النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
والآخر منهما: إثبات («الهاء)) فى الوصل والوقف. ومن قرأه كذلك، فإنه
يجعل ((الماء)) فى ((يتسنَّه)) لامَ الفعل، ويجعلها مجزومة ((بلم))، ويجعل ((فعلت))
منه: ((تسنَّهتِ)) و((يفعل)): ((أتسنَّه تسنُّها))، (١) وقال فى تصغير ((السنة))
((سُنِيهة)) و((سنيَّةٌ))، (« أسنيتُ عند القوم)) و(( أسنهتُ عندهم))، إذا أقمت سنة. (٢)
وهذه قراءة عامة قرأة أهل المدينة والحجاز .
٠
٠
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندى فى ذلك إثباتُ ((الهاء))، فى
الوصل والوقف، لأنها مثبتةٌ فى مصحف المسلمين، ولإثباتها وجهٌ صحيح فى كلتا
الحالتين فى ذلك .
ومعنى قوله: ((لم يتسنَّه))، لم تأت عليه السنون فيتغيّر، على لغة من قال:
((أستهت عندكم أسْنِه))، إذا أقام سنة، كما قال الشاعر: (٣)
وَلَيْسَتْ بِسَنْهَءِ وَلاَ رُجَّبِيَّةٍ وَلْكِنْ عَرَايَا فِى السَّنِينَ الجَوَائِ (٤)
٢٦/٣
(١) أراد هنا بقوله (فعل)) و((يفعل)) الماضى والمضارع، وهو غير قوله ((تفعلت)) السالفة
التى مصحناها كما جاء فى ص: ٤٦٠، التعليق رقم: ٢.
(٢) فى المطبوعة حذف وزيادة وتغيير، كاو فيها: ((وقال فى تصغير السنة سنيهة، ومنه:
أسهنت عند القوم وتسنهت عندهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو أيضاً صواب، وإن كانت الشبهة قد
دخلت عليه من ذ کر (( سنیة)) و ((أسنیت ))، ولکن جائزان يكون قائل هذا القول من یری جواز كليهما،
فلذلك أثبته كما كان فى المخطوطة، ولا يبدل إلا بحجة، وسيأتى فى كلام الطبرى بعد قليل: ((أن ذلك
وجه صحيح فى كلتا الحالتين)) .
(٣) سويد بن الصامت الأنصارى، ويقال: أحيحة بن الجلاح.
(٤) معانى القرآن الفراء ١: ١٧٣، والأمالى ١: ٢١، وسمط اللآلى: ٣٦١، وتهذيب الألفاظ:
٥٢٠، والسان (عرا) (قرح) (سنه) (خور) (رجب)، والإصابة فى ترجمته، من أبيات
يقولها فى دين كان قد ادانه فطولب به، فاستغات فى قضائه بقومه فقصر وا عنه. وترتيبها فيما أستظهر:
جَبَيْتُ لَهُمْ بِالدَّيْنِ إِحْدَى النَضَائِحِ
وأَضْتَخْتُ قدأنكرتُ قوْمی،کاُ نِنِی
وَلْكِنْ عِلى الشُّمِّ الْجِلاَدِ الْقَرَاوِحِ
أَدِينُ ، وَمَا دَيْنِىَ عَلَيْهِم بِمَغْرَمِ،
٤٦٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
٠
فجعل ((الهاء)) فى ((السنة))، أصلاً، وهى اللغة الفصحى.
وغير جائز حذف حرف من كتاب اللّه = فى حال وقف أو وصل = لإثباته
وجه معروف فى كلامها .
فإن اعتلّ معتلّ بأنّ المصحف قد ألحقت فيه حروف هنّ زوائد على نية
فَبِهُدَاهُمُ أَقْتَدِهِ﴾
الوقف، والوجه فى الأصل عند القرأة حذفهنّ ، وذلك کقوله:
[ سورة الأنعام: ٩٠]، وقوله: ﴿يَاَلَيْتَنِىِ لمَ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [سورة الحاقة: ٢٥]،
فإن ذلك هو مما لم يكن فيه شك أنه من الزوائد ، وأنه ألحق على نية الوقف . فأما
ما كان محتملاً أن يكون أصلاً للحرف غير زائد، فغير جائز = وهو فى مصحف
المسامين مثبتٌ - صرفُه إلى أنه من الزوائد والصلات. (١)
طُلِينَ بِقَارِ أَوْ بِحَمْأَةِ مَائِحٍ
على كُلّ خَوَّارِ، كَأَنَّ جُذُوعَها
وَلَكِنْ عَرَايَا فِىِ السِّنِينَ الجَوَائِحِ
وَلَيْسَتُ بَنْهَاءِ ولا رُجَّبِيّةٍ
لِمَوْلَى قَرِيبٍ أَوْ لَآَخَرَ نَرِحِ
أَدِينُ عَلَى أَثْمَرِها وَأَصُوَ!
دان يدين : استقرض مالا. والشم: الطوال. والجلاد: الشديدة الصبر على العطش والحر والبرد ،
يعنى النخل. والقراوح جمع قرواح: وهى النخلة التى انجرد كربها وطالت ، وذلك أجود لها . والخوار :
الغزير، الحمل. وجعلها مطلية بالقار أو بالحمأة، لأن جذوعها إذا كانت كذلك فهو أشد لها وأكرم .
والمائح: الذى يمتاح من البئر، أى يستر. والسنهاء: التى حملت عاماً، ولم تحمل آخر ، وهذا من
عيب النخل. وقوله: ((رجبية)) (بضم الراء وتشديد الجيم المفتوحة، أو فتحها بغير تشديد) وكلتاهما
نسبة شاذه إلى الرجبة ( بضم فسكون) : وذلك أن تعمد النخلة الكريمة إذا خيف عليها أن تقع الطولها
وكثر حملها ، فيبنى تحتها دكان ترجب به .. أى تعمد به . وذلك حين تبلغ إلى الضعف، ولكنه يكرمها
بذلك . والعرايا جمع عربية: رجى التى يوهب ثمرها فى عامها . يفعل بها ذلك الكرمه. والجوائح: السنين
المجدية الشداد التى تجتاح المال .
