النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
تمرهم وأردإ طعامهم، فنزلت: ((يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ))
الآية . (١)
٦١٤٢ - حدثنى عصام بن روّاد قال، حدثنا أبى قال ، حدثنا أبو بكر
الهذلى ، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلمانى قال : : سألت عليًّاً عن قول الله:
(( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا
تيمموا الخبيث منه تنفقون))، قال : فقال على: نزلت هذه الآية فى الزكاة
المفروضة، كان الرجل يعمد إلى النمر فيَصْرِمه، (٢) فيعزل الجيد ناحية . فإذا جاء
صاحبُ الصدقة أعطاه من الردىء، فقال عز وجل: ((ولا تيمموا الخبيث منه
تنفقون)) .
٦١٤٣ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنى عبد الجليل
ابن حميد اليحصبى : أن ابن شهاب حدثه قال ، حدثنى أبو أمامة بن سهل بن
حنيف فى الآية التى قال الله عز وجل: ((ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون))، قال: هو
الجُعْرُور ولَوْن حُبَيْق، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ فى الصدقة. (٣)
٥٦/٣
(١) الأثر: ٦١٤١ - رواه البيهقى فى السنن ٤: ١٣٦ من طريق أبي حذيفة، عن سفيان،
من السدى بغير هذا اللفظ، وأتم منه .
(٢) صرم النخل والشجر يصرعه صرماً وصراماً: قطع ثمرها واجتناها، مثل الجذاذ والجداد فيه)
سلف فى التعليقات ص: ٥٦٠ .
(٣) الأثر : ٦١٤٣ - عبد الجليل بن حميد اليحصبى، أبو مالك المصرى. روى عن الزهرى،
ويحيى بن سعيد وأيوب السختياني، وروى عنه ابن عجلان، وهو من أقرانه، وموسى بن سلمة، وابن وهب،
وغيرهم من المصريين. قال النسائى: ((ليس به بأس))، وذكره ابن حبان فى الثقات . مات سنة ١٤٨،
مترجم فى التهذيب . وهذا الأثر رواه النسائى، عن يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين ، عن ابن وهب،
عن عبد الجليل بن حميد، فى السنن ٥: ٤٣، وآخره (( ... أن تؤخذ الصدقة الرذالة)). وروى من
طرق أخرى فى سنن أبى داود ٢: ١٤٩ رقم: ١٦٠٧، والحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٤ من طريق سفيان
ابن حسين عن الزهرى، ومن طريق سليمان بن كثير عن الزهرى وقال: ((صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه)) ووافقه الذهبي، والبيهقى فى السنن ٤: ١٣٦، وانظر تفسير ابن كثير ٢ : ٤٣،٤٢.
ج . (٢٦)

٥٦٢
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
٦١٤٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون »، قال: كانوا
يتصدقون - يعنى من النخل - بحشقة وشراره، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتصدقوا
بطيبه .
٦١٤٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(((يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم)) إلى قوله: «واعلموا أن الله غنى
حميد))، ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان على عهد نبيّ اللّه صلى اللّه
عليه وسلم، فيعمد إلى أردثهما تمراً فيتصدق به ، ويخلط فيه من الحشف . فعاب اللّه
ذلك عليهم ونهاهم عنه .
٦١٤٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر،
عن قتادة فى قوله: ((ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون))، قال: تعمد إلى رُذَالة مالك
فتصَّدَّق به، (١) ولستَ بآخذه إلاّ أن تغمض فيه .
٦١٤٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن يزيد بن إبراهيم ، عن
الحسن قال : كان الرجل يتصدق برُذالة ماله، فنزلت: ((ولا تيمموا الخبيث
منه تنفقون)) .
٦١٤٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، أخبرنا عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهداً يقول: (( ولا تيمموا
الخبيث منه تنفقون))، قال: فى الأقناء التى تعلَّق، (٢) فرأى فيها حشفاً ، فقال:
الجعرور (بضم الجيم). ضرب من التمر صغار لا خير فيه . واللون: نوع من النخل ، قيل:
هو الدقل، وقيل: النخل كله ما خلا البرنى والعدوة، تسميه أهل المدينة ((الألوان)). وابن حبيق:
رجل نسب إليه هذا النخل الردىء، فقيل: لون الحبيق. وتمره ردىء أغبر صغير، مع طول فيه .
(١) رذالة كل شىء: أردؤه حين ينتقى جيده، ويبقى رديئه. وهو من رذالة الناس ورذالهم. (بضم
الراء فيها جميعاً) .
(٢) قوله: ((التى تعلق)) مكانها بياض فى المخطوطة. وقوله بعد: ((فرأى فيها حشفاً)، أى
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٢٠

٥٦٣
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
ما هذا ؟ = قال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: علَّق إنسان حشفاً فى الأقناء
التى تعلق بالمدينة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا ؟ بئسما علق
هذا !! فنزلت: ((ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون)).
٠ ٠
وقال آخرون معنى ذلك : ولا تيمموا الخبيث من الحرام منه تنفقون، (١)
وتَدَعوا أن تنفقوا الحلال الطيب .
* ذكر من قال ذلك :
٦١٤٩ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهبقال، قال ابن زيد - وسألته
عن قول الله عزوجل: ((ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون))، - قال: الخبيث
الحرام، لا تتيمَّمه تنفقُ منه ، فإن الله عز وجل لا يقبله .
قال أبو جعفر : وتأويل الآية هو التأويل الذی حکیناه عمن حكينا [ عنه ]
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ لصحة إسناده]، واتفاق أهل التأويل فى
ذلك = (٢) دون الذى قاله ابن زيد. (٣)
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَسُمْ بَّخِذِيِهِ إِلَّ أَنْ تُغْيِضُواْ فِيهِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ولستم بآخذى الخبيث فى حقوقكم ،
((والهاء)) فى قوله: ((بآخذيه)) من ذكر الخبيث = ((إلاأن تغمضوا فيه))، يعنى: إلا
أن تتجافوا فى أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم، فترخّصوا فيه لأنفسكم.
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فيه تنفقون))، وهو خطأ بين.
(٢) الزيادة بين الأقواس لا بد منها حتى يستقيم الكلام. (عنه) ساقطة من المخطوطة والمطبوعة .
أما الزيادة الثانية، فمكانها بياض فى المخطوطة، فأغفله الطابع وساق الكلام سياقاً واحداً .
(٣) فى المخطوطة: ((قاله ابن)) وبعد ذلك بياض. والذى فى المطبوعة هو الصواب.

