النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
القول فى تأويل قوله ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فلما تبيَّنّ له))، فلما اتضح له
عياناً ما كان مستنكراً من قدرة اللّه وعظمته عنده قبل عيانه ذلك = (١) ((قال أعلم))
الآن بعد المعاينة والإيضاح والبيان = (٢) ((أن الله على كل شىء قدير)).
ثم اختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((قال أعلم أن اللّه)).
فقرأه بعضهم: ﴿قَالَ أَعْلَّ ) على معنى الأمر بوصل ((الألف)) من (( اعلم))،
وجزم ((الميم)) منها ، وهى قراءة عامة قرأة أهل الكوفة . ويذكرون أنها فى قراءة
عبد اللّه، ﴿قِيلَ أَعْلَمْ﴾ على وجه الأمر من اللّه الذى أُحبى بعد مماته، (٣) فأمر
بالنظر إلى ما یحییه الله بعد مماته . و کذلك روی عن ابن عباس .
٥٩٥٤ - حدثنى أحمد بن يوسف التَّغلىّ قال، حدثنا القاسم بن سلام قال،
حدثنى حجاج ، عن هرون قال : هى فى قراءة عبد الله: ﴿ قِيلَ أَعْلَمْ أَنَّ اللهَ ﴾
على وجه الأمر . (٤)
هجائه ابن الحيا، والحيا أمه، واسمه سواربن أوفى القشيرى - وكان هجا الجعدى وسب أخواله من الأزد،
وهم بأصبهان متجاورون ، فقال فى ذلك قصيدته التى أولها .
إِمَّا تَرَى ظُلَلَ الأَيَّامِ قد حَسَرَت عَِّى، وشَمَّرْتُ ذَيْلاً كَانَ ذَيَّلاَ
(١) انظر معنى (( بين)) فيما سلف فى فهارس اللغة من الأجزاء السالفة.
(٢) فى المطبوعة: ((بعد المعاينة والاتضاح به والبيان)) وهو فاسد مريض، والصواب من المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((للذى أحي))، وما فى المخطوطة عين الصواب.
(٤) الأثر: ٥٩٥٤ - ((أحمد بن يوسف التغلبى))، الأحول، صاحب أبى عبيد القاسم بن
سلام ، مشهور بذلك. روى عن سليمان بن حرب، ومسلم بن إبراهيم ، ورويم بن زيد، وأبى عبيد القاسم
ابن سلام وغيرهم. روى عنه أبو عبد الله نفطويه النحوى، ومحمد بن مخلد، وأبو عمرو بن السماك،
ومكرم بن أحمد، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: ((ثقة))، مات سنة ٢٧٣، وصحبته لأبى عبيد القاسم
ج . (٣١)

٤٨٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
٥٩٥٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن ابن طاوس ، عن أبيه = أحسبه ، شكّ أبو جعفر الطبرى= ، سمعت
ابن عباس يقرأ: ﴿فَلَمَّا تَبَّيَّنَ لَهُ قَلَ أَعْلَّ﴾.، قال : إنما قيل ذلك له .
٥٩٥٦ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قال: ذكر لنا، والله أعلم، أنه قيل له ((انظر))! فجعل ينظر إلى العظام
كيف يتواصَلُ بعضها إلى بعض، وذلك بعينيه، فقيل: ((اعلم أن الله على كل
شى ء قدير)).
قال أبو جعفر : فعلى هذا القول تأويل ذلك: فلما تبين له ما تبيَّن من أمر
الله وقدرته، قال الله له: اعلم الآن أن اللّه على كل شىء قدير. ولو صَرَف متأوّلٌ
قوله: ((قال اعلم)) - وقد قرأه على وجه الأمر - إلى أنه من قِبَل المخبَرِ عنه بما
اقتصّ فى هذه الآية من قصته، كان وجهاً صحيحاً ، وكان ذلك كما يقول القائل:
((اعلم أن قد كان كذا وكذا))، على وجه الأمر منه لغيره ، وهو يعنى به نفسه .
٣٢/٣
وقرأ ذلك آخرون: ﴿ قَالَ أَعْلَّ﴾ ، على وجه الخبر عن نفسه للمتكلم به ،
بهمز ألف ((أعلم)) وقطعها، ورفع ((الميم))، بمعنى: فلما تبين له ما تبين من
قدرة اللّه وعظيم سلطانه بمعاينته ما عاينه، قال: المتبيِّن ذلك: (١) أعلم الآن أنا أنّ
الله علی کل شیء قدیر.
وبذلك قرأ عامة قرأة أهل المدينة، (٢) وبعض قرأة أهل العراق. وبذلك من
ابن سلام ترجح عندى أنه المعنى فى الأثر السالف رقم : ٥٩١٩، وانظر التعليق عليه . وفى المطبوعة
والمخطوطة: ((الثعلبى))، وهو خطأ.
(١) فى المطبوعة: ((قال أليس ذلك أعلى الآن ... ))، وهو كلام يرتكس فى الفساد ارتكاماً.
وفى المخطوطة: ((المسمن)) غير منقوطة، وهى الصواب عين الصواب .
(٢) سقط من الناسخ ((قرأة)) فى هذا الموضع والذى يليه، وكتبها فى الهامش مرة واحدة، لم
يكررها، ولذلك أثبتها الطابع فى موضع واحد ، هو الأخير منهما .

٤٨٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
التأويل تأوّله جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٥٩٥٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، عمن لا يتهم،
عن وهب بن منبه قال: لما عاين من قدرة الله ما عاينَ قال: ((أعلم أن اللّه على
کل شیء قدير )).
٥٩٥٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب منبه يقول: ((فلما تبين له قال أعلم أنّ اللّه
على شىء قدير )).
٥٩٥٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال: بعين نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم =(١) يعنى إنشازَ العظام = فقال: ((أعلم
أن الله علی کل شیء قدير )).
٥٩٦٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال: قال عزير عند ذلك - يعنى عند معاينة إحياء الله حماره -: ((أعلم
أنّ اللّه على كل شىء قدير)».
٥٩٦١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر ، عن الضحاك قال : جعل ينظر إلى كل شىء منه يوصلُ بعضه إلى
بعض، ((فلما تبين له قال أعلم أنّ الله على كل شىء قدير)).
٥٩٦٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد نحوه .
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك قراءة من قرأ ﴿أَعْلَمْ﴾ بوصل
(١) فى المطبوعة: ((يعنى نبى الله عليه السلام)»، وفى المخطوطة مضطربة وغير منقوطة، فمن
أجل ذلك لم يحسن قراءتها. أى : أن إنشاز العظام كان بعين النبى، يراه عياناً، وقد مضى مثل ذلك
آنفاً فى رقم : ٥٩٤٢.

