النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١
تفسير سورة البقرة : ٢٥٥
وأما الذى يدل على صحته ظاهرُ القرآن ، فقول ابن عباس الذى رواه جعفر
ابن أبى المغيرة، عن سعيد بن جبير، عنه أنه قال: ((هو علمه)).(١) وذلك
لدلالة قوله تعالى ذكره: ((ولا يؤوده حفظهما)) على أن ذلك كذلك : فأخبر أنه
لا يؤوده حفظ ما علم وأحاط به مما فى السموات والأرض ، وكما أخبر عن ملائكته
أنهم قالوا فى دعائهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمَا﴾ [سورة غافر: ٧]،
الكرمافى الأصل. سكن بغداد، روى عن جرير بن عثمان، وإبراهيم بن طهمان، وإسرائيل، وزائدة .
روى عنه الستة، ويعقوب بن إبراهيم الدورق، ومحمد بن أحمد بن أبى خلف ، وغيرهم . ذكره ابن
حبان فى الثقات. مات سنة ٢٠٨ أو ٢٠٩. مترجم فى التهذيب. وكان فى المطبوعة ((يحيى بن أبى بكر))
وهو خطأ .
وهذا الأثر، والذى يليه ، إسنادان آخران للأثر السالف رقم : ٥٧٩٦، فانظر التعليق عليهما .
(١) العجب لأبى جعفر، كيف تناقض قوله فى هذا الموضع! فإنه بدأ فقال: إن الذى هو أولى
بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الحديث فى صفة الكرسى، ثم عاد فى
هذا الموضع يقول: وأما الذى يدل على صحته ظاهر القرآن، فقوا ابن عباس أنه علم الله سبحانه. فإما هذا
وإما هذا، وغير ممكن أن يكون أولى التأويلات فى معنى ((الكرسى)) هو الذى جاء فى الحديث الأول،
ويكون معناه أيضاً ((العلم))، كما زعم أنه دل على صحته ظاهر القرآن . وكيف يجمع فى تأويل واحد ،
معنيان مختلفان فى الصفة والجوهر !! وإذا كان خبر جعفر بن أبى المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس ، صحيح الإسناد، فإن الخبر الآخر الذى رواه مسلم البطين، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ،
صحيح الإسناد على شرط الشيخين، كما قال الحاكم، وكما فى مجمع الزوائد ٦: ٣٢٣ ((رواه الطبرانى،
ورجاله رجال الصحيح))، كما بينته فى التعليق على الأثر : ٥٧٩٢. ومهما قيل فيهما،
فلن يكون أحدهما أرجح من الآخر إلا بمرجح يجب التسليم له . وأما أبو منصور الأزهرى فقد قال فى ذكر
الكرسى: ((والصحيح عن ابن عباس ما رواه عمار الدهنى ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس أنه قال: ((الكرسى موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره. قال: وهذه رواية
اتفق أهل العلم على صحتها . قال: ومن روى عنه فى الكرسى أنه العلم، فقد أبطل)). وهذا هو قول أهل
الحق إن شاء الله.
وقد أراد الطبرى أن يستدل بعد بأن الكرسى هو ((العلم))، بقوله تعالى: ((ربنا وسعت كل شىء رحمة
وعلماً))، فلم لم يجعل ((الكرسى)) هو ((الرحمة))، وهما فى آية واحدة ؟ ولم يجعلها كذلك لقوله تعالى فى
سورة الأعراف: ١٥٦: ((قال عذابى أصيب به من أشاء ورحمتى وسعت كل شىء))؟ واستخراج معنى الكرسى
من هذه الآية كما فعل الطبرى ، ضعيف جداً ، يجل عنه من كان مثله حذراً واطفاً ودقة .
وأما ما ساقه بعد من الشواهد فى معنى ((الكرسى))، فإن أكثره لا يقوم على شىء، وبعضه منكر
التأويل، كما سأبينه بعد إن شاء الله. وكان بحسبه شاهداً ودليلا أنه لم يأت فى القرآن فى غير هذا الموضع ،
بالمعنى الذى قالوه، وأنه جاء فى الآية الأخرى بما ثبت فى صحيح اللغة من معنى ((الكرسى))، وذلك قوله تعالى
فى ((سورة ص)): ((ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب)». وكتبه محمود محمد شاكر.
