النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
تفسير سورة : ٢٨٤
القول فى تأويل قوله ﴿"ِثِهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأُرْض
وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُتْقُوهُ يُحَسِبْكُمْ بِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَآءَ
وُيُعَذِّبُ مَن يَشَآءٍ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((لله ما فى السموات وما فى الأرض))،
الله ملك كل ما فى السموات وما فى الأرض من صغير وكبير، وإليه تدبير جميعه،
وبيده صرفه وتقليبه ، لا يخفى عليه منه شىء ، لأنه مدبره ومالكه ومصرّفه .
وإنما عنى بذلك جل ثناؤه كمانَ الشهود الشهادةَ ، يقول : لا تكتموا الشهادة
أيها الشهود، ومن يكتمها يفجُرْ قلبه، ولن يخفى علىّ كتمانه ذلك ، لأنى بكل
شىء عليم ، وبيدى ◌َرْف كل شىء فى السموات والأرض وميلكه، أعلمُ خفىّ
ذلك وجليّه، (٢) فاتقوا عقابى إياكم على كتمانكم الشهادة = وعيداً من الله بذلك
مَنْ كتمها ، وتخويفاً منه له به .
ثم أخبرهم عما هو فاعل بهم فى آخرتهم وبمن كان من نظرائهم ممن انطوى
كشحاً على معصية فأضمرها ، أو أظهر موبقة فأبداها من نفسه - من المحاسبة
عليها فقال: ((وإن تُبُدُوا ما فى أنفسكم أو تخفوه))، يقول: وإن تظهروا فيما
عندكم من الشهادة على حقّ ربّ المال الجحودَ والإنكار ، أو تخفوا ذلك
فتضمروه فى أنفسكم، وغير ذلك من سيء أعمالكم = ((يحاسبكم به الله)) ، يعنى
(١) لم تثبت المخطوطة ولا المطبوعة قوله تعالى: ((فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)) فى هذا الموضع
ولا فى غيره إلى القول فى تفسير تمام الآية ، وأثبتها فى مكانها .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((أعلمه على ... ))، والسياق يقتضى ما أثبت. وفى المخطوطة:
((وجليله))، ولا بأس بها، ولكن ما فى المطبوعة أمثل بالسياق .

١٠٢
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
بذلك : يحتسب به عليكم من أعمالكم، (١) فمجازٍ من شاء منكم من المسيئين بسوء
عمله، (٢) وغافرٌ لمن شاء منكم من المسيئين.(٣)
ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله: ((وإن تُبدُوا ما فى أنفسكم أو
تخفوه يحاسبكم به الله)).
فقال بعضهم بما قلنا : من أنه عنى به الشهودَ فى كتمانهم الشهادة ، وأنه
لاحق بهم كل من كان من نظرائهم ممن أضمر معصية أو أبداها .
• ذكر من قال ذلك :
٦٤٤٩ - حدثنى أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبى زائدة قال ، حدثنا ابن
فضيل، عن يزيد بن أبى زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس فى قوله: ((وإن
تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله))، يقول: يعنى فى الشهادة. (٤)
٦٤٥٠ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ،
عن یزید بن أبى زياد ، عن مقسم، عن ابن عباس فى قوله: ((وإن تُبدوا ما فى
أنفسكم أو تخفوه))، قال : فى الشهادة .
٦٤٥١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال: سئل داود
عن قوله: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله))، فحدثنا عن
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يحسب به عليه من أعماله)) بالضمير المفرد، والسياق يقتضى الجمع
كما أتيه. ويقال: ((احتبت عليه بالمال))، أى: عددته عليه وحاسبته به. و((أحتسب)) من
((الحساب(( مثل ((اعتد)) من ((العد)».
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فيجازى من شاء ... )) والسياق يقتضى ما أثبت.
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وغافر منكم لمن شاء ... »، وهو تقديم من عجلة الناسخ،
والصواب ما أثبت .
(٤) الأثر: ٦٤٤٩ - ((ابن فضيل))، هو محمد بن فضيل، وقد سلف مراراً. وكان فى
فى المخطوطة والمطبوعة ((أبو نفيل)) وليس فى الرواة من يقال له ((أبو نفيل)) يروى عن يزيد بن أبى
زياد، والذى يروى عنه هو ابن فضيل .

١٠٣
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
عكرمة قال : هى الشهادة إذا كتمتها .
٦٤٥٢ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة ،
عن عمرو وأبى سعيد: أنه سمع عكرمة يقول فى هذه الآية: ((وإنْ ◌ُتُبدوا ما فى أنفسكم
أو تخفوه))، قال : فى الشهادة .
٦٤٥٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن
السدى، عن الشعبى فى قوله: ((وإن ◌ُبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه،)) قال: فى
الشهادة .
٩٥/٣
٦٤٥٤ - حدثنا يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يزيد بن أبى زياد ،
عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية، ((وإنْ تبدوا ما فى أنفسكم أو
تخفوه يحاسبكم به الله))، قال : نزلت فى كتمان الشهادة وإقامتها .
٦٤٥٥ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا
جويبر ، عن عكرمة فى قوله: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم
به الله))، يعنى : كتمان الشهادة وإقامتها على وجهها.
وقال آخرون : ((بل نزلت هذه الآية إعلاماً من الله تبارك وتعالى عبادَه أنه
مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وحدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه)) .
ثم اختلف متأولو ذلك كذلك .
فقال بعضهم: ((ثم نسخ اللّه ذلك بقوله: ﴿لا يُكلُِّ اللهِ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَاَ لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦]))
• ذكر من قال ذلك :
٦٤٥٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحق بن سليمان ، عن مصعب بن