٤٨٤
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
(((الألف)) وجزم ((الميم)، على وجه الأمر من اللّه تعالى ذكره للذى قد أحياه بعد
مماته ، بالأمر بأن يعلم أن اللّه = الذى أراه بعينيه ما أراه من عظيم قدرته وسلطانه ،
من إحيائه إياه وحماره بعد موت مئة عام وبلائه ، حتى عادًا كهيئتهما يوم قبض
أرواحهما ، وحفظه عليه طعامه وشرابه مئة عام حتى ردّه عليه كهيئته يوم وضعه
غير متغير = (١) على كل شىء قادرٌ كذلك. (٢)
وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك ، وحكمنا له بالصواب دون غيره ، لأن ما قبله
من الكلام أمرٌ من الله تعالى ذكره : قولاً للذى أحياه الله بعد مماته ، وخطاباً له به،
وذلك قوله: ((فانظر إلى طعامك وشرّابك لم يتسنَّه وانظر إلى حمارك ... وانظر
إلى العظام كيف تنشرها))، فلما تبين ذلك له جواباً عن مسألته ربَّه: ((أنى يحي
هذه اللّه بعد موتها))، قال الله له: ((اعلم أن الله)) = الذى فعل هذه الأشياء على
ما رأيت = على غير ذلك من الأشياء قديرٌ كقدرته على ما رأيت وأمثاله، (٣) كما
قال تعالى ذكره لخليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم = بعد أن أجابه عن مسألته إياه
فى قوله: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْسِى الْمَوْنَى﴾ - ﴿وَأَعْلَ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، (٤)
فأمر إبراهيم بأن يعلم ، بعد أن أراه كيفية إحيائه الموقى ، أنه عزيز حكيم . فكذلك
أمر الذى سأل فقال: ((أنّى يحيى هذه اللّه بعد موتها))؟ بعد أن أراه كيفية إحيائه
إياها = أن يعلم أنّ الله على كل شىء قدير.(٥)
#
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وحفظ عليه طعامه ... ))، وهو اختلال فى الكلام، والصواب
ما أثبت - وقوله: ((وحفظه)) مجرور معواف على قوله: ((من إحيائه إياه وحماره ... ))
(٢) قوله: ((على كل شىء قادر كذلك)) متعلق بقوله: ((بأن يعلم أن الله ... على كل
شىء قادر))، وما بينهما صفة للّه تعالى، فصلت بين اسم ((إن)) وخبرها.
(٣) سياق هذه الجملة كالسالفة فى التعليق السالف: ((اعلم أن الله ... على غير ذلك من
الأشياء قدير)).
(٤) هى الآية التالية من ((سورة البقرة)).
(٥) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وكذلك أمر الذى سأل ... )) بالواو، والصواب بالفاء.
هذا وانظر ما قاله الفراء فى معانى القرآن ١ : ١٧٣ - ١٧٤.

٤٨٥
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِذْ قَلَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرٍفِى كَفَ
تُحْبِ الْمَوْنَى قَلَ أَوْلَمَ تُؤْمِن قَلَ كَى وَلَكِنْ لِيَطْمَبِنَّ قَلْسِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ألم تر إذ قال إبراهيم: ربِّ أرنى .
وإنما صلح أن يعطف بقوله: ((وإذ قال إبراهيم)) على قوله: ((أو كالذى
مرّ على قرية))، وقوله: ((ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه))، لأن قوله: ((ألم
تر))، ليس معناه: ألم تر بعينيك ، وإنما معناه: ألم تر بقلبك ، فمعناه: ألم تعلم
فتذكر،(١) فهو وإن كان لفظه لفظ ((الرؤية))، فيعطف عليه أحياناً بما يوافق
لفظه من الكلام ، وأحياناً بما يوافق معناه .
٠
٠
واختلف أهل التأويل فى سيب مسألة إبراهيم ربَّه أن يريه كيف يحيى الموت .
فقال بعضهم: كانت مسألته ذلك ربَّه: أنه رأى دابة قد تقسَّمتها السباعُ والطيرُ
فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها ، مع تفرق لحومها فى بطون طير الهواء
وسباع الأرض ، لیری ذلك عیاناً، فيزداد يقيناً برؤيته ذلك عیاناً إلى علمه به خبراً،
فأراه اللّه ذلك مثلاً بما أخبر أنه أمره به .
. ذكر من قال ذلك :
٣٣/٣
٥٩٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((وإذ قال إبراهيم ربّ أرنى كيف تحيي الموتى))، ذكر
لنا أنّ خليل الله إبراهيم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع، فقال: (( رب أرفى
كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى».
٥٩٦٤ - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد
(١) انظر (معنى ((الرؤية)) فيما سلف من هذا الجزء٥: ٤٢٩، والتعليق عليه رقم: ٢.

٤٨٦
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((رب أرنى كيف تحيى الموتى))، قال :
مر إبراهيم على دابة ميت قد بَلَى وتقسَّمته الرياح والسباعُ، فقام ينظر فقال: (١)
سُبحان الله ! كيف يحيى اللّه هذا ؟ وقد علم أن الله قادرٌ على ذلك: فذلك قوله :
((رب أرنى كيف تحيي الموتى)).
٥٩٦٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج : بلغنى أن إبراهيم بينا هو يسير على الطريق ، إذا هو يجيفة حمار
عليها السباع والطير قد تمزَّعت لحمها، (٢) وبقى عظامها. فلما ذهبت السُّباع وطارت
الطير على الجبال والآكام، وقف وتعجب، (٣) ثم قال: ربّ قد علمتُ لتجمعنَّها
من بطون هذه السباع والطير ! ربّ أرنى كيف تحيي الموتى ! قال : أو لم تؤمن ،
قال : بلى ! ولكن ليس الخبر كالمعاينة .
٥٩٦٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : مر
إبراهيم بحوت نصفه فى البرّ ونصفه فى البحر ، فما كان منه فى البحر فدواب البحر
تأكله ، وما كان منه فى البرِّ فالسباع ودواب البر تأكله ، فقال له الخبيث: (٤)
يا إبراهيم ، متى يجمع اللّه هذا من بطون هؤلاء ؟ فقال: يا رب ، أرنى كيف
تحيي الموتى ! قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ! ولكن ليطمئن قلبى !
٠
٠
٠
وقال آخرون : بل كان سبب مسألته ربَّه ذلك، المناظرةُ والمحاجَّة التى جرت
بينه وبين نمرود فى ذلك .
« ذكر من قال ذلك :
(١) فى المخطوطة: ((فقدم ينظر))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) تمزع القوم الشىء: تقاسموا وفرقوه بينهم. من التمزيع: وهو التقطيع والتفريق.
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فوقف)) بالفاء، والأجود حذفها.
(٤) الخبيث، يعنى إبليس لعنه الله.