ج . (٢٦)
٤٠٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٥
فأخبر تعالى ذكره : أنّ علمه وسع كل شىء ، فكذلك قوله: ((وسع كرسيه
السموات والأرض )» .
۵
قال أبو جعفر: وأصل ((الكرسى)) العلم. (١) ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم
مكتوب ((كُرّاسة))، ومنه قول الراجز فى صفة قانص:
· حَتّى إِذَا مَ احْتَزَهَاَ تَكَرَّمَاَ: (٢)
يعنى علم، ومنه يقال للعلماء ((الكراسى))، لأنهم المعتمد عليهم ، كما يقال :
((أوتاد الأرض))، يعنى بذلك أنهم العلماء الذين تصلح بهم الأرض، (٣) ومنه قول
الشاعر : (٤)
يَحُقُّ بِهِمْ بِيضُ الْوُجُوهِ وَعُصْبَةٌ كَرَاسِىُّ بالأحدَاثِ حِينَ تَنُوبُ(٥)
· يعنى بذلك : علماء بحوادث الأمور ونوازلها ، والعرب تسمى أصل كل شىء
((الكِرْس))، يقال منه: ((فلان كريم الكِرْس)»، أى كريم الأصل، قال
العجاج :
(١) أخشى أن يكون الصواب: ((وأصل الكرس: العلم» (بفتح الكاف وسكون الراء) مما رواه
ابن الأعرابى من قولهم: ((كرس الرجل)) (بفتح ثم كسر): إذا ازدحم علمه على قلبه . وجعل أبى جعفر
هذا أصلا ، عجب أى عجب! فمادة اللغة تشهد على خلافه، وتفسير ابن الأعرابي هذا أيضاً شاهد على
خلافه. وإنما أصل المادة (كرس) من تراكم الشىء وتلبد بعضه على بعض وتجمعه. وقوله بعد: ((ومنه
قيل للصحيفة كراسة))، والأجود أن يقال: إنه من تجمع أوراقه بعضها على بعض، أو ضم بعضها إلى
بعض .
(٢) لم أجد الرجز، وقوله: ((احتازها))، أى حازها وضمها إلى نفسه. ولا أدرى إلى أى شىء
يعود الضمير: إلى القانص أم إلى كلبه ؟ والاستدلال بهذا الرجز على أنه يعنى بقوله: ((تكرس))، علم،
لا دليل عليه، حتى نجد سائر الشعر، ولم يذكره أحد من أصحاب اللغة .
(٣) هذا التفسير مأخوذ من قول قطرب كما سيأتى، أنهم العلماء، ولكن أصل مادة اللغة يدل
على أن أصل ذلك هو الشىء الثابت الذى يعتمد عليه، كالكربى الذى يجلس عليه ويعتمد عليه ، وتسمية
العلماء بذلك مجاز محض .
(٤) لم أعرف قائله .
(٥) لم أجد البيت، إلا فيمن نقل عن الطبرى، وفى أساس البلاغة (كرس) أنشده بعد قوله:
(( ويقال العلماء الكراسى - عن قطرب)) وأنشد البيت. ولم أجد من ذكرذلك من ثقات أهل اللغة.
٤٠٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥٥
قَدْ عَلِمَ الُّدُّوسُ مَوْلَى الْقُدْسِ أَنْ أَبَ الَبَّاسِ أَوْلَى نَفْسِ
بِمَعْدِنِ المُكِ الكَرِيمِ الكِرْسِ (١)
يعنى بذلك : الكريم الأصل ، ويروى :
فِى مَعْدِنِ العِزِّ الكَرِيمِ الكِرْسِ
٠
*
القول فى تأويل قوله تعالى {وَلاَ يُودُهُ حِفْظُهُمَ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
٢٥٥
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ولا يؤوده حفظهما))، ولا يشق
عليه ولا يُشْقله .