١٠٤
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
ثابت ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبى هريرة قال : لما نزلت :
((اللّه ما فى السموات وما فى الأرض وإن ◌ُبدُوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به
اللّه))، اشتد ذلك على القوم، فقالوا: يا رسول الله، إنا لمؤاخذون بما نحدّث به
أنفسنا! هلكنا! فأنزل الله عز وجل: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهِ نَفْسَا إِلاَّ وُسْعَهَا) الآية
إلى قوله: ﴿رَبََّ لاَ تُؤَاخِذْنَاَ إنْ نَسِنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال أبى: قال أبوهريرة:
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قال اللّهُ: نعم ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) إلى آخر الآية = قال أبى: قال أبو هريرة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: نعم. (١)
٦٤٥٧ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع = وحدثنا سفيان بن وكيع
(١) الحديث: ٦٤٥٦ - إسحق بن سليمان الرازى العبدى: ثقة ثبت فى الحديث، متعبد كبير،
من خيار المسلمين . أخرج له الجماعة .
مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير : تكلم فيه الأمة ، فضعفه أحمد ، وابن معين ، وغيرهم.
وأثنى عليه الزهرى. وقال أبو حاتم: ((صدوق كثير الغلط، ليس بالقوى، ويروى عنه إسحق بن سليمان»،
ولكن ترجمه البخارى فى الكبير ٣٥٣/١/٤، فلم يذكر فيه جرحاً . والظاهر أن من ضعفه فإنما ذهب
إلى كثرة غلطه، كما فعل أبو حاتم . وأياً ما كان، فهو لم ينفرد بهذا الحديث، كما سيأتى فى التخريج.
والحديث سيأتى بعضه: ٦٥٣٨، بهذا الإسناد .
ورواء أحمد فى المسند : ٩٣٣٣ (٢: ٤١٢ حلى)، عن عفان، عن عبد الرحمن بن إبرهيم
القاص المدنى ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، به ، مطولا عما هنا .
وعبد الرحمن بن إبرهيم - هذا - ثقة، وثقه ابن معين وغيره . مترجم فى التعجيل ، وابن أبى حاتم
٠٢١١/٢/٢
ورواه مسلم - مطولا أيضاً - ١: ٤٦ - ٤٧، وابن حبان فى صحيحه: ١٣٩ (١: ٢٢٥ -
٢٢٦ - من مخطوطة الإحسان) - كلاهما من طريق يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، به
وفقله ابن كثير ٢ : ٧٩ - ٨٠، عن رواية المسند .
وأشار إليه الحافظ فى الفتح ٨: ١٥٤، من رواية مسلم.
وذكره السيوطى ١ : ٣٧٤، وزاد نسبته لأبى داود فى ناسخه، وابن المنذر، وابن أبى حاتم . ولم
ينسبه لصحيح ابن حبان .

١٠٥
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
قال حدثنا أبى= قال، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد، قال،
سمعت سعيد بن جبير يحدّث، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ((وإن تبدوا ما
فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفرُ لمن يشاء ويعذب من يشاء))، دخل قلوبهم
منها شىء لم يدخلها من شىء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعنا وأطعنا
وسلَّمنا . قال: فألقى الله عز وجل الإيمان فى قلوبهم، قال: فأنزل الله عز وجل:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) = قال أبو كريب: فقرأ ﴿رَبَّنَا
لَا تُؤَاخِذْنَ إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) - قال فقال: قد فعلت - ﴿رَبََّاً وَلاَ تَحْمِلْ
عَلَيْنَا إِصْرَاكَمَا حَمَلْتَه عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) = قال: قد فعلت = ﴿رَبِّنَا وَلاَ
تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ) = قال: قال: قد فعلت = ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ
لَنَا وَارْ حَيْنَا أُنْتَ مَوْلاَنَا فَأَ نْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَآَفِرِينَ) = قال: قد فعلت. (١)
(١) الحديث : ٦٤٥٧ - سفيان بن وكيع يرويه عن أبيه . وأبوه يرويه عن سفيان ، وهو
الثورى، ووقع فى المطبوعة هنا حذف قوله ((قال: حدثنا أبى)). وهو خطأ. وسيأتى الإسناد على الصواب:
٦٥٣٧، حيث روى الطبرى بعضه مختصراً . بهذا الإسناد .
آدم بن سليمان القرشى، مولى خالد بن خالد بن عقبة بن أبي معيط : ثقة ، وهو والد يحيى بن آدم
صاحب كتاب الخراج .
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٢٠٧٠، عن وكيع ، بهذا الإسناد .
وكذلك رواه مسلم ١ : ٤٧، عن أبى بكر بن أبى شيبة ، وأبى كريب، وإسحق بن إبرهيم -
وهو ابن راهويه - : ثلاثتهم عن وكيع ، به .
وفى التهذيب ، فى ترجمة آدم بن سليمان ، أن مسلماً أخرج له هذا الحديث الواحد متابعة ؛ وليس
كذلك ، بل هو أصل لا متابعة ، إذ لم يروه مسلم من طريق غيره .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٨٦، من طريق ابن راهويه، عن وكيع. وقال: ((هذا حديث
جميع الإسناد ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير ٢ : ٨١، عن رواية المسند . ثم أشار إلى رواية مسلم .
وأشار إليه الحافظ فى الفتح ٨: ١٥٤، من رواية مسلم .
وذكره السيوطى ١ : ٣٧٤، وزاد نسبته للترمدى، والنسائى ، وابن المنذر ، والبيهقى فى الأسماء
والصفات .
وسيأتى بعض معناه : ٦٤٦٤، عن سعيد بن جبير، مرسلا غير متصل . فيستفاد وصله من
من هذه الرواية .

