤) = أن
لا يظلمهم ولا يجورَ عليهم. وذلك من السائل جهلٌ ، لأن الله جل ثناؤه لا يظلم
عبادَه ولا يجور عليهم. وقد أعلم عبادَه ذلك ونفاه عن نفسه بقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ
(١) فى المطبوعة: ((بأجسادنا))، وهو لا معنى له، وهو تحريف الرواية عن ابن إسحق.
وصوابها من المخطوطة وابن هشام ٢: ٢٢٦. والأحداث جمع حدث: وهو الفعل. يسألون الله أن
يثبت قلوبهم بالإيمان ، وإن مالت أفعالهم إلى بعض المعصية .
(٢) الأثر : ٦٦٤٩ - هو بقية الآثار السالفة التى آخرها رقم : ٦٦٤٨.
(٣) القدرية: هم نفاة القدر والصفات، ويعنى المعتزلة.
(٤) فى المطبوعة: ((مسألتهم)) بحذف الباء، والصواب من المخطوطة.

٢١٣
تفسير سورة آل عمران : ٨
◌ِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة فصلت: ٤٦]. ولا وجه لمسألته أن يكون بالصفة التى
قد أخبرهم أنه بها . وفى فساد ما قالوا من ذلك، الدليلُ الواضح على أن عدلاً
من الله عز وجل : إزاغةُ من أزاغَ قلبه من عباده عن طاعته ، فلذلك استحق
المدحَ مَنْ رغب إليه فى أن لا يزيغه ، لتوجيهه الرغبة إلى أهلها ، ووضعه مسألته
موضعها، مع تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم برغبته إلى ربه فى ذلك ،
مع محله منه وكرامته عليه .
٦٦٥٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام ،
عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :
يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك! ثم قرأ: ((ربنا لا تُزغ قلوبنا بعدَ إذ
هديتنا ))، إلى آخر الآية . (١)
٦٦٥١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن عبد الحميد بن بهرام ،
عن شهر بن حوشب، عن أسماء ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه. (٢)
(١) الحديث : ٦٦٥٠ - هذا إسناد صحيح.
عبد الحميد بن بهرام : ثقة، مضت ترجمته فى: ١٦٠٥. وشهر بن حوشب: ثقة أيضاً ، ؟!
قلنا فى : ١٤٨٩.
وهذا الحديث مختصر. وسيأتى معلولا فى : ٦٦٥٢، وتخرجه هناك، إن شاء الله. ويأتى بأطول من
هذا ومختصراً عن ذاك ، فى : ٦٦٥٨.
(٢) الحديث : ٦٦٥١ - وهذا إسناد صحيح أيضاً. ولكنه هنا من رواية شهر عن أسماء، وهى
بنت يزيد بن السكن الأنصارية . والذى قبله من رواية شهر عن أم سلمة أم المؤمنين .
ولم أجده من حديث أسماء إلا فى هذه الرواية عند الطبرى ، وإلا رواية ذكرها ابن كثير ، عن
ابن مردويه .
قال ابن كثير ٢: ١٠٢ بعد ذكر رواية أم سلمة الماضية: ((ورواه ابن مردويه، من طريق
محمد بن بكار ، عن عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة ، عن أسماء بنت يزيد
ابن السكن، سمعتها تحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر من دعائه ... )) - فذكر نحو
الرواية التالية لهذا الحديث .
ثم قال ابن كثير: ((وهكذا رواه ابن جرير ، من حديث أسد بن موسى ، عن عبد الحميد بن
بهرام ، به ، مثله )) .