٤٨٧
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
٥٩٦٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن إسحق
قال: لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى مما قصَّه اللّه فى ((سورة الأنبياء))،
قال نمروذ، فيما يذكرون، لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذى تعبد وتدعو إلى عبادته ،
وتذكُر من قدرته التى تعظِّمه بها على غيره ، ما هو ؟ قال له إبراهيم : ربى الذى
يحي ويميت ! قال نمروذ : أنا أحيي وأميت ! فقال له إبراهيم : كيف تحى
وتميت =؟ثم ذكر ما قصّ اللّه من محاجته إياه = قال: فقال إبراهيم عند ذلك:
رب أربى كيف تحبى الموتى، قال: أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبى =
من غير شكّ فى اللّه تعالى ذكره ولا فى قدرته ، ولكنه أحبّ أن يعلم ذلك وتاق إليه
قلبه فقال: ((ليطمئن قلبى))، أى: ما تاق إليه إذا هو علمه .
٠
قال أبو جعفر : وهذان القولان - أعنى الأول وهذا الآخر - متقاربا المعنى :
فى أن مسألة إبراهيم ربه أن يربه كيف يحيي الموتى ، كانت ليرى عياناً ما كان
عنده من علم ذلك خبراً .
وقال آخرون : بل كانت مسألته ذلك ربَّه عند البشارة التى أتته من اللّه بأنه
اتخذه خليلاً ، فسأل ربه أن يريه عاجلاً من العلامة له على ذلك ، ليطمئن قلبه
بأنه قد اصطفاهلنفسه خليلاً ، ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيِّداً .
· ذکر من قال ذلك :
٥٩٦٨ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، سأل ملك الموت ربَّه أن يأذن له
أن يبشر إبراهيم بذلك ، فأذن له . فأتى إبراهيم وليس فى البيت ، فدخل داره =
وكان إبراهيم أغيرَ الناس، إن خرج أغلق الباب = فلما جاء ووجد فى داره رجلاً،

٤٨٨
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
ثار إليه ليأخذه (١) وقال: من أذن لك أن تدخل دارى؟ قال ، ملك الموت ، أذن
لى رب هذه الدار ! قال إبراهيم : صدقت ! وعرف أنه ملك الموت . قال : من
أنت؟ قال: أنا ملك الموت جنتك أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلاً ! فحمد الله
وقال : يا ملك الموت، أربى الصورة التى تقبض فيها أنفاس الكفار. قال: يا إبراهيم،
لا تطيق ذلك !قال: بلى! قال: فأعرِضْ! فأعرضَ إبراهيم ثم نظر إليه، فإذا هو
برجل أسود تنال رأسه السماء ، يخرج من فيه لهب النار ، ليس من شعرة فى جسده
إلا فى صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهبُ النار . فغشى على إبراهيم ،
ثم أفاقَ وقد تحول ملك الموت فى الصورة الأولى ، فقال: يا ملك الموت ، لو لم
يلقَ الكافر عند الموت من البلاء والحزن إلاّ صُورَتَك لكفاه ، فأرنى كيف تقبض
أنفاس المؤمنين؟ قال : فأعرض ! فأعرض إبراهيم، ثم التفت فإذا هو برجل شاب،
أحسنِ الناس وجهاً وأطيبه ريحاً ، (٢) فى ثياب بيض، فقال: يا ملك الموت،
لو لم يكن للمؤمن عند ربه من قرَّة العين والكرامة إلا صورتك هذه ، لكان يكفيه.
فانطلق ملك الموت ، وقام إبراهيم يدعو ربه يقول : رب أرفى كيف تحبى الموقى
حتى أعلم أنى خليلك ! قال : أو لم تؤمن بأنى خليلك؟ = يقول : تصدق = قال:
بلى! ولكن ليطمئن قلبى بِخُلولتك. (٣)
٣٤/٣
(١) فى المطبوعة: ((فاما جاء وجد فى داره رجلا، فثار إليه ليأخذه قال))، وأثبت ما فى
المخطوطة .
(٢) من العربى المعرق، عود الضمير على اسم الجمع مذكراً مفرداً، كما جاء فى هذا الخبر،
وكما جاء فى خبر عمار بن ياسر (ابن سعد ١٨٣/١/٣): ((كان عمار بن ياسر من أطول الناس
سكوتاً وأقله كلاماً)) وكما فى الحديث: ((خير النساء صوالح قريش، أحناه على ولد فى صغره، وأرعاء
على زوج فى ذات يده» ، وكقول ذى الرمة .
وَسَلِفَةً، وَأَحْسَنُهُ قَذَالًا
وَمَيَّةُ أَحْسَنُ النَّقَلْنِ حِيدًا
(٣) الخلة (بضم الهاء وفتح اللام المشددة) والخلالة ( بفتح الخاء وكسرها) والخلولة والخلالة (بهم
الماء) : الصداقة .