يقال منه: ((قد آدَفِى هذا الأمرُ فهو يؤودنى أوْداً وإياداً))، (٢) ويقال:
#
((ما آدَك فهو لى آئد))، يعنى بذلك: ما أثقلك فهو لى مثقل .
٥
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٥
٥٧٩٩ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال،
(١) ديوانه: ٧٨، واللسان (قدس) (كرس). و((القدوس)) هو الله - سبحانه الطاهر
المنزه عن العيوب والنقائص . والقدس: يعنى روح القدس. ومولاها : ربها . وقد سلف تفسير معنى
((القدس)) و((القدوس)) فى هذا التفسير ١: ٤٧٥، ٢/٤٧٦: ٣٢٢، ٣٢٣. و((أبو العباس))
هو أبو العباس السفاح، الخليفة العباسى. وروى صاحب اللسان ((القديم الكرس))، و((المعدن))
( بفتح الميم وكسر الدال): مكان كل شىء وأصله الثابت، ومنه: ((معدن الذهب والفضة)»، وهو
الموضع الذى ينبت الله فيه الذهب والفضة، ثم تستخرج منه، وهو المسمى فى زماننا ((المنجم)). يقول:
أبو العباس أولى نفس بالخلافة ، الثابتة الأصل الكريمته.
(٢) قوله: ((إياداً)) مصدر لم أجده فى كتب اللغة، زادناه الطبرى.
٤٠٤
تفسير سورة البقرة : ٢٥٥
حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((ولا يؤوده
حفظهما)) ، يقول : لا يثقل عليه .
٥٨٠٠ - حدثی محمد بنسعد قال، حدثنی أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((ولا يؤوده حفظهما))، قال : لا يثقل
علیه حفظهما.
٥٨٠١ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((ولا يؤوده حفظهما)»، لا يثقل عليه، لا يجهدُهُ حفظهما.
٥٨٠٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرناعبد الرزاق قال، أخبرنا معمر،
عن الحسن وقتادة فى قوله: ((ولا يؤوده حفظهما))، قال: لا يثقل عليه شىء.
٩/٣
٥٨٠٣ - حدثنى محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا يوسف بن خالد
السمتى قال ، حدثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فى قوله :
(((ولا يؤوده حفظهما))، قال : لا يثقل عليه حفظهما.
٥٨٠٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبى زائدة = وحدثنا يحيى بن
أبى طالب قال، أخبرنا يزيد = قالا جميعاً، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ((ولا
يؤوده حفظهما))، قال : لا يثقل عليه .
٥٨٠٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح ، عن عبيد ، عن
الضحاك، مثله .
٥٨٠٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعته = يعنى خلاداً -
يقول : سمعت أبا عبد الرحمن المدينى يقول فى هذه الآية: (ولا يؤوده حفظهما))،
قالا : لا یکبُر علیه . (١)
٥٨٠٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((يكثر عليه))، والصواب ما أثبت: ((كبر عليه)، ثقل عليه.
٤٠٥
تفسير سورة البقرة : ٢٥٥
ميمون، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ولا يؤوده حفظهما)»
قال: لایکرُئُه.(١)
٥٨٠٨ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((ولا يؤوده حفظهما))، قال : لا يثقل عليه .
٥٨٠٩ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: ((ولا يؤوده حفظهما))، يقول : لا يثقل عليه حفظهما.
٥٨١٠ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((ولا يؤوده حفظهما))، قال : لا يعزُّ عليه حفظهما .
٠ ٠
٠
قال أبو جعفر: ((والهاء))، و((الميم)) و(الألف)) فى قوله: ((حفظهما))،
من ذكر ((السموات والأرض)). فتأويل الكلام: وسع كرسيه السموات والأرض،
ولا يثقل عليه حفظ السموات والأرض .
٠
وأما تأويل قوله: ((وهو العلى))، فإنه يعنى: والله العلىّ".