٢١٤
تفسير سورة آل عمران : ٨
٦٦٥٢ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
عبد الحميد بن بهرام الفزارى قال ، حدثنا شهر بن حوشب قال : سمعت أم سلمة
تحدّث: أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم كان يكثر فى دعائه أن
يقول : اللهم مُقلِّب القلوب ثبّت قلبي على دينك! قالت : قلتُ: يا رسول الله ،
وإن القلب ليقلَّب؟ قال: نعم ، ما خلق الله من بنى آدم من بشر إلاّ وقلبه بين
إصبعين من أصابعه ، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه ، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ
قلوبنا بعد إذ هدَانا ، ونسأله أن يهبَ لنا من لدنه رحمةً إنه هو الوهاب . قالت :
قلتُ : يا رسول الله، ألا تعلمنى دعوة أدعو بها لنفسى ؟ قال : بلى ؛ قولى :
اللهم ربّ النبى محمدٍ ، اغفرلى ذنبى، وأذهب غيظَ قلبى، وأجرنى من مُضِلاَّت
الفتن . (١)
ثم قال: ((ورواه أيضاً عن المثنى، عن الحجاج بن منهال، عن عبد الحميد بن بهرام، به، مثله)).
ومن البين الواضح أن قوله فى رواية ابن مردويه ((عن أم سلمة، عن أسماء بنت يزيد بن السكن)) -
خطأ لاشك فيه. والظاهر أنه خطأ من الناسخين، فى زيادة حرف (عن)). وأن صوابه ((عن أم سلمة
أسماء . . . . ».
و (( أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية)): صحابية معروفة، وهى بنت عم معاذ بن جبل ،
وكنيتها ((أم سلمة)). وشهر بن حوشب معروف بالرواية عنها، بل قال ابن السكن: ((هو أروى الناس
عنها))، وكان من مواليها .
ولم نسمع قط أن ((أم سلمة أم المؤمنين)) روت عن أسماء هذه، ولا روت عن غيرها من الصحابة.
وأما إشارة ابن كثير إلى روايتى الطبرى من حديث ((أسد بن موسى)) و((الحجاج بن منهال)) -
عن عبد الحميد بن بهرام - وهما الروايتان الآتيتان : ٦٦٥٢، ٦٦٥٨ -: فهى مشكلة، إذ توهم أنها
مثل رواية ابن مردويه: (( عن أم سلمة أسماء بنت يزيد )) .
ولعل ابن كثير ذهب إلى هذا ، ظناً منه أن هذه الروايات التى فى الطبرى : ٦٦٥٠، ٦٦٥٢،
٦٦٥٨، التى فيها (عن أم سلمة)) مراد بها ((أم سلمة أسماء بنت يزيد)).
فإن يكن هذا ظنه يكن أخطأ الظن. فإن ((أم سلمة)) فى هذه الروايات الثلاث - هى أم المؤمنين
يقيناً، كما سيأتى فى تخريج الحديث التالى لهذا : ٦٦٥٢.
(١) الحديث: ٦٦٥٢ - هذه هى الرواية المطولة، التى أشرنا إليها فى: ٦٦٥٠، وسيأتى
مختصراً قليلا : ٦٦٥٨، كما قلنا من قبل .
والحديث رواه أحمد مختصراً - فى مسند أم سلمة أم المؤمنين - ٦ : ٢٩٤ (حلبى) ، عن وكيع ،

٢١٥
تفسير سورة آل عمران : ٨
٦٦٥٣ - حدثنى محمد بن منصور الطوسى قال، حدثنا محمد بن عبد الله
الزبيرى قال، حدثنا سفيان ، عن الأعمش، عن أبى سفيان ، عن جابر قال: كان
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك.
فقال له بعض أهله: يُخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به؟! قال: إن القلب
بين إصبعين من أصابع الرحمن تبارك وتعالى ، يقول بهما هكذا = وحرّك أبو
أحمد إصبعيه = قال أبو جعفر: وإن الطوسى وَسَق بين إصبعيه.(١)
عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول:
يا مقلب القلوب، ثبت قلب على دينك)). وهذا نحو الرواية الماضية : ٦٦٥٠، إلا أن أبا كريب زاد
فيه قراءة الآية .
ورواه أحمد أيضاً - فى مسندها - ٦ : ٣٠١ - ٣٠٢، عن هاشم - وهو ابن القاسم أبو النضر -
عن عبد الحميد بن بهرام، بهذا الإسناد، فحوه. إلا أنه قال فى آخره: ((وأجرفى من مضلات الفتن ما أحييتنا».