يقول لقومه: قد جئت أستدينكم، على أن أؤدى من فيغل ومالى، ففيم الجزع؟ أتخافون أن يكون
دينى مغرماً تغرمونه ! ! وهذه فمخل أصفب لكم من جودتها وكرمها ما أنتم به أعلم.
(١) انظر معنى ((الصلة)) فيما سلف قريباً ص: ٤٦٠ تعليق: ٢
٤٦٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
على أن ذلك، وإن كان زوائد فيما لاشك أنه من الزوائد ، (١) فإن العرب قد
تصل الكلام بزائد فتنطق به على نحو منطقها به فى حال القطع ، فيكون وَصْلها
إياه وقطعُها سواء . وذلك من فعلها دلالة على صحة قراءة من قرأ جميع ذلك بإثبات
((الماء)) فى الوصل والوقف. غير أنّ ذلك، وإن كان كذلك، فلقوله: ((لم يتسنه))
حکم مفارق حكم ما كان هاؤه زائدة لا شك فیزیادتها فیه. (٢)
ومما يدل على صحة ما قلنا من أن ((الهاء)) فى ((يتسنه))، من لغة من قال :
((قد أسنهت))، و((المسانهة))، ما : -
٥٩١٨ - حدثت بهعن القاسم بن سلام قال ،حدثنا ابن مهدی،عن أبى
الجراح ، عن سليمان بن عمير : قال ، حدثنى هانئ مولى عثمان قال : كنت
الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت فقال زيد: سله عن قوله: ((لم يتسنّ)) أو: ((لم
يتسنَّه))، فقال: عثمان اجعلوا فيها ((هاء)).(٣)
٥٩١٩ - حدثت عن القاسم = وحدثنا محمد بن محمد العطار، عن القاسم =
وحدثنا أحمد والعطار = جميعاً، عن القاسم قال، حدثنا ابن مهدى، عن ابن المبارك قال،
حدثنى أبو وائل شيخ من أهل اليمن، عن هانئ البربرى قال : كنت عند عثمان ، وهم
يعرضون المصاحف، فأرسلنى بكتف شاة إلى أبىّ بن كعب فيها ﴿لَّ يَتَسَنَ)
و﴿فَأَمْهِلِ الْكَافِرِينِ﴾ [سورة الطارق: ١٧]، و(لاَ تَبْدِيلَ لِلْخَلْقِ﴾ [سورة الروم: ٣٠]،
(١) فى المطبوعة: ((وإن كان زائداً))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((ما كان هاؤه زائداً لاشك فى زيادته فيه)) بالتذكير، وهو صواب جداً، ولكن
لا أدرى لم غير نص المخطوطة .
(٣) الأثر: ٥٩١٨ - (هانىأ)) هو هافى" البربربى، مولى عثمان بن عفان مترجم فى الكبير
٢٢٩/٢/٤، وابن أبى حاتم ١٠٠/٢/٤. و((سليمان بن عمير))، روى عن هانىّ مولى عثمان روى
عنه عبد الله بن المبارك. مترجم فى الكبير ٣٠/٢/٢، وابن أبي حاتم ١٣٣/١/٢. أما (( أبو الجراح))
فلم أعرفه، وانظر الأثر التالى، فإنى أخشى أن يكون إسنادهما قد اختلط، فإن ابن المبارك هو الذى
يروى عن («سليمان بن عمير)). وانظر الدر المنثور ١: ٢٢٣.
تفسير سورة البقرة: ٢٥٩
قال: فهما بالدواة فيما إحدى اللامين، وكتب (لاَ تَبْدِيلَ لِغَلَّ الْ) ومما،
{فَتْعِلْ)، وكتب (فَلَ الكاَفِرِينَ)، وَكَب (إمَّ يَقَنَّ) الحق فيالماء.(١)
قال أبو جعفر: ولو كان ذلك من ((يتسنى)) أو ((يتسفن))، ■ ألق فيه
أبيّ ((ماء)) لا موضع لما فيه، (٢) ولا أمرَ عثمان بالماتها فيها.
وقد روى عن زيد بن ثابت فى ذلك نحو الذى روى فيه عن أبيّ بن كعب.
قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((لم يتسنَّه)).
فقال بعضهم بمثل الذى قلنا فيه من أن معناه: لم يتغير .
· ذکر من قال ذلك:
٥٩٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن المفضل، عن محمد بن
إسحق، معمن لا يتهم، عن وهب بن منبه: ((لم يتستّه))، لم يتغير.
٥٩٢١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: ((لم يتسنه))، لم يتغير.
٥٩٢٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر،
من قتادة مثله .
٥٩٢٣ - حدثی موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ،
(١) الأثر: ٥٩١٩ - ومحمد بن محمد المطار، مك: محمد بن محمد بن عمر بن الحكم يعرف
بابن البطار ترجم له الخطيب فى تاريخه ٣: ٢٠٤٠٢٠٣ مات سنة ٢٦٨ - هذا إذا لم يكن فى اسمه تحريف
ويكون هو ((محمد بن مخلد الطارئ مترجم فى تاريخ بغداد ٣: ٣٠. و((أحد) من: أحد من الحق
الأحوازى شيخ الطبرى، مثبت ترجته فى رقم: ١٧٧، ١٨٤١ أو لمله أحمد بن يوسف التغلبى، كما
سيأتى فى رقم: ٠٩٥٤ وهو الأرجح عندى. و((أبو وائل)) حو) أبو وائل القماس المرادي الصنعانى
الماى))، روى عن على" مولى عثمان، مترجم فى الكبير ٤٥٢/٢/٤. ويقال هو نفسه وعبد الله بن
جنين الصتعافى القاص))، روى عن هافى" أيضاً مترجم فى ابن أبي حاتم ١٥/٢/٢، والتهذيب. وهذا الأثر
فى البر المشور ١ : ٢٢٣.
(٢) فى القطرية: ((لما أخ فيه (أي هو لا موضع فيه) هذا قاد، والى فى المطبوعة ستهم.