و((العلى)) ((الفعيل)) من قولك: ((علا يعلو عُلُوًّا))، إذا ارتفع، ((فهو عال
وعلىّ))، ((والعلى)) ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته .
٠٠ ٠
وكذلك قوله: ((العظيم))، ذو العظمة الذى كل شىء دونه، فلاشىء أعظم
منه ، كما : -
٥٨١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((العظيم))، الذى قد
كمل فى عظمته .
(١) كرثه الأمر يكرثه: اشتد عليه وبلغ منه المشقة.
٤٠٦
تفسير سورة البقرة : ٢٥٥
قال أبو جعفر: واختلف أهل البحث فى معنى قوله: (١) ((وهو العلى)).
فقال بعضهم: يعنى بذلك: وهو العلىّ عن النظير والأشباه، (٢) وأنكروا أن
يكون معنى ذلك: ((وهو العلىّ المكان)». وقالوا: غير جائز أن يخلو منه مكان ، ولا
معنى لوصفه بعلوّ المكان، لأن ذلك وصفه بأنه فى مكان دون مكان .
٠٠٠
وقال آخرون: معنى ذلك : وهو العلى على خلقه، بارتفاع مكانه عن أما کن
خلقه . لأنهتعالی ذ کره فوق جميع خلقه ، وخلقُه دونه ، كما وصف به نفسه أنه
على العرش، فهو عالٍ بذلك عليهم .
. ..
وكذلك اختلفوا فى معنى قوله: (( العظيم)).
فقال بعضهم: معنى ((العظيم)) فى هذا الموضع: المعظّم، صُرِف ((المفعَّل))
إلى ((فعيل))، كما قيل للخمر المعتقة، ((خمر عتيق))، كما قال الشاعر: (٣)
وَ كَأَنَ الَمْرَ العَِّيْقَ مِنَ الإِدْ مِنْطِ تَمْزُوجَةً بِمَاءِ زُلَالٍ (٤)
وإنماهى ((معتَّقة)). قالوا: فقوله: ((العظيم))، معناه: المعظّم الذى يعظمه
خلقُهُ ويهابونه ويتقونه. قالوا: وإنما يحتمل قول القائل: ((هو عظيم))، أحد
معنيين: أحدهماما وصفنا من أنه معظّم، والآخر أنه عظيم فى المساحة والوزن. قالوا:
وفى بُطول القول بأن يكون معنى ذلك أنه عظيم فى المساحة والوزن، صحة القول بما قلنا.
(١) انظر ما سلف فى ذكره ((أهل البحث)) فيما سلف قريباً: ٣٨٧، التعليق: ٢.
(٢) فى المخطوطة: ((النظر))، بغير ياء. و((النظر)) (بكسر فكون)، مثل ((النظير))،
مثل: ((قد ونديد)). وجائز أن يكون ((النظر)) (بضمتين) مع ((نظير»، وهم يكسر ((فعيلا))
الصفة، على ((فعل))، بضمتين تشبيهاً له ((بفعيل)) الاسم، كما قالوا فى ((جديد، جدد))،
و (( نذير، نذر)). أما النظائر مع نظير ، فهو شاذ عن بابه .
(٣) هو الأعشى.
(٤) ديوانه: ٥، وقد مضى هذا البيت فى تعليقنا آنفاً: ٣٩٠، تعليق: ٣. والزلال: الماء
الصافى العذب البارد السائغ فى الحلق .
1
٤٠٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦،٢٥٥
وقال آخرون: بل تأويل قوله: ((العظيم))، هو أن له عظمة هى له صفة .
وقالوا : لا نصف عظمته بكيفية ، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات ، (١)
ونتفى عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد . لأن ذلك
تشبيه له بخلقه ، وليس كذلك. وأنكر هؤلاء ما قاله أهلُ المقالة التى قدمنا ذكرها،
وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه ((معظّم ))، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل
قبل أن يخلق الخلق ، وأن يبطُل معنى ذلك عند فناء الخلق، لأنه لا معظِّم له فى
هذه الأحوال .