ثم رواه مختصراً، بدون ذكر الآية، ولا قوله ((فنسأل الله ربنا)) - إلخ، ٦: ٣١٥ (حلبى)،
عن معاذ بن معاذ، قال: ((حدثنا أبو كعب صاحب الحرير، قال : حدثنى شهر بن حوشب ، قال :
قلت لأم سلمة : يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا كان عندك؟ .. )).
ثم قال عبد الله بن أحمد - عقبه - : سألت أبي عن أبى كعب ؟ فقال: ثقة، واسمه عبد ربه بن عبيد)).
وكذلك رواه الترمذى ٤ : ٢٦٦، عن أبى موسى الأنصارى ، عن معاذ بن معاذ، به . وقال :
((هذا حديث حسن)).
وأبو كعب صاحب الحرير ، عبد ربه بن عبيد الأزدى الجرموزى : وثقه أيضاً يحيى بن سعيد ،
وابن معين وغيرهما . مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣/ ١/ ٤١- ٤٢.
وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ثلاث مرات، ٦ : ٣٢٥، ٧: ٢١٠، ١٠ : ١٧٦، عن
رواية المسند، وأشار إلى أن الترمذى روى بعضه، وأعله فى موضعين بشهر بن حوشب، ((وهو ضعيف
وقد وثق)). وقال فى الأخير: ((إسناده حسن)).
وذكره السيوطى ٢: ٨، وزاد نسبته لابن أبى شيبة . دون فصل بين الروايات.
ورواه إمام الأئمة ابن خزيمة ، فى كتاب التوحيد ، ص : ٥٥، من رواية ابن وهب ، عن
إبراهيم بن نشيط الوعلانى، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين المكى، عن شهر بن حوشب ، عن أم
سلمة ، بنحوه . وهذا إسناده صحيح أيضاً .
ورواه أبو بكر الآجرى، فى كتاب الشريعة ، ص : ٣١٦، من وجهين آخرين، عن أم سلمة .
ووقع فى المطبوعة: (( ما خلق الله من بشر، من بنى آدم))، بالتقديم والتأخير. وأثبتنا ما فى
المخطوطة، وهو الموافق لسائر الروايات التى فيها هذه الكلمة .
(١) الحديث: ٦٦٥٣ - محمد بن منصور بن داود، الطوسى العابد، شيخ الطبرى: ثقة،
أثنى عليه أحمد ، ووثقه النسائى وغيره .

٢١٦
تفسير سورة آل عمران : ٨
٦٦٥٤ - حدثنى سعيد بن يحيى الأموى قال ، حدثنا أبو معاوية قال ،
حدثنا الأعمش ، عن أبى سفيان ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم كثيراً ما يقول : يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك. قلنا: يا رسول الله،
قد آمنا بك، وصدّقنا بماجئت به، فيُخاف علينا؟! قال: نعم ، إن القلوب بين
إصبعين من أصابع اللّه، يقلبها تبارك وتعالى. (١)
والحديث رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٨٨ - ٢٨٩°، من طريق الأعمش، بهذا الإسناد .
وصححه على شرط مسلم. ولكن أول إسناده، من الحاكم إلى الأعمش - غير مذكور ، لأن فى أصول
المستدرك خِرماً فى هذا الموضع . وأثبت مكانه من تلخيص الذهبى .
وذكره السيوطى ٢ : ٩: وزاد نسبته للطبرانى فى السنة .
وأشار إليه الترمذى ٣: ١٩٩، كما سنذكر فى الحديث بعده .
وقوله: ((يقول بهما))، هو الصواب الثابت فى المخطوطة. وفى المطبوعة ((يقول به)).
قوله: ((وسق بين إصبعيه))، وسق الشىء: جمعه. يريد: ضم إصبعيه .
(١) الحديث: ٦٦٥٤ - رواه أحمد فى المسند: ١٢١٣٣، (ج ٣ ص: ١١٢ حلبى)،
عن أبى معاوية ، عن الأعمش ، بهذا الإسناد .
ثم رواه : ١٣٧٣١ (ج ٣ ص: ٢٥٧ حلى)، عن عفان، عن عبد الواحد ، عن سليمان بن
مهران - وهو الأعمش - به .