٤٦٥
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
عن السدى: ((فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه))، يقول: ((فانظر إلى طعامك))
من التين والعنب = ((وشرابك)) من العصير = ((لم يتسنه))، يقول: لم يتغير
فيحمُض التين والعنب ، ولم يختمر العصير ، هما حُلوان كما هما . وذلك أنه
مرّ جائياً من الشأم على حمار له ، معه عصير وعنب وتين، فأماته الله وأمات
حماره ، ومر عليهما مئة سنة. (١)
٥٩٢٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فانظر إلى طعامك وشرابك
لم يتسنه))، يقول: لم يتغير ، وقد أتى عليه مئة عام.
٥٩٢٥ - حدثنى المثنى قال ، أخبرنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويير ، عن الضحاك بنحوه .
٥٩٢٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
على، عن ابن عباس قوله: ((لم يتسنه))، لم يتغير .
٥٩٢٧ - حدثنا سفيان قال ، حدثنا أبى ، عن النضر ، عن عكرمة :
(((لم يتسنه))، لم يتغير.
٥٩٢٨ - حدثنییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((لم
يتسنه))، لم يتغير فى مئة سنة .
٥٩٢٩- حدثی یونس قال،أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى بكر بن مضر
قال : يزعمون فی بعض الكتب أن أرمیا کان بإيليا ، حین خرّبها بخت نصر ،
فخرج منها إلى مصر، فكان بها . فأوحى الله إليه: أن اخرج منها إلى بيت المقدس.
فأتاها فإذا هى خربة، فنظر إليها فقال: ((أنَّى يحيى هذه اللّه بعد موتها))؟ فأماته
اله مئة عام ثم بعثه ، فإذا حمارُه حى قائم على رباطه، وإذا طعامه سَلّ عنب
٢٧/٣
(١) الأثر : ٥٩٢٣ - هو تمام الأثر السالف رقم : ٥٩١٣.
ج . (٣٠)
٤٦٦
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
وسَلُّ تين، لم يتغير عن حاله =(١) قال يونس: قال لنا سلم الخواص: (٢) كان
طعامه وشرابه سل عنب ، وسل تين ، وزِقَّ عصير .
٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك : لم ينتن .
· ذكر من قال ذلك :
٥٩٣٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : « لم يتسنه ))، لم ينتن.
٥٩٣١ - حدثی المثنی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٥٩٣٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثی حجاج، عن ابن
جريج قال، قال مجاهد قوله: ((إلى طعامك))، قال: سَلُّ تين= ((وشرابك))، دنّ
خمر = ((لم يتسنه))، يقول : لم ينتن.
:
قال أبو جعفر : وأحسب أن مجاهداً والربيع ومن قال فى ذلك بقولهما ، (٣)
رأوا أن قوله: ((لم يتسنه)) من قول الله تعالى ذكره: ﴿ مِنْ حَمَأْ مَسْنُونٍ﴾[سورة الحجر:
٢٦، ٣٣،٢٨]، بمعنى المتغير الريح بالنتن، من قول القائل: ((تسنّن)). وقد بينت
الدلالة فيما مضى على أنّ ذلك ليس كذلك . (٤)
فإن ظن ظان" أنه من ((الأَسَن)) من قول القائل: ((أسِنَ هذا الماء يأسَنُ
(١) الرباط: ما ربط به، وأراد هنا الموضع الذى ربط فيه، وهو المربط. و((السل والسلة))،
سواء: وهو المؤنة التى يحمل فيها الخبز وغيره. ويقال ((صلى)) جمع ((سلة))، وهو من الجموع العزيزة،
لأنه مصنوع غير مخلوق، لا يكون الفارق بينه وبين واحده التاء، مثل عنب وعنبة، وبروبرة.
(٢) فى المطبوعة: ((سالم الخواص))، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، وهو سهم بن ميمون
الخواص ، مضت ترجمته فى رقم : ٥٨٩٠.
(٣) لم يذكر الطبرى خبراً عن ((الربيع)) قبل، فأخشى أن يكون سقط من الناسخ خبره ،
قد مضى قول الربيع فى تفسير بعض هذه الآية فيما سلف بإسناده رقم : ٥٩١٦.
( ٤) انظر ما سلف، ص : ٤٦٠
٤٦٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
أسنان، كما قال الله تعالى ذكره: (فِيهاَ أَنْهَارٌ مِنْ مَاءَ غَيْرِ آسِنِ﴾ [سورة محمد: ١٥]،
فإنّ ذلك لو كان كذلك، لكان الكلام: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتأسِّن،
ولم یکن «يتسنه)».
[ فإن قيل ]: (١) فإنه منه ، غير أنه ترك همزه .
٠
٠
قيل : فإنه وإن ترك همزه ، فغير جائز تشديدُ نونه، لأن ((النون )) غير مشددة،
وهى فى ((يتسنَّه)) مشددة، ولو نطق من ((يتأسن)» بترك الهمزة، لقيل: ((بَتَسِّنْ»
بتخفيف نونه بغير («هاء)) تلحق فيه . ففى ذلك بيان واضحٌ أنه غير جائز أن
يكون من «الأسن)».
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَنْظُرْ إِلَىّ ◌ِحَارِكَ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((وانظر إلى حمارك)).
فقال بعضهم: معنى ذلك: وانظر إلى إخيائى حمارَك، وإلى عظامه كيف
أنشزها ثم أكسوها لحماً.
ثم اختلف متأولو ذلك هذا التأويل.
فقال بعضهم : قال اللّه تعالى ذكره ذلك له ، بعد أن أحياه خلقاً سويًّا،
ثم أراد أن يحيى حماره = تعريفاً منه تعالى ذكره له كيفية إحيائه القرية التى رآها خاوية
على عروشها فقال: ((أنَّى يحيى هذه اللّه بعد موتها))؟ = مستنكراً إحياء الله إياها.
• ذكر من قال ذلك :
٥٩٣٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عمن لا يتهم ،
(١) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام.