٥٦٤
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
يقال منه: ((أغْمَض فلان لفلان عن بعض حقه، فهو يُغْمِض))، ومن
ذلك قول الطّرِمّاح بن حكيم :..
لَمْ يَفُتْنَ بِالوِتْرِ قَوْمٌ، وَلِلصَّيْمِ رِجَالٌ يَرْضَونَ بِلإِنْمَاضِ (١)
٠
قال أبو جعفر : واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : معنى ذلك ولستم بآخذى الردىء من غُرمائكم فى واجب
حقوقكم قبلهم ، إلاّ عن إغماضٍ منكم لهم فى الواجب لكم عليهم.
• ذكر من قال ذلك :
٦١٥٠ - حدثنا عصام بن رواد قال، حدثنا أبى قال ، حدثنا أبو بكر
الهذلى، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: سألت عليًّاً عنه فقال: ((ولستم
بأخذيه إلا أن تُغمضوا فيه))، يقول: ولا يأخذ أحدُكم هذا الردىء حتى يُهْضم له.
٦١٥١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن
السدى، عن أبى مالك، عن البراء بن عازب: ((ولستم بآخذيه إلاّ أن تغمضوا
فيه))، يقول: لو كان لرجل على رجل، فأعطاه ذلك لم يأخذه، إلاّ أن يرى أنه
قد نقصه من حقه . (٢)
(١) ديوانه: ٨٦، من قصيدة مجد فيها قومه؛ وقبله:
إِنَّا مَعْشَرٌ تَمَائِلُنَ الصَّبْرُ، إِذَا الخَوْفُ مَلَ بِالأَحْفَضِ
نُصُرٌ لِلذَّلِيلِ فِى نَدْوةِ الحَىّ، مَرَائِيبُ الثَّأَى المُنْهَضِ
مَنْ يَرُمْ بَجْعَهُمْ يَجِدْهُمْ مَرَاجِيحَ مُمَةً لِمُزَّلِ الأحراضِ
الأحفاض : الإبل الصغار الضعاف ، ويعنى الضعاف من الناس ، لا يصبرون فى حرب . مرائيب :
من الرأب، وهو الإصلاح، مصلحون . والثأى: الفساد. والمنهاض: الذى فسد بعد صلاح فلا يرجى
إصلاحه إلا بمشقة . مراجيح: حلماء لا يستخفهم شىء. والأحراض: الضعاف الذين لا يقاتلون .
والإغماض: التغاضى والمساهلة . يقول نحن أهل بأس وسطوة، فما أصاب منا أحد فنجا من انتقامنا،
ولسنا كأقوام يرضون بالضيم ، فيتغاضون عن إدراك تأثرهم ممن قال منهم .
(٢) الأثر : ٦١٥١ - هو من تمام الأثر : ٦١٤١.

٠٦٥
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
٦١٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنا معاوية ، عن
على ، عن ابن عباس قوله: ((ولا تيمموا الخبيث منه تتفقون ولستم بآخذيه إلاّ أن
تغمضوا فيه)) ، يقول: لو كان لكم على أحدٍ حق، فجاء كم بحق دون حقكم، لم
تأخذوا بحساب الجيِّد حتى تنقصوه، فذلك قوله: (( إلاّ أن تغمضوا فيه )) ، فكيف
ترضون لى ما لا ترضون لأنفسكم، وحقى عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟(١)
وهو قوله: ﴿لَنْ تَنَلُوا البِرَّحَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [سورة آل عمران: ٩٢].
٦١٥٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه))، قال :
لا تأخذونه من غرمائكم ولا فى بيوعكم إلا بزيادة على الطيِّب فی الکیل.
٠٧/٣
٦١٥٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنا أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا
من طيبات ما كسبتم وما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون
ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه)) ، وذلك أن رجالا كانوا يعطون زكاة أموالهم من
التمر ، فكانوا يعطون الحشّف فى الزكاة ، فقال: لو كان بعضهم يطلب بعضاً ثم
قضاه ، لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد أغمض عنه حقه
٦١٥٥ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: ((ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ))، يقول : لو كان لك على
رجل دين فقضاك أرداً مما كان لك عليه ، هل كنت تأخذ ذلك منه إلا وأنت
له كاره ؟
٦١٥٦ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا
جويبر، عن الضحاك فى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم))
(١) فى المطبوعة: ((وأنفسها)، وأثبت ما فى المخطوطة. وهذا الأثر بنصه وتمامه فى الدر المنثور
١: ٣٤٦، وأنظر التعليق على الأثر: ٦١٢٩، وقوله: ((وأنفسه)) بضمير الإفراد.