ورواه الترمذى ٣ : ١٩٩، عن هناد، عن أبى معاوية، به. ثم قال: ((هذا حديث حسن صحيح
وهكذا روى غير واحد عن الأعمش ، عن أبى سفيان ، عن أنس . وروى بعضهم عن الأعمش ، عن أبى
سفيان، عن جابر، عن النبى صلى الله عليه وسلم. وحديث أبى سفيان عن أنس - أصح)).
يريد الترمذى تعليل الحديث الذى قبل هذا. وهى علة غير قائمة . وأبو سفيان طلحة بن نافع : تابعى
ثقة، سمع من جابر ومن أنس، وأخرج له أصحاب الكتب الستة . وكثيراً ما يسمع التابعى الحديث الواحد
من صحابيين .
ورواه الحاكم ١: ٥٢٦، مختصراً، من طريق أبى معاوية، عن الأعمش، وصححه هو والذهبى.
ورواه ابن ماجةمطولا - من وجه آخر، فرواه: ٣٨٣٤، من طريق ابن نمير ، عن الأعمش، عن يزيد
الرقاشى، عن أنس. وقال البوصيرى فى زوائده: ((مدار الحديث على يزيد الرقاشى، وهو ضعيف)).
وقد وهم الحافظ الدمياطى - كما ترى - فى زعمه أى مداره على يزيد الرقاشى ؛ وها هو ذا من رواية
الأعمش، عن أبى سفيان، عن أنس ، كمثل رواية الرقاشى . فلم ينفرد به .
وقد جمع البخارى الوجهين فى الأدب المفرد ، ص : ١٠٠ . فرواه مختصراً، من طريق أبي الأحوص:
((عن الأعمش، عن أبى سفيان ويزيد، عن أنس)).
وذكره السيوطى ٢: ٨، وزاد نسبته لابن أبي شيبة .
١٢٦/٣

٢١٧
تفسير سورة آل عمران : ٨
٦٦٥٥ - حدثنى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا بشر بن
بكر = وحدثنى على بن سهل قال ، حدثنا أيوب بن بشر = جميعاً ، عن ابن جابر
قال : سمعت بُسْر بن عبيد اللّه قال، سمعت أبا إدريس الخولانى يقول: سمعت
النوَّاس بن سمعان الكلابى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من
قلب إلاّ بين إصبعين من أصابع الرحمن: إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه . وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا مقلّب القلوب ثبت قلوبنا على دينك -
والميزان بيد الرحمن، يرفع أقواماً ويخفضُ آخرين إلى يوم القيامة. (١)
(١) الحديث: ٦٦٥٥ - بشر بن بكر التنيسى: ثقة مأمون. روى عنه الشافعى، والحميدى،
وغيرهما . وأخرج له البخارى .
أيوب بن بشر: لم أجد راوياً بهذا الاسم، ولا ما يقاربه فى الرسم، إلا رواة باسم (( أيوب بن
بشير)) ليسوا من هذه الطبقة، ولا يكونون فى هذا الإسناد. ومن الرواة عن ابن جابر: ((أيوب بن
سويد الرمل». ومن القريب جداً أن يروى عنه بلديه ((على بن سهل الرملى)). ولكن تصحيف ((سويد))
إلى ((بشر)) صعب.
ابن جابر : هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، الأزدى الشامى الدارانى . وهو ثقة ، أخرج له
الجماعة. وقال ابن المدينى: (( يعد فى الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشأم بعد الصحابة )).
بسر بن عبيد اللّه الحضرمى الشامى: تابعى ثقة. أخرج له الجماعة. وقال أبو مسهر: ((هو
أحفظ أصحاب أبي إدريس)» يعنى الخولاني .
و ((بسر)): بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة. وأبوه ((عبيد الله)): بالتصغير. ووقع فى
المطبوعة هنا ((بشر)). وهو تصحيف. وكذلك وقع فى بعض مراجع الحديث التى سنذكر، ووقع فى
بعضها اسم أبيه ((عبد الله)). وهو خطأ أيضاً. فيصحح هذا وذاك حيث وقع.