٤٦٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
عن وهب بن منبه قال: بعثه الله فقال: ((كم لبثت قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم))
إلى قوله: ((ثم نكسوها لحماً))، قال: فنظر إلى حماره ياتصل بعضٌ إلى بعض=(١)
وقد كان مات معه = بالعروق والعصب، ثم كسا ذلك منه اللحم حتى استوى ، ثم
جرى فيه الروح فقام ينهق . ونظر إلى عصيره وتينه ، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم
يتغير، فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال: ((أعلم أن الله على كل شىء قدير)).(٢)
٥٩٣٤ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ثم إنّ اللّه أحيّى عُزيراً فقال: كم لبثت؟ قال: ليئت يوماً أو بعض
يوم! قال: بل لبثت مئة عام! فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنَّه، وانظر إلى
حمارك قد هلك وبليت عظامه، وانظر إلى عظامه كيف نُنْشِزُها ثم نكسوها لحماً .
فبعث الله ريحاً فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع ،
فاجتمعتِ، فَركّب بعضها فى بعض وهو ينظر، فصار حماراً من عظام ليس له لحم
ولا دمّ، ثم إن اللّه کسا العظام لحماً ودماً ، فقام حماراً من لحم ودم وليس فيه روح،
ثم أقبل مَلَكٌ يمشى حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه ، فنهق الحمار ، فقال :
(أعلم أن الله على كل شىء قديرٌ)).
٠
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على ما تأوله قائلُ هذا القول: وانظر إلى
إحياتنا حمارك، وإلى عظامه كيف تُنشرها ثم نكسوها لحماً، ولنجعلك آية الناس =
فيكون فى قوله: ((وانظر إلى حمارك))، متروك من الكلام استغنى بدلالة ظاهره
عليه من ذكره، وتكون ((الألف واللام)) فى قوله: ((وانظر إلى العظام )) بدلاً من
((الماء) المرادة فى المعنى، لأن معناه: وانظر إلى عظامه - يعنى: إلى عظام الحمار.
٢٨/٣
(١) فى المطبوعة: ((يتصل بعض إلى بعض))، وقد مضى فى رقم ٥٩١٠، أن المخطوطة هناك
(ياتصل))، وعلقت عليها فى ص: ٤٥٤، تعليق: ٢. وقد جاءت هنافى المخطوطة ((ياتصل) أيضاً،
فهذه حبة قاطعة على صواب نص المخطوطة فى هذين الموضعين المتباعدين . فراجع ما كتب هناك.
(٢) الأثر: ٥٩٣٣ - هو آخر الأثر السالف رقم : ٠٠٩١٠
٤٦٩
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
وقال آخرون منهم : بل قال الله تعالى ذكره ذلك له بعد أن نفخ فيه الروح
فى عينيه. (١) قالوا: وهى أوّل عضو من أعضائه نفخ اللّه فيه الروح ، وذلك بعد
أن سوّاه خلقاً سويًّا، وقبل أن يحيى حماره .
• ذكر من قال ذلك :
٥٩٣٥ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ،
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال: كان هذا رجلاً من بنى إسرائيل نُفخ الروح
فى عينيه، فينظر إلى خلقه كله حين يحييه اللّه، (٢) وإلى حماره حين يحييه الله .
٥٩٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٥٩٣٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال : بدأ بعينيه فنفخ فيهما الروح ، ثم بعظامه فأنشزها ، ثم وَصَل
بعضها إلى بعض ، ثم كساها العصب ، ثم العروق ، ثم اللحم، ثم نظر إلى حماره
فإذا حماره قد بلى وابيضَّت عظامه فى المكان الذى ربطه فيه، فنودى: ((يا عظام
اجتمعى، فإن اللّه منزلٌ عليك روحاً))، فسعى كلّ عظم إلى صاحبه ، فوصل
العظام ، ثم العصب ، ثم العروق ، ثم اللحم ، ثم الجلد ، ثم الشعر. وكان حماره
جَدَعاً فأحياهُ اللّه كبيراً قد تشنَّن، (٣) فلميبقمنه إلاّ الجلد من طول الزمن. وكان
طعامه سل عنب ، وشرابه دنّ خمر= قال ابن جريجعن مجاهد نفخ الروح فى
عينيه ، ثم نظر بهما إلى خلقه كله حين نشره الله، وإلى حماره حين يحييه الله.
(١) فى المطبوعة: ((فى حينه)) بالإفراد، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((فنظر))، وفى المخطوطة: ((مطر)، غير منقوطة والصواب كما قرأتها لك.
(٣) الجذع (بفتحتين): الصغير السن من الحيوان وغيره. وتشن الجلد والسقاء: إذا يبس
وتشنج من القدم أو من الهرم .
٤٧٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
وقال آخرون: بل جعل الله الروح فى رأسه وبصره، وجسدُهُ ميتٌ، (١) فرأى
حماره قائماً كهيئته يوم ربطه، وطعامه وشرابه كهيئته يوم حَلَّ البقعة . ثم قال اللهله:
انظر إلى عظام نفسك كيف ننشزها .
• ذكر من قال ذلك :
٥٩٣٨ - حدثنى محمد بن سهل بن عسكر قال، حدثنا إسمعيل بن عبد الكريم
قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: ردَّ اللّه روح
الحياة فى عين أرميا وآخِرُ جسده ميت، (٢) فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنَّه، ونظر
إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، ونظر إلى الرُّمة فى عنق الحمار
لم تتغير، جديدةً. (٣)
٥٩٤٠ - حدثت عن الحسين قال، (٤) سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد
ابن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فأماته الله مئة عام ثم بعثه))،
فنظر إلى حماره قائماً قد مكث مئة عام، وإلى طعامه لم يتغير قد أتى عليه مئة عام =
:((وانظر إلى العظام كيف نُنشزها ثم نكسوها لحماً))، فكان أول شىء أحبى الله منه
رأسه ، فجعل ينظر إلى سائر خلقه يخلق .
٥٩٤١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك فى قوله: (( فأماته الله مئة عام ثم بعثه))، فنظر إلى حماره
قائماً، وإلى طعامه وشرابه لم يتغير ، فكان أول شىء خلق منه رأسه ، فجعل ينظر
(١) فى المطبوعة والخطوطة: ((وجسده ميتاً))، وهو خطأ، ويدل على صواب ما أثبت، الآثار
التالية .