٥٦٦
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
إلى قوله (( إلا أن تغمضوا فيه))، قال: كانوا - حين أمر الله أن يؤدوا الزكاة -
يجىء الرجل من المنافقين بأردإ طعام له من تمر وغيره ، فكره اللّه ذلك وقال :
((أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض))، يقول: ((لستم بآخذيه
إلا أن تغمضوا فيه )) ، يقول : لم یکن رجل منكم له حق على رجل فيعطيه دون
حقه فيأخذه، إلا وهو يعلم أنه قد نقصه = فلا ترضوا لى مالا ترضون لأنفسكم =
فيأخذ شيئاً ، وهو مغمض عليه ، أنقصَ من حقه .
٠٠٠
وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذى هذا الردىء الخبيث - إذا اشتريتموه
من أهله - بسعر الجيد ، إلا بإغماض منهم لكم فى ثمنه .
« ذكر من قال ذلك :
٦١٥٧ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبی ، عن عمران بن حدیر ، عن
الحسن: ((ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه))، قال: لو وجدتموه فى السوق يُباع،
ما أخذتموه حتى يُهضَ لكم من ثمنه .
٦١٥٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: ((ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه))، يقول: لستم بآخذى هذا الردىء
بسعر هذا الطيب ، إلا أنْ يُغمض لكم فيه.
٠
٠
وقال آخرون : معناه : ولستم بآخذى هذا الردىء الخبيث لو أهدى لكم، إلا
أن تغمضوا فيه فتأخذُوه وأنتم له كارهون، على استحياء منكم ممن أهداه لكم.
• ذكر من قال ذلك :
٦١٥٩ - حدثی الحسین بن عمرو بن محمد العنقزی قال ، حدثنا أبی، عن
أسباط، عن السدى ، عن عدى بن ثابت ، عن البراء بن عازب: ((ولستم بآخذيه
إلاّ أن تُغمضوا فيه))، قال: لو أهدى لكم ما قبلتموه إلاّ على استحياء من
صاحبه ، أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة . (١)
(١) الأثر: ٦١٥٩ - هو تمام الأثر البالف : ٦١٣٩.
i
أ

٥٦٧
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
٦١٦٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط قال ،
زعم السدى ، عن عدى بن ثابت ، عن البراء نحوه - إلا أنه قال : إلا على استحياء
من صاحبه ، وغيظاً أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة . (١)
...
وقال آخرون : معنى ذلك : ولستم بآخذى هذا الردىء من حقكم ، إلا
أن تغمضوا من حقكم .
: ذكر من قال ذلك :
٦١٦١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن ابن معقل :
(((ولستم بآخذيه))، يقول: ولستم بآخذيه من حقّ هو لكم = ((إلا أنْ تغمضوا
فيه )) ، يقول : أغمض لك من حقى .
وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذى الحرام إلاّ أن تغمضوا على ما فيه من
الإثم عليكم فى أخذه .
. ذكر من قال ذلك :
٦١٦٢ - حدثنى يونس قال، حدثنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد -
وسألته عن قوله: ((ولستم بآخذيه إلاّ أن تغمضوا فيه)) - قال، يقول: لست آخذاً
ذلك الحرام حتى تغمض على ما فيه من الإثم = قال : وفى كلام العرب :
(( أما والله لقد أخذه، ولقد أغمض على مافيه)) = وهو يعلم أنه حَرَام باطل.
قال أبو جعفر: والذى هو أولى بتأويل ذلك عندنا، أن يقال: إن الله عز وجل
حثّ عباده على الصدقة وأداء الزكاة من أموالهم ، وفرضها عليهم فيها ، (٢) فصار
ما فَرَض من ذلك فى أموالهم، حقًّاً لأهل سُهمان الصّدقة . ثم أمرهم تعالى ذكره أن
(١) الأثر: ٦١٦٠ - هو تمام الأثر السالف: ٦١٤٠.
(٢) ((وفرضها عليهم)) أى الزكاة. ((فيها)»: فى أموالهم.
٥٨/٣

٥٦٨
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
يخرجوا من الطيب - وهو الجيد من أموالهم - الطيبَ. (١) وذلك أن أهل السُّهمان
شركاء أرباب الأموال فى أموالهم ، بما وجب لهم فيها من الصدقة بعد وجوبها .
فلا شك أن کل شریکین فی مال ، فلكل واحد منهما بقدر ملكه ، وليس لأحدهما
منعُ شريكه من حقه من الملك الذى هو فيه شريكه ، بإعطائه - بمقدار حقه منه
سمن غيره مما هو أرداً منه وأخسُّ. (٢) فكذلك المزركّى ماله، حرّم الله عليه أن
يعطى أهل السهمان = مما وجبَ لهم فى ماله من الطيب الجيد من الحق فصاروا
فيه شركاء = (٣) من الخبيث الردىء غيره ، ويمنعهم ما هو لهم من حقوقهم فى
الطيب من ماله الجيد. كما لو كان مال ربّ المال رديئاً كله غير جيد ، فوجبت
فيه الزكاة وصار أهل سهمان الصدقة فيه شركاءَ بما أوجب الله لهم فيه ، لم يكن
عليه أن يعطيهم الطيب الجيد من غير ماله الذى منه حقُّهم .
فقال تبارك وتعالى لأرباب الأموال: زكُّوا من جيد أموالكم الجيّدَ، ولا تيمموا
الخبيث الردىء تعطونه أهل ◌ُهمان الصدقة، وتمنعوهم الواجب لهم من الجيد الطيب
فى أموالكم، (٤) ولستم بآخذى الردىء لأنفسكم مكان الجيد الواجب لكم قبل
من وجب لكم عليه ذلك من شركائكم وغرمائكم وغيرهم ، إلا عن إغماض منكم
وَهَضْ لهم وكراهة منكم لأخذه . يقول : ولا تأتوا من الفعل إلى من وجب له فى
أموالكم حق ، ما لا ترضون من غيركم أن يأتيه إليكم فى حقوقكم الواجبة لكم فى
أموالهم.
فأما إذا تطوّع الرجل بصد قة غير مفروضة ، فإنىّ وإن کرهتُ له أن یعطی فيها
إلا أجودَ ماله وأطيبه، لأن الله عز وجل أحقّ من تُقُرّب إليه بأكرم الأموال
(١) قوله: ((الطيب)) الثانية، مفعول ((يخرجوا)).
(٢) فى المطبوعة ((أو أحسن))، وهو فاسد كل الفساد. والصواب من المخطوطة.
(٣) سياق الجملة: أن يعطى أهل السهمان ... من الخبيث الردىء غيره.
(٤) فى المطبوعة: ((وتمنعونهم الواجب ... ))، والذى فى المخطوطة صواب، معطوف على:
((ولا قيمموا الخبيث».