وقال آخرون: بل قوله إنه ((العظيم))، وصفٌ منه نفسته بالعظم . وقالوا :
كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصُّغر، لصغرهم عن عظمته .
القول فى تأويل قوله ﴿لَا إِ كْرَاءَ فِي الدِّينِ قَد تَبَّنَ الرُّشْدُ
مِنَ أُلغَىِّ ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى معنى ذلك .
١٠/٣
فقال بعضهم : نزلت هذه الآية فى قوم من الأنصار - أو فى رجل منهم -
كان لهم أولادٌ قد موَّدوهم أو نصَّروهم، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم
عليه ، فنهاهم الله عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدّخول فى الإسلام .
• ذكر من قال ذلك :
٥٨١٢ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبى عدى ، عن شعبة ،
(١) الإثبات: إثبات الصفات لله سبحانه كما وصف نفسه، بلا تأويل، خلافاً المعتزلة وغيرهم
وانظر ما سلف ١ : ١٨٩، تعليق : ١ .
٤٠٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانت المرأة تكون
مقلاتاً ، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوُّده. فلما أجليت بنو النضير،
كان فيهم من أبناء الأنصار ، فقالوا : لا ندع أبناءنا ! فأنزل الله تعالى ذكره :
(( لا إكراه فى الدين قد تبيَّن الرُّشد من الغى)).
٥٨١٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ،
عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير قال: كانت المرأة تكون مقلّى ولا يعيش لها
ولد = قال شعبة . وإنما هو مقلات = فتجعل عليها إن بقى لها ولد لتهوّدنّه . قال :
فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم ، فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟
فنزلت هذه الآية: ((لا إكراه فى الدين قد تبيَّن الرُّشد من الغى)). قال : من
شاء أن يقيم أقام ، ومن شاء أن يذهب ذهبَ. (١)
٥٨١٤ - حدثنا حمید بن مسعدة قال،حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا
داود = وحدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن داود = عن عامر قال :
كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتاً لا يعيش لها ولد ، فتنذر إن عاش ولدها
أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم ، فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار
على دينهم، فقالوا : إنما جعلناهم على دينهم ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا!
وإذْ جاء الله بالإسلام، فلنكرهنَّهم! فنزلت: (( لا إكراه فى الدين »، فكان
(١) الأثران: ٥٨١٢، ٥٨١٣ - فى ابن كثير ٢: ١٥، والدر المنثور ١: ٣٢٩ قال ابن
كثير: ((رواه أبو داود والنسائى جميعاً عن بندار به، ومن وجوه أخرى عن شعبة به نحوه. ورواه ابن
أبى حاتم وابن حبان فى صحيحه من حديث شعبة به)). والسنن الكبرى للبيهقى ٩: ١٨٦، وسنن أبي داود -
٣: ٧٨ - ٧٩ رقم: ٢٦٨٢. وكان فى المطبوعة والمخطوطة فى رقم ٥٨١٣، ((حدثنا محمد بن جعفر،
عن سعيد))، وهو خطأ صوابه ((شعبة)). وقوله: ((قال: من شماء أن يقيم أقام)) وهو من كلام سعيد
ابن جبير، كما فى السنن البيهقى. والحديث مرفوع هناك إلى ابن عباس وهو الصواب ولكنى تركت ما فى الطبرى
على حاله .
وامرأة مقلت (بضم الميم) ومقلات (بكسر الميم)، هى المرأة التى لا يعيش لها ولد. ويأتى أيضاً
((مقلات))، أنها المرأة التى ليس لها إلا ولد واحد. ولكن الأول هو المراد فى هذا الأثر.
٤٠٩
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
فصلَ ما بين من اختار اليهودية والإسلام ، فمن لحق بهم اختار اليهودية ، ومن
أقام اختار الإسلام = ولفظ الحديث لحميد .
٥٨١٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر بن سليمان قال ،
سمعت داود ، عن عامر ، بنحو معناه = إلا أنه قال : فكان فصلَ ما بينهم ،
إجلاءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى النضير، فلحق بهم من كان يهوديًا
ولم يسلم منهم ، وبقى من أسلم .
