النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢٠ تفسير سورة البقرة . ٢٨٤ = أن اللّه يفعل بعبده المؤمن: (١) من تعريفه إياه سيئات أعماله ، حتى يعرفه تفضّله عليه بعفوه له عنها . فكذلك فعله تعالى ذكره فى محاسبته إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه من ذلك ، ثم يغفر له کلّ ذلك بعد تعريفه تفضله وتکرّمه علیه ، فيستره عليه. وذلك هو المغفرة التى وعد الله عباده المؤمنين فقال: ((فيغفر لمنْ يَشاء)). (٢) ٠ ٠ قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فإنّ قوله: ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبتْ))، ينبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب ، ولا مثابين إلا بما كسبته من خير ؟ قيل: إن ذلك كذلك، وغيرُ مؤاخَذ العبدُ بشىء من ذلك إلا بفعل ما ◌ُنهى عن فعله ، أو تَرْك ما أمر بفعله . فإن قال : فإذا كان ذلك كذلك ، فما معنى وعيد اللّه عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله: ((ويعذّب من يشاء))، إن كان لها ما كسبت وعليها ورواه البخارى ٥: ٧٠ ( فتح)، ومسلم ٢: ٣٢٩ - كلاهما من طريق هشام الدستوائي ، عن قتادة ، به . ورواه البخارى أيضاً ٨ : ٢٦٦ - ٤٢٦٧- من طريق سعيد بن أبى عروبة وهشام الدستوائى ، عن قتادة . ورواه أيضاً ١٠ : ٤٠٦ - ٤٠٧، و١٣ : ٣٩٧ -٣٩٨، من طريق أبى عوانة، عن قتادة ورواه أبو جعفر بن النحاس ، فى كتاب الناسخ والمنسوخ ، ص : ٨٦ - ٨٧ ، من طريق ابن علية، عن هشام. وقال: (((( وإسناده إسناد لا يدخل القلب منه لبس . وهو من أحاديث أهل السنة والجماعة)». وذكره ابن كثير ٢ : ٨٤ - ٨٥، كما قلنا من قبل، عن هذا الموضع من الطبرى . وذكره أيضاً ٤ : ٣٥٣، عن رواية المسند الأولى . وذكره السيوطى ٣: ٣٢٥. وزاد نسبته لابن المبارك، وابن أبى شيبة، وابن المنذر، وابن أبى حاتم وابن مردويه ، والبيهقى فى الأسماء والصفات . ونسبه القسطلانى ٤ : ٢٠٦، النسائى فى التفسير والرقائق، وابن ماجة فى السنة. ووقع فى المخطوطة - هنا - ((وأما الكفار أو المنافقين))، وهو خطأ واضح. (١) سياق هذه الجملة من قبل الخبرين السالفين: (( كما بلغنا عن رسول الله صلى عليه وسلم ... أن الله يفعل بعبده المؤمن ... ))، فجملة ((أن الله يفعل))، هى فاعل قوله: ((بلغنا)). (٢) فى المطبوعة: ((يغفر لمن يشاء)) بغير فاء، وأثبت نص الآية كما فى المخطوطة. ١٢٢ تفسير سورة البقرة : ٢٨٤ ما اكتسبت، وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا -: من همّ بذنب، أو إرادة لمعصية - لم تكتسبه جوارحُنا ؟ قيل له : إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفوَ لهم عما هو أعظم مما همّ به أحدهم من المعاصى فلم يفعله، وهو ما ذكرنا من وَعْده إياهم العفوَ عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها . وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله: ((ويعذب من يشاء))، على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسُهم تخفى الشك فى اللّه، والمرية فى وحدانيته ، أو فى نبوّة نبيه صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله ، أو فى المعاد والبعث - من المنافقين، (١) على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد ومن قال بمثل قولهما، إن تأويل قوله: ((أو تخفوه يحاسبكم به الله))، على الشك واليقين. غير أنا نقول إنّ المتوعدَّدَ بقوله: ((ويعذب من يشاء))، هو مَن كان إخفاءُ نفسه ما تخفيه الشكّ والمريةَ فى اللّه، (٢) وفيما يكون الشك فيه باللّه كفراً = والموعودَ الغفرانَ بقوله: (٣) ((فيغفر لمن يشاء)) هو الذى إخفاءُ ما يخفيه، (٤) الهمّة بالتقدم على بعض ما نهاه اللّه عنه من الأمور التى كان جائزاً ابتداءً تحليلهُ وإباحته ، فحرّمه على خلقه جل ثناؤه = (٥) أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله ، مما كان جائزً ابتداءً إباحةُ تركه، فأوجب فعله على خلقه. فإنّ الذى يهمّ بذلك من المؤمنين - إذا هو لم يصحح همَّه بما يهمّ به ، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك (١) سياق الجملة: ((على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفى الشك فى الله ... من المنافقين)»، وما بينهما صفات فاصلة . (٢٠) قوله: ((الشك والمرية ... )) خبر ((كان)). (٣) قوله: ((الموعود)) منصوب معطوف على قوله ((إن المتوعد ... )).، وقوله: ((الغفران)» منصوب باسم المفعول وهو ((المورد))، أى الذى وعد الغفران. (٤) فى المطبوعة: ((هو الذى أخفى وما يخفيه الهمة بالتقدم ... )) وفى المخطوطة: ((هو الذى إحفا وما يخفيه الهبه)) غير منقوطة بهذا الرسم : وصواب قراءة المخطوطة هو ما أثبت . (٥) قوله: ((أو على ترك ... )) معطوف على قوله آنفاً: ((بالتقدم على بعض ما نهاه ... )) ١٢٣ تفسير سورة البقرة ٢٨٤ بالتقدُّم عليه - لم يكن مأخوذاً به، كما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ٦٤٩٨ - ((من "هَمّ بحسنة فلم يعملها كُتِبِتْ له حسنةٌ، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه )) . (١) ٠ ٥ فهذا الذى وصفنا هو الذى يحاسب اللّه به مؤمنى عباده ، ثم لا يعاقبهم عليه . فأما من كان ما أخفته نفسه شكا فى اللّه وارتياباً فى نبوة أنبيائه ، فذلك هو الهالك المخلّد فى النار الذى أوعده جل ثناؤه العذاب الأليم بقوله: ((ويعذب من يشاء)). ... قال أبوجعفر: فتأويل الآية إذاً: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم ))، أيها الناس، فتظهروه = ((أو تخفوه))، فتنطوى عليه نفوسكم = (يحاسبكم به الله))، فيعرُّف مؤمنكم تفضّله بعفوه عنه ومغفرته له فيغفره له ، ويعذّب منافقكم على الشك الذى انطوت عليه نفسه فى وحدانية خالقه ونبوّة أنبيائه . (٢) ٠ ٠ ٥ القول فى تأويل قوله ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) (٨) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : والله عز وجل = على العفو عما أخفته نفس هذا المؤمن من الهمّة بالخطيئة ، وعلى عقاب هذا الكافر على ما أخفته نفسه من الشك فى توحيد الله عز وجل ونبوة أنبيائه ، ومجازاة كل واحد منهما على ما كان منه ، وعلى غير ذلك من الأمور = قادرٌ. (١) الأثر: ٦٤٩٨ - لم يذكر الطبرى إسناده، وأحاديث تجاوز اللّه عن حديث النفس فى مسلم ٢ : ١٤٦ - ١٥٢ بغير هذا اللفظ، ثم سائر كتب السنة. (٢) فى المخطوطة: ((فيعرف مؤمنيكم ... ويعذب منافقيكم)) بالجمع، والذى فى المطبوعة أصح وأجود . ١٢٤ تفسير سورة البقرة ٢٨٥ القول فى تأويل قوله ﴿ءامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلِّ ◌ِمَنَ بِاللهِ وَمَاكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ قال أبو جعفر : یعنی بذلك جل ثناؤه : صدق الرسول = یعنیرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرّ = (( بما أنزل إليه ))، يعنى: بما أوحى إليه من ربه من الكتاب، وما فيه من حلال وحرام ، ووعد وعيد ، وأمر ونهى ، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعانى التى حواها . ١٠١/٣ ... وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية عليه قال : يحق له . ٦٤٩٩ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه))، ذكر لنا أن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال: ويحقّ له أن يؤمن. (١) وقد قيل: إنها نزلت بعد قوله: (( وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شىء قدير))، لأن المؤمنين برسول الله من أصحابه شقّ عليهم ما توعدهم الله به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: لعلكم تقولون: ((سمعنا وعصينا)) كما قالت بنو إسرائيل! فقالوا : (١) الأثر: ٦٤٩٩ - أخرج الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٨٧ من طريق خلاد بن يحي، عن أبى عقيل، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أنس قال: ((لما نزلت هذه الآية على النبى صلى الله عليه وسلم: (( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه)) قال النبى صلى الله عليه وسلم: وأحق له أن يؤمن)). ثم قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)) واستدرك عليه الذهبى فقال: ((منقطع)). ١٢٥ ٢٨٥ تفسير سورة البقرة بل نقول: ((سمعنا وأطعنا))! فأنزل اللّه لذلك من قول النبى صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه: ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله))، يقول : وصدق المؤمنون أيضاً مع نبيهم بالله وملائكته وكتبه ورسله ، الآيتين. وقد ذكرنا قائلى ذلك قبلُ. (١) . . . قال أبو جعفر: واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((وكتبه )) . فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض قرأة أهل العراق ﴿ وَكُتُبُهِ﴾ على وجه جمع ((الكتاب))، على معنى: والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وجميع كتبه التى أنزلها على أنبيائه ورسله . ٠٠ ٠ وقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة: ﴿ وَكِتَابِهِ)، بمعنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وبالقرآن الذى أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد روى عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: (( وكتابه ))، ويقول : الكتاب أكثر من الكتب . وكأنّ ابن عباس يوجه تأويل ذلك إلى نحو قوله : ﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [ سورة العصر: ٢،١]، بمعنى جنس ((الناس)) وجنس ((الكتاب))، كما يقال: ((ما أكثر درهم فلان ودیناره )) ، ويراد به جنس الدراهم والدنانير. (٢) وذلك، وإن كان مذهباً من المذاهب معروفاً، فإن الذى هو أعجب إلىّ من القراءة فى ذلك أن يقرأ بلفظ الجمع . لأن الذى قبله جمع ، والذى بعده كذلك - أعنى بذلك: ((وملائكته وكتبه ورسله)) - فإلحاق ((الكتب )) فى الجمع لفظاً به ، أعجبُ إلىّ من توحيده وإخراجه فى اللفظ به بلفظ الواحد ، ليكون لاحقاً فى اللفظ والمعنى بلفظ ما قبله وما بعده ، وبمعناه . ٦٤٧٧ (١) انظر ما سلف رقم ٢٦٣ (٢) انظر ما سلف ٤ * ١٢٦ تفسير سورة البقرة : ٢٨٥ القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿لَأُ نَفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ ﴾ قال أبو جعفر : وأما قوله: ((لا نفرق بين أحد من رسله ))، فإنه أخبر جل ثناؤه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك. ففى الكلام فى قراءة من قرأ ((لا نُفرّق بين أحد من رسله)) بالنون، متروك، قد استغنى بدلالة ما ذكر عنه . وذلك المتروك هو: ((يقولون)». وتأويل الكلام: والمؤمنون كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله. وترك ذكر ((يقولون)) لدلالة الكلام عليه، كما ترك ذكره فى قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَ صَبَرُثُمْ﴾ [سورة الرعد: ٢٤،٢٣]، بمعنى: يقولون: سلامٌ". ٠ ٠٠ وقد قرأ ذلك جماعة من المتقدمين: ﴿لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾! ((الياء))، بمعنى: والمؤمنون كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا يفرّق الكلّ منهم بين أحد من رسله ، فيؤمن ببعض ويكفر ببعض ، ولكنهم يصدقون بجميعهم ، ويقرُّون أن ما جاؤوا به كان من عند الله، وأنهم دَعَوْا إلى اللّه وإلى طاعته ، ويخالفون فى فعلهم ذلك اليهودَ الذين أقرُّوا بموسى وكذبوا عيسى ، والنصارى الذين أقروا بموسى وعيسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحدوا نبوته ، ومن أشبههم من الأمم الذين كذبوا بعضَ رسل الله وأقروا ببعضهم ، كما : - ٦٥٠٠ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (( لا نفرق بين أحد من رسله))، كما صنع القوم - يعنى بنى إسرائيل - قالوا: فلان نبیّ ، وفلان لیس نبيًّا ، وفلان " نؤمن به، وفلان لا نؤمن به . ... قال أبو جعفر : والقراءة التى لا نستجيز غيرها فى ذلك عندنا بالنون : تفسير سورة البقرة : ٢٨٥ (( لا نفرق بين أحد من رسله))، لأنها القراءة التى قامت حجها بالنقل المستفيض، (١) الذى يمتنع معه التشاعُر والتواطؤ والسهو والغلط = (٢)، بمعنى ما وصفنا منْ: يقولون لا نفرق بين أحد من رسله = (٣) ولا يعترض بشاذ من القراءة، على ما جاءت ١٠٢/٣ به الحجة نقلاً ووراثة . (٤) ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَاً وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: وقال الكل من المؤمنين ((سمعنا)) قولَ ربنا وأمرَه إيَّانا بما أمرنا به، ونهيه عما نهانا عنه = ((وأطعنا))، يعنى: أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه واستعبدنا به من طاعته، وسلمنا له = وقوله : ((غفرانك ربنا))، يعنى: وقالوا: ((غفرانك ربنا))، بمعنى: اغفر لنا ربنا ◌ُغفرانك، كما يقال: ((سبحانك))، بمعنى: نسبُحك سبحانك. ٠٠٠ وقد بينا فيما مضى أن ((الغفران)) و((المغفرة))، السترُ من اللّه على ذنوب من (١) فى المطبوعة: ((التى قامت حجة ... ))، وفى المخطوطة: ((((التى قامت حجته))، وصواب قراءتها ما أثبت . (٢) فى المطبوعة: ((التشاغر)) بغين معجمة، وهو خطأ غث. والصواب من المخطوطة. و((تشاعروا الأمر، أو على الأمر))، أى تعالموه بينهم. من قولهم: ((شعر)) أى ((على)). وهى كلمة قلما تجدها فى كتب اللغة ، ولكنها دائرة فى كتب الطبرى ومن فى طبقته من القدماء . وانظر الرسالة العثمانية الجاحظ: ٣، وتعليق: ٥، ثم ص: ٢٦٣، وصواب شرحها ما قلت. وانظر ما سيأتى ص: ١٥٥، تعليق ١. (٣) فى المطبوعة: ((يعنى ما وصفنا))، والصواب من المخطوطة. (٤) فى المطبوعة. ((نقلا ورواية))، وفى المخطوطة ((نقلا وراثة))، وهى الصواب، وآثرت زيادة الواو قبلها، فإنى أرجح أنها كانت كذلك. وقد أكثر الطبرى استعمال ((وراثة)) و((موروثة)» بالحجة القاطنة العذر ، نقلا عن نبينا صلى الله ٣٣ ١ فيما سلف، من ذلك فيما مضى فى ٤ ٢٣٨ ((لخلافها القراءة المستفيضة الموروثة)). وانظر عليه وسلم وراثة ما سيأتى ص ١٥٥، تعليق ١ ١٢٨ تفسير سورة البقرة : ٢٨٥ غفر له ، وصفحه له عن هتك ستره بها فى الدنيا والآخرة ، وعفوه عن العقوبة .- عليه .(١) وأما قوله: ((وإليك)) المصير))، فإنه يعنى جل ثناؤه أنهم قالوا : وإليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا ، فاغفر لنا ذنوبنا . (٢) قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما الذي نصب قوله: ((غفرانك))؟ قيل له: وقوعه وهو مصدر موقعَ الأمر. وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأسماء إذا حلت محلّ الأمر، وأدَّت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون: (( شكراً لله يا فلان))، و ((حمداً له)»، بمعنى: اشكر الله واحمده. ((والصلاةَ، الصلاة)). بمعنى: صلُّوا. ويقولون فى الأسماء: ((اللّهَ اللّهَ يا قوم))، ولو رفع بمعنى: هو اللّه، أو: هذا اللّه - وُوجِّه إلى الخبر وفيه تأويل الأمر، كان جائزاً، كما قال الشاعر : (٣) إِنَّ قَوْماً مِنْهُمْ غَيْرُ وَأَشْبَ هُ غَيْرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَاحُ(٤) لَجَدِيِرُونَ بِالوَفَاءِ إذَا قَ لَ أخُو النَّجْدَةِ: السِّلَاَحُ السَّلَاحُ! ولو كان قوله ((غفرانك ربنا)) جاء رفعاً فى القراءة، لم يكن خطأ ، بل كان صواباً على ما وصفنا . (٥) وقد ذُ كر أن هذه الآية لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثناءٌ من (١) انظر ما سلف ٢ : ١٠٩، ١١٠. ( ٢) انظر ما سلف فى تفسير ((المصير)) ٣ : ٥٦ . (٣) لم أعرف قائله . (٤) معانى القرآن للفراء ١: ١٨٨، وشواهد العينى (هامش الخزانة)٤: ٣٠٦ . ولم أستطع تعينى (عمير)) و((السفاح))، فهما كثير . (٥) أكثر هذا من معانى القرآن للفراء ١ : ١٨٨. ١٢٩ تفسير سورة البقرة : ٢٨٥، ٢٨٦ اللّه عليه وعلى أمته، قال له جبريل صلى الله عليه وسلم: إنّ اللّه عز وجل قد أحسنَ عليك وعلى أمتك الثناءَ ، فسل ربِّك. ٦٥٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر قال: لما أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون کلّ آمن بالله وملائكته و کتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير))، قال جبريل : إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه! فسأل: ((لا يكلّف الله نفساً إلاّ وُسُعها)) إلى آخر السورة. (١) ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّ وُسْتَهَا﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : لا يكلِّف اللّه نفساً فيتعبَّدها إلاّ بما يسعها ، (٢) فلا يُضّيق عليها ولا يجهدها. ٠ ٠٠ (١) الحديث: ٦٥٠١ - بيان: هو ابن بشر الأحمسى، مضت ترجمته فى: ٢٥٩. ((حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمى)): تابعى كبير ثقة ، أرسل عن النبى صلى الله عليه وسلم. روى عن أبيه ، وعمر ، وعثمان، وابن مسعود، وطلحة، وعبادة بن الصامت. وروى عنه إسماعيل ابن أبى خالد، و((بيان)). ثقة. مات فى آخر إمارة الحجاج. وقيل سنة ٨٢ ، وقيل سنة ٩٥ . مترجم فى التهذيب، والكبير ١٢/١/٢. وصرح بأنه سمع عمر . فهذا الحديث مرسل . وذكره السيوطى ١ : ٣٧٦، ونسبه أيضاً لسعيد بن منصور ، وابن أبى حاتم . ونقله ابن كثير ٢ : ٨٩، عن هذا الموضع من الطبرى. ولكن وقع فيه تحريف فى الإسناد ، من ناسخ أو طابع - هكذا: ((عن سنان ، عن حكيم ، عن جابر))؛ فصار الإسناد موهماً أنه حديث متصل من رواية جابر بن عبد الله الصحابى . فيصحح من هذا الموضع . (٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها فيتعبدها إلا بما يسعها)) وبين أن الناسخ عجل فزاد (( إلا وسعها))، والسياق يقتضى تركها هنا ، فتركتها . ج ٦ (٩) ١٣٠ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ وقد بينا فيما مضى قبل أن ((الوسع)) اسم من قول القائل: ((وَسِعِى هذا الأمر ))، مثل ((الجُهد)) و((الوُجْد)) من: ((جهدفى هذا الأمر)) و((وجدت منه))،(١) كما : - ٦٥٠٢ - حدثنی المثی قال، حدثنا عبد الله قال، حدثی معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((لا يكلف الله نفساً إلاّ وُسعها)) قال: هم المؤمنون، وسَّح الله عليهم أمرَ دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، وقال ﴿فَتَقُوا اللهَ مَا أُسْتَطْمْ﴾(٢) [سورة التغابن: ١٦]. ٦٥٠٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن الزهرى ، عن عبد الله بن عباس قال: لما نزلتْ، ضجّ المؤمنون منها ضجةٌ وقالوا : يا رسول الله، هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان! (٣) كيف نتوب من الوسوسة ؟ کیف نمتنع منها ؟ فجاء جبريل صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ، ((لا يكلف الله نفساً إلاّ وُسعها))، إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوَسْوسة. ٦٥٠٤ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((لا يُكلف الله نفساً إلا وسعها))، وسعها، طاقتها. وكان حديث النفس مما لم يطيقوا . (٤) ٥ ٠ -- (١) انظر ما سلف ٥ : ٤٥. (٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((اتقوا الله ... )) وأثبت نص القراءة. (٣) قوله: ((هذا نتوب ... ))، تعبير فصيح يكون مع التعجب، وقد جاء فى الشعر، ولكن سقط عنى موضعه الآن فلم أجده . (٤) فى المطبوعة: (( مما لا يطيقون))، وأثبت ما فى المخطوطة. ١٣١ تفسير سورة البقرة ٢٨٦ القول فى تأويل قوله ﴿لَهَ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَاَ مَا أَ كْتَسَبَتْ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((لها)) للنفس التى أخبر أنه لا يكلفها إلا وسعها. يقول: لكل نفس ما اجترَحت وعملتْ من خير = ((وعليها))، يعنى: وعلى كل نفس = ((ما اكتسبت))، ما عملت من شرّ، (١) كما : - ٦٥٠٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت))، أى: من خير = ((وعليها ١٠٣/٣ ما اكتسبت ))، أى : من شرّ - أو قال : من سوء. ٦٥٠٦ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((لها ما كسبت))، يقول: ما عملت من خير = ((وعليها ما اكتسبت))، يقول : وعليها ما عملت من شر . ٦٥٠٧ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن قتادة ، مثله . ٦٥٠٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن الزهرى، عن عبد الله بن عباس: ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت))، عملَ اليد والرّجل واللسان. قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذاً : لا يكلف الله نفساً إلا ما يسعها فلا يجهدَها ولا يضيِّق عليها فى أمر دينها، فيؤاخذها بهمَّة إن همّت ، ولا بوسوسة إن عَرَضت لها ، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها . ٠ ٠ ٠ (١) انظر تفسير ((الكسب)) و((الاكتساب)) فيما سلف ٢: ٢٧٣، ٢٧٤ / ثم ٣: ١٠٠، ١٠١، ١٢٨، ١٢٩ / ثم ٤ : ٤٤٩ . ١٣٢ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ القول فى تأويل قوله ﴿رَبَّنَ لَا تُؤَاخِذْ نَآَ إِن نَسِينَآَ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ قال أبو جعفر: وهذا تعليمٌ من الله عز وجل عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه، وما يقولونه فى دعائهم إياه. ومعناه: قولوا: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا)) شيئاً فرضتَ علينا عمله فلم نعمله =، ((أو أخطأنا)) فى فعل شىء نهيتنا عن فعله ففعلناه ، على غير قصد منا إلى معصيتك، ولكن على جهالة منا به وخطأ، كما : - ٦٥٠٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا))، إن نسينا شيئاً مما افترضته علينا، أو أخطأنا ، [ فأصبنا ] شيئاً مما حرمته علينا . (١) ٦٥١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة فى قوله: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا))، قال: بلغنى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدّثت به أنفسها . (٢) ٦٥١١ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط قال ، زعم السدى أن هذه الآية حين نزلت: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا))، قال قال له جبريل صلى اللّه اللّه عليه وسلم : فقل ذلك يا محمد . (١) الزيادة بين القوسين، توشك أن تكون زيادة لايستقيم بغيرها الكلام. (٢) الأثر: ٦٥١٠ - أخرجه مسلم فى صحيحه ( ٢: ١٤٦، ١٤٧) من طرق، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبى هريرة ولفظه: (( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ، ما لم يتكلموا أو يعملوا)). ١٣٣ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وهل يجوز أن يؤاخذ الله عز وجل عباده بما نسوا أو أخطأوا، فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك ؟ قيل: إنّ ((النسيان)) على وجهين: أحدُهما على وجه التضييع من العبد والتفريط، والآخرُ على وجه عجز الناسى عن حفظ ما استُحفظ ووكُّل به ، وضعف عقله عن احتماله . = فأما الذى يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو تركٌ منه لما أمر بفعله. فذلك الذى يرغب العبد إلى الله عز وجل فى تركه مؤاخذته به ، وهو (( النسيان)) الذى عاقب اللهعز وجل به آدم صلوات الله عليه فأخرجه من الجنة، فقال فى ذلك: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمَا﴾ [سورة طه: ١١٥]، وهو ((النسيان)) الذى قال جل ثناؤه: ﴿فَأَلْيَوْمَ نَفْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [سورة الأعراف: ٥١]. فرغبةُ العبد إلى الله عز وجل بقوله: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا))، فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذى وصفنا، ما لم يكن تركُهُ ما ترك من ذلك تفريطاً منه فيه وتضييعاً، كفراً بالله عز وجل. فإن ذلك إذا كان كفراً باللّه، فإن الرغبة إلى الله فى تركه المؤاخذة" به غير جائزة، لأن الله عز وجل قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به ، فمسألته فعلَ ما قد أعلمهم أنه لا يفعله، خطأ. وإنما تكون مسألته المغفرة، فيما كان من مثل نسيانه القرآنَ بعد حفظه بتشاغله عنه وعن قراءته ، ومثل نسيانه صلاةً أو صياماً باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيَّعهما . = وأما الذى العبد به غيرُ مؤاخذ، لعجز بِنْيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وُ كّل بمراعاته ، فإن ذلك من العبد غيرُ معصية ، وهو به غير آثم . فذلك الذى لا وجه لمسألة العبد ربَّه أن يغفره له، لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب . وذلك مثل الأمر يغلب عليه وهو حريصٌ على تذكّره وحفظه ، كالرجل ١٣٤ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ يحرص على حفظ القرآن بجدّ منه فيقرأه ، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه ، ولكن بعجز بنيته عن حفظه ، وقلة احتمال عقله ذكرَ ما أودع قلبه منه ، وما أشبه ذلك من النسيان ، فإن ذلك مما لا تجوز مسألة الربّ مغفرته ، لأنه لا ذنبَ للعبد فيه فيغفر له باكتسابه . وكذلك أ ((الخطأ)) وجهان : ١٠٤/٣ ٠ = أحدهما: من وجه ما نهى عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه، وهو به مأخوذ، يقال منه: ((خَطِئَ فلان وأخطأ)) فيما أتى من الفعل، و((أثم))، إذا أتى ما يأثم فيه وركبه، (١) ومنه قول الشاعر: (٢) النَّاسُ يَلْحَوْنَ الأَمِيرَ إذَا مُ خَطِئُوا الصَّوَابَ وَلَا يَلَامُ الْمُرْشَدُ(٣) يعنى أخطأوا الصّواب = وهذا الوجه الذى يرغب العبد إلى ربه فى صفح ما كان منه من إثم عنه ، (٤) إلا ما كان من ذلك كفراً . = والآخر منهما : ما كان منه على وجه الجهل به، والظنّ منه بأن له فعله ، كالذى يأكل فى شهر رمضان ليلاً وهو يحسب أن الفجر لم يطلع = أو يؤخر (١) فى المطبوعة: ((ما يتأثم فيه))، والصواب من المخطوطة. وانظر معنى ((خطئ')) في) سلف ٢ : ١١٠ . (٢) هو عبيد بن الأبرص الأسدى، وفى حماسة البحترى، ٢٣٦ ((عبيد بن منصور الأسدى))، وكأنه تحريف . (٣) ديوانه: ٥٤، وحماسة البحترى ٢٣٦ والسان (أمر) ورواية ديوانه: وَالنَّاسُ يلحون الأميرَ إِذَا غَوَى خَطْبَ الصَّوَابِ أما رواية اللسان، فهى كما جاءت فى الطبرى. ولحاء يلحاء: لامه وقرعه. والأمير : صاحب الأمر فيهم ، يأمرهم فيطيعونه. والمرشد ( اسم مفعول بفتح الشين): من هداه الله إلى الصواب. وهو شبيه بقول القطامى والناسُ مَنْ يلقَ خيراً فائلون لَهُ ما يشتهى، ولِأُمِّ الْمُخْطِئِ الهَبَلُ (٤) استعمل أبو جعفر ((الصفح)) هنا بمعنى: الرد والصرف، ولو كان من قولهم ((صفح عن ذنبه)) لكان صواب العبارة ((فى صفحه عما كان منه من إثم)). واستعمال أبى جعفر جيد صحيح. ١٣٥ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ صلاةً فى يوم غيم وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها ، فيخرج وقتها وهو يرى أن وقتها لم يدخل . فإنّ ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد، الذى وضعَ اللّه عز وجل عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربّه أن لا يؤاخذه به . ٠ ٠٫٠ وقد زعم قوم أنّ مسألة العبد ربَّه أن لا يؤاخذه بما نسى أو أخطأ ، إنما هو فعلٌ منه لما أمرَه به ربّه تبارك وتعالى، أولما ندبه إليه من التذلل له والخضوع بالمسألة، فأما على وجه مسألته الصفحَ، فما لا وجه له عندهم . (١) وللبيان عن هؤلاء كتاب سنأتى فيه إن شاء الله على ما فيه الكفاية، لمن وفق لفهمه . القول فى تأويل قوله ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاَ﴾ قال أبو جعفر: ويعنى بذلك جل ثناؤه: قولوا: ((ربنا لا تحمل علينا إصراً))، يعنىب ((الإصر)) العهد، كما قال جل ثناؤه: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْثُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى﴾ [سورة آل عمران: ٨١]. وإنما عنى بقوله: ((ولا تحمل علينا إصراً)) ولا تحمل علينا عهداً فنعجز عن القيام به ولا نستطيعه = ((كما حملته على الذين من قبلنا)»، يعنى : على اليهود والنصارى الذين كُلُّفُوا أعمالاً ، وأخذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها فعوجلوا بالعقوبة. فعلَّم الله عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم الرغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال - إن ضيعوها (١) انظر أمالى الشريف المرتضى ٢: ١٣١، ١٣٢. ١٣٦ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ أو أخطأوا فيها أو نسوها - مثل الذى حَمَّل مَنْ قبلهم، فيُحلّ بهم بخطئهم فيه وتضييعهم إياه، مثلَ الذى أحَلَّ بمن قبلهم . ٠٠٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ٦٥١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((لا تحمل علينا إصراً))، قال: لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً ، كما حملته على الذين من قبلنا. يقول : كما غُلُظ على من قبلنا . ٦٥١٣ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى ، عن موسى بن قيس الحضرمى ، عن مجاهد فى قوله: ((ولا تحمل علينا إصراً))، قال: عهداً. (١) ٦٥١٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((إصراً))، قال: عهداً. ٦٥١٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد اللّه قال ، حدثنا معاوية ، عن على، عن ابن عباس فى قوله: ((إصراً)) ، يقول: عهداً . ٦٥١٦ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا))، والإصر: العهد الذی کان على من قبلنا من اليهود . ٦٥١٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: ((ولا تحمل" علينا إصراً))، قال: عهداً لا نطيقه ولا نستطيع (١) الأثر: ٦٥١٣ - ((موسى بن قيس الحضرى)) الفراء، الكوفى، لقبه: ((عصفور الجنة)). روى عن سلمة بن كهيل، ومحمد بن عجلان، ومسلم البطين وغيرهم. روى عنه وكيع ، ويحيى بن آدم، وأبو نعيم، وغيرهم. قال أحمد: ((لا أعلم إلا خيراً)). وقال ابن سعد: ((كان قليل الحديث)). ووثقه ابن معين. وقال العقيلى: ((كان من الغلاة فى الرفض ... يحدث بأحاديث مناكير - أو: بواطيل)). مترجم فى التهذيب . ١٣٧ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ القيام به = ((كما حملته على الذين من قبلنا))، اليهود والنصارى فلم يقوموا به، فأهلكهم . ٦٥١٨ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك: (إصراً))، قال : المواثيق . ٦٥١٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ((الإصر))، العهد . = ﴿وَأُخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى﴾ [سورة آل عمران ٨١]، قال: عهدى . ٦٥٢٠ - حدثنى محمد بنسعد قال ،حدثی ابی قال، حدثنیعی قال، حدثنى ألى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ وَأَخَذْثُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٍ﴾، قال: عهدى. ٠ ٠ ٠ وقال آخرون: ((معنى ذلك: ولا تحمل علينا ذنوباً وإثماً ، كما حملت ذلك على من قبلنا من الأمم ، فتمسخنا قردةً وخنازير كما مسختهم)). • ذكر من قال ذلك : ٦٥٢١ - حدثنى سعيد بن عمرو السكونى قال ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن على بن هرون ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبى رباح فى قوله : ((ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا))، قال : لا تمسخنا قردة وخنازير . (١) ٦٥٢٢ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زید فی قوله : ((ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا))، لا تحمل علينا ذنباً ليس فيه توبةً ولا كفارة . ٠٠ وقال آخرون: ((معنى ((الإصر)) بكسر الألف: الثَّقْل)). (١) الأثر: ٦٥٢١ - ((سعيد بن عمرو السكونى))، سلفت ترجمته فى رقم : ٥٥٦٣. أما ((على بن هرون)) فلم أجده، وأظن صوابه ((يزيد بن هرون))، و((بقية بن الوليد)) يروى عن ((يزيد بن هرون)» ومات قبله . وهم جميعاً مترجمون فى التهذيب . ١٠٥/٣ ١٣٨ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ · ذكر من قال ذلك : ٦٥٢٣ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ((ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا))، يقول: التشديد الذى شدّدّته على من قبلنا من أهل الكتاب . ٦٥٢٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، سألته - يعنى مالكاً - عن قوله: ((ولا تحمل علينا إصراً))، قال: الإصر، الأمر الغليظ . قال أبو جعفر: فأما ((الأصر))، بفتح الألف: فهو ما عطف الرجل" على غيره من رَحم أو قرابة، يقال: ((أصرتی رَحم بينى وبين فلانٌ عليه)» ، بمعنى: عطفتنى عليه. ((وما يأصِرُنى عليه))، أى: ما يعطفنى عليه. ((وبينى وبينه آصرةُ رَحم تأصر نى عليه أصراً))، يعنى به: عاطفة رَحم تعطفنى عليه. (١) القول فى تأويل قوله ﴿ رَبَّنَاَ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وقولوا أيضاً : ربنا لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به ، لثِقَل حمله علينا . وكذلك كانت جماعة أهل التأويل يتأولونه . • ذكر من قال ذلك : ٦٥٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة : ((ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به))، تشديدٌ يشدّد به، كما شدّد على من كان قبلكم. (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وبينى وبينه أصر رحم يأصرفى عليه))، وسياق شرحه يقتضى ما أثبتته كتب اللغة ، وهو الذى أثبته هنا . ١٣٩ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ ٦٥٢٦ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قوله: ((ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به))، قال: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق . ٦٥٢٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله : (( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به))، لا تفترض علينا من الدّين ما لا طاقة لنا به فنعجز عنه . ٦٥٢٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن ابن جريج: ((ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به))، مسخُ القردة والخنازير . ٦٥٢٩ - حدثنى سلام بن سالم الخزاعى قال ، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد التنوخى قال ، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور ، عن سالم بن شابور فى قوله: ((ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به))، قال: الغُلْمة. (١) ٦٥٣٠ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به))، من التغليظ والأغلال التى كانت عليهم من التحريم . قال أبو جعفر : وإنما قلنا إن تأويل ذلك : ولا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به ، على نحو الذى قلنا فى ذلك، لأنه عقيب مسألة المؤمنين ربّهم أن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا، وأن لايحمل عليهم إصراً كما حمله على الذين من قبلهم، (١) الأثر: ٦٥٢٩ - ((سلام بن سالم الخزاعى))، سلفت ترجمته برقم: ٢٥٢. وأما ((أبو حفص عمر بن سعيد التنوخى))، فهو ((عمر بن سعيد بن سليمان، أبو حفص القرشى الدمشقى)»، راوية سعيد بن عبد العزيز التنوخى، فكأنه نسب إليه . روى عن محمد بن شعيب ابن شابور. مترجم فى التهذيب، وتاريخ بغداد (١١: ٢٠٠). و((محمد بن شعيب بن شابور)) الدمشقى ، أحد الكبار . روى عن الأوزاعى وسعيد بن عبد العزيز التنوخى ، وغيرهما . كان يسكن بيروت، وذكره ابن حبان فى الثقات . مات سنة ٢٠٠ والغلمة : غليان شهوة المواقعة من الرجل والمرأة . ١٤٠ تفسير سورة البقرة : ٢٨٦ فكان إلحاق ذلك بمعنى ما قبله من مسألتهم التيسير فى الدين ، أولى مما خالف ذلك المعنى . ٠٠٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا﴾ قال أبو جعفر : وفى هذا أيضاً ، من قول الله عز وجل ، خبراً عن المؤمنين من مسألتهم إياه ذلك = (١) الدلالةُ الواضحة أنهم سألوه تيسير فرائضه عليهم بقوله: ((ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به))، لأنهم عقبوا ذلك بقولهم: ((واعف عنا))، مسألةٌ منهم ربَّهم أن يعفوَ لهم عن تقصير إن كان منهم فى بعض ما أمرهم به من ـوا فرائضه ، فيصفح لهم عنه ولا يعاقبهم عليه ، وإن خفّ ما كلفهم من فرائضه على أبدانهم . ٠ ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال بعض أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٦٥٣١ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((واعف عنا))، قال: اعفُ عنا إن قصرنا عن شىء من أمرك مما أمرتنا به . ٠ وكذلك قوله: ((واغفر لنا)) ، يعنى : واستر علينا زلَّة إن أتيناها فيما بيننا وبينك ، فلا تكشفها ولا تفضحنا بإظهارها . ٠٠٠ وقد. دللنا على معنى ((المغفرة)) فيما مضى قبل. (٢) ٠ ٠ (١) سياق العبارة: ((وفى هذا أيضاً ... الدلالة الواضحة)) خبر ومبتدأ. (٢) انظر، ماسلف قريباً: ١٢٨،١٢٧ تعليق: ١، والمراجع هناك. وانظر فهارس اللغة (غفر).