٥٦٩
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
وأطيبها ، والصّدَقَة ◌ُقُرْبان المؤمن = فلستُ أحرَّم عليه أن يعطى فيها غير الجيد،
لأنّ ما دون الجيد ربما كان أعمَّ نفعاً لكثرته أو لعظم خطره = وأحسنَ موقعاً
من المسكين، ومن أعطيه قُرْبةً إلى الله عز وجلّ= من الجيد، لقلته أو لصغر
خطره وقلة جدوى نفعه على من أعطيه . (١)
وبمثل ما قلنا فى ذلك قال جماعة أهل العلم .
• ذكر من قال ذلك :
٦١٦٣ - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب قال ، حدثنا يزيد
ابن زريع قال ، حدثنا سلمة بن علقمة ، عن محمد بن سيرين قال : سألت
عبيدة عن هذه الآية: ((يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وما أخرجنا
لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تتفقون ولستم بآخذيه إلاّ أن تغمضوا فيه)» ،
قال: ذلك فى الزكاة ، الدَّرهم الزائف أحبُّ إلىّ من الثمرة .
٦١٦٤ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا سلمة بن
علقمة ، عن محمد بن سيرين قال : سألت عبيدة عن ذلك فقال : إنما ذلك فى
الزكاة ، والدّرهم الزائف أحبُّ إلىّ من التمرة .
-
٦١٦٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن
ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية: ((يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من
طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تتفقون ولستم
بآخذيه)»، فقال عبيدة: إنما هذا فى الواجب، ولا بأس أن يتطوع الرجل بالتمرة ،
والدرهم الزائف خيرٌ من التمرة .
(١) سياق هذه الجملة: ربما كان أم نفعاً لكثرته ... وأحسن موقعاً من المسكين ... من
الجيد لقلبه ...
.

٥٧٠
تفسير سورة البقرة : ٢٦٧
٦١٦٦ - حدثنى أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن
ابن سيرين فى قوله: ((ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ))، قال: إنما هذا فى الزكاة
المفروضة، فأما التطوع فلا بأس أن يتصدّق الرجل بالدرهم الزائف ، والدرهم
الزائف خير من التمرة .
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَنِىٌّ ◌َهِيدٌ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: واعلموا، أيها الناس، أن الله عز وجل
غنى عن صدقاتكم وعن غيرها، (١) وإنما أمركم بها وفرضتها فى أموالكم، رحمة منه
لكم ليُغنى بها عائلكم، (٢) ويقوّى بها ضعيفكم، ويُجْزِل لكم عليها فى الآخرة
مثوبتكم ، لا من حاجة به فيها إليكم .
ويعنى بقوله: ((حميد))، أنه محمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط
لهم من فضله ، کما :-
٦١٦٧ - حدثنى الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى قال ، حدثنا أبى ،
عن أسباط ، عن السدى ، عن عدى بن ثابت ، عن البراء بن عازب فى قوله :
٥٩/٣
((والله غنى حميد))، عن صدقاتكم. (٣)
(١) انظر تفسير ((غنى)) فيما سلف من هذا الجزءه : ٥٢١
(٢) العائل: الفقير . عال الرجل يعيل عيلة : افتقر.
(٣) الأثر : ٦١٦٧ - هو تمام الأثر السالف : ٦١٣٩.
۵

٥٧١
تفسير سورة البقرة : ٢٦٨
القول فى تأويل قوله ﴿ اُلْشَيْطَنُ بَعِدُ كُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُ كُمْ
بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ بَيِدُ كُمْ مَغْفِرَةَ مِنْهُ وَفَضْلاَ)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك تعالى ذكره: ((الشيطان يعد كم))، أيها الناس -
بالصدقة وأدائكم الزكاة الواجبة عليكم فى أموالكم (١) - أن تفتقروا = ((ويأمركم
بالفحشاء))، يعنى: ويأمركم بمعاصى الله عز وجل وترك طاعته = (٢) «والله يعدكم مغفرة
منه))، (٣) يعنى: إن الله عز وجل يعدكم، أيها المؤمنون، أن يستر عليكم فحشاء كم ،
بصفحه لكم عن عقوبتكم عليها ، فيغفر لكم ذنوبكم بالصدقة التى تتصدّقون =
((وفضلا)) يعنى: ويعدكم أن يخلف عليكم من صَد قتكم ، فيتفضل عليكم من
عطاياه ، وُيُسبغ عليكم فى أرزاقكم ، (٤) كما : -
٦١٦٨ -حدثنا محمد بن حمید قال، حدثنا یحیی بن واضح قال ، حدثنا
الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال :
اثنان من اللّه، واثنان من الشيطان: ((الشيطان يعد كم الفقر))، يقول: لا تنفق
مالك وأمسكهُ عليك، فإنك تحتاج إليه = ((ويأمركم بالفحشاء والله يعد كم مغفرة
منه))، على هذه المعاصى = ((وفضلاً)) فى الرزق.
٦١٦٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله:
(( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً))،
يقول : مغفرة لفحشائكم ، وفضلاً لفقركم .
٦١٧٠ - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو الأحوص ، عن عطاء بن السائب،
(١) قوله: ((بالصدقة ... ))، أى بسبب الصدقة، وهى جملة فاصلة، والسياق ((يعدكم ...
أن تفتقروا))، كما هو بين .
(٢) انظر ما سلف فى تفسير ((الفحشاء) ٣: ٣٠٢.
(٣) اطلب تفسير ((المغفرة))، فيما سلف من فهارس اللغة.
(٤) انظر تفسير ((الفضل)) فيما سلف ٢: ٣٤٤/ ١٦٤:٥