٥٨١٦ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ،
عن عامر، بنحوه = إلا أنه قال : إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام
أقام ، ومن کرهحق بخییر. (١)
٥٨١٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن أبى محمد الحرشی مولی زید بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس قوله: ((لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى ))، قال: نزلت
فى رجل من الأنصار من بنى سالم بن عوف ، يقال له : الحصين ، كان له ابنان
نصرانیان ، وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبى صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما،
فإنهما قد أبيًا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك. (٢)
٥٨١٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا أبو عوانة،
عن أبى بشر قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله : « لا إكراه فیالدین قد تبین
الرشد من الغىّ))، قال : نزلت هذه فى الأنصار ، قال : قلت : خاصة! قال :
خاصة ! قال، كانت المرأة فى الجاهلية تنذرُ إن ولدت ولداً أن تجعله فى اليهود ،
(١) الآثار ٥٨١٤ - ٥٨١٦ - هى ألفاظ مختلفة لحديث واحد، وانظر الدر المنثور١ : ٣٢٩،
وقال .: (أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر))، ثم انظر الأثرين رقم: ٥٨٢٣، ٥٨٢٤ فيما يأتى بعد.
(٢) الأثر : ٥٨١٧ - انظر ما قاله الحافظ ابن حجر فى تحقيق اسم الصحابى فى ((حصين
الأنصارى)) غير منسوب، ثم فى باب الكنى ((أبو الحصين الأنصارى السالمى))، وفيهما تحقيق جيد.
وانظر تفسير ابن كثير ٢: ١٥، والدر المنثور ١ : ٣٢٩. وانظر الأثر التالى رقم : ١٨١٩.
٤١٠٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
تلتمس بذلك طولَ بقائه . قال : فجاء الإسلام وفيهم منهم ، فلما أجليت النضيرُ
قالوا : يا رسول اللّه ، أبناؤنا وإخوانُنا فيهم ! قال: فسكتعنهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى ذكره: (( لا إكراه فی الدین قد تبیّن الرشد من
الغىّ))، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قد خُيُّر أصحابكم، فإن
اختاروكم فهم منكم ، وإن اختاروهم فهم منهم ، قال: فأجلَوْهم معهم. (١)
٥٨١٩ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى قوله: ((لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغىّ)) إلى ((لا انفصام لها))،
قال : نزلت فى رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين ، كان له ابنان، فقدم تجار
من الشام إلى المدينة يحملون الزيت. فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا، أتاهم ابنا أبى الحصين
فدعوهما إلى النصرانية ، فتنصرا فرجعا إلى الشام معهم. فأتى أبوهما رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم فقال (٢): إن ابنى تنصّرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال: ((لا إكراه فى
الدين))، (٣) ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: أبعدهما اللّه! هما أوّل
من كفر! فوجد أبو الحصين فى نفسه على النبى صلى الله عليه وسلم، حين لم يبعث
فى طلبهما، فنزلت: ﴿فَلاَ وَرَبُّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِياَ شَجَرَ بْيَهُمْ
مُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجَا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء: ٦٥].
ثم إنه نسخ: ((لا إكراه فى الدين))، فأمر بقتال أهل الكتاب فى ((سورة براءة)). (٤)
١١/٣
(١) الأثر: ٥٨١٨ - فى السنن الكبرى البيهقى ٩: ١٨٦ من طريق سعيد بن منصور عن
أبى عوانة، وذكره السيوطى فى الدر المنثور ١: ٣٢٩ وزاد نسبته إلى ((سعيد بن منصور، وعبد بن
حميد، وابن المنذر)) وفيها زيادة: ((كانت المرأة فى الجاهلية إذا كانت نزوراً مقلاتاً تنذر لئن ولدت ولداً
لتجعلنه فى اليهود)) وسائر الخبر سواء. وكتب فى البيبقى والدر المنثور ((مقلاة)) بالتاء المربوطة وهو خطأ،
و ((امرأة فزرة)) (بفتح وكسر) وامرأة فزور)) قليلة الولد. وفى الدر ((فزورة)) وهو خطأ.