١٠٦
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
٦٤٥٨ - حدثنى أبو الردّاد المصرى عبد الله بن عبد السلام قال ، حدثنا
أبو زرعة وهب الله بن راشد، عن حيوة بن شریح قال ، سمعت یزید بن أبى حبيب
يقول : قال ابن شهاب، حدثنى سعيد ابن مرجانة قال : جئتُ عبد الله بن عمر
فتلا هذه الآية: (( وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن
يشاءُ ويعذب من يشاء)). ثم قال ابن عمر: لئن آخذَنا بهذه الآية ، لهلكنّ!
ثم بكى ابن عمر حتى سالت دُمُوعه. قال ، ثم جئتُ عبد الله بن العباس فقلت:
يا أبا عباس، إنى جئت ابن عمر فتلا هذه الآية: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو
تخفوه )) الآية، ثم قال: لئن وَاخذنا بهذه الآية لنهلكنّ! ثم بكى حتى سالت
دموعه ! فقال ابن عباس: يغفر اللّه لعبد الله بن عمر! لقد فرق أصحابُ رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم منها كما فَرِق ابن عمر منها، فأنزل الله ﴿لاَ يُكَلُِّ اللّهُ نَفْسًا
إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، فنسخ اللّه الوَسوسة، وأثبت
القول والفعلَ .(١)
٦٤٥٩ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنی یونس بن
يزيد، عن ابن شهاب ، عن سعيد ابن مرجانة يحدث: أنه بينا هوجالس سمع
عبد الله بن عمر تلا هذه الآية، ((لله ما فى السموات وما فى الأرض وإن تبدوا
ما فى أنفسكم أو تخفوه)) الآية، فقال: والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكنّ ! ثم
بکی ابن عمرحتى ◌ُسمع تشيجه ، فقال ابن مرجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس
(١) الحديث: ٦٤٥٨ - أبوالرداد المصرى، عبد الله بن عبد السلام - شيخ الطبرى:
ثقة. ترجمه ابن أبى حاتم ١٠٧/٢/٢، وقال: ((سمعنا منه بمصر، وهو صدوق)).
أبو زرعة وهب اللّه بن راشد: هذه أول مرة يثبت فيها اسمه فى المطبوعة على الصواب ، فقد مضى
فى : ٢٣٧٧، ٢٨٩١، ٥٣/٦ - وكان فيها كلها محرفاً فى المطبوعة. وترحمنا له فى أولهن .
سعيد ابن مرجانة : هو سعيد بن عبد الله، مولى قريش . ومرجانة - بفتح الميم وسكون الراء :
أمه . قال الحافظ فى التهذيب: ((فعلى هذا فيكتب: ابن مرجانة - بالألف)). وهو تابعى ثقة. ثبت
سماعه من أبى هريرة ، خلافاً لمن زعم غير ذلك ، كما بينا فى المسند : ٧٥٨٣.
والحديث سيأتى عقبه : ٦٤٥٩، من وجه آخر عن ابن شهاب . ونذكر تخريجه هناك.

١٠٧
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
٩٦/٣
فذكرتُ لهُ ما تلا ابن عمر ، وما فعل حين تلاها ، فقال عبد الله بن عباس :
يغفر الله لأبى عبد الرحمن ! لعمرى لقد وَجَد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد
عبد الله بن عمر، فأنزل اللّهُ بعدها (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) إلى آخر
السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لاطاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى
أن قضى الله عز وجل أنّ للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت فى القول والفعل.(١)
٦٤٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر
قال، سمعتُ الزهرى يقول فى قوله: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه))، قال :
قرأها ابن عمر فبكى وقال: إنا لمؤاخذون بما نحدِّث به أنفسنا ! فبكى حتى ◌ُسمع
نشيجه ، فقام رجل من عنده فأتى ابن عباس فذكر ذلك له ، فقال : رَحم الله
ابن ◌ُمر! لقد وَجَد المسلمون نحواً مما وَجدَ، حتى نزلت ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا
إِلَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَ مَا أَكْتَسَبَتْ).(٢)
٦٤٦١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن
جعفر بن سليمان ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد قال : كنت عند ابن عمر
فقال: ((وإن ◌ُبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه)) الآية ، فبكى . فدخلت على ابن
عباس فذكرت له ذلك ، فضحك ابن عباس فقال : يرحم الله ابن عمر !
(١) الحديث : ٦٤٥٩ - هو الحديث السابق، بنحوه.
وقد ذكره ابن كثير ٢ : ٨١ - ٨٢، عن هذا الموضع من الطبرى.
وذكره الحافظ فى الفتح ٨: ١٥٤، مختصراً، عن هذا الموضع أيضاً. قال: ((أخرج الطبرى،
بإسناد صحيح عن الزهرى ... » - إلخ .
وذكره السيوطى ١: ٣٧٤، ونسبه لعبد بن حميد، وأبى داود فى ناسخه ، وابن جرير، والطبرانى ،
والبيهقى فى الشعب .
وانظر الأحاديث الآتية : ٦٤٦٠ - ٦٤٦٤ .
(٢) الحديث: ٦٤٦٠ - هذا حديث مرسل، لم يسمعه الزهرى. من ابن عمر، ولا من ابن
عباس . وهو مختصر من الحديثين قبله ، ومن الحديث : ٦٤٦٢. فقد سمع الزهرى القصة من سعيد ابن
مرجانة ، ومن سالم بن عبد الله بن عمر.
١٩ -جبنهيدين ٢٢٠٠٠٠٠٠٠