(٢) يعنى بقوله: ((وآخر جسده ميت)»، أى سائره وباقيه، وقد جاءت هذه الكلمة هنا على
الصواب فى المطبوعة والمخطوطة، وقد مضت فى المطبوعة فى الأثر رقم : ٥٩١١، محرفة، فهذا دليل آخر
على صواب قراءتنا النص.
(٣) الأثر: ٥٩٣٨ - انظر الأثر السالف رقم: ٥٩١١، والتعليق عليه.
(٤) فى المطبوعة والخطوطة: ((الحسن))، وهو خطأ، بل هو ((الحسين بن الفرج))، وهو
إستاد دائر فى التفسير ، أقربه رقم : ٠٥٩٢٤
٤٧١
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
إلى كل شىء منه يوصل بعضه إلى بعض، فلما تبيّن له قال: ((أعلم أنّ اللّه على
کل شیء قدیر)» .
٥٩٤٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قال : ذُ کرلنا أنه أول ما خلق الله منه رأسه ، ثم ر کبت فيه عيناه ، ثم قيل
له : انظر !فجعل ينظر، فجعلت عظامه تَواصَلُ بعضها إلى بعض، وبِعَيْن نبىّ
اللّه عليه السلام كان ذلك، فقال: ((أعلم أن الله على كل شىء قدير)).
٥٩٤٣ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع: ((وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر إلى حمارك))، وكان حماره
عنده كما هو = ((ولنجعلك آية للناس))، (( وانظر إلى العظام كيف ننشزها)).
قال الربيع : ذكر لنا والله أعلم أنه أول ما خلق منه عيناه ، ثم قيل : انظر !
فجعل ينظر إلى العظام يتواصل بعضها إلى بعض، وذلك بعينيه، فقال: (١) ((أعلم
أن الله على كل شىء قدير)).
٥٩٤٤ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا ابن زيد قال :
قوله: ((وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنَّه وانظر إلى حمارك))، واقفاً عليك منذ مئة
سنة = ((ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام))، يقول: وانظر إلى عظامك
كيف نحييها حين سألتنا: ((كيف نحبى هذه))؟ (٢) قال: فجعل الله الروح فى ٢٩/٣
بصره وفى لسانه ، ثم قال: ادع الآن بلسانك ، الذى جعل الله فيه الروح ، وانظر
ببصرك . قال : فكان ينظر إلى الجمجمة . قال : فنادى : ليلحق كل عظم بأليفه .
قال : فجاء كل عظم إلى صاحبه ، حتى اتصلت وهو يراها ، حتى إن الكسْرة
من العظم لتأتى إلى الموضع الذى انكسرت منه فتلصَّقُ به ، حتى وصل إلى جمجمته
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فقيل: ألم ... ))، وهو سبق قلم من الناسخ.
(٢) فى المطبوعة: ((كيف نحى هذه الأرض بعد موتها))، وليس ذلك فى المخطوطة، بل الذى
أثبت ، وهما سواء.
٤٧٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
وهو يرى ذلك . فلما اتصلت شدها بالعصب والعروق وأجرى عليها اللحم والجلد ،
ثم نفخ فيها الروح، ثم قال: ((انظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحماً)).
فلما تبين له ذلك، قال: ((أعلم أنّ اللّه على كل شىء قدير. )) قال: ثم أمر فنادى
تلك العظام التى قال: ((أنَّی یحی هذه اللّه بعد موتها))، كما نادى عظام نفسه ،.
ثم أحياها اللّه كما أحياهُ.
٥٩٤٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى بكر بن مضر
قال: يزعمون فى بعض الكتب: أن اللّه أمات أورميا مئة عام ثم بعثه، (١) فإذا حماره
حىّ قائمٌ على رباطه. قال: وردَّ اللّه إليه بصره، وجعل الروح فيه قبل أن يبعث
بثلاثين سنة ، ثم نظر إلى بيت المقدس وكيف عمر وما حوله . قال : فيقولون ،
والله أعلم: إنه الذى قال الله تعالى ذكره: ((أوْ كالذى مرّ على قرية وهى خاوية ))،
الآية . (٢)
٠
ومعنى الآية على تأويل هؤلاء : وانظر إلى حمارك ، ولنجعلك آية للناس ،
وانظر إلى عظامك كيف ننشزها بعد بلاها ، ثم نكسوها لحماً فنحييها بحياتك ،
فتعلم كيف يحيى اللّه القرى وأهلها بعد مماتها .
٠
(١) فى المطبوعة: ((أرميا))، وأثبت ما فى المخطوطة، وقد سلف مثل ذلك مراراً، حتى فى الأثر
الواحد ، انظر ما سلف - ص: ٤٤٨ تعليق: ١.
(٢) عند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم الذى نقلت منه نسختنا، وفيها ما نصبه:
«يتلوهُ: ومعنى الآية على تأويل هؤلاء:
وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس .
وصلى الله على سيدنا محمد النبيّ وآله وصحبه وسلم كثيراً))
ثم يبدأ بعده بما نصه :
((بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ بَسر ياكريم)»
٤٧٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى هذه الآية بالصواب، قولُ من قال: إن اللّه
تعالى ذكره بعث قائل: ((أنَّى يحيى هذه اللّه بعد موتها)) من مماته ، ثم أراه نظير
ما استنكر من إحياء اللّه القرية التى مرّ بها بعد مماتها، عياناً من نفسه وطعامه
وهماره . فجعل تعالی ذ کره ما أراه من إحيائه نفسه وحماره ، مثلاً لما استنكر من
إحيائه أهل القرية التى مرّ بها خاويةً على عروشها ، وجعل ما أراه من العبرة فى
طعامه وشرابه ، عبرة له وحجة عليه فى كيفية إحيائه منازل القرية وجنانها . وذلك هو
معنی قول مجاهد الذی ذ کرناه قبل .
وإنما قلنا: ((ذلك أولى بتأويل الآية))، لأن" قوله: ((وانظر إلى العظام))، إنما
هو بمعنى : وانظر إلى العظام التى تراها ببصرك ، كيف ننشرُها ثم نكسوها لحماً .