(٢) فى المطبوعة: ((إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم))، والصواب من المخطوطة والدر المنثور.
(٣) فى المطبوعة: إتمام الآية ((قد تبين الرشد من النى))، وليس فى المخطوطة ولا الدر المنثور.
(٤) الأثر: ٥٨١٩ - فى الدر المنثور ١: ٣٢٩، وزاد نسبته إلى أبى داود فى قاممنه،
وابن المنذر، وأشار إليه ابن كثير فى تفسيره ٢: ١٥. هذا ولم يذكر أبو جعفر هذا الأثر فى تفسير
٤١١
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
٥٨٢٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((لا إكراه فى الدين))، قال :
كانت اليهود ، يهود بنى النضير، (١) أرضعوا رجالاً من الأوس ، فلما أمر النبى
صلى الله عليه وسلم بإجلاتهم، قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم، ولنديينَّ
بدينهم ! فمنعهم أهلوهم وأكرهوهم على الإسلام ، ففيهم نزلت هذه الآية .
٥٨٢١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان = وحدثنا أحمد
ابن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد = جميعاً، عن سفيان، عن خصيف ، عن مجاهد :
((لا إكراه فى الدين))، قال : كان ناس من الأنصار مسترضعين فى بنى قريظة،
فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت: ((لا أكراه فى الدين قد تبين الرشد
من الغىّ )) .
٥٨٢٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال : قال مجاهد : كانت النضير يهوداً فأرضعوا ، = ثم ذكر نحو
حديث محمد بن عمرو ، عن أبى عاصم - قال ابن جريج، وأخبرنى عبد الكريم،
عن مجاهد : أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناءُ الأوس، (٢) دانوا بدين النضير.
٥٨٢٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن داود بن أبى هند ، عن الشعبى : أن المرأة من الأنصار كانت تنذر
إن عاش ولدها لتجعلنّه فى أهل الكتاب، فلما جاء الإسلام قالت الأنصار :
آية ((سورة النساء))، ولم يجعلها قولا غير الأحوال التى ذكرها. وهو دليل على اختصاره هذا التفسير ،
كما رووا عنه .
(١) فى المطبوعة: ((كانت فى اليهود يهود أرضعوا ... ))، وفى المخطوطة كانت اليهود يهوداً
أوضعوا)) وهما خطأ. وفى الدر المنثور ١: ٣٢٩: ((كانت النضير أرضعت)). واستظهرت أن تكون
العبارة كما أثبتها، سقط من الناسخ ((بنى النضير)) - أو يكون صوابها كما سيأتى فى الأثر رقم: ٥٨٢٢:
(كانت النضير يهوداً ... ))
(٢) فى الخطوطة: ((قد دانوا بدينهم أبناء الأوس))، وأخشى أن يكون ما فى المطبوعة أصح.
٤١٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
يا رسول الله، ألا نُكره أولادنا الذين هم فى يهودَ على الإسلام ، فإنا إنما جعلناهم
فيها ونحن نرى أن اليهودية أفضل الأديان ؟ فأما إذا جاء الله بالإسلام، (١) أفلا
نكرههم على الإسلام؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ((لا إكراه فى الدين قد تبين
الرشد من الغى » .
٥٨٢٤ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
داود ، عن الشعبى مثله = وزاد ، قال : كان فَصْلَ ما بين من اختار اليهود منهم
وبين من اختار الإسلام ، إجلاءُ بنى النضير ، فمن خرج مع بنى النضير كان
منهم ، ومن تركهم اختار الإسلام. (٢)
٥٨٢٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((لا إكراه فى الدين)) إلى قوله: ((العُرْوة الوثقى))، قال: هذا منسوخ.
٥٨٢٦ - حدثنی سعید بن الربيع الرازی قال، حدثنا سفيان ، عن ابن أبى
نