النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ وأما قوله: ((من رجالكم ))، فإنه يعنى من أحراركم المسلمين ، دون عبيد کم، ودون أحرار کم الكفار ، كما : - ٦٣٥٧ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبی ،عن سفيان، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (( واستشهدوا شهيدين من رجالكم))، قال: الأحرار . ٦٣٥٨ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا على بن سعيد، عن هشيم ، عن داود ابن أبى هند ، عن مجاهد مثله . ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ فَإِن لَمْ يَكُونَ رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَ أَثَنِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : فإن لم يكونا رجلين ، فليكن رجلٌ وأمرأتان على الشهادة. ورفع ((الرجل والمرأتان))، بالرّد على ((الكون)). وإن شئتَ قلت : فإن لم يكونا رجلين ، فليشهد رجل وامرأتان على ذلك . وإن شئت: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان يشهدون عليه. وإن قلت : فإن لم يكونا رجلين فهو رجلٌ وامرأتان، (١) كان صواباً. كل ذلك جائز . ولو كان ((فرجلاً" وامرأتين)) نصباً، كان جائزاً ، على تأويل : فإن لم يكونا رجلين فاستشهدوا رجلاً وامرأتين . (٢) ٠ ٠ (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فرجل وامرأتان))، والصواب ما أثبت، وهو الوجه الذى ذكره الفراء فى معانى القرآن ١ : ٠١٨٤ (٢) أكثر هذا نص معانى القرآن للفراء ١: ١٨٤. وفى المخطوطة والمطبوعه: ((فرجل وامرأتان)) نصباً ، والأجود ما أثبت . ٦٢ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ وقوله: ((ممن ترضون من الشهداء))، يعنى: من العدول المرتضى دينهُم وصلاحھم ، کما : - ٦٣٥٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم))، يقول: فى الدّين = ((فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان))، وذلك فى الدين = ((ممن تَرْضون من الشهداء))، يقول : عدول" . ٦٣٦٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن ٨٢/٣ جويبر، عن الضحاك: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم))، أمر الله عز وجل أن يُشهدوا ذَوَىْ عدل من رجالهم = ((فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء » . القول فى تأويل قوله ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَلَهُما فَتُذَ كَّرَ إِحْدَلُهُمَاَ الأخرى) قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأ عامة أهل الحجاز والمدينة وبعض أهل العراق: ﴿أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَاَ فَتُذَ كِّرَّ إِحْدَاُهاَ الأُخْرَى﴾ بفتح ((الألف)) من ((أنْ))، ونصب ((تَضلَّ))، و (( تذ کر ))،بمعنى : فإن لم یکونا رجلين فرجل وامرأتان، کی تذ کر إحداهما الأخرى إن ضَّت. وهو عندهم من المقدّم الذى معناه التأخير. لأن ((التذكير)) عندهم هو الذى يجب أن يكون مكان ((تضلّ)). لأن المعنى ما وصفنا فى قولهم. وقالوا : إنما نصبنا ((تذكّر))، لأن الجزاء لما تقدم اتصلّ بما قبله، (١) فصار جوابه (١) فى المخطوطة: ((لما تقدم تضل بما قبله)»، والصواب من المخطوطة، ومعانى القرآن الفراء. ٦٣ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ مردوداً عليه، كما تقول فى الكلام : ((إنه ليعجبنى أن يسأل السائل فيُعطى))، بمعنى : إنه ليعجبنى أن يُعطى السائل إن سأل - أو: إذا سأل. فالذى يعجبك هو الإعطاء دون المسألة. ولكن قوله: ((أنْ يسأل)) لما تقدم ، اتصل بما قبله وهو قوله: ((ليعجبنى))، ففتح ((أنْ)) ونصب بها، (١ ) ثم أتبع ذلك قوله: ((يعطى))، فنصبه بنصب قوله: ((ليعجبنى أن يسأل))، نسقاً عليه ، وإن كان فى معنى الجزاء . (٢) وقرأ ذلك آخرون كذلك، غير أنهم كانوا يقرأونه بتسكين ((الذال)) من (تُذْكِرَ) وتخفيف كافها . وقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم فى تأويل قراءتهم إياه كذلك . وكان بعضهم يوجهه إلى أن معناه: فتصیِّر إحداهما الأخرىذ کراً باجتماعهما، بمعنى : أن شهادتها إذا اجتمعت وشهادة صاحبتها ، جازت كما تجوز شهادةُ الواحد من الذكور فى الدّين ، لأن شهادة كل واحدة منهما منفردةٌ غيرُ جائزة فيما جازَت فيه من الديون إلاّ باجتماع اثنتين على شهادة واحد ، فتصير شهادتهما حينئذ بمنزلة شهادة واحد من الذكور ، (٣) فكأن كل واحدة منهما .- فى قول متأوِّلى ذلك بهذا المعنى - صيَّرت صاحبتها معها ذَكَراً. وذهب إلى قول العرب: ((لقد أذكرت بفلان أمُّه))، أى ولدته ذكراً، ((فهى تُذْكِرِ به))، ((وهى امرأةٌ مُذْكِيرٌ))، إذا كانت تلد الذكور من الأولاد. وهذا قول يروى عن سفيان بن عيينة أنه كان يقوله . (١) فى المطبوعة: ((فتح أن ونصب بها))، وفى المخطوطة: ((ففلح ونصنب بها)) تصحيف، وبإسقاط ((أن)). (٢) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ١٨٤. (٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((منزلة شهادة واحد ... )) بإسقاط الباء، والصواب ما أثبت. ٦٤ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ ٦٣٦١ - حدثت بذلك عن أبى عبيد القاسم بن سلام أنه قال : حدثت عن سفيان بن عيينة أنه قال: لیس تأويل قوله: ((فتذ کر إحداهما الأخرى » من الذِّكْر بعد النسيان ، إنما هو من الذّكر، بمعنى: أنّها إذا شهدت مع الأخرى صارت شهادتهما كشهادة الذكر . وكان آخرون منهم يوجهونه إلى أنه بمعنى ((الذكر)) بعد النسيان.(١) وقرأ ذلك آخرون: ﴿إِنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَ كَّرُ إِحْدَاءاً الأُخْرَى ﴾ ((بكسر (((إن)) من قوله: ((إنتضل)) ورفع ((تذكر)) وتشديده، كأنه بمعنى ابتداء الخبر عما تفعل المرأتان إن نسيت إحداهما شهادتها، ذكرتها الأخرى، (٢) من تثبيت الذاكرة الناسية وتذكيرها ذلك(٣) = وانقطاع ذلك عما قبله. (٤) ومعنى الكلام عند قارئ ذلك كذلك : واستشهدوا شهيدين من رجالكم ، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ، فإن إحداهما إن ضَلت ذكرتها الأخرى = على استئناف الخبر عن فعلها إن نسيت إحداهما شهادتها، من تذكير الأخرى منهما صاحبتها الناسية . (٥) وهذه قراءة كان الأعمش يقرؤها ومن أخذها عنه. وإنما نصب الأعمش ((تضل))، لأنها فى محل جزم بحرف الجزاء، وهو ((إن)). وتأويل الكلام على (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وقال آخرون منهم يوجهونه)) ليس صواباً، والصواب ما أثبت. (٢) فى المطبوعة ((تذكرها الأججرى))، وفى المخطوطة ((وذكرها الأخرى))، والسياق يقتضى ما أثبت ، وسيأتى بعد ما يدل على صواب ما رجحت . (٣) فى المخطوطة: ((وتنكيرها ذلك))، تصحيف. (٤) قوله: ((وانقطاع ذلك عما قبله)) معطوف على قوله آنفاً: ((بمعنى ابتداء الخبر. . (( .. (٥) فى المخطوطة: ((من تنكير الأخرى منهما ... ))، تصحيف، كالسالف فى التعليق رقم : ٠٣ ١٦٠٠ ٦٥ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ قراءته (١): ((إن "تَضْلل"))، فلما اندغمت إحدى اللامين فى الأخرى، حركها إلى أخفّ الحركات، ورفع ((تذكر)) بالفاء ، لأنه جواب الجزاء . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندنا فى ذلك ، قراءة من قرأه بفتح ((أن)) من قوله: ((أن تضلّ إحداهما))، وبتشديد الكاف من قوله: ((فتذكر إحداهما الأخرى)). ونصب الراء منه ، بمعنى : فإن لم يكونا رجلين ، فليشهد رجلٌ وامرأتان، كى إن ضلت إحداهما ذكَّرتها الأخرى. وأما نصب ((فتذكر)) فبالعطف على ((تضل))، وفتحت ( أن)) بحلولها محل ((كى)) وهى فى موضع جزاء، والجواب بعده، اكتفاءً بفتحها = أعنى بفتح ((أن)) = من ((كى))، ونسق الثانى - أعنى: ((فتذكر)) - على ((تضل))، ليعلم أن الذى قام مقام ما كان يعمل فيه وهو ظاهر ، قد دلّ عليه وأدّى عن معناه وعمله - أى عن ((کی)). ٣/٣ وإنما اخترنا ذلك فى القراءة ، لإجماع الحجة من قدماء القرأة والمتأخرين على ذلك، وانفراد الأعمش ومن قرأ قراءته فى ذلك بما انفرد به عنهم . ولا يجوز تركُ قراءة جاء بها المسلمون مستفيضة بينهم ، إلى غيرها . وأما اختيارنا ((فتذكر)) بتشديد الكاف ، فإنه بمعنى : ترديد الذكر من إحداهما على الأخرى ، وتعريفها بأنها [ نسيت] ذلك، لتذكر. (٢) فالتشديد به أولى من التخفيف . ٠٠٠ (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((تأويل الكلام)) بإسقاط الواو، والصواب، ما أثبت. (٢) مطبوعة بولاق: ((فإنه بمعنى تأدية الذكر من إحداهما على الأخرى وتعريفها بأنها ذلك لتذكر)). وهو كلام بلا معنى. وفى مطبوعة أخرى قبله، مع ((بإنهاء ذلك)) مكان ((بأنها ذلك)) وهو أشد خلواً من المعنى. وفى المخطوطة: ((بمعنى بوريه الذكر .. بأنها ذلك))، غير منقوطة. وصواب قراءتها ما أثبت، مع زيادة ((نسيت)) التى وضعتها بين القوسين. ج ٦ ( ٥ ) ٦٦ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ وأما ما حكى عن ابن عيينة من التأويل الذى ذكرناه ، فتأويلٌ خطأ لا معنى له ، لوجوه شتی : أحدها : أنه خلافٌ لقول جميع أهل التأويل . والثانى : أنه معلوم أن ضلال إحدى المرأتين فى الشهادة التى شهدت عليها، (١) إنما هو ذهابُها عنها ونسيانها إياها، (٢) كضلال الرجل فى دينه: إذا تحيّر فيه فعدل عن الحق(٣) . وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة، فكيف يجوز أن تصير الأخرى ذكراً معها، مع نسيانها شهادتها وضلالها فيها ؟ ولَلضّالة منهما فى شهادتها حينئذ، (٤) لا شك أنها إلى التذكير أحوجُ منها إلى الإذكار، إلاّ إن أراد أنّ الذاكرة إذا ضَعُفت صاحبتُها عن ذكر شهادتها شحذتها على ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته ، (٥) فقوتها بالذكر حتى صيرتها كالرجل فى قوتها فى ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك، (٦) كما يقال للشىء القوى فى عمله : ((ذَكرٌ))، وكما يقال للسيف الماضى فى ضربه ((سيف ذكر))، و((رجل ذَكَر )) يراد به: ماض فى عمله، قوىّ البطش، صحيحُ العزم. فإن كان ابن عيينة هذا أراد ، فهو مذهبٌ من مذاهب تأويل ذلك ، إلا أنه (١) فى المطبوعة: ((أنه معلوم بأن ضلال ... )) بزيادة الباء، وهو لا خير فيه، والصواب من المخطوطة . (٢) فى المطبوعة: ((إنما هو خطؤها عنها بنسيانها))، والصواب من المخطوطة، غير أنها أسقطت الواو قبل ((ونسيانها)). (٣) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف ١ : ١٩٥ / ثم ٢ : ٤٩٥، ٤٩٦. (٤) فى المطبوعة: ((فالضالة منهما))، وفى المخطوطة: ((ولا الضالة منهما))، والصواب ما أثبت. (٥) فى المطبوعة: ((ستجربها على ذكر ما ضعفت عن ذكره ... ))، وفى المخطوطة: ((سحدتها)) غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. مجاز من قولهم: ((شحذ السكين والسيف)): حدده بالمسن ومنه: (شحذ الجوع معدته))، إذا أضرمها وقواها على الطعام وأحدها. ويقال: ((اشحذ له غرب ذهنك))، و ((هذا الكلام مشحذة للفهم)). (٦) فى المخطوطة: ٠ ( وته بالذكر))، وما فى المطبوعة أجود ١٧ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ إذا تُؤُوَّل ذلك كذلك، (١) صار تأويله إلى نحو تأويلنا الذى تأوّلناه فيه، وإن خالفت القراءةُ بذلك المعنى، القراءة التى اخترناها. (٢) ومعنى القراءة حينئذ صحيح بالذى اختار قراءته من تخفيف الكاف من قوله: ((فتذكر)). (٣) ولا نعلم أحداً تأوّل ذلك كذلك، ويستحب قراءته كذلك بذلك المعنى . فالصواب فى قراءته - إذْ كان الأمر عامًا على ما وصفنا - ما اخترنا. (٤) ٠٠ ٠ ، ذ کر من تأول قوله: (( أن تضلّ إحداهما فتذ کر إحداهما الأخرى )» نحو تأويلنا الذى قُلنا فيه . ٦٣٦٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((واستشهدوا شهدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضلّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى))، علم اللّه أن ستكونُ حقوق، فأخذ لبعضهم من بعض الثِّقة ، فخذوا بثقة اللّه ، فإنه أطوع لربِكم وأدرَكُ لأموالكم . ولعمرى لئن كان تقيّ لا يزيده الكتاب إلاخيراً ، وإن كان فاجراً فبالحرى أن يؤدّى إذا علم أنّ عليه شهوداً . ٦٣٦٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى))، يقول : أن تنسى إحداهما فتذكِّرها الأخرى . ٦٣٦٤ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، (١) فى المطبوعة: ((إذا تأول ذلك ... )) وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المخطوطة: ((القراءة الذى اخترناها))، وهو سهو من الناسخ الكثير السهو !! (٣) فى المطبوعة: ((بأن تغير القراءة حينئذ الصحيحة بالذى اختار قراءته ... )) وهو كلام قد أريق معناه ضياعاً. وفى المخطوطة: ((بأن معين القراءة حينئذ الصحيح بالذى اختار قراءته ... )) ، وهو مصحف ، وأرجح أن يكون صواب الجملة كما أثبتها ، لأنها عندئذ مصيبة معنى ما أراد أبو جعفر . (٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فالصواب فى قوله ... ))، والصواب ما أثبت. وسياق الجملة: ((فالصواب فى قراءته ... ما اخترنا)). ٦٨ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ عن السدى: ((أن تضل إحداهما))، يقول: تنسى إحداهما الشهادة، فتذكّرها الأخرى . ٦٣٦٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر، عن الضحاك: ((أن تضل إحداهما))، يقول: إنْ تنسَ إحداهما تذكّرْما الأخرى . ٦٣٦٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((أن تضل إحداهما فتُذْكِيرَ إحداهما الأخرى))، قال: كلاهما لغة، وهما سواء، ونحن نقرأ، ((فتذكِّر)). ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءِ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى الحال التى نهى اللّه الشهداء عن إباء الإجابة إذا دعوا بهذه الآية فقال بعضهم : معناه : لا يأب الشهداء أن يجيبوا، إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق . ذكر من قال ذلك : ٦٣٦٧ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله تعالى: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، كان الرجل يطوف فى الجوّاء العظيم فيه القوم ، (١) فيدعوهم إلى الشهادة ، فلا يتبعه أحد منهم. قال : وكان قتادة يتأوّل هذه الآية: ((ولا يأبَ الشّهداء إذا ما دُعوا)) ليشهدوا لرجل على رجل. ٦٣٦٨ - حدثت عن عمار قال حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: (( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال: كان الرجل يطوف فى القوم ٨٤/٣ (١) الحواء (بكسر الحاء ): بيوت مجتمعة من الناس على ماء. ٦٩ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ الكثير يدعوهم ليشهدوا ، فلا يتبعه أحد منهم ، فأنزل الله عز وجل: (( ولا بأب الشهداء إذا ما دُعوا )). ٦٣٦٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة فى قوله: (( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)) ، قال : لا تأب أن تشهد إذا ما دُعيت إلى شهادة . ٠ ٠ وقال آخرون بمثل معنى هؤلاء ، إلا أنهم قالوا : يجب فرضُ ذلك على من دعى للإشهاد على الحقوق إذا لم يوجد غيره . فأما إذا وُجد غيره فهو فى الإجابة إلى ذلك مخيّر، إن شاء أجاب، وإن شاء لم يجب . • ذكر من قال ذلك : ٦٣٧٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا سفيان عن جابر، عن الشعبى قال: ((لا يأب الشهداء إذا ما دعوا)) - قال: إن شاء شهد ، وإن شاء لم يشهد ، فإذا لم يوجد غيره شهد . ٠ وقال آخرون: معنى ذلك: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)) - للشهادة على من أراد الدّاعى إشهادَه عليه ، والقيامَ بما عنده من الشّهادة - من الإجابة . • ذكر من قال ذلك : ٦٣٧١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عامر ، عن الحسن: ((ولا يأب الشهداءُ إذا ما دعوا))، قال: قال الحسن: الإقامة والشهادة. (١) ٦٣٧٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر (١) الأثر ٦٣٧١ - ((أبو عامر)) هو: ((صالح بن رستم المزنى))، روى عن عبد الله بن أبي مليكة ، وأبى قلابة ، وحميد بن هلال ، والحسن البصرى ، وعكرمة وغيرهم. روى عنه ابنه عامر ، وإسرائيل، وهشيم، ومعتمر، وأبو داود الطيالسى. قال ابن معين: ((ضعيف)). وقال أحمد: ((صالح الحديث)). وقال ابن أبى حاتم عنأبيه: ((شيخ، يكتب حديثه)). وقال أبو داود: ((ثقة)). وسيأتى فى الأسانيد رقم : ٦٣٨٣، ٦٣٨٤، ٠٦٣٨٧ ٧٠٠ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ فى قوله: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال: كان الحسن يقول: جَمَعتْ أمرين: لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد ، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة . ٦٣٧٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن على، عن ابن عباس قوله: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، يعنى: من احتيج إليه من المسلمين شهد على شهادة إن كانت عنده ، ولا يحلّ له أن يأبى إذا ما دُعى. ٦٣٧٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن يونس، عن الحسن: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال: لإقامتها، ولا يبدأ بها ، إذا دعاه ليشهده ، وإذا دعاه ليقيمها . ٠ ٠ ٠ وقال آخرون: بل معنى ذلك: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)» - للقيام بالشهادة التى عندهم للداعى - من إجابته إلى القيام بها . * ذكر من قال ذلك : ٦٣٧٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال: إذا شهد. ٦٣٧٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال: إذا کانوا قد شهدوا قبل ذلك . ٦٣٧٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، يقول: إذا كانوا قد أشهدوا. ٦٣٧٨ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال: إذا كانت عندك شهادة فدُعيت . ٦٣٧٩ - حدثنى يعتوب قال، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا ليث ، عن ٧١ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ مجاهد فى قوله: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال: إذا كانت شهادة فأقمها . فإذا دُعيت لتشهد ، فإن شئتَ فاذْهب ، وإن شئت فلا تذهب . ٦٣٨٠ - حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا عبد الملك بن الصّباح ، عن عمران بن ◌ُحُدَيَر قال: قلت لأبى مجلز: ناس يدعوننى لأشهد بينهم ، وأنا أكره أن أشهد بينهم ؟ قال : دع ما تكره ، فإذا شهدتَ فأجب إذا دُعيت . ٦٣٨١ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن جابر ، عن عامر قال : الشاهد بالخيار ما لم يَشْهد . ٦٣٨٢ - حدثنى المثنى قال، حدثناعمرو قال، حدثنا هشيم ، عنيونس ، عن عكرمة فى قوله: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)). قال: لإقامة الشهادة. ٦٣٨٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن أبى عامر ، عن عطاء قال : فى إقامة الشّهادة . ٦٣٨٤ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، حدثنا أبو عامر المزنى ٨٥/٣ قال، سمعت عطاء يقول: ذلك فى إقامة الشهادة = يعنى قوله: ((ولا يأب الشهداء إذا مادُعوا)).(١) ٦٣٨٥ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا أبو 'حُرّة ، أخبرنا عن الحسن أنه سأله سائل قال: أُدْعىَ إلى الشهادة وأنا أكره أن أشهد عليها . قال : فلا تجبْ إن شئت . (٢) ٦٣٨٦ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة قال: سألت إبراهيم (١) الأثران: ٦٣٨٣، ٦٣٨٤ - أبو (عامر)) مضت ترجمته برقم: ٦٣٧٢. (٢) الأثر: ٦٣٨٥ - ((أبو حرة)) البصرى، هو: ((واصل بن عبد الرحمن)). روى عن عكرمة بن عبد اللّه المزنى، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن واسع وغيرهم. روى عنه حماد بن سلمة ، وهشيم، والقطان، وابن مهدى، ووكيع، وغيرهم. قال البخارى: ((يتكلمون فى روايته عن الحسن)). قال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى بن معين عن أبى حرة فقال: ((صالح، وحديثه عن الحسن ضعيف ، يقولون: لم يسمعها من الحسن)). مترجم فى التهذيب. وكان فى المطبوعة: أبو مرة، وهو خطأ. ٧٢ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ قلت : أدعی إلى الشهادة وأنا أخاف أن أنسى ؟ قال : فلا تشهد إن شئت ٦٣٨٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عامر ، عن عطاء قال : للإقامة . (١) ٦٣٨٨ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن شريك ، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا))، قال: إذا کانوا قد شهدوا . ٦٣٨٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال : هو الذى عنده الشهادة . ٦٣٩٠ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قوله: (( ولا يأبَ الشهداء إذا ما دعوا))، يقول: لا يأب الشاهد أن يتقدّم فيشهد ، إذا كان فارغاً . ٦٣٩١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ((ولا يأبَ الشهداء إذا ما دعوا))، قال: هم الذين قد شهدوا . قال: ولا يضرّ إنساناً أن يأبى أن يشهد إن شاء. قلت لعطاء: ما شأنه؟ إذا دُعى أن يكتب وجب عليه أن لا يأبى ، وإذا دعى أن يشهد لم يجب عليه أن يشهد إن شاء! قال: كذلك يجب على الكاتب أن يكتُب، ولا يجب على الشاهد أن يشهد إن شاء، الشّهداء كثيرٌ. ٦٣٩٢ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: (( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال: إذا شهد فلا يأب إذا دُعى أن يأتى يؤدى شهادةٌ وُيقيمها . ٦٣٩٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة : (١) الأثر: ٦٣٨٧ - ((أبو عامر»، انظر ما سلف رقم : ٦٣٧٢ ٧٣ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ ((( ولا يأب الشهداء))، قال كان الحسن يتأوّلها : إذا كانت عنده شهادة فدعى ليقيمها . ٦٣٩٤ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال: إذا کتب الرجل شهادته ، أو أُشهِد لرجل فشهد ، والکاتبُ الذى يكتب الكتاب - دعوا إلى مقطع الحق، فعليهم أن يجيبوا وأن يشهدوا بما أشهدوا عليه.