تفسير سورة البقرة : ٢٦٨
عن مرة، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان لَمَّة"
من ابن آدم، وللمَلَك لمةً. فأما لمة الشيطان، فإيعادٌ بالشر وتكذيبٌ بالحق. وأما
لمة الملك ، فإيعاد بالخير وتصديق بالحق . فمن وجد ذلك ، فليعلم أنه من اللّه وليحمد
اللّه، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان، ثم قرأ: ((الشيطان يعدُ كم الفقر
ويأمركم بالفحشاء)) .(١)
(١) الحديث: ٦١٧٠ - أبو الأحوص: هوسلام بن سليم الكوفى الحافظ، سبق توثيقه :
٢٠٥٨.
عطاء بن السائب: مضى فى: ١٥٨، ٤٤٣٣ أنه تغير فى آخر عمره، وأن من سمع منه
قديماً فحديثه صحيح . والظاهر من مجموع كلامهم أن اختلاطه كان حين قدم البصرة . قال أبو حاتم :
((فى حديث البصر بين عنه تخاليط كثيرة، لأنه قدم عليهم فى آخر عمره)). وعطاء كوفى، والراوى
عنه هنا أبو الأحوص كوفى أيضاً . فالظاهر أنه سمع منه قبل الاختلاط .
مرة : هو مرة الطيب، وهو ابن شراحيل الهمدانى الكوفى . مضت ترجمته : ٢٥٢١.
عبد الله : هو ابن مسعود .
والحديث رواه الترمذى ٤: ٧٧ - ٧٨، عن هناد - وهو ابن السرى، شيخ الطبرى هنا -
بهذا الإسناد. وقال: ((هذا حديث حسن غريب [وفى بعض نسخه: حسن صحيح غريب].
: وهو حديث أبى الأحوص . لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث أبي الأحوص)).
وذكره ابن كثير ٢: ٤٤، من رواية ابن أبى حاتم، عن أبى زرعة، عن هناد . ووقع فى
إسناده هناك تخليط من الناسخين . ثم أشار إلى بعض رواياته مرفوعاً وموقوفاً .
وذكر ابن كثير أنه رواه أيضاً النسائى فى كتاب التفسير من سننه ، عن هناد بن السرى . وأنه
رواه ابن حبان فى صحيحه، عن أبى يعلى الموصلى، عن هناد. وكتاب التفسير فى النسائى إنما هو
فى السنن الكبرى .
وذكره السيوطى ١ : ٣٤٨، وزاد نسبته لابن المنذر ، والبيهقى فى الشعب .
وسيأتى بنحوه ، موقوفاً على ابن مسعود : ٦١٧١، ٦١٧٢ ، ٦١٧٤، ٦١٧٦، من
رواية عطاء ، عن مرة، عن مسعود. ويأتى موقوفاً أيضاً : ٦١٧٣، من رواية الزهرى، عن
عبيد الله ، عن ابن مسعود . و: ٦١٧٥، من رواية المسيب بن رافع ، عن عامر بن عبدة،
عن ابن مسعود .
وكأن الترمذى - وتبعه ابن كثير - يريدان الإشارة إلى تعليل هذا الإسناد المرفوع ، برواية
الحديث موقوفاً. ولكن هذه علة غير قادحة بعد صحة الإسناد . فإن الرفع زيادة من ثقة، فهى مقبولة .
وأيضاً : فإن هذا الحديث مما لا يعلم بالرأى، ولا يدخله القياس، فلا يعلم إلا بالوحى من المعصوم
صلى الله عليه وسلم . فالروايات الموقوفة لفظاً، هى مرفوعة حكماً .
1

٥٧٣
تفسير سورة البقرة : ٢٦٨
٦١٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان قال ،
حدثنا عمرو ، عن عطاء بن السائب ، عن مرة ، عن عبد اللّه قال : إن للإنسان
من الملَك لمة، ومن الشيطان لمة. فاللَّمة من الملك إيعاد بالخير وتصديقٌ بالحق ،
واللمة من الشيطان إبعاد بالشر وتكذيب بالحق. وتلا عبد الله: ((الشيطانُ يعدكم
الفقرَ ويأمركم بالفحشاء والله يعد كم مغفرةً منه وفضلاً)) = قال عمرو: وسمعنا فى
هذا الحديث أنه كان يقال : إذا أحسّ أحدكم من لمة الملك شيئاً فليحمد الله
وليسأله من فضله، وإذا أحسّ من لمة الشيطان شيئاً فليستغفر الله وليتعوّذ من
الشيطان . (١)
٦١٧٢ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا عطاء بن
السائب ، عن أبى الأحوص = أو : عن مرة - قال : قال عبد الله: ألا إن
للملك لمة والشيطان لمة. فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، ولمة الشيطان إيعاد
بالشر وتكذيب بالحق ، ذلكم بأن الله يقول: (٢) (الشيطان يعد كم الفقر ويأمركم
بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم))، فإذا وجدتم من هذه
شيئاً فاحمدوا الله عليه، وإذا وجدتم من هذه شيئاً فتعوذوا بالله من الشيطان. (٣)
(١) الحديث: ٦١٧١ - الحكم بن بشير بن سلمان: مضت ترجمته فى : ١٤٩٧.
ووقع اسم جده فى المطبوعة هنا ((سليمان)»، وهو خطأ.
عمرو: هو ابن قيس الملائى. مضت ترجمته فى : ٨٨٦.
والحديث فى معنى ما قبله . وهو هنا موقوف لفظاً، ولكنه مرفوع حكماً ، كما ذكرنا . ولكن قول
عمرو بن قيس فى آخره: ((وسمعنا فى هذا الحديث أنه كان يقال ... ) - يكون بلاغاً منقطعاً فى
هذا الإسناد ، وإن كان صحيحاً فى ذاته بالأسانيد الأخر .
(٢) فى المطبوعة: ((وذلكم بأن الله ... )) بزيادة واو، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) الحديث: ٦١٧٢ - أبو الأحوص - شيخ عطاء بن السائب: هو عوف بن مالك
ابن فضلة ، وهو تابعى ثقة معروف ، وثقة ابن معين وغيره .
وتردد عطاء بن السائب فى أنه عن (( أبي الأحوص)) هذا، أو عن ((مرة الطيب)) - لا يؤثر
فى صحة الحديث ، فإنه انتقال من ثقة إلى ثقة. ولعله مما أخطأ فيه عطاء ، لأن ابن علية بصرى ،
فيكون ممن سمع منه بعد تغيره . وقد نص على ذلك الدارقطنى ، كما فى ترجمة عطاء فى التهذيب.
ولكن ذكر ابن كثير ٢: ٤٤ أنه رواه ((مسعر، عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص
عوف بن مالك بن فضلة ، عن ابن مسعود . فجعله من قوله . فهذا يثبت حفظ رواية عطاء إياه

٥٧٤
تفسير سورة البقرة : ٢٦٨
٦١٧٣ - حدثنا الحسن بنيحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الزهرى ، عن عبيد اللّه بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن مسعود
فى قوله: ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء))، قال: إن للملك لمة،
وللشيطان لمة . فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجدها فليحمد الله؛
ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، فمن وجدها فليستعذ بالله .(١)
٦١٧٤ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا حجاج بن المنهال ، قال ،
حدثنا حماد بن سلمة قال ، أخبرنا عطاء بن السائب ، عن مرة الهمدانى : أن ابن
مسعود قال: إن للملك لمة وللشيطان لمة. فلمة الملك إيعاده بالخير وتصديق بالحق،
ولمة الشيطان إبعاده بالشر وتكذيب بالحق. (٢) فمن أحس من لمة الملك شيئاً
فليحمد الله عليه ، ومن أحس من لمة الشيطان شيئاً فليتعوذ بالله منه . ثم تلا هذه
الآية: ((الشيطان يعد كم الفقر وبأمركم بالفحشاء والله يعد كم مغفرةً منه وفضلاً
واللّه واسعٌ عليم)).(٣).
٦١٧٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك،
عن فِطْر، عن المسيب بن رافع، عن عامر بن عبّدة، عن عبد الله بنحوه. (٤)
٦٠/٣
عن أبي الأحوص أيضاً . لأن مسعر بن كدام كوفى قديم ، من طبقة شعبة والثورى ، فهو ممن سمع
من عطاء قبل تغيره .
ولم يشر ابن كثير إلى شىء من الروايات الموقوفة لهذا الحديث، إلا إلى رواية مسعر وحده.
والروايات الموقوفة بين يديه فى الطبرى ستة كما ترى .
(١) الحديث: ٦١٧٣ - وهذا إسناد صحيح آخر للحديث، من وجه آخر ، يؤيد رواية
عطاء بن السائب، وهو وإن كان موقوفاً لفظاً فهو مرفوع حكماً ، كما قلنا من قبل .
(٢) فى المطبوعة: ((إيعاد بالخير ... إيعاد بالشر)) بغير إضافتها إلى الضمير. وأثبت
ما فى المخطوطة، وهو صواب. وصواب أيضاً أن يقرآا جميعاً ((ايعادة)، على معنى المرة من
«الإيعاد)).
(٣) الحديث: ٦١٧٤ - وهذا إسناد صحيح. لأن حماد بن سلمة سمع من عطاء قبل تغيره،
كما نص عليه يعقوب بن سفيان وابن الجارود ، فى نقل التهذيب عنهما ٧ : ٢٠٧ .
(٤) الحديث : ٦١٧٥ - فطر - بكسر الفاء وسكون الطاء المهملة وآخره راء: هو ابن
خليفة الحناط الكوفى ، وهو ثقة ، وثقة أحمد ، وابن معين ، وغيرهما .

٥٧٥
تفسير سورة البقرة : ٢٦٨
٦١٧٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن مرة بن
شراحيل ، عن عبد الله بن مسعود قال : إن الشيطان لمة وللملك لمة . فأما لمة
الشيطان فتكذيب بالحق وإيعاد بالشر ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق.
فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ولیحمد الله علیه ، ومن وجد الأخری فليستعذ من
الشيطان. ثم قرأ: ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمرُ كم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة
منه وفضلاً)). (١)
جـ
:
القول فى تأويل قوله ﴿وَاللهُ وَمِعٌ عَلِيمٌ ) (١)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره: ((والله واسع)) الفضل الذى يعد كم أن
يعطيكموه من فضله وسعة خزائنه = (٢) ((عليم)) بنفقاتكم وصدقاتكم التى تُنفقون
وتصَّدّ قون بها ، يحصيها لكم حتى يجازیكم بها عند مقد مكم عليه فى آخرتكم.
المسيب بن رافع الكاهلى الكوفى : تابعى ثقة ، مضى فى : ١٢٨.
عامر بن عبدة - بفتح العين المهملة والباء الموحدة - البجلى، أبو إياس الكوفى: تابعى ثقة ،
وثقه ابن معين، وغيره. مترجم فى التهذيب، وابن سعد ٦: ١٣٦، وابن أبى حاتم ٣٢٧/١/٣،
والكنى الدولابى ١: ١١٥، والمشتبه الذهبى، ص : ٣٣٩.
وهذا إسناد ثالث الحديث صحيح ، من وجه آخر، يؤيد روايات عطاء عن مرة، وأبى الأحوص
عن ابن مسعود، ورواية الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود.
(١) الحديث: ٦١٧٦ - وهذا إسناد حسن، لأن سماع جرير - وهو ابن عبد الحميد
الضربى - من عطاء كان بعد تغيره ولكنه يرتفع إلى درجة الصحة بالمتابعات السابقة الصحيحة .
(٢) انظر تفسير ((واسع عليم)) في سلف ٢ : ٥٣٧/ ٢ ٠١٦:٥
:

٥٧٦
تفسير سورة البقرة : ٢٦٩
القول فى تأويل قوله ﴿يُؤَّبِىِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءِ وَمَن يُواتَ
الْحِكْنَةَ فَقَدْ أُوْفِىَ خَيْرًا كَثِيرًا)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه يؤتى اللّه الإصابة فى القول والفعل
مَنْ يشاء من عباده، ومن يُؤتَ الإصابة فى ذلك منهم فقد أوقى خيراً كثيراً .
٠
٠
واختلف أهل التأويل فى ذلك .
فقال بعضهم، ((الحكمة)) التى ذكرها الله فى هذا الموضع، هى: القرآنُ
والفقه به .
ذكر من قال ذلك :
٦١٧٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية،
عن على ، عن ابن عباس فى قوله: ((ومن يُؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً))،
يعنى : المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخِه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدَّمِه ومؤخّره،
وحلاله وحرامه ، وأمثاله .
٦١٧٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر،
عن قتادة فى قوله: ((يُؤتى الحكمة من يشاء))، قال: الحكمة: القرآن، والفقهُ
فى القرآن .
٦١٧٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوقى خيراً كثيراً))، والحكمة:
الفقه فى القرآن .
٦١٨٠ - حدثنا محمد بن عبد الله الهلالى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ،
حدثنا مهدى بن ميمون ، قال ، حدثنا شعيب بن الخبْحاب ، عن أبى العالية:

٧٧
تفسير سورة البقرة : ٢٦٩
(((ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً))، قال: الكتاب والفهم به.(١)
٦١٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد قوله :
(((يؤتى الحكمة من يشاء)) الآية، قال: ليست بالنبوَّة، ولكنه القرآن والعلمُ والفقه.
٦١٨٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال : قال ابن عباس : الفقه فى القرآن .
٠
وقال آخرون: معنى ((الحكمة))، الإصابة فى القول والفعل .
« ذكر من قال ذلك :
٦١٨٣ - حدثنا ابن بشارقال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن
ابن أبى نجيح قال: سمعت مجاهداً قال: ((ومن يؤت الحكمة))، قال : الإصابة.
٦١٨٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: (( يؤتى الحكمة من يشاء))،
قال : يؤتى الإصابة من يشاء .
٦١٨٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبى
نجيح، عن مجاهد: ((يؤتى الحكمة من يشاء))، قال: الكتاب، يؤتى إصابته من يشاء
(١) الأثر: ٦١٨٠ - ((محمد بن عبد الله الهلالى)) هو: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل
الهلالى، أبو مسعود البصرى ، روى عن جده عبيد بن عقيل، وعثمان بن عمر بن فارس ، وعمرو
ابن عاصم الكلابى وغيرهم، وروى عنه أبو داود، والنسائى، وابن ماجة وغيرهم. قال النسائى :
((لا بأس به)). وقال مسلمة: ((ثقة)). ((مسلم بن إبراهيم)) الأزدى الفراهيدى، أبو عمرو البصرى
الحافظ. قال ابن معين: ((ثقة مأمون)). وكان يقول: ((ما أتيت حلالا ولا حراماً قط))، قال
أبو حاتم: ((كان لا يحتاج إليه)). وكان من المتقنين. مات سنة ٢٢٢. ((مهدى بن ميمون))
الأزدى المعولى. كان ثقة وذكره ابن حبان فى الثقات. مات سنة ١٧١. ((شعيب بن الحبحاب))
الأزدى المعولى. روى عن أنس وأبى العالية وغيرهم. قال أحمد والنسائى: ((ثقة)). مات سنة ١٣٠.
و((المعولى)) بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو
وكان فى المطبوعة: ((والفهم فيه))، وهى صواب فى المعنى، جيد فى العربية. وأثبت ما فى
المخطوطة ، وهو أيضاً صواب جيد .
ج . (٣٧)