٤٨٩
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
٥٩٦٩ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال ، حدثنا
عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: ((ولكن ليطمئن قلبى))،
قال: بالخُلَّة(١).
٠
وقال آخرون : قال ذلك لربه ، لأنه شك فى قدرة الله على إحياء الموتى.
* ذكر من قال ذلك :
٥٩٧٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن أيوب فى قوله: ((ولكن ليطمئن قلبى))، قال: قال ابن عباس : ما فى
القرآن آية أرْجَى عندى منها. (٢)
٥٩٧١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة قال ، سمعت زيد بن على ، يحدث عن رجل ، عن سعيد بن المسيب
قال : اتَّعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو أن يجتمعا . قال: ونحن يومئذ
شَبَبَة، فقال أحدهما لصاحبه: أى آية فى كتاب الله أرجى لهذه الأمة؟ فقال عبد الله
ابن عمرو: ﴿قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أُسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾(٣) [سورة الزمر: ٥٣]،
حتى ختم الآية . فقال ابن عباس: أمَّا إن كنت تقول: إنها، وإن أرجى منها لهذه
(١) الأثر: ٥٩٦٩ - ((عمرو بن ثابت بن هرمز البكرى)) ويقال له: عمر وبن أبى المقدام
روى عن أبيه، وأبى إسحاق السبيعى، والأعمش وغيرهم ، روى عنه أبو داود الطيالسى، وسهل بن
حماد، ويحيى بن آدم وغيرهم. قال ابن المبارك: ((لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت، فإنه كان يسب
السلف))، وضعفه أبو زرعة وابن معين والبخارى. وقال أبو داود فى السنن: ((رافضى خبيث
وكان رجل سره)). مات سنة ١٧٢، مترجم فى التهذيب. وأبوه : ثابت بن هرمز أبو المقدام.
روى عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهما . وروى عنه ابنه والثورى وشعبة وغيرهم.
كان شيخاً عالياً صاحب سنة . مترجم فى التهذيب .
(٢) الأثر: ٥٩٧٠ - أخرجه السيوطى فى الدر المنثور ١: ٣٣٥ ونسبه لعبد الرزاق وابن
جرير. وقوله: ((أرجى)) أفعل تفضيل من ((الرجاء))، وهو الأمل نقيض اليأس.
(٣) زدت فى أول الآية: ((قل)) عل سنن القراءة.

٤٩٠
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
الأمة قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ((رب أرنى كيف تحيى الموتى قال أو لم
تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى )». (١)
٥٩٧٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن ابن
جريج قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: ((وإذ قال إبراهيم رب أرنى
كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى )) ، قال : دخل
قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس، فقال: ((رب أرنى كيف تحيي الموتى
قال أو لم تؤمن قال بلى))، قال: ((فخذ أربعةً من الطير))، ليريه .
٥٩٧٣ - حدثنى زكريا بن يحيى بن أبان المصرى قال ، حدثنا سعيد بن
تليد قال ، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال ، حدثنى بكر بن مضر ، عن عمرو
ابن الحارث، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال ، أخبرنى أبو سلمة بن
عبد الرحمن وسعيد بن المسيب ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: نحنُ أحق بالشك من إبراهيم، قال: ((رب أرنى كيف تحى الموتى
قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى)).(٢)
(١) الأثر: ٥٩٧١ - خرجه السيوطى فى الدر المنثور ١: ٣٣٥، ونسبه لعبد بن حميد،
وابن المنذر وابن جرير، وابن أبى حاتم، والحاكم قال: ((وصححه)). وهو فى المستدرك بغير هذا اللفظ
١: ٦٠ من طريق «بشر بن حجر السامى، حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة ، عن محمد بن المنكدر
قال التى ابن عباس وابن عمرو، فقال له ابن عباس ... )) ثم قال: ((صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه))، وتعقبه الذهبى فقال: ((فيه انقطاع)). وكأن علة انقطاعه أن عبد العزيز بن أبى سلمة لم
يدرك محمد بن المنكدر ، فإنه مات سنة ١٣٠.
هذا: ومعنى قوله: ((أما إن كنت تقول إنها))، فإن فى الجملة حذوفاً جارية على لغة العرب فى
الاجتزاء، ومعناه: ((أما إن كنت تقول ذلك، إنها لمن أرجى الآيات، وأرجى منها قول إبراهيم.
وحذف خبر ((إن)) كثير فى العربية، من ذلك ما جاء فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم: ((أن المهاجرين
قالوا: يا رسول اللّه، إن الأنصار قد فضلونا، إنهم آوونا، وفعلوا بنا وفعلوا، فقال: ألستم تعرفون
ذلك لهم؟ قالوا: بل! قال: فإن ذلك)). فقوله ((فإن ذلك))، معناه: فإن ذلك مكافأة منكم لهم،
أى معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم، مكافأة لهم. قال أبو عبيد: «وهذا اختصار من كلام العرب ،
يكتفى منه بالضمير، لأنه قد على ما أراد به قائله))، انظر أمالى ابن الشجرى ١: ٣٢٢، وغيره.
(٢) الأثر: ٥٩٧٣ - ((زكريا بنيحي بن أبان المصرى))، لم أجد له ترجمة فيما بين يدى من

٤٩١
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
.
٥٩٧٤ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى يونس ، عن
ابن شهاب وسعيد بن المسيب ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ، فذ کر نحوه . (١)
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، ما صحّ به الخبر عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله، وهو قوله: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال:
رب أرغی کیفتحی الموقی؟ قال أولم تؤمن؟ )) = وأن تكون مسألته ربَّه ما سأله أن
یریه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض فى قلبه ، کالذی ذ کرنا عن ابن
زيد آنفاً: (٢)من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذى بعضه فى البر وبعضه فى البحر،
قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء ، ألقى الشيطان فى نفسه فقال: متى
يجمع الله هذا من بطون هؤلاء ؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أن یریه کیف یحیی المرقى،
ليعاين ذلك عياناً ، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقى فى قلبه مثل الذى ألقى
الكتب. و((سعيد بن تليد))، هو: ((سعيد بن عيسى بن تليد الرعينى)) نسب إلى جده. روى عنه البخارى
وروى له النسائى بواسطة عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى . كان ثقة ثبتاً فى الحديث .
و((عبدالرحمن بن القاسم بن خالد العتقى المصرى)). روى عن مالك الحديث والمسائل، وعن بكر بن
مضر، ونافع بن أبى نعيم القارى. قال ابن يونس: ((ذكر أحمد بن شبيب النسوى ونحن عنده،
عبد الرحمن بن القاسم، فأحسن الثناء عليه وأطنب)) وذكره ابن حبان فى انثقات وقال: ((كان خيراً فاضلا
ممن تفقه على مالك، وفرع على أصوله، وذب عنها، وقصر من افتحلها)). مترجم فى التهذيب. و «عمرو
ابن الحارث بن يعقوب الأنصارى المصرى)). روى عن أبيه وسالم بن أبي النضر، والزهرى ويحي بن
سعيد الأنصارى ، وعبد الرحمن بن القاسم ، ويونس بن يزيد الأيلى وهو من أقرانه . روى عنه مجاهد
ابن جبر وصالح بن كيسان ، وهما أكبر منه، وقتادة وبكير بن الأشج ، وهما من شيوخه ، ورشدین
ابن سعد، وبكر بن مضر وغيرهم. وهو ثقة. قال أبو حاتم: ((كان أحفظ أهل زمانه، ولم يكن
له نظير فى الحفظ)) وقال سعيد بن عفير: ((كان أخطب الناس وأرواهم الشعر)). مترجم فى
التهذيب. وانظر بقية تخريجه فى الأثر التالى .
(١) الأثر: ٥٩٧٤ - هذا الحديث رواه البخارى فى صحيحه، قال: ((حدثنا أحمد بن صالح،
حدثنى ابن وهب)) كمثل إسناد الطبرى، ويمثل لفظه فى الإسناد السابق. انظر الفتح ٨: ١٥٠،
١٥١، واستوفى الكلام فيه الحافظ فى الفتح أيضاً فى شرح ((كتاب أحاديث الأنبياء))، من البخارى (الفتح
٦ : ٢٩٣، ٢٩٤)، وأشار إلى إسناد ابن جرير السالف. وانظر كلام الحافظ فى إسناده.
(٢) يمنى الأثر رقم: ٥٩٦٦، والذى قاله الطبرى من تمام الأثر فيما أرجح.

٤٩٢
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك. فقال له ربه: (( أو لم تؤمن))؟ يقول: أو لم
تصدق يا إبراهيم بأنى على ذلك قادر ؟ قال بلى يا رب ! لكن سألتك أن ترينى
ذلك ليطمئن قلبى فلا يقدر الشيطان أن يلقى فى قلبى مثل الذى فعل عند رُؤُيتى
هذا الحوت .
٥٩٧٥ - حدثی بذلك يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد. (١)
٠
٥
٥
ومعنى قوله: ((ليطمئن قلبى))، ليسكن ويهدأ باليقين الذى يستيقنه.
٠
وهذا التأويل الذى قلناه فى ذلك ، هو تأويل الذين وجَّهوا معنى قوله: ((ليطمئن
٢٧/٣ قلبى))، إلى أنه: ليزداد إيماناً = أو: إلى أنه: ليوقن.(٢)
• ذكر من قال ذلك: ليوقن = أو: ليزداد يقيناً أو إيماناً. (٢)
٥٩٧٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم ، عن سفيان: عن قيس
ابن مسلم، عن سعيد بن جبير: ((ليطمئن قلبى))، قال: ليوقن. (٢)
٥٩٧٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان
= وحدثنا أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان = عن أبى
الهيثم، عن سعيد بن جبير: ((ليطمئن قلبى))، قال : ليزداد يقينى.
٥٩٧٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((ولكن ليطمئن قلبى))، يقول: ليزداد يقيناً.
٥٩٧٩ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((ولكن ليطمئن قلبى))، قال: وأراد نبي الله إبراهيم ليزداد يقيناً إلى يقينه.
(١) الأثر: ٥٩٧٥ - هو من تمام الأثر الذى أشرت إليه رقم : ٥٩٦٦.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ليوفق))، فى هذه المواضع الثلاثة، وهو خطأ لا معنى له، وصوابها
ما أثبت ، من تفسير القرطبي ٣ : ٣٠٠.

٤٩٣
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
٥٩٨٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، قال معمر ،
قال قتادة : ليزداد يقيناً .
٥٩٨١ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع: ((ولكن ليطمئن قلبى))، قال : أراد إبراهيم أن يزداد يقنياً.
٥٩٨٢ - حدثنیالمثنی قال ، حدثنا محمد بن کثیر البصری قال ، حدثنا
إسرائيل قال، حدثنا أبو الهيثم، عن سعيد بن جبير: ((ليطمئن قلبى))، قال :
ليزداد یقینی .
٥٩٨٣ -حدثی المثنی قال، حدثنا الفضل بن د کین قال ، حدثنا سفيان،
عن أبى الهيثم، عن سعيد بن جبير: ((ولكن ليطمئن قلبى))، قال : ليزداد
يقيناً .
٥٩٨٤ - حدثنا صالح بنمسمار قال، حدثنا زید بن الحباب قال ، حدثنا
خلف بن خليفة قال ، حدثنا ليث بن أبى سليم ، عن مجاهد وإبراهيم فى قوله :
((ليطمئن قلبى، قال: لأزداد إيماناً مع إيمانى.
٥٩٨٥ - حدثنا صالح قال ، حدثنا زيد قال ، أخبرنا زياد ، عن عبد اللّه
العامرى قال ، حدثنا ليث ، عن أبى الهيثم ، عن سعيد بن جبير فى قول الله :
((ليطمئن قلبى))، قال : لأزداد إيماناً مع إيمانى.
...
وقد ذكرنا فيما مضى قولَ من قال معنى قوله: ((ليطمئن قلبى))، بأنى
خلیلك . (١)
٠ ٥
#
وقال آخرون : معنى قوله : (( لیطمئن قلبی ))، لأعلم أنك تجیبنی إذا دعوتك،
وتعطینی إذا سألتك .
• ذكر من قال ذلك :
. (١٠) الأثران رقم : ٥٩٦٨، ٠.٥٩٦٩

٤٩٤
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
٥٩٨٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية،
عن على ، عن ابن عباس قوله: ((ليطمئن قلبى))، قال: أعلم أنك تجيبنى إذا
دعوتك ، وتعطينى إذا سألتك .
٠
وأما تأويل قوله: ((قال أو لم تؤمن))، فإنه: أو لم تصدق ؟ (١) كما : -
٥٩٨٧ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى.
٥٩٨٨ - وحدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ،
عن قيس بن مسلم، عن سعيد بن جبير قوله: (( أو لم تؤمن))، قال: أو لم توقن
بأنی خلیلك .
٥٩٨٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((أو لم تؤمن))، قال: أو لم توقن .
٠٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿قَلَ فَخُذْ أَرْبَةً مِنَ اُلَّطَّيْرِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: قال الله له: ((فخذ أربعة من الطير))،
فذكر أن الأربعة من الطير: الديكُ ، والطاوُوس، والغرابُ، والحمام.
· ذكر من قال ذلك :
٥٩٩٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن إسحق ،
عن بعض أهل العلم: أن أهل الكتاب الأوَّل يذكرون أنه أخذ طاووساً ، وديكاً،
وغراباً ، وحماماً.
٥٩٩١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
(١) انظر فهارس اللغة فيما سلف ((الإيمان)) بمعنى التصديق.

٤٩٥
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : الأربعة من الطير : الديك ، والطاووس ،
والغراب، والحمام .
٥٩٩٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج: ((قال
فخذ أربعة من الطير))، قال ابن جريج : زعموا أنه ديك ، وغراب ، وطاووس ،
وحمامة .
٥٩٩٣ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((قال
فخذ أربعة من الطير))، قال: فأخذ طاووساً ، وحماماً ، وغراباً ، وديكاً ، مخالفةٌ
أجناسُها وألوانُها
٥
٠
القول فى تأويل قوله ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأته عامة قرأة أهل المدينة
والحجاز والبصرة: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بضم ((الصاد))، من قول القائل: ((صُرْت
إلى هذا الأمر))(١) إذا ملت إليه = ((أصُورُ صَوَرًا)، ويقال: ((إنِّ إليكم لْأصْوَزُ)»،
أى : مشتاق مائل ، ومنه قول الشاعر : (٢)
اللهُ يَعْلَمُ أَنَّا فِ تَلَفَّتِنا
يَوْمَ الْفِرَاقِ إلَى حِيرَانِاَ صُورُ(٣)
وهو جمع ((أصْور، وصَوْراء، وصُور))، مثل ((أسود وسوداء وسود))، ومنه قول الطرماح:
٣٦/٣
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((صرت هذا الأمر)) بإسقاط ((إلى))، والصواب ما أثبت.
(٢) غير معروف قائله، وأنشده القراء.
(٣) اللسان (صور) والخزانة ١: ٥٨، وشرح شواهد المغنى: ٢٦٦ وغيرها كثير، وكان
فى المطبوعة هنا: ((إلى أحبابنا))، وأثبت ما فى المخطوطة. وبعد البيت بيت من الشواهد المستفيضة:
وَأَنِى حَوْتُاَ يَغْنِىِ الهَوَى بَصَرِى مِنْ حَوْتُمَاَ سَّلَكُوا أدنُو فَأَنْظُورُ

٤٩٦
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
هَوَّى، وأُلْهَوَى لِلِمَاشِقِينَ صَرُوعُ(١)
عَفَائِفُ إِلَّا ذَاكَ، أَوْ أَنْ يَصُورَهَاَ
يعنى بقوله: ((أو أن يصورها هوى ))، يميلها .
٠٠٠
فمعنى قوله: ((فصُرْهن إليك))، اضممهن إليك ووجههن نحوك، كما يقال:
((ُصُرْ وجهك إلىّ))، أى أقبل به إلىّ. ومن وَجَّه قوله: فصرهن إليك إلى هذا
التأويل ، كان فى الكلام عنده متروك قد ترك ذكرُه استغناءً بدلالة الظاهر عليه .
ويكون معناه حينئذ عنده: ((قال فخذ أربعة" من الطير فصرهن إليك ))، ثم قطعهن،
((ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً)).
٠ ٠
وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك إذا قرىء كذلك بضم (( الصاد)): قطّعهن ،
كماقال توبة بن الحميِّ:
فَلَمَّا جَذَبْتُ الْحَبْلَ أَطَّتْ نُسُوعُهُ
بِأَطْرَافِ عِدَانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا
(١) ديوانه: ١٥٢، وهو من أبيات جياد، قبله:
إِذَا ذُكِرَتْ سَلْعَى لَهُ، فَكَأَنَّمَ تَلْغَلَ طِعْلٌ فِى الْفُؤَادِ وَجِيْعُ
سَوَاكِنُ فِى أَوْكَاَرِهِنَّ وُقُوعُ
وَإِذْ دَهْرُنَا فِيهِ اغْتِرَارٌ ، وَطَيْرُنَاَ
قَضَتْ مِنْ عِيافٍ وَالطَّرِيدَةِ حَاجَةً
فَهُنَّ إِلَى لَهْرِ الحَدِيثِ خُضُوعُ
عَفَائِفَ إِلَّ ذَاكَ
وأُجْدَرَ من وادِى نَطَاةَ وَلِيعُ
فَآلِيتُ أَلْحَى عَاشِقاً ما سَرَى القَطَا
قوله: ((طفل))، أى طفل من هم الهوى والحب، ينمو منذ كانوا أطفالا. وحياف، والطريدة ؛
لعبتان من لعب صبيان الأعراب ، فيقول: إن سلمى وأترابها، قد أدركن وكبرن ، فترفعن عن لعب
الصغار والأحداث ، وحبب إليهن الحديث والغزل. فهن يخضمن له ويملن، ولكنهن عفيفات مسلمات ،
ليس لهن من نزوات الصبا إلا الأحاديث والغزل، وإلا أن يعطف قلوبهن الهوى والعشق ، والهوى
صروع قتال ، يصرع من يلم به. فلما رأى ذلك منهزومن نفسه ، أقسم أن لا يلوم محباً على فرط عشقه .
وقوله: ((أجدر)) أى أخرج الشجر ثمره كالحمص . والوليع: طلع النحل. ووادى نطاة: بخبير ،
وهو كثير النخل .
:

٤٩٧
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
بِنَفْضِى، وَقَدْ كَادَ أُرْتِقَائِى بَصُورُهَ(١).
فَأَدْنَتْ لِىَ الْأَسْبَبَ حَتّى بَلَمْتُهَاَ
يعنى: يقطعها. وإذا كان ذلك تأويل قوله: ((فصرهن إليك))، كان فى
فى الكلام تقديم وتأخير ، ويكون معناه : فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن =
ويكون ((إليك)) من صلة ((خذ)).
وقرأذلك جماعة من أهل الكوفة ( فَصِرْ هُنَّ إِلَيْكَ﴾ بالكسر، بمعنى: قطعهن.
وقد زعم جماعة من نحوبى الكوفة أنهم لا يعرفون: ((فصُرهن)) ولا «فصرهن))
بمعنى: قطعهن، فى كلام العرب - وأنهم لا يعرفون كسر ((الصاد)) وضمها
فى ذلك إلا بمعنى واحد، = وأنهما جميعاً لغتان بمعنى ((الإمالة)) = وأن كسر ((الصاد))
منها لغة فى هذيل وسليم ، وأنشدوا لبعض بنى سليم : (٢)
وَفَرْعٍ يَصِيرُ اَلِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ عَلَى اللَّيْتِ قِنْوَانُ الْكُرُومِ الدَّوَاِ(٣)
(١) هذان البيتان من قصيدة طويلة عندى فى شعر توبة بن الخير. والبيت الأول هنا ينبغى
أن يؤخر ، لأن المعنى لا يستقيم على رواية أبى جعفر: وترتيبها فى رواية شعره ، مع اختلاف الرواية:
مَوَاقِيرُ نَخْلِ زَعْزَعَتْهَ دَبُورُهَا
فَتَدَيْتُ كَثَلَى، وَأُولُ كَأَنَّهَاَ
رِهَيْبَةِ أَعْدَاءُ تَلَظَّى صُدُورَها
فَقَالَتْ: أَرَى أَنْ لا تُفِيدَكَ صُحْبَتِى
بِرِفْقِ، وَقَدْ كَاَدَ ارْتِقَائِى يَصُورُها
قَدَّتْ لِيَّ الأَسْبَابَ حَتّى بَلْتُهَاَ
وَأَطْرَافُ عِيدانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا
فَلَمَّا دَخَلْتُ الخِدْرَ أَطَتْ نُسُوعُهُ
ورواية الطبرى (فلما جذبت الحبل)) و ((بأطراف عبدان))، ليست جيدة، والأسباب جمع
سبب: وهى الحبال، حتى يصعد إليها فى خدرها. وقوله ((نهضى)» فى روايته، أى نهوضى وحركى من
حيث كنت مختفياً. وأط الرحل يئط: سمع صوت عيدانه وصريرها، والنسوع جمع نسع: وهو سير
مضفور تشد به الرحال. كانت الحبال جديدة فأطت وسمع صوتها. والأمور جمع أسر: وهو عقد الخلق
وقوته ، أى أن العيدان جديدة شديدة القوى ، متينة ، فذلك أشد الأطيطها .
(٢) لم أعرف قائله .
(٣) معانى القرآن الفراء ١: ١٧٤، اللسان (صير). الفرع: الشعر التام
الجئل. وحف: أسود حسن كثير غزير. الليت: صفحة العنق، وهما اليتان. وقنوان
جمع قنو ( بكسر فسكون): وهو عذق النخل بما فيه من الرطب . واستعاره هِنا
ج . (٣٢)

٤٩٨
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
يعنى بقوله: (( يصير))، يميل = وأنّ أهل هذه اللغة يقولون: ((صاره وهو
يصيره صَيْرًا))، ((وصِرْ وَجهك إلى))، أى أمله، كما تقول: ((ُصُره)).(١)
٠
وزعم بعض نحوبى الكوفة أنه لا يعرف لقوله: ((فصُرهن))، ولا لقراءة من
قرأ ((فصرهن)) بضم ((الصاد)) وكسرها، وجهاً فى التقطيع، (٢) إلا أن يكون:
((فصِرْهن إليك))! فى قراءة من قرأه بكسر ((الصاد)) من المقلوب. وذلك أن
تكون ((لام)) فعله جعلت مكان عينه، وعينه مكان لامه. فيكون من: (( صرَى
يصرى صَرْياً))، فإن العرب تقول: ((بات يَصْرِى فى حوضه))، إذا استقى، ثم
قطع واستفى، (٣) ومن ذلك قول الشاعر : (٤)
صَرَتْ نَظْرَةً ،َلَوْصَدَفَتْ جَوْزَ دَارِ عِ
غَدَا وَاُلْمَوَاصِ مِنْ دَمِ أَجُوْفٍ تَنَعَ(٥)
((صَرَت))، قطعتْ نظرة، ومنه قول الآخر: (٦)
فَمَنْ لِ إذَا لمَ آتَّهِ بُخُلُود !
يَقُولُونَ: إنّ الشّأْمَ يَقْتُلُ أَهْلَهُ !
مِنَ الْمَوْتِ أَنْ لَمَ يَذهِبُوا، وَجُدُودِى!؟(٧)
تَعَرَّبَ آبَائِى، فَهَلَا صَرَاهُمُ
لعناقيد العنب . والدوالح جمع دالح: وهو المثقل بالحمل هنا. وأصله فيما يمثى، يقال بعير دالح: إذا
مشى بحمله الثقيل مشياً غير منبسط . وكذلك السحاب دالح ، أى مثقل بطىء المر . وهى استعارة جيدة
محكمة.
(١) انظر ما سلف فى معانى القرآن للفراء ١ : ١٧٤.
(٢) أى : بمعنى التقطيع .
(٣) هذا بيان جيد، لا تجده فى كتب اللغة.
(٤) لم أعرف قائله .
(٥) اللسان (نعر) (عصا)، ومعانى القرآن الفراء ١: ١٧٤ - جوز كل شىء: وسطه،
والدراع: لابس الدرع. والعواصى جمع عاص، يقال: ((عرق عاص)) وهو الذى لا يرقأ ولا ينقطع
دمه؛ كأنه يعصى فى الانقطاع الذى يبغى منه ولا يطيع، وأشد ما يكون ذلك فى عروق الجوف. ونعر العرق
بالدم : إذا فار فوراناً لا يرقأ ، كأن له صوتاً من شدة خروج الدم منه . فهو نعار ونعور .
(٦) لم أعرف قائلهما .
(٧) معانى القرآن الفراء ١: ١٧٤، معجم ما استعجم: ٧٧٣، اللسان (عرب) (شأم).
وتعرب القوم: أقاموا بالبادية، ولم يحضروا القرى. يقول سكن آبائى وجدودى البوادى وأقاموا فيها ولم

٤٩٩
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
يعنى : قطعهم ، ثم نقلت ياؤها التى هى لام الفعل ، فجعلت عينا للفعل ،
وحوّلت عينها فجعلت لامها، فقيل: ((صار يصير))، كما قيل: ((عَشِ يَعْثَى
عثاً))، ثم حولت لامها فجعلت عينها، فقيل: ((عاث يعيث)).(١)
٠٠٠
فأما نحويو البصرة فإنهم قالوا: ((فصرهن إليك)) سواء معناه إذا قرئ بالضم
من الصاد وبالكسر ، فى أنه معنىّ به فى هذا الموضع : التقطيع. قالوا : وهما
لغتان: إحداهما: ((صار يصور))، والأخرى: ((صَار يصير))، واستشهدوا
على ذلك ببيت توبة بن الحمير الذى ذكرنا قبل، وببيت المعلَّى بن جمّال العبدى(٢)
وَجَمَت خُلِعَةٌ دُهْسٌ صَفَيَا يَصُورُ عُنُوقَهَا أَخْوَى زَنِيمُ(٣)
يحضروا القرى، فلم يك ذلك نجاة لهم من المنايا. وقوله: ((وجدودى، عطف على ((آبائى))، ورواية
البيت فى اللسان أجود :
تَعَرَّبَ آبَائِى، فَلَا صَرَاهُمُ مِنَ المَوْتِ رَمْلَا عَلِجٍ وَزَرُودِ
وهما موضعان مصحان من أرض العرب.
(١) انظر ما سلف من ذلك فى ١٢٣٠:٢، ١٢٤.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((بن حماد))، وهو تصحيف، فإن المراجع كلها اتفقت على أنه
((بن جمال)» بالجيم أو ((بنى حمال)) بالحاء. وهو ينسب لأوس بن حجر التميمى، ولآخر غيره يقال له:
أوس بن حجر كما ترى فى المراجع المذكورة بعد .
(٣) مجاز القرآن لأبى عبيدة ٨١:١، وأمالى القالى٢: ٥٢، والتنبيه: ٩٣، وسمط اللآلى:
٦٨٥، ٦٨٦، ثم فى لسان العرب (ظأب) (اب) (صور) (دهس) (خلع) (صوع) (عنق)
(زنم) ، وفى كتب أخرى، ويأتى البيت منسوباً لأوس بن حجر هكذا :
لَهُ ظَأْبِ كَمَا صَخِبَ الغرِيمُ
يَصُوعُ عُنُوقَهاَ أَحْوَى زَيِمٌ
وهو بيت ملفق ، وصواب رواية الشعر مادة (زنم) من اللسان :
يَصُوعُ عُنُوقَهَا أَحْوِىَ زَنِيمُ
وَجَاءَتْ خُلْمَةٌ دُهْسٌ صَفَيَا
لَهُ ظَابٌ كما صَخِبَ الغَرِيمُ
يُفَرِّقَ بَنَهَاَ صَدْعٌ رَبَاعٌ
الخلعة بكسر الخاء وضمها: خيار المال، يعنى المعزى التى سيقت إليه، كانت كلها خياراً. والدهس جمع
دهساء: وهى من المعزى، السوداء المشربة حمرة لا تغلو. وقوله: ((يصوع)) هذه الرواية أخرى بمعنى

٥٠٠
تفسير سورة البقرة : ٢٦٠
بمعنى : يفرِّق عنوقها ويقطعها = وببيت خنساء :
« لَظَتْ الشَّمُّ مِنْهَاَ وَهْىَ تَنْصَارُ .(١)
يعنى بالشم : الجبال ، أنها تتصدع وتتفرق - وببيت أبي ذؤيب :
٠١ ٠,(١)
فَأَنْصَرْنَ مِنْ فَزَعِ وَسَدَّ فُرُوجَهُ
غُبْرٌ ضَوَارِ: وَافِيَنٍ وَأَجْدَعُ(١
قالوا: فلقول القائل: ((صُرْت الشىء))، معنيان: أملته، وقطعته . وحكوا
سماعاً: (صُرْنا به الحكم))، فصلنا به الحكم .
٠
٠ ٠
يفرق. وذلك إذا أراد سفادها. والتيس إذا أرسل فى الشاء صاعها، أى فرقها إذا أراد سفادها. وعنوق جمع
عناق: وهى أنثى المعز. وهو جمع عزيز. والأحوى: الذى تضرب حرته إلى السواد، يعنى تيس المعز ،
ويعنى أند كريم. والزقيم : الذى له زمتان فى حلقه . والصدع ( بفتح الصاد وسكون الدال أو فتحها) :
وهو الفتى الشاب المدمج الخلق، الصلب القوى. ورباع: أى دخل فى السنة الرابعة، وذلك فى عز
شبابه وقوته . وظأب التيس: صوته وجلبته وصياحه وصخبه ، وهو أشد ما يكون منه عند السفاد . والغريم:
الذى له الدين على المدين، ويقال المدين غريم. يقول: إذا أراد سفادها هاج وفرقها، وكان له صخب
كصخب صاحب الدين على المدين الذى يماطله وبماحكه ويلويه دينه .
(١) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٨١ وفيه مراجعه. والبيت ليس فى ديوانها.
(٢) ديوانه: ١٢ المفضليات: ٨٧٣، وبجاز القرآن لأبى عبيدة: ٨١، والأضداد للأصمعى
وإبن السكنيت ٣٣، ١٨٧. وهذه الرواية التى رواها أبو عبيدة والأصمعى وابن السكنيت والطبرى
((فانصرف)»، رواية غريبة، وهى فى سياقه الشعر أغرب. وأنا أفكر معناها وأجده عملا بالشعر. وذلك
أن سياقه فى صفة ثور الوحش، ثور مسن قد تقضى شبابه، لم تزل كلاب القناص تروعه حتى شعفت
فؤاده. فإذا أصبح الصباح داخله الفزع خشية أن يباكره صياد بكلابه . فهو لايزال يرى بعينيه فى غيوب
الأرض ثم يغضى ليتسمع ، فيصدق سمعه ما يرى . وهو عندئذ واقف فى الشمس يتشمس من ندى الليل ،
فيقول أبو ذؤيب :
فَذَا يُشَرِّقُ مَتْنَهُ، فَبَدَا لَهُ أُوْلَى سَوابِقِها قَرِيبًا تُوزَعُ
يقول : بدت له طلائع الكلاب قد دنت منه ، والقناص یکفها حتى يرسلها جميعاً عليه .
فَأَحْتَجَ مِن فَرَعٍ، وَسَدَّ فُرُوجَهُ غُبْرٌ ضَوارِ : وَافِيَن وَأَجْدَعُ
یقول حاجه الفزع فعدا عدواً شديداً والكلاب منخافه وحواليه قد أخذت عليه مذهبه . ويروى
• قانصاع من فزع، أى ذهب فى شق. والغبر الضوارى: هى كلاب الصياد، ((منها وافيان)»: كلبان
سالما الأذنين . والأجدع: مقطوع الأذن . إما علامة له، وإما من طول مارسته لصيد الثيران وضربها
له بقرونها حتى انقطعت آذانه .
٣٧/٣