(١) ... وقال آخرون: هو أمر من الله عز وجلّ الرجلَ والمرأةَ بالإجابة إذا دعى ليشهد على ما لم يشهد عليه من الحقوق، ابتداءً، لا لإقامة الشهادة، (٢) ولكنه أمر نَدْب لا فرْض . • ذكر من قال ذلك : ٦٣٩٥ - حدثنى أبو العالية العبدى إسمعيل بن الهيثم قال، حدثنا أبو قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفى فى قوله: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، قال : أمرت أن تشهد، فإن شئت فاشهد، وإن شئت فلا تشهد . (٣) ٦٣٩٦ - حدثنى أبو العالية قال ، حدثنا أبو قتيبة ، عن محمد بن ثابت العَصَرىّ، عن عطاء بمثله . قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: (([معنى ] (١) قوله: ((مقطع الحق)): هو موضع الفصل فى الحكم بين الحق والباطل. من ((القطع))، وهو الفصل بين الأجزاء . (٢) فى المطبوعة: ((لا إقامة الشهادة))، وفى المخطوطة كتب ((لا إقامة)) ثم ضرب على الألف ووضع تحت الألف من ((لا)» همزة، وظاهر أن الذى أثبته هو الصواب . (٣) الخبر: ٦٣٩٥ - إسماعيل بن الهيثم، أبو العالية العبدى، شيخ الطبرى: لم نجد له ترجمة ولا ذكراً فى شىء من المراجع ، إلا رواية الطبرى هذا الخبر والذى بعده ، وروايته عنه فى التاريخ ١، ٢٠٦ مرة واحدة، عن أبى قتيبة أيضاً . وأبو قتيبة : هو سلم بن قتيبة ، مضت ترجمته فى : ١٩٢٤ ٧٤ تغير سورة البقرة : ٢٨٢ ذلك: (١) ولا يأب الشهداء من الإجابة ، إذا دعوا لإقامة الشهادة وأدائها عند ذى سلطان أو حاكم يأخذُ من الذى عليه ما عليه ، الذى هو له)). وإنما قلنا هذا القول بالصواب أولى فى ذلك من سائر الأقوال غيره ، لأن الله عز وجل قال: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا))، فإنما أمرهم بالإجابة للدعاء للشهادة وقد ألزمهم اسم ((الشهداء)). وغير جائز أن يلزمهم اسم ((الشّهداء)) إلا وقد استُشهدوا قبل ذلك فشهدوا على ما ألزمتهم شهادتهم عليه اسم ((الشهداء)). (٢) فأما قبل أن يُستشهدوا على شىء، فغير جائز أن يقال لهم ((شهداء)). لأن ذلك الاسم لو كان يلزمهم ولمّا يستشهدوا على شىء يستوجبون بشهادتهم عليه هذا الاسم ، لم يكن على الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له ((شاهد))، بمعنى أنه سيشهد، أو أنه يصلح لأن يشهد. وإذْ كان خطأ أن يسمى بذلك الاسم إلاّ من عنده شهادة لغيره ، (٣) أو من قد أقام شهادته فلزمه لذلك هذا الاسم = (٤) كان معلوماً أن المعنىَّ بقوله: (( ولا يأبَ الشهداءُ إذا ما دعوا ))، من وصفنا صفته ممن قد استُرْعى شهادةً، أو شهد، فدعى إلى القيام بها . لأن الذى لم يُستشْهد ولم يُستَرْعَ شهادةً قبل الإشهاد، غيرُ مستحق اسم ((شهيد)) ولا (( شاهد ))، لما قد وصفنا قبل. ٨٦/٣ = مع أن فى دخول ((الألف واللام)) فى ((الشهداء))، دلالة واضحةً على أن المسمَّى بالنهى عن ترك الإجابة للشهادة ، أشخاصٌ معلومون قد عرفوا بالشهادة ، (١) ما بين القوسين زيادة لابد منها. (٢) فى المطبوعة: ((على ما أمرمهم شهادتهم عليه))، وفى المخطوطة: ((لزمهم شهادتهم))، والصواب فى قراءة ذلك ما أتبت . (٣) فى المطبوعة: ((وإن كان خطأ ... )) والصواب من المخطوطة. وفى المخطوطة: ((شهادة لغيرهم)»، والصواب ما فى المطبوعة". (٤) فى المطبوعة: ((من قد قام بشهادته))، وفى المخطوطة: ((من قد قام شهادته))، وصواب القراءة ما أثبت . ٧٥ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ وأنهم الذين أمر الله عز وجل أهلَ الحقوق باستشهادهم بقوله: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضونَ من الشهداء)). وإذْ كان ذلك كذلك ، كانَ معلوماً أنهم إنما أمروا بإجابة داعيهم لإقامة شهادتهم بعد ما استُشهدوا فشهدوا . ولو كان ذلك أمراً لمن أعرض من الناس فدُعى إلى الشهادة يشهد عليها ، لقيل: (١) ولا يأبّ شاهد إذا ما دعى . غير أنّ الأمر وإن کان کذلك ، فإنّ الذی نقول به فى الذى يُدعى لشهادة ليشهد عليها إذا كان بموضع ليس به سواه ممن يصلحُ للشهادة ،، فإن" الفرضَ عليه إجابةُ داعيه إليها ، كما فرضٌ على الكاتب إذا استكتب بموضع لا كاتب به سواه ، ففرض علیه أن یکتب ، کما فرض علی من کان بموضع لا أحد به سواه يعرف الإيمان وشرائع الإسلام، فحضره جاهلٌ بالإيمان وبفرائض اللّه، فسأله تعليمه وبيان ذلك له ، أنْ يعلمه ويبيِّنْه له. (٢) ولم نوجب ما أوجبنا على الرجل من الإجابة للشهادة إذا دعى ابتداءً ليشهد على ما أشْهِد عليه بهذه الآية، ولكن بأدلة سواها ، وهى ما ذكرنا . وإنَّ فرْضاً على الرجل إحياءُ ما قَدَر على إحيائه من حق أخيه المسلم. (٣) ٥ (( والشهداء)) جمع ((شهيد)). (٤) # (١) فى المخطوطة: ((إلى الشهادة فشهد))، والصواب ما فى المطبوعة. (٢) سياق هذه الجملة: كما فرض على من كان بموضع ... أن يعلمه .. )). (٣) فى المطبوعة: ((وقد فرضنا على الرجل ... ))، وهو خطأ فاسد، وتحريف لما فى المخطوطة من الصواب المحض . (٤) انظر ما سلف فى بيان ((الشهداء)) ١: ٣٧٧/ ثم ٣: ٩٧، ١٤٥/ وما سلف قريباً ص : ٦٠ . ٧٦ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ القول فى تأويل قوله ﴿وَلاَ تَسَّْمُوَاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجْلِهِ) قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ولا تسأموا، أيها الذين تُداينون الناس إلى أجل ، أن تكتبوا صغيرَ الحق = يعنى: قليله ، أو كبيره = يعنى: أو كثيره = إلى أجله = إلى أجل الحق، فإنّ الكتاب أحصى للأجل والمال: ٦٣٩٧ - حدثنى المثنى قال حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد: ((ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ))، قال : هو الدّين. ومعنى قوله: ((ولا تسأموا)): لا تملوا. يقال منه: (( سئمتُ فأنا أسأم سآمة وَسَأمةٌ)) ، ومنه قول لبيد : وَسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ: كَيْفَ لَبِيدُ(١)؟ وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحِيَةِ وَطُولِهَا ومنه قول زهير : ثَانِينَ عَمَاً، لَا أُبَّكَ، يَنْأَمٍ(٢) سَئِمْتُ تَكَاَلِيفَ الحَياةِ، وَمَنْ يَعِشِنْ يعنى : مللت . ٠٠٠ وقال بعض نحوبى البصريين: تأويل قوله: ((إلى أجله))، إلى أجل الشاهد . ومعناه إلى الأجل الذى تجوز شهادته فيه . وقد بينا القول فيه . (٣) ٠٠٠ (١) ديوانه، القصيدة رقم: ٧، يذكر فيها طول عمره، ومآثره فى ماضيه. (٢) دبوانه: ٩. تكاليف الحياة: مشقاتها ومتاعبها. وهذا البيت هو مطلع أبياته الحكيمة التى ختم بها معلقته . (٣) انظر ما قاله فى ((الأجل)) فيما سلف قريباً ص: ٤٣. ٧٧ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ القول فى تأويل قوله ﴿ذَلِكُمْ أَفْسَطُ عِنْدَ اللهِ ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ذلكم))، اكتتاب كتاب الدين إلى أجله . ٠٠٠ ويعنى بقوله: ((أقسط))، أعدل عند الله. يقال منه: ((أقسط الحاكم فهو يُقسط إقساطاً، وهو مُقسط))، إذا عدل فى حكمه وأصاب الحق فيه. فإذا جار قيل: ((قَسَط فهو يَقْسِط قُسوطاً)). ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَآَ نُوا لِجَهَمَّ حَباً﴾ [سورة الجن: (١٥]، يغنى : الجائرون . وبمثل ما قلنا فى ذلك قال جماعة أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ٦٣٩٨ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى قوله: ((ذلكم أنسط عند اللّه))، يقول: أعدل عند الله. # القول فى تأويل قوله ﴿وَأَفْوَمُ لِلِشَّهُدَةِ ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وأصوب للشهادة . وأصله من قول القائل: ((أقمتُ من عَوَجه))، (١) إذا سويته فاستوى . ٠ ٠ وإنما كان الكتاب أعدل عند اللّه، وأصوب لشهادة الشهود على ما فيه ، (١٠) فى المخطوطة والمطبوعة: ((أقمته من عوجه))، والصواب ما أثبت. VA تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ لأنه يحوى الألفاظ التى أقرّ بها البائع والمشترى وربّ الدَّين والمستدين على نفسه ، فلا يَقع بين الشهود اختلاف فى ألفاظهم بشهادتهم ، لاجتماع شهادتهم على ما حواه الكتاب. وإذا اجتمعت شهادتهم على ذلك، كان فصلُ الحكم بينهم أبين لمن احتُكم إليه من الحكام، مع غير ذلك من الأسباب. وهو أعدل عند الله، لأنه قد أمر به. واتباعُ أمر الله لا شك أنه عند الله أقسطُ وأعدلُ من تركه والانحراف عنه. # ٨٧/٣ القول فى تأويل قوله ﴿وَأَدْنَىَّ أَلَّتَرْتَبُواْ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وأدنى))، وأقرب، من ((الدنو))، وهو القرب . ويعنى بقوله: ((أن لا ترتابوا))، أن لا تشكوا فى الشهادة، (١) كما : - # ٦٣٩٩ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط، عن السدى (( ذلك أدنى أن لا ترتابوا)) ، يقول : أن لا تشكوا فى الشهادة . # وهو ((تفتعل)) من ((الرِّيبة)). (٢) ومعنى الكلام: ولا تملُّوا أيها القوم أن تكتبوا الحقّ الذى لكم قِّل من داينتموه من الناس إلى أجل ، صغيراً كان ذلك الحق قليلاً أو كثيراً ، فإن كتابكم ذلك أعدل عند اللّه، وأصوبُ لشهادة شهود كم عليه، وأقربُ لكم أن لا تشكوا فيما شهد به شهودكم عليكم من الحق والأجل إذا كان مكتوباً . # (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((من أن لا تشكوا))، والصواب حذف ((من))، أو جعلها ((أى أن لا تشكوا)) . (٢) فى المخطوطة: ((وهو تفعيل))، وهو خطأ محض وتحريف. ٧٩ تفسير سوة البغارة : ٢٨٢ القول فى تأويل قوله ﴿إِلَّ أَن تَكُونَ تَجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَاَ ◌َيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَعٌ أَلَّ تَكْتُبُوهَا﴾ قال أبو جعفر : ثم استثنى جل ذكره مما نهاهم عنه أن يسأموه من اكتتاب كتب حقوقهم على غرمائهم بالحقوق التى لهم عليهم = ما وجب لهم قِبلهم من حقّ عن مبايعة بالنقود الحاضرة يداً بيد ، فرخَّص لهم فى ترك اكتتاب الكُتب بذلك . لأن كل واحد منهم ، أعنى من الباعة والمشترين ، يقبض = إذا كان الواجب بينهم فيما يتبايعونه نقداً = ما وجب له قِبَل مبايعيه قبل المفارقة، (١) فلا حاجة لهم فى ذلك إلى اكتتاب أحد الفريقين على الفريق الآخر كتاباً بما وجب لهم قبلهم ، وقد تقابضوا الواجبَ لهم عليهم. فلذلك قال تعالى ذكره: ((إلاّ أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم))، لا أجل فيها ولا تأخير ولا نَسَاء = ((فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها))، يقول: فلا حرج عليكم أن لا تكتبوها - يعنى التجارة الحاضرة. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل . # # * ذكر من قال ذلك : ٦٤٠٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى قوله : ((إلا أن تكون تجارة حاضرة تدیرونها بینكم ))، يقول: معكم بالبلد تروتها، فتأخذُ وتعطى، فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها . (١) فى المطبوعة: ((إذا كان التواجب بينهم فيما يتبايعونه بعد ما وجب له قبل مبايعيه .. )) وهو كلام لا معنى له. وفى المخطوطة: ((إذا كان التواجب بينهم فيما يتبايعون نقداً ما وجب له قبل مبايعيه))، وقوله ((بعداً ما وجب)) غير منقوطة. فرأيت صواب قراءة ((التواجب))، ((الواجب))، وصواب الأخرى ((نقداً)) فاستقام الكلام. وسياق العبارة: ((لأن كل واحد منهم ... يقبض ... ما وجب له قبل مبايعيه قبل المفارقة)) وقوله: ((إذا كان الواجب بينهم فيما يتبايعونه نقداً))، حملة فاصلة. ٨٠ تفسير سورة البقرة : ٢٨٢ ٦٤٠١ - حدثنى المثى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر، عن الضحاك. ((ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله))، إلى قوله: ((فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها))، قال : أمر الله أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ، وأمر ما كان يداً بيد أن يشهد عليه، صغيراً کان أو کبیراً، ورخص لهم أن لایكتبوه . واختلفت القرّأة فى قراة ذلك فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق وعامة القرأة: ﴿إِلَّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حاضِرةٌ﴾ بالرفع . ٠ وانفرد بعض قرأة الكوفيين فقرأ به بالنصب. (١) وذلك وإن كان جائزاً فى العربية = إذا كانت العربُ تنصبُ النكرات والمنعوتات مع (( كان))، وتضمر معها فى ((كان)) مجهولا فتقول: ((إن كان طعاماً طيباً فأتنا به))، وترفعها فتقول: ((إن كان طعام " طيبٌ فأتنا به))، فتتبع النكرةَ خبرها بمثل إعرابها = فإن الذى أختار من القراءة، ثم لا أستجبز القراءةَ بغيره، الرفعُ فى ((التجارة الحاضرة))، الإجماع القرأة على ذلك ، وشذوذ من قرأ ذلك نصباً عنهم . ولا يعترض بالشاذ على الحجة . وما جاء نصباً قولُ الشاعر: (٢) إِذَا كَانَ طَعْنَا بَيْنَهُمْ وَعِنَقًا (٣) أَعَنْنىَ هَلاَّ تَبْكِيَنِ عِفَقا ٠ (١) فى المطبوعة: ((فقرأه))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب. (٢) لم أعرف قائله، ولكن أخشى أن يكون هو متمم بن نويرة، كما سترى فى التعليق التالى. (٣) معانى القرآن الفراء ١: ١٨٦. أرجح أن ((عفاقاً)) هذا، هو ((عفاق بن أبى مليل الير بوعى))، الذى قتل يوم العظالى (انظر هذا ١: ٣٣٧، تعليق: ٢) فرثاء متمم بن نويرة الير بوعى، ورقى أخاه بجيراً، وقد سلف شغر متهم فى رثائهما (١: ٣٣٧). ومن أجل ذلك قلت إن الشعر خليق أن يكون لمتمم. أما ما زعمه زاعمون من أنه فى ((عفاق)) الذى أكلته باهلة، والذى يقول فيه القائل: إِنَّ عِفَقً أَكَتْهُ بَحِلَهْ تَشَّقُوا عِظَمَهُ وَكَاهِلَهْ فذاك ((عفاق)) آخر، هو ((عفاق بن مرى بن سلمة بن قشير)) ( القاموس - التاج عفق) .