٥٧٨
تفسير سورة البقرة : ٢٦٩
وقال آخرون : هو العلم بالدين .
. ذكر من قال ذلك :
٦١٨٦ - حدثی یونس قال أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: «یؤثی
الحكمة من يشاء))، العقل فى الدين، وقرأ: ((ومن يُؤْت الحكمة فقد أوقى خيراً كثيراً).
٦١٨٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
الحكمة العقلُ.
٦١٨٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قلتُ لمالك:
وما الحكمة ؟ قال : المعرفةُ بالدين، والفقه فيه، والاتباعُ له.
وقال آخرون: ((الحكمةُ)) الفهم .
• ذكر من قال ذلك :
٦١٩٠ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبی قال، حدثنا سفيان ، عن أبى
حمزة ، عن إبراهيم قال : الحكمة هى الفهم .(١)
٥,٥
وقال آخرون : هى الخشيةُ .
* ذكر من قال ذلك :
٦١٩١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة)) ، الآية ،
قال: الحكمة الخشية، لأن رأسَ كلّ شيء خشيةُ اللّه. وقرأ: ﴿إِنَّا يَخْشَى اللهَ
مِنْ عِبَادِهِ العُلَماءِ﴾ [سورة فاطر: ٢٨].
٥
(١) الأثر: ٦١٩٠ - ((أبو حمزة)) هو أبوحمزة الأعور القصاب الكوفى، وهو صاحب
إبراهيم النخعى. قال البخارى: ((ليس بذاك)).وقال: ((ضعيف ذاهب الحديث)). قال أبوموسى:
((ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن: سفيان، عن أبى حمزة، قط)). وقال ابن عدى:
((وأحاديثه خاصة عن إبراهيم، مما لا يتابع عليه)). مترجم فى التهذيب.

٥٧٩
تفسير سورة البقرة : ٢٦٩
وقال آخرون : هى النبوة .
.• ذكر من قال ذلك :
٦١/٣
٦١٩٢ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدىّ قوله: ((يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة))، الآية، قال: الحكمة
هی النبوّة .
وقد بينا فيما مضى معنى ((الحكمة)) - وأنها مأخوذة من ((الحكم)) وفصل القضاء،
وأنها الإصابة - بما دل على صحته، فأغنى ذلك عن تكريره فى هذا الموضع. (١)
وإذا كان ذلك كذلك معناه ، (٢) كان جميع الأقوال التى قالها القائلون الذين
ذكرنا قولهم فى ذلك ، داخلاً فيما قلنا من ذلك . لأن الإصابة فى الأمور إنما تكون
عن فهم بها وعلم ومعرفة. وإذا كان ذلك كذلك ، كان المصيبُ عن فهم منه
بمواضع الصواب فى أموره مُفْهَّماً خاشياً لله فقيهاً عالماً، (٣) وكانت النبوّةُ من
أقسامه. لأن الأنبياء مسدَّدون مفهَّمون، وموفَّقون لإصابة الصواب فى الأمور ،
(((والنبوّة)) بعض معانى ((الحكمة)).
٥
فتأويل الكلام : يؤتى اللّه إصابة الصواب فى القول والفعل من يشاء ، ومن
يؤته الله ذلك فقد آتاه خيراً كثيراً .
(١) انظر تفسير («الحكمة)» فيما سلف ٣: ٨٧، ٨٨، ٢١١/ ثم ٣٧١،١٦،١٥:٥
(٢) فى المطبوعة: ((فإذا كان ذلك ... )» بالفاء، ولا معنى لتغيير ما هو فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((فهما خاشياً ... )). وفى المخطوطة: ((ففهما))، والصواب قراءتها كما
أثبت ، بدليل معناه الذى أراده، من إدخال الأنبياء فى معنى ذلك، وبدليل قوله بعد: ((مفهمون ... ))

٥٨٠
تفسير سورة البقرة : ٢٧٠،٢٦٩
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا يَذَّ كَّرُ إلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ) )
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وما يتَّعظ بما وعظ به ربُّه فى هذه
الآيات = التى وعظ فيها المنفقين أموالهم بما وعظهم به وغيرهم = (١) فيها وفى غيرها
من آی کتابه =(٢) فيذكر وعده ووعيده فيها ، فيتزجر عما زجره عنه ربه ، ويطيعه
فيما أمره به = ((إلاّ أولوا الألباب))، يعنى: إلاّ أولو العقول، الذين عقلوا عن
الله عز وجل أمره ونهيه. (٣)
فأخبر جل ثناؤه أن المواعظ غيرُ نافعة إلا أولى الحجا والحلوم، وأنَّ الذكرى
غيرُ ناهية إلاّ أهلَ النُّهَى والعقول.
٥
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَآ أَفَقْتُم مِّنِ تَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم ◌ِنْ
نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَ لِظَّلِمِنَ مِنْ أَنصَارٍ) )
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وأىّ نفقة أنفقتم - يعنى: أىّ
صدقة تصدقتم - (٤) أو أىّ كَذْر نذرتم = يعنى ((بالنذر))، ما أوجبه المرء على
نفسه تبرُّراً فى طاعة الله، وتقرُّباً به إليه: منْ صدقة أو عمل خير = (فإن اللّهَ يَعلمهُ)،
(١) فى المطبوعة: ((بما وعظ به غيرهم))، وهو غير مستقيم تمام الاستقامة فى السياق. وفى
المخطوطة: ((بما وعظهم به غيرهم))، والصواب أن تزاد ((الواو)) قبل ((غيرهم))، ليستقيم السياق.
(٢) سياق الجملة: ((وما يتعظ بما وعظه به ربه فى هذه الآيات ... فيذكر وعده ووعيده ... ))
وما بينهما فصل .
(٣) انظر تفسير ((الألباب)) فيما سلف ٣ : ٤/٣٨٣: ١٦٢.
(٤) انظر تفسير ((النفقة)) فيما سلف ٥ : ٥٥٥