وقد كان حمارُه أدركه من البلى = فى قول أهل التأويل جميعاً = نظيرُ الذى لحق
عظامَ من خوطب بهذا الخطاب. فلم يمكن صرف معنى قوله: ((وانظر إلى العظام))،
إلى أنه أمرٌ له بالنظر إلى عظام الحمار دون عظام المأمور بالنظر إليها ، ولا إلى أنه
أمر له بالنظر إلى عظام نفسه دون عظام الحمار . وإذْ كان ذلك كذلك ، وكان
البلى قد لحق عظامه وعظام حماره ، كان الأولى بالتأويل أن يكون الأمرُ بالنظر
إلى كل ما أدركه طرفه مما قد كان البلى لحقه . لأن اللّه تعالى ذكره جعل جميع ذلك
عليه حجة ، وله عبرةً وعظةً.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلِنَجْتَلَكَ ،إِيةً لِلنَّاسِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك : ولنجعلك آية للناس، أمتناك مئة
عام ثم بعثناك .
وإنما أدخلت ((الواو)) مع ((اللام)) التى فى قوله: ((ولنجعلك آية الناس))، وهو
٤٧٤
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
بمعنى ((كى))، لأن فى دخولها فى ((كى)) وأخواتها دلالة على أنها شرطٌ لفعلٍ
بعدها، بمعنى: ولنجعلك كذا وكذا فعلنا ذلك. (١) ولو لم تكن قبل ((اللام))-
أعنى ((لام)) ((كى)) ((واو))، كانت ((اللام)) شرطاً للفعل الذى قبلها، وكان يكون
معناه : وانظر إلى حمارك لنجعلك آية للناس .
...
وإنما عنى بقوله: ((ولنجعلك آية)) ، ولنجعلك حجة على من جهل قدرتی
وشكً فى عظمتى، (٢) وأنا القادر على فعل ما أشاء من إماتة وإحياء، وإفناء وإنشاء،
وإنعام وإذلال ، وإقتارٍ وإغناء ، بيدى ذلك كلُّه ، لا يملكه أحد دونى ، ولا
يقدر عليه غيرى .
...
وكان بعض أهل التأويل يقول : كان آية للناس ، بأنه جاء بعد مئة عام
إلی ولده و ولد ولده،شابًا وهم شيوخ .
. ذكر من قال ذلك :
٥٩٤٦ - حدثنى المثنى قال، أخبرنا إسمق قال ، حدثنا قبيصة بن عقبة ،
عن سفيان قال: سمعت الأعمش يقول: ((ولنجعلك آية للناس))، قال :
شابًا وولده شيوخ .
وقال آخرون : معنى ذلك : أنه جاء وقد هلك من يعرفه ، فكان آية لمن
٣٠/٣٠ قدم عليه من قومه .
. ذكر من قال ذلك :
٥٩٤٧ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال : رجع إلى أهله ، فوجد داره قد بيعت وبُنيت وهلك من كان يعرفه ،
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ١٧٣.
(٢) انظر معنى ((آية)) فيما سلف فى هذا الجزء٥: ٣٧٧، والتعليق: ٢، ومراجعه هناك
٤٧٥
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
فقال : اخرجوا من دارى ! قالوا : ومن أنت ؟ قال : أنا عزير ! قالوا : أليس
قد هلك عزيرٌ منذ كذا وكذا ! !قال : فإن عزيراً أنا هو، كان من حالى وكان !
فلما عرفوا ذلك خرجوا له من الدار ودفعوها إليه .
قال أبو جعفر: والذى هو أولى بتأويل الآية من القول أن يقال: إن الله
تعالى ذكره أخبر أنه جعل الذى وصف صفته فى هذه الآية ، حُجة للناس ،
فكان ذلك حُجة على من عرفه من ولده وقوْمه ممن علم موته وإحياءَ اللّه إياه بعد
مماته ، وعلى من بعث إليه منهم .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ تُشِزُمَا﴾
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى قبلُ على أنّ العظام التى أمير بالنظر
إليها ، هى عظام نفسه وحماره ، وذكرنا اختلاف المختلفين فى تأويل ذلك ، وما
يعنى كل قائل بما قاله فى ذلك ، بما أغنى عن إعادته .
٠
وأما قوله: ((كيف ننشرُها))، فإن القرأة اختلفت فى قراءته .
فقرأه بعضهم: ﴿وَأَنْظُرْ إلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا)، بضم النون، وبالزاى.
وذلك قراءة عامة قرأة الكوفيين ، بمعنى : وانظر كيف نركّب بعضها على بعض ،
ونقل ذلك إلى مواضع من الجسم.
وأصل ((النشوز)) الارتفاع، (١) ومنه قيل: ((قد نشر الغلامُ))، إذا ارتفع
٠
(١) جاء فى المطبوعة والخطوطة ((وأصل النشر: الارتفاع))، وأنا أرى صوابه: ((النشوز))، لأنه
هو المصدر، ولا مصدر لهذا الفعل غيره فى رواية أهل اللغة ، ومحال أن يدع الطبرى المعروف إلى
المجهول. والمخطوظة فى هذا الوضع سيئة جداً، كثيرة التصحيف والإهمال، وبعضه لم أشر إليه لشدة.
وضربه، وفساد خط كاتبه وإهماله، كما ترى فى التعليق التالى.
٣
٤٧٦
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
طوله وشَبَّ. ومنه ((نشوز المرأة)) على زوجها. (١) ومن ذلك قيل للمكان المرتفع
من الأرض: ((نَشَزَ، ونَشْز، ونشاز))، (٢) فإذا أردت أنك رفعته قلت: ((أنشزته
إنشازاً))، و((نشز هو))، إذا ارتفع.
٠
٠
فمعنى قوله: ((وانظر إلى العظام كيف نُنشزها)) - فى قراءة من قرأ ذلك
بالزاى: كيف نرفعُها من أماكنها من الأرض ، فتردُّها إلى أماكنها من الجسد. (٣)
٠
وممن تأول ذلك هذا التأويل جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٥٩٤٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على، عن ابن عباس فى قوله: ((كيف ننشزها))، كيف نُخرجها.
٥٩٤٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((كيف ننشزها))، قال : نحرُّكها .
وقرأ ذلك آخرون: ﴿ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نَنْشِرُهَا) بضم النون . قالوا :
من قول القائل، ((أنشرَ اللّه الموتى فهو يُنْشِيرهم إنشاراً))، وذلك قرأه عامة قرأة أهل
المدينة ، بمعنى : وانظر إلى العظام كيف نحييها ، ثم نكسوها لحماً .
. ذكر من قال ذلك :
٥٩٥٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال،حدثنا عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((كيف نُنشِرها))، قال: انظر إليها حين
يحييها الله . (٤)
(١) فى المخطوطة: ((وفيه نشور المرأة حل وجهها))، وهذا دليل على شدة إهماله.
(٢) فى المخطوطة: ((نشر ونشره ونشاره))، وهو خطأ كله، والصواب ما أثبت.
(٣) فى المخطوطة: ((فبرزها إلى أماكنها))، وهو فاسد. وفى المطبوعة: ((الجسم))، ورددته
إلى المخطوطة .
(٤) فى المخطوطة والمطبوعة: ((نظر إليها))، والصواب ما أثبت.
٤٧٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
٥٩٥١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٥٩٥٢-حدثنا بشر قال،حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة مثله.
٥٩٥٣ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله
(((وانظر إلى العظام كيف نُنشرها))، قال : كيف نحييها.
٠٠٠
واحتج بعض قرأة ذلك بالراء وضم نون أوله، بقوله ( ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾
[سورة عيس: ٢٢]، فرأى أنّ من الصواب إلحاق قوله: ((وانظر إلى العظام
کیف ننشرها » به. (١)
وقرأ ذلك بعضهم ﴿ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفِ نَفْشُرُهَا) ، بفتح النون من أوله
وبالراء. كأنموجّه ذلك إلى مثل معنى: نَشْرِ الشىء وطيُّه. (٢) وذلك قراءة غير
محمودة، لأن العرب لا تقول: ((نشر الموتى))، وإنما تقول: ((أنشر اللّه الموقى))،
(فَنَشَرِوا هم)، بمعنى أحياهٍ فحبُوا هم. ويدل على ذلك قوله: ( ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾
وقوله: ﴿أَمْ أَتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾(٣) [سورة الأنبياء: ٢١]،
وعلى أنه إذا أريد به حيى الميت وعاش بعد مماته، قيل: ((نَشَر))، ومنه قول أعشى
بنی ثعلبة: (٤)
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ بِمَّا رَأَوْا: ◌َ عَجَبَا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ!(٥)
(١) هو ابن عباس، فيما روى الفراء فى معانى القرآن ١ : ١٧٣.
(٢) هو الحسن، فيما روى الفراء فى معانى القرآن ١: ١٧٣.
(٣) سقت الآية بتاعها، وفى المطبوعة والخطوطة: ((آلة من الأرض هم ينشرون)).
(٤) فى المطبوعة والخطوط بإسقاطة: ((ومنه))، وهو غير مستقيم.
(٥) ديوانه: ١٠٠، وصيأتى فى التفسير ١٩: ٢٥/١٤: ٣٠/٢٢: ٣٦ (بولاق) وهو
1
٤٧٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
وروى سماعاً من العرب: ((كان به جَرَبٌّ فنَشَر))، إذا عاد وَحَبِىَ.(١)
قال أبو جعفر: والقول فى ذلك عندى أنّ معنى ((الإنشاز)). ومعنى ((الإنشار))
متقاربان. لأن معنى ((الإنشاز)) التركيبُ والإثبات ورد العظام إلى العظام ،
٣١/٣ ومعنى ((الإنشار)) إعادة الحياة إلى العظام. (٢) وإعادتها لا شك أنه ردُّها إلى
أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها. فهما، وإن اختلفا فى اللفظ، فمتقاربا
المعنى . وقد جاءت بالقراءة بهما الأمة مجيئاً يقطعُ العذر ويوجب الحجة . فبأيّهما
قرأ القارئ فصيب، لانقياد معنيهما، (٣) ولا حجة توجب لإحداهما القضاء"
بالصواب على الأخرى . (٤)
فى أكثر الكتب ، وقد مضى بيتان منها فى ١: ٤٧٤، تعليق: ٣/٢: ١٣١. وقبله يذكر صاحبته،
فأجاد وأبدع :
هَيْفَءٍ مِثْلَ الْمُهْرَةِ الضَّامِرِ
عَهْدِی بِهَا فِی الحىِّ قَدْسُرْبِلَتْ
فِی مُشْرِقٍ ذِی صَحِ نائِرِ
قَدْ نَهَدَّ الَّدْىُ عَلَى نَخْرِها
لَوْ أَسْتَدَتْ مَيْتاً إِلَى نَحْرِهَا
عَشَ ، وَلُمْ يُنْقَلْ إِلَى قَابِرِ
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ.
الصبح ( يفتحتين) بريق اللون والحلى والسلاح، تراه مشرباً حمرة كالجمر يتلألأ. وفائر : فير.
يقال: ((فار الشىء فهو غير وزائر)) و((أنار فهو منير)).
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٠.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: (( ... ورد العظام من العظام، وإعادتها لا شك ... )) وهذا
كلام لا يستقيم قط، والنسخة فى هذا الموضع محرفة أشد التحريف، والناسخ كثير لإهمال والإسقاط
كما سلف فى التعليقات الماضية، فلذلك اجتهدت فى تصحيح هذا، وما يليه حتى يستقيم معناه ولفظه.
(٣) فى المخطوطة: ((لا معماد ومعها)»، والصواب ما فى المطبوعة. وقوله: ((لانقياد معنبيهما))،
أى لاستقامة معنييهما واستوائهما وتساوقهما على نهج واحد لا يختلف، كأنه يقود أحدهما الآخر. وانظر
ما مضى ٤: ١٠٥ تعليق: ١، فى قوله: ((قاد قوله)) وتفسير قولهم: ((هذا لا يستقيم على قود
كلامك » .