١٠٨
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
أوّ ما يدرى فيم أنزلت؟ إن هذه الآية حين أنزلت غمّت أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم غمًّاً شديداً وقالوا: يا رسول الله، هلكنا ! فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم: قولوا: ((سمعنا وأطعنا))، فنسختها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْهِ
مِنْ رَبّةٍ والمُؤْمِنُون كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِنْرُسُلِهِ) إلى قوله: ﴿وَعَلَيْهَ مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ فَتُجُوِّز لهم منْ حديث
النفس، وأخذوا بالأعمال .(١)
٦٤٦٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا يزيد بن هرون،
عن سفيان بن حسين ، عن الزهرى، عن سالم: أن أباه قرأ: (( وإن تبدوا ما فى
أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله))، فدمعت عينه، فبلغ صَّنِيعه ابنَ عباس ،
فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن! لقد صَنعَ كما صنع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه
صلى اللّه عليه وسلم حين أنزلتْ، فنسختها الآية التى بعدها: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا
إِلَّ وُسْعَهَاَ﴾. (٢)
(١) الحديث: ٦٤٦١ - جعفر بن سليمان: هو الضبعى. وقد مضى توثيقه فى: ٢٩٠٥.
حميد الأعرج: هو حميد بن قيس المكى ، قارى أهل مكة . مضى توثيقه فى : ٣٣٥٢.
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٣٠٧١، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج ، به .
فظهر من رواية الطبرى هذه : أن عبد الرزاق سمعه من شيخين، من معمر ، ومن جعفر بن سليمان -
كلاهما حدثه به عن حميد الأعرج .
وقد ذكره ابن كثير ٢: ٨١، عن رواية أحمد فى المسند. وكذلك ذكره الحافظ فى الفتح ٨: ١٥٤،
من رواية أحمد .
وذكره السيوطى ١ : ٣٧٤، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وابن المنذر.
وهو فى معنى الأحاديث السابق": ٦٤٥٨ - ٦٤٦٠.
وقوله: (( كنت عند ابن عمر فقال: (وإن تبدوا ما فى أنفسكم) ... )) - هكذا فى المخطوطة والمطبوعة.
ولعل صوابه: ((فقرأ))، بدل ((فقال)). وهو الثابت فى رواية المسند ومن نقل عنه.
وقوله فى آخر الحديث: ((فتجوز لهم من حديث النفس)» - هكذا فى المخطوطة والمطبوعة أيضاً.
ولعل صوابه ((عن حديث النفس))، كرواية المسند .
(٢) الحديث : ٦٤٦٢ - سفيان بن حسين الواسطى: مضى الكلام فى روايته عن الزهرى،

١٠٩
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
٦٤٦٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن
عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير قال: نسخت هذه الآية : ((وإن تبدوا
ما فى أنفسكم أو تخفوه)) - (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. (١)
٦٤٦٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا سفيان ، عن
آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية: ((وإن تبدوا ما فى
أنفسكم أو تخفوه))، قالوا : أنؤاخذ بما حدّ ثنا به أنفسنا، ولم تعمل به جوارحنا ؟
قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَاَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهاَ
مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّثَلاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيناً أَوْ أَخْطَأْنَا)، قال: ويقول: قد فعلت.
قال: فأعطيت هذه الأمة خواتيم ((سورة البقرة))، لم تُعطها الأمم قبلها. (٢)
وأن فيها تخاليط ، فى ٣٤٧١ . ولكن يظهر لى الآن أن فى هذا غلواً من ابن حبان . فإن البخارى
ترجم له فى الكبير ٩٠/٢/٢، وأشار إلى رواية عن الزهرى، فلم يذكر فيها قدحاً، ثم إن الأئمة صححوا
هذا الحديث من روايته عن الزهرى ، كما سيجىء .
فالحديث رواه أبو جعفر بن النحاس فى الناسخ والمنسوخ، ص: ٨٦ . والحاكم فى المستدرك
٢ : ٢٨٧ - كلاهما من طريق يزيد بن هرون ، عن سفيان بن حسين ، بهذا الإسناد . وقال الحاكم:
((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
ثم قد ذكره ابن كثير ٢ : ٨٢، عن هذا الموضع - بعد الروايات السابقة، ثم قال: ((فهذه
طرق صيحة عن ابن عباس)).
وقد رجحت توثيق سفيان بن حسين - وفى روايته عن الزهرى - فيما كتبت تعليقاً على تهذيب السنن
المنذرى، ج ٣ ص: ٤٠٢ . فأنيته حين كتبت ما مضى فى: ٣٤٧١.
والحديث ذكره أيضاً السيوطى ١ : ٣٧٤، وزاد نسبته لابن أبى شيبة .
(١) الحديث : ٦٤٦٣ - أبو أحمد: هو الزبيرى، محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدى.
وهو يروى عن سفيان الثورى . ويروى عنه محمد بن بشار .
وهذا الحديث مرسل ، لأنه حكاية من سعيد بن جبير عن إخبار بنسخ الآية .
وقد سبقت رواية لسعيد بن جبير عن ابن عباس : ٦٤٥٧، لعلها تشير إلى هذا المعنى .
(٢) الحديث : ٦٤٦٤ - وهذا حديث مرسل أيضاً ، من رواية سعيد بن جبير، ولكنه
بعض معنى الحديث السابق : ٦٤٥٧، الذى رواه سعيد عن ابن عباس متصلا .
وسيأتى بعضه : ٦٥٣٩، بهذا الإسناد مع تحريف فى اسم الراوى عن سفيان، كما سنذكرهناك،
إن شاء الله.