أبو إدريس الخولاني: عائذ الله بن عبد الله. مضت ترجمته فى : ٤٨٤٠.
النواس: بفتح النون وتشديد الواو ، وهو صحابى معروف . والحديث رواه أحمد فى المسند : ١٧٧٠٧
(ج ٤ ص : ١٨٢ حلى)، عن الوليد بن مسلم ، عن ابن جابر، بهذا الإسناد .
ورواه ابن ماجة : ١٩٩، من طريق صدقة بن خالد ، عن ابن جابر ، به . وقال البوصيرى فى
زوائده: ((إسناده صيح)) .
ورواه إمام الأئمة ابن خزيمة ، فى كتاب التوحيد ، ص : ٥٤، وأبو بكر الآجرى ، فى كتاب
الشريعة ، ص : ٣١٧ - ٣١٨، كلاهما من طريق الوليد بن مسلم ، عن ابن جابر .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٨٩، والبيهقى فى الأسماء والصفات، ص: ٢٤٨ - عن الحاكم،
من طريق محمد بن شعيب بن شابور ، عن ابن جابر . وصححه الحاكم والذهبى على شرط الشيخين .

٢١٨
تفسير سورة آل عمران : ٨
٦٦٥٦ - حدثنى عمر بن عبد الملك الطائى قال ، حدثنا محمد بن عبيدة
قال ، حدثنا الجرّاح بن مليح البهرانى ، عن الزبيدى، عن جويبر ، عن سمرة بن
فاتك الأسْدى - وكان من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: الموازين بيد الله، يرفع أقواماً ويضع أقواماً ، وقلبُ
ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه. (١)
وهذا الموضع فى المستدرك ، مخروم فى أصله المطبوع عنه ، فأثبته الناشر عن مختصر الذهبى .
ولكن يستفاد إسناد هذا الطريق من رواية البيهقى عن الحاكم .
ورواه الحاكم أيضاً ٤: ٣٢١، عن أبى العباس الأصم، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم -
شيخ الطبرى فى الإسناد الأول هنا ، بهذا الإسناد .
ورواه أيضاً ١ : ٥٢٥. عن الأصم، عن بحر بن نصر ، عن بشر بن بكر ، عن ابن جابر ، به
وقال الحاكم فى الموضعين: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم ))! ومن عجب أن يوافقه الذهبى على
تصحيحه على شرط الشيخين من رواية ابن شابور . وابن شابور ، وإن كان ثقة ، فإنه لم يخرج له
شىء فى الصحيحين ؛ ثم يوافقه على تصحيحه على شرط مسلم من رواية بشر بن بكر . وبشر بن بكر
خرج له البخارى ، ولم يخرج له مسلم شيئاً ! !
والحديث ذكره السيوطى ٢: ٩، وزاد نسبته النسائى. فهو يريد السنن الكبرى ، لأنه لم ير وه فى
السنن الصغرى .
(١) الحديث: ٦٦٥٦ - عمر بن عبد الملك بن حكيم الطائى الحمصى - شيخ الطبرى: لم
أجد له إلا ترجمة موجزة فى التهذيب، فيها: ((روى عنه النسائى وقال: صالح)).
محمد بن عبيدة : لا أدرى من هو ؟ ولا وجدت له ترجمة، إلا أن التهذيب ذكره شيخاً لعمر بن
عبد الملك الطائى، وذكره باسم: ((محمد بن عبيدة، المددى، اليمانى)). ولم أجد معنى لنسبة ((المددى))
هذه، بدالين. ومن المحتمل أن تكون محرفة عن ((المدرى)) بالراء، نسبة إلى ((مدر)) بفتح الميم والدال
وآخرها راء ، وهى قرية باليمن، على عشرين ميلا من صنعاء ، كما فى معجم البلدان ٧ : ٤١٦ .
الجراح بن مليح البهرانى - بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء - الحمصى : ثقة ، وهو مشهور فى
أهل الشام. وهو غير ((الجراح بن مليح بن عدى)) والد ((وكيع بن الجراح)).
الزبيدى - بضم الزاى : هو حمد بن الوليد بن عامر الزبيدى ، أبو الهذيل الحمصى ، قاضيها .
وهو ثقة ثبت، قال ابن سعد ١٦٩/٢/١٠: ((كان أعلم أهل الشأم بالفتوى والحديث)). وكان الأوزاعى
(((يفضل محمد بن الوليد على جميع من سمع من الزهرى)).
جويبر : هكذا وقع فى الطبرى . والراجح الظاهر أنه تحريف من الناسمين ، ولا شأن لجويبر -
وهو ابن سعيد الأزدى - فى هذا الحديث . وجويبر: ضعيف جداً، كما بينا فى: ٢٨٤ . وإنما
الحديث معروف عن ((جبير بن نفير))، كما سيأتى.

٢١٩
تفسير سورة آل عمران : ٨
٦٦٥٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك،
سمرة بن فاتك الأسدى: هكذا ثبت فى الطبرى ((سمرة)) بالميم ، فتكون مضمومة مع فتح السين
المهملة . وهو قول فى اسمه .
والصحيح الراجح أن اسمه ((سبرة))، بفتح السين المهملة وسكون الباء. الموحدة .
وهناك صحابى آخر، اسمه: ((سمرة بن فاتك الأسدى)). غير هذا. كذلك فرق البخارى بينهما فى
التاريخ الكبير: ١٨٨/٢/٢، فى ((سبرة)) و: ١٧٨ فى ((سمرة)). وذكر هذا الحديث فى ((سبرة)"
وكذلك فرق بينهما ابن أبى حاتم ٢٩٥/٢/١، ((سبرة))، و: ١٥٥، ((سمرة)).
وقد قيل أيضاً فى الصحابى الآخر، الذى اسمه ((سمرة)) - ((سبرة)). وهو اضطراب من الرواة
أو تصحيف. والراجح الذى صححه الحافظ فى الإصابة ٣ : ٦٣ - ٦٤، ١٣١ - ١٣٢: أنهما
اثنان، كما قلنا، وأن راوى هذا الحديث هو ((سبرة)).
ولم أستجز تغيير ما فى نص الطبرى إلى الصحيح الراجح: ((سبرة)) - لوجود القول الآخر.
فلعله وقع له فى روايته هكذا .
و((سيرة)): بسكون الباء الموحدة، كما قلنا. ووقع فى ضبطه فى ترجمته فى الإصابة خطأ شديد،
إذ قال الحافظ: ((بفتح أوله وكسر ثانيه))؛ ولم يقل أحد ذلك فى ضبط اسم ((سبرة)) مطلقاً، بل
هو نفسه ضبط اسم ((سبرة))، فى غير هذه الترجمة ((بسكون الموحدة)). وضبط اسم هذا الصحابى بالسكون
أيضاً، فى المشتبه الذهبى، ص: ٢٥٥ . ولم يذكر اسم آخر بهذا الرسم بكسر الموحدة. وكذلك صنع
الحافظ فى تبصير المنتبه . فما وقع فى الإصابة إنما هو سهو منه - رحمه الله - وسبق قلم .
و((الأسدى)) - فى هذه الترجمة: ((بفتح الهمزة وسكون السين)). وهو: الأزدى. هكذا يقال
بالسين والزاى. صرح بذلك أبو القاسم فى طبقات حمص)). قاله الحافظ فى الإصابة .
وهذا الحديث رواه البخارى فى الكبير، فى ترجمة ((سبرة بن فاتك)). قال: (( حدثنا حيوة بن
شريح، حدثنا محمد بن حرب ، عن الزبيدى ، عمن حدثه ، عن جبير بن نفير ، عن سبرة بن فاتك ،
قال النبى صلى اله عليه وسلم: الموازين بيد الله، يرفع قوماً ويضع قوماً، وقلب ابن آدم بين إصبعين من
أصابع الرب عز وجل، فإذا شاء أقامه، وإذا شاء أزاغه)).
فهكذا ثبت براو مبهم بين الزبيدى وجبير بن نفير - عند البخارى .
وقال الحافظ فى الإصابة: ((وقد وقع لى فى غرائب شعبة ، لابن مندة ، من طريق جبير بن نفير .
عن سيرة بن فاتك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الميزان بيد الرحمن، يرفع أقواماً ويضع
آخرين - الحديث. وأخرجه من طريق أخرى، فقال: سمرة)).
فلم نعرف رواية ابن مندة : أفيها الرجل المبهم عن جبير بن نفير ، أم عرف باسمه فيها ؟ وأنا
أظن أن لو كان فيها اسمه مبهماً لبين الحافظ ذلك. ومن المحتمل أن يكون هذا المبهم - هو ((عبد الرحمن
ابن جبير بن نفير)) فإنه يروى عن أبيه ، ويروى عنه الزبيدى.
وبما يرجح - عندى - أن هذا المبهم مذ كور باسمه فى بعض الروايات: أن الهيشى ذكر هذا الحديث
فى مجمع الزوائد ٧: ٢١١ ((عن سمرة بن فاتك الأسدى))، ثم قال: ((رواه الطبرانى، ورجاله ثقات )) .
وذكره السيوطى ٢: ٨، ونسبه البخارى فى تاريخه، وابن جرير، والطبرانى. ولم يزد.
فى المطبوعة: ((إن شاء ... وإن شاء)). وأثبت ما فى المخطوطة. وهو الموافق لرواية الكبير البخارى.

٢٢٠
تفسير سورة آل عمران : ٨
عن حيوة بن شريح قال ، أخبرنى أبو هانى الحولانى: أنه سمع أبا عبد الرحمن
الحبلى يقول : سمعت عبد اللّه عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم يقول : إن قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرّحمن كقلبٍ
واحد، يصرّف كيف يشاء. ثم يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: اللهم"
مصرِّف القلوب صرِّف ◌ُقُلوبَنا إلى طاعتك. (١)
٦٦٥٨ - حدثنا الربيع بنسلیمان قال ، حدثنا أسد بن موسى قال ، حدثنا
عبد الحميد بن بهرام قال ، حدثنا شهر بن حوشب قال : سمعت أم سلمة تحدث :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر فى دعائه أن يقول: اللهم ثبت قلبى
على دينك. قالت : قلت : يا رسول اللّه، وإن القلوب لتقلَّب؟ قال : نعم،
ما من خلق الله من بنى آدم بشرٌ إلاّ إنّ قلبه بين إصبعين من أصابع اللّه، إن
شاءَ أقامه ، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ،
ونسأله أن يهب لنا من لدُنه رحمةً إنه هو الوهاب. (٢)
٠ ٠
(١) الحديث: ٦٦٥٧ - أبو هانىء الخولانى - بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو: هو حميد بن .
هانى المصرى . وهو ثقة معروف .
أبو عبد الرحمن الحبلى - بضم الحاء المهملة والباء الموحدة: هو عبد الله بن يزيد المعافرى - بفتح
الميم والعين المهملة - المصرى . وهو تابعى ثقة . وهو أحد العشرة من التابعين الذين ابتعثهم عمر بن
عبد العزيز ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم . انظر كتاب رياض النفوس لأبى بكر المالكى ،
ج ١ ص: ٦٤ - ٦٥، وطبقات علماء إفريقية لأبى العرب، ص : ٢١.
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٦٥٦٩، عن أبى عبد الرحمن، وهو المقرىء، عن حيوة بن شريح ،
بهذا الإسناد .
ورواه مسلم ٢ : ٣٠١، عن زهير بن حرب وابن نمير - كلاهما عن أبى عبد الرحمن المقرىء.
ورواه أبو بكر الآجرى فى كتاب الشريعة ، ص : ٣١٦، بإسنادين، والبيهقى فى الأسماء
والصفات ، ص : ٢٤٨ - كلاهما من طريق المقرىء.
وذكره السيوطى ٢: ٩، وزاد نسبته النسائى .
(٢) الحديث: ٦٦٥٨ - هو مختصر من الحديث: ٦٦٥٢. وقد وفينا تخريجه، وأشرنا إلى
هذا مناك .
ووقع هنا فى المخطوطة والمطبوعة: (( من بنى آدم بشر)). ولعل الأجود أن يكون ((من بشر))،
.كالروايات الأخر .