(٤) فى المطبوعة: ((لإحداهما من القضاء)) بزيادة ((من))، وفى المخطوطة ((لأحدهما من القضاء))
بزيادة وخطأ، والصواب ما أثبت .
٤٧٩
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
فإن ظنّ ظانَ أنّ ((الإنشارَ)) إذ كان إحياءً"، (١) فهو بالصواب أولى ،
لأن المأمور بالنظر إلى العظام وهى تُنشر، إنما أمر به ليرى عياناً ما أنكره بقوله :
((أنّى يحيى هذه اللّه بعد موتها))؟= [فقد أخطأ]. (٢) فإن إحياء العظام لاشك فى
هذا الموضع، إنما عنى به ردُّها إلى أماكنها من جسد المنظور إليه هو يُحيّى، (٣)
لإعادة الروح التى كانت فارقتها عند الممات . (٤) والذى يدل على ذلك قوله :
(( ثم نكسوها لحماً)). ولا شك أن الروح إنما نفخت فى العظام التى أنشزت بعد أن
كُسيت اللحم. (٥)
وإذا كان ذلك كذلك، (٦) وكان معنى «الإنشاز)) تركيب العظام وردها
إلى أماكنها من الجسد، وكان ذلك معنى ((الإنشار)) = (٧) كان معلوماً استواء
معنييهما ، وأنهما متفقا المعنى لا مختلفاه . ففى ذلك إبانة عن صحة ما قلنا فيه .
...
وأما القراءة الثالثة ، فغير جائزة القراءةُ بها عندى ، وهى قراءة من قرأ :
﴿كَيْفَ نَنْشُرُهَا) بفتح النون وبالراء، الشذوذها عن قراءة المسلمين، وخروجها عن
الصحيح الفصيح من كلام العرب.
٥
(١) فى المخطوطة: ((إذا كان حيا)) خطأ صرف، وفى المطبوعة: ((إذا كان إحياء))، وهو
الصواب، إلا أن حق الكلام فى هذا الموضع ((إذ)) لا ((إذا)).
(٢) زدت ما بين القوسين، لأنه مما يقتضيه السياق. ولا معنى لالتماس تصحيح هذه الجملة،
بتعليق قوله: ((فإن إحياء العظام ... )) جواباً لقوله: ((فإن ظن ظان ... )).
(٣) ((يحي)) بالبناء للمجهول، من ((الإحياء)).
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لا إعادة الروح ... ))، وهو خطأ بين، بدل عليه سياق ما بعده.
فإنه يعنى أن ((إحياء العظام)) مركب من أمرين: رد العظام إلى أماكنها، وإعادة الروح إليها. وسترى
ذلك فی حجته بعد .
(٥) فى المطبوعة والمخطوطة: ((العظام التى أنشرت)) بالراء، وهو خطأ، والصواب بالزاى،
أى ركبت وردت إلى مواضعها .
(٦) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإذا كان ذلك كذلك))، والصواب ((إذا)).
(٧) قوله: ((وكان ذلك . منى الإنشار))، أى: وكان معنى الإيشار أيضاً، هو رد العظام إلى
أماكنها من الجسد لإعادة الروح التى كانت فارقتها عند المات ، كما سلف منذ قليل.
٤٨٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
القول فى تأويل قوله (ثُمَّ نَكْسُهَاَ لَحْماً)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: (١) ((ثم تكسوها))، أى العظام
((لحماً))، ((والهاء)) التى فى قوله: ((ثم نكسوها لحماً))، من ذكر العظام.
٠٠
ومعنى (( نكسوها))، نُلبسها وتُواريها به، كما يوارِى جسدَ الإنسان كسوتُهُ
التى يلبّسُها . وكذلك تفعل العرب، تجعل كل شىء غطَّى شيئاً وواراه، لباساً له
وكُسوة، (٢) ومنه قول النابغة الجعدى: (٣)
حَّ أَ كْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلَامِ سِرْ بَلَا(٤)
فَلْحَمْدُ لِهِ إِذْ لَ يَأْتِى أَحَلِ
فجعل الإسلام - إذ غطّى الذى كان عليه فواراه وأذهبه - كُسوةً له وسِربالاً".
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((بذلك)) مكان ((بقوله))، وهو لا يستقيم.
(٢) انظر ما سلف فى معنى (لباس)) و((كسوة)) ٣: ٤٨٩ - ٤٩٢/ ثم هذا الجزء٥: ٤٤.
(٣) وينسب هذا البيت إلى ((لبيد بن ربيعة العامرى)) وإلى ((قردة بن نفاثة السلولى))؛ وقال
ابن عبد البر فى الاستيعاب. ٢٢٨. ((وقد قال أكثر أهل الأخير أن لبيداً لم يقل شعراً منذ أسلم.
وقال بعضهم: لم يقل فى الإسلام إلا قوله : ... )) وذكر البيت، ثم قال: وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن
نفاثة السلولى، وهو أصح عندى)) ثم عاد فى ص ٥٣٦، فذكر قردة بن نقائة السلولى فقال: ((كان
شاعراً، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جماعة من بى سلول، فأمره عليهم بعد أن أسهم وأسلموا،
فأنشأ يقول :
وَأَقْبَلَ الشيْبُ وَالإِسْلاَمُ إِقْبَالاً
بَنَ الشََّبُ فَ أُحْفِلْ بِهِ بَالاً
وَقَدْ أُقَلِّبُ أَوْرَاكاً وأَكْفَلا
وَقَدْ أَرَوِّى نَدِيمِى مِنْ مُشَغْشَعَةٍ
الحدُ له .
وقد قيل إن البيت قلبيد قال أبو عبيدة: لم يقل لبيه فى الإسلام غيره)). وذكر ذلك أبو الفرج فى
أغانيه ١٤ ٩٤، وغيره وانظر معجم الشعراء: ٣٣٨، ٣٣٩، والشعر والشعراء : ٢٣٢ والممرين
٦٦، وديوان لبيد، الزيادات : ٥٦. وغيرها كثير
(٤) انظر التعليق السالف، وهذا البيت ثابت فى قصيدة النابغة (فى ديوانه . ٨٦)، فى