١١٠
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
٦٤٦٥ - حدثنا أبو کریبقال، حدثنا جابر بن نوح قال ، حدثنا إسمعیل ،
عن عامر: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء
ويعذب من يشاء))، قال: فنسختها الآية بعدها، قوله: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا
إِلَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).
٦٤٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن الشعبى :
((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله))، قال: نسختها الآية التى
بعدها: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهِ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا) = وقوله: ((وإن تُبدوا))، قال:
يحاسب بما أبدى من سرّ أو أخفى من سر ، فنسختها التى بعدها .
٦٤٦٧ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا سيّار، عن الشعبى
قال : لما نزلت هذه الآية: ((وإن تُبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله
فيغفرُ لمن يشاء ويعذب من يشاء))، قال : فكان فيها شدّة ، حتى نزلت هذه
الآية التى بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، قال: فنسخت
ما كان قبلها .
٦٤٦٨ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون قال :
ذكروا عند الشعبى: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه)) حتى بلغ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، قال، فقال الشعبى: إلى هذا صار، رَجَعتْ إلى
آخر الآية .
٩٧/٣
٦٤٦٩ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا
جويبر، عن الضحاك فى قوله: (( وإن ◌ُبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه))، قال قال
ابن مسعود: كانت المحاسبة قبل أن تنزل: ﴿لَهَاَ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾،
فلما نزلت نسخت الآية التى كانت قبلها .
٦٤٧٠ - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد

١١١
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
قال ، سمعت الضحاك يذكر ، عن ابن مسعود نحوه .
٦٤٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبى قال :
نسخت ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه)) =﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَاَ مَا اكْتَسَبَتْ).
٦٤٧٢ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن موسى بن عبيدة ،
عن محمد بن كعب= وسفيان، عن جابر، عن مجاهد = وعن إبراهيم بن مهاجر، عن
مجاهد قالوا: نسخت هذه الآية (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ((وإن تبدوا
ما فى أنفسكم أو تخفوه)) ، الآية .
٦٤٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن
عكرمة وعامر بمثله .
٦٤٧٤ -حدثنا المثی قال، حدثنا الحجاج قال : حدثنا حماد ،عن حميد، عن
الحسن فى قوله: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه)) إلى آخر الآية، قال: محتها:
﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَا إلّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَ مَا اكْتَسَبَتْ).(١)
٦٤٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أنه
قال: نسخت هذه الآية = يعنى قوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا) = الآية
التى كانت قبلها : ((وإن تُبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)).
٦٤٧٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله))، قال :
نسختها قوله: ﴿لا يُكِلِّفُ اللهُ نَفْسَ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
٦٤٧٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنى ابن زيد قال :
لما نزلت هذه الآية: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)) إلى آخر
(١) الأثر: ٦٤٧٤ - ((حماد)) هو حماد بن سلمة، و((حميد)) هو حميد الطويل. وكان
فى المطبوعة والمخطوطة ((حماد بن حميد))، وليس فى رواة الأثر من يعرف بهذا الاسم، وحجاج بن
المنهال يروى عن حماد بن سلمة، وحماد يروى عن خاله حميد الطويل ، وحميد الطويل يروى عن الحسن.

١١٢
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
الآية، اشتدّت على المسلمين وشقَّتْ مشقةً شديدة، فقالوا: يا رسول الله ،
لو وقع فى أنفسنا شىء لم نعمل به وَاخذنا الله به؟ قال: فلعلكم تقولون كما قال
بنو إسرائيل: ((سمعنا وعصينا))! قالوا : بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله ! قال :
فنزل القرآن يفرِّجها عنهم: ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلّ آمن
بالله وملائكته وكتبه ورسله)) إلى قوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَ مَا اكْتَسَبَتْ)، قال: فصيّره إلى الأعمال، وترك ما يقع
فى القلوب .
٦٤٧٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا هشيم ، عن سيارٍ
أبى الحكم، عن الشعبى، عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود فى قوله: ((وإن
◌ُبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله))، قال: نسخت هذه الآية التى
بعدَها : ﴿لَهَاَ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
٦٤٧٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قوله: ((وإن تبدُوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله))، قال : يوم
نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وَسْوست به أنفسهم وما عملوا ، فشكوا ذلك إلى
النبى صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: إن عمل أحدُنا وإن لم يعملْ أخذنا به؟
والله ما نملك الوسوسة !! فنسخها الله بهذه الآية التى بعدُ بقوله: (١) (لاَ يُكَلِفُ
اللّهُ نَفْسًا إِلّ وُسْعَهَا) الآية، فكان حديث النفس مما لم تطيقوا. (٢)
٦٤٨٠ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن قتادة:
أن عائشة أم المؤمنين رضى أذّ عنها قالت: نسختها قوله: ﴿لَهَاَ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهاَ
مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
٠
٥
(١) فى المطبوعة: ((التى بعدها بقوله))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((مما لم تطيقوا، الآية)) أخر الناسخ ((الآية))، فرددتها إلى مكانها قبل.

١١٣
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
وقال آخرون == ممن قال معنى ذلك: ((الإعلام من الله عز وجل عبادَه أنه مؤاخذهم
بما كسبته أيديهم وعملته جوارحهم ، وبما حدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه ) = (١):
«هذه الآية محكمة غيرُ منسوخة، واللّه عز وجل محاسبٌ خلقه على ما عملوا من عمل
وعلى ما لم يعملوه مما أصرّوه فى أنفسهم ونووه وأرادُ وه، فيغفره للمؤمنين ، ويؤاخذ به
أهلَ الكفر والنفاق)) .
· ذكر من قال ذلك :
٦٤٨١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن علىّ، عن ابن عباس قوله: ((وإن تُبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه
يحاسبكم به الله))، فإنها لم تنسخ ، ولكن الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم
القيامة، يقول الله عز وجل: (( إنى أخبركم بما أخفيتم فى أنفسكم مما لم تطلع عليه
ملائكتى)). فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدَّثُوا به أنفسهم ، وهو قوله :
((يحاسبكم به الله)»، يقول: يخبركم. وأما أهل الشك والرَّيْب فيخبرهم بما أخفوا من
التكذيب. (٢) وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَّاخِذُ كُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُنُوبَكُمْ﴾
[سورة البقرة: ٢٢٥]، من الشكّ والنفاق.
٩٨/٣
٦٤٨٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: (( وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه
يحاسبكم به الله)) ، فذلك سر عملکم وعلانيته ، يحاسبكم به الله ، فليس من عبد
(١) أنظر ما سلف ص : ١٠٣ وما بعدها .
(٢) فى المختلطة والمطبوعة بعد قوله: ((من التكذيب)) ما نصه: ((وهو قوله: فيغفر لمن
يشاء ويعذب من يشاء)). وهى زيادة بلا شك من الناسخ ، فإلا تكن منه، فمكانها قبل ذلك بعد قوله
((يحاسبكم به الله)) وقبل قوله: ((وأما أهل الشك والريب ... ))، ولكنى آثرت إسقاطها، لأن
السيوطى خرجه فى الدر المنثور ١ : ٣٧٥ بغير ذكر هذه الزيادة فى الموضعين.
ج ٦ ( ٨)

١١٤
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
مؤمن يُسرّ فى نفسه خيراً ليعمل به ، فإن عمل به كُتبت له به عشرُ حسنات ،
وإن هو لم يُقدَّرله أن يعمل به كتبت له به حسنة، من أجل أنه مؤمن، واللّه يَرْضى
سرّ المؤمنين وعلانيتهم. وإن كان ◌ُسوءاً حدّث به نفسه، اطلع اللّه عليه وأخبره به
يوم ◌ُبلى السرائر، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به . فإن هو
عمل به تجاوز اللّه عنه، كما قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا
عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سِيِّئَاتِهِمْ﴾ [ سورة الأحقاف: ١٦].
٦٤٨٣ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا
جويبر، عن الضحاك فى قوله: (( وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به
اللّه))، الآية، قال: قال ابن عباس: إن الله يقول يوم القيامة: ((إن كُتّابى لم
يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها ، فأما ما أسررتم فى أنفسكم فأنا أحاسبكم به
اليومَ ، فأغفر لمن شئت وأعذّب من شئت)).
٦٤٨٤ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا على بن عاصم قال ،
أخبرنا بيان ، عن بشر، عن قيس بن أبى حازم قال : إذا كان يوم القيامة قال
الله عز وجل يسمع الخلائق: ((إنما كان كُتّابى يكتبون عليكم ما ظهر منكم،
فإما ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه ولا يعملونه ، أنا اللّهُ أعلم بذلك كله منكم ،
فأغفر لمن شئتُ، وأعذّب من شئت)).
٦٤٨٥ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال ،
سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به
اللّه))، كان ابن عباس يقول: إذا دعى الناس للحساب أخبرهم الله بما كانوا
يسرُّون فى أنفسهم مما لم يعملوه فيقول ((إنه كان لا يعزُب على شىء، وإنى
نخبركم بما كنتم تسرُّون من السُّوء. ولم تكن حفظتكم عليكم مطلعين عليه » ،
فهذه المحاسبة

١١٥
تفسير سورة البقرة ٢٨٤
٦٤٨٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو تميلة ، عن
عبيد بن سليمان، عن الضحاك ، عن ابن عباس نحوه .
٦٤٨٧ -حدثنی المثنى قال ، حدثنا إسمق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله))،
قال: هى محكمة، لم ينسخها شىء يقول: ((يحاسبكم به الله))، يقول: يعرّفه اللّه
يوم القيامة: ((إنك أخفيتَ فى صدرك كذ وكذا)) ! لا يؤاخذه .
٦٤٨٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن قال: هى محكمة لم تنسخ .
٦٤٨٩ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، قال ، حدثنا ابن أبى
نجیح ، عن مجاهد فى قوله : ( وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ))،
قال : من الشك واليقين .
٦٤٩٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله الله عز وجل: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو
تخفوه يحاسبكم به الله))، يقول: فى الشك واليقين. (١)
٦٤٩١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
قال أبو جعفر : فتأويل هذه الآية على قول ابن عباس الذى رواه على بن أبى
طلحة : (٢) وإن تبدوا ما فى أنفسكم من شىء من الأعمال فتظهروه بأبدانكم
وجوارحكم ، أو تخفوه فتسروه فى أنفسكم فلم يطلع عليه أحد من خلقى ، أحاسبكم
به ، فأغفر كل ذلك لأهل الإيمان ، وأعذّب أهل الشرك والنفاق فى دينى.
(١) فى المطبوعة: ((فى اليقين والشك))، قدم وأخر، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) هو رقم : ٦٤٨١

١١٦
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
وأما على الرواية التى رواها عنه الضحاك من رواية عبيد بن سليمان عنه، (١)
وعلى ما قاله الربيع بن أنس، (٢) فإن تأويلها: إنْ تظهروا ما فى أنفسكم فتعملوه
من المعاصى، أو تضمروا إرادته فى أنفسكم فتخفوه ، يُعْلمكم به الله يوم القيامة،
فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء .
وأما قول مجاهد ، (٣) فشبيهٌ معناه بمعنى قول ابن عباس الذى رواه على بن
أبى طلحة .
وقال آخرون = ممن قال: ((هذه الآية محكمة، وهى غير منسوخة)) ،
ووافقوا الذين قالوا: (( معنى ذلك: أن اللّه عز وجل أعلم عبادَه ما هو فاعل بهم
فيما أبدَوْا وأخفوا من أعمالهم)) = معناها: إن اللّه محاسبٌ جميعَ خلقه بجميع ما أبدَوْا
من سيء أعمالهم وجميع ما أسروه، وُمُعاقبهم عليه. غيرَ أن عقوبته إياهم على
ما أخفوه مما لم يعملوه ، ما يحدث لهم فى الدنيا من المصائب والأمور التى يحزنون
عليها ويألمون منها .
٩٩/٣
• ذكر من قال ذلك :
٦٤٩٢ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، حدثنا يزيدقال، أخبرنا جويبر،
عن الضحاك فى قوله: (( وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله))،
الآية، قال : كانت عائشة رضى الله عنها تقول: من همّ بسيئة فلم يعملها ، أرسل
اللّه عليه من الهم والحزن مثل الذى همّ به من السيئة فلم يعملها ، فكانت كفّارته.
٦٤٩٣ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال،
(١) هى رقم : ٦٤٨٦.
(٢) هو رقم : ٦٤٨٧ .
(٣) هو رقم : ٦٤٨٩ وما بعده.

١١٧
تفسير سورة البقرة ٢٨٤
سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به
الله))، قال : كانت عائشة تقول. كل عبد يهمّ بمعصية أو يحدّث بها نفسه،
حاسبه اللّه بها فى الدنيا ، يخافُ ويحزن ويهم .
٦٤٩٤ -حدثنا القاسم قال،حدثنا الحسین قال،حدثی أبو تمیلة، عن عبيد،
عن الضحاك قال: قالت عائشة فى ذلك: كل عبد همّ بسوء ومعصية وحدّث نفسه
به ، حاسبه الله فى الدنيا ، يخاف ويحزن ويشتدّ همّه ، لا يناله من ذلك شىء، کما
همّ بالسوء ولم يعمل منه شيئاً .
٦٤٩٥ - حدثنا الربيع قال، حدثنا أسد بن موسى قال ، حدثنا حماد بن
سلمة، عن على بن زيد، عن أميّة أنها سألت عائشة عن هذه الآية: ((وإن تبدوا ما فى
أنفسكم أو تخفوم يحاسبكم به الله)) و﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يَجْزَ بِهِ﴾[ سورة النساء: ١٢٣]
فقالت: ما سألنى عنها أحد مذْ سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فقال:
ياعائشة، هذه متابعة اللّه العبدَ بما يصيبه من الحمّى والنكبة والشَّوكة، حتى البضاعة
يضعها فى كمُه فيفقدها، فيفزع لها فيجدُها فى ضبنه ، حتى إن المؤمن ليخرج
من ذنوبه كما يخرُج التبر الأحمر من الكير . (١)
٠٠٠
(١) الحديث : ٦٤٩٥ - على بن زيد: هو ابن جدعان.
أمية: هى بنت عبد الله، وهى تابعية لم ترو عن عائشة غير هذا الحديث . وعلى بن زيد ، هو
ابن زوجها . وقد مضى البيان عن ترجمتها فى : ٤٨٩٧ .
ووقع فى المطبوعة هنا: ((عن أمه)). وهو خطأً. ووقع مثل ذلك فى بعض نسخ الترمذى. ولو سمحت
هذه النسخ لم يكن بذلك بأس، إذ لا يبعد أن يسميها ربيبها ((أمه)).
والحديث رواه الطيالسى: ١٥٨٤، عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن «أمية بنت
عبد الله)).
ورواه أحمد فى المسند ٦ : ٢١٨ ( حلى)، عن بهز ، عن حماد - وهو ابن سلمة ، وفيه :
((عن أمية)).
ورواه الترمذى ٤ : ٧٨ - ٧٩، من طريق روح بن عبادة ، عن حماد بن سلمة ، به . وفيه :
((عن أمية)). قال الترمذى: ((هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد
ابن سلمة)) .

١١٨
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التى ذكرناها بتأويل الآية قول من قال :
((إنها محكمة، وليست بمنسوخة)). وذلك أن النسخ لا يكون فى حكم إلاّ بنفيه
بآخر، هو له ناف من كل وجوهه. (١) وليس فى قوله جل وعز: ((لا يكلف
الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت))، نفى الحكم الذى أعلم
عبادَه بقوله: ((أو تخفوه يحاسبكم به الله)). لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة"
ولا مؤاخذةً بما حوسب علیه العبد من ذنوبه .
وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم
القيامة يقولون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَدِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ
ورواه ابن أبى حاتم - فيما نقله عنه ابن كثير ٢ : ٨٥ - من طريق سليمانبن حرب ، عن حماد
ابن سلمة، وفيه (عن أبيه)) بدل (عن أمية))؛ وهو تخريف مطبعى.
وقال ابن كثير: ((على بن زيد بن جدعان : ضعيف يغرب فى رواياته . وهو يروى هذا الحديث
عن امرأة أبيه: أم محمد أمية بنت عبد الله عن عائشة . وليس لها عنها فى الكتب سواء)).
أقول : وعلى بن زيد ليس بضعيف ، كما قلنا فى : ٤٨٩٧، وكما رجحنا فى شرح المسند :
٧٨٣ .
وذكره السيوطى ١ : ٣٧٥، وزاد نسبته لابن المنذر، والبيهقى فى الشعب .
قوله ((هذه متابعة اللّه العبد)) - يعنى ما يصيب الإنسان مما يؤله، يتابعه الله به ليكفر عنه من
سيئاته. وهذا هو الثابت فى الطبرى والمسند. والذى فى الطيالسى والترمذى والدر المنثور: ((معاتبة اله))
ومعناه قريب من هذا . وفى ابن كثير: ((مبايعة)) . وهو تحريف .
النكبة - بفتح النون : أن ينكبه الحجر إذا أصاب ظفره أو إصبعه . ومنه قيل لما يصيب الإنسان :
نكبة .
البضاعة : اليسير من المال تبعثه فى التجارة ، ثم سميت السلعة : بضاعة .
الضبن - بكسر فسكون : ما بين الإبط والكشح .
التبر : فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ ، فإذا صيغ فهو ذهب أو فضة .
الكير - بكسر الكاف ، كير الحداد : وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات ، ينفخ النار حتى
تتوهج .
(١) فى المطبوعة: ((إلا ينفيه))، بالياء فى أوله، وهو فى المخطوطة غير منقوط. وفيهما مما
((بآخر له ناف))، والصواب زيادة ((هو) كما أثبت . وبذلك يستقيم الكلام.
وانظر ما قال فى ((النسخ)) فيما سلف ص: ٥٤، والتعليق: ١ .

١١٩
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
إلَّا أَحْصَهَا﴾ [سورة الكهف: ٤٩]. فأخبر أن كتبهم محصية " عليهم صغائرَ أعمالهم
وكبائرَها، فلم تكن الكتب .. وإن أحصت صغائر الذنوب وكبائر ها بموجب إحصاؤها
على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب
من الذنوب معاقبين . لأن الله عز وجل وعدهم العفوَ عن الصغائر ، باجتنابهم
الكبائر فقال فى تنزيله : ﴿إِنْ تَجْتَغِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نَكَفِّرْ عَنْكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلَكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً﴾ [سورة النساء: ٣١]. فذلك محاسبة الله عباده
المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التى أخفتها أنفسهم، غيرَ موجبٍ لهم منه
عقوبة ، (١) بل محاسبته إياهم - إن شاء الله عليها، ليعرّفهم تفضّله عليهم بعفوه
لهم عنها ، كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخبر الذى : -
٦٤٩٦ - حدثنى به أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ،
سمعت أبى ، عن قتادة ، عن صفوان بن ◌ُمُحْرز ، عن ابن عمر ، عن نبى الله صلى
اللّه عليه وسلم قال: يُدْنى اللّه عبده المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنّفه،
فيقرِّره بسيئاته يقول : هل تعرف ؟ فيقول : نعم ! فيقول : سترتها فى الدنيا وأغفرها
اليوم! ثم يظهر له حسناته فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَبِيَهْ﴾ [سورة الحاقة: ١٩]
أو كما قال = وأما الكافر فإنه ینادی به علی رُؤُوس الأشهاد. (٢)"
٦٤٩٧ - حدثنا ابن بشارقال ، حدثنا ابن أبى عدى، عن سعيد، وهشام =
وحدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا هشام = قالا جميعاً فى حديثهما
(١) فى المطبوعة: ((فدل أن محاسبة الله ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة. وفى المطبوعة والمخطوطة
بعد: ((غير موجبة لهم منه عقوبة))، والسياق يقتضى: ((غير موجب ... )) كما أثبتها .
(٢) الحديث : ٦٤٩٦ - صفوان بن محرز المازنى: تابعى ثقة جليل ، له فضل وورع.
والحديث مختصر من الذى بعده . وسنذكر تخريجه فيه، إن شاء الله.

١٢٠
تفسير سورة البقرة : ٢٨٤
عن قتادة ، عن صفوان بن محرز قال : بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن
عمرَ وهو يطوف ، إذ عرض له رجل فقال. يا ابن عمر ، أما سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول فى النَّجْوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
١٠٠/٣ يقول: يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه فيقول: ((هل
تعرف كذا))؟ فيقول: ((ربّ اغفر)) - مرتين - حتى إذا بلغ به ما شاء الله
أن يبلُغ قال: ((فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)). قال: فيعطى
صحیفة حسناته۔۔ أو : کتابه۔۔ بیمینه، وأما الكفار والمنافقون فینادی بهم على رؤوس
الأشهاد: ﴿هُؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَمْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.(١)
[ سورة هود: ١٨ ]
٠٠٠
(١) الحديث : ٦٤٩٧ - سعيد: هو ابن أبى عروبة، الثقة المأمون الحافظ. وهشام: هو
ابن أبى عبد الله الدستوائى .
ووقع فى المطبوعة: ((حدثنا ابن أبى عدى، وسعيد، وهشام»، وهو تحريف .
وصوابه: ((عن سعيد))، لأن ابن أبى عدى - وهو محمد بن إبرهيم - إنما يروى عن ابن أبى عروبة
وعن هشام الدستوائى . فهوليس من طبقتهما . ثم هو لم يدرك أن يروى عن قتادة . وكذلك ابن بشار -
وهو محمد بن بشار . شيخ الطبرى - إنما يروى عن ابن أبى عدى وطبقته ، لم يدرك أن يروى عن
ابن أبى عروبة والدستوائى .
وأيضاً، فإن قوله فى الإسناد - بعد تحويله إلى ابن علية عن هشام - ((قالا جميعاً فى حديثهما عن
قتادة))، يرجع ضمير المثنى فيه إلى سعيد وهشام ، دون ابن أبى عدى. إذ لو كان معهما لكان القول
أن يقول: ((قالوا جميعاً)).
ثم قد ثبت أنه ((عن سعيد)) فى نقل ابن كثير هذا الحديث عن هذا الموضع ٢: ٨٤، وإن وقع
فيه خطأ مطبعى آخر، إذ فيه: ((عن سعيد بن هشام)) بدل ((وهشام)). وفيه بعد ابن علية ((حدثنا ابن
هشام)) بزيادة (ابن)) زيادة هى غلط غير مستساغ.
ثم الحديث سيأتى فى تفسير الطبرى ١٢: ١٤ (بولاق)، بهذا الإسناد، على الصواب.
ولكنه جعله هناك إسنادين : فصل إسناد ابن علية عن إسناد ابن أبى عدى .
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٥٤٣٦، عن يهز وعفان، كلاهما عن همام - وهو ابن يحي -
عن قتادة ، بهذا الإسناد .
ورواه أيضاً: ٥٨٢٥، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، وهو ابن أبى عروبة، عن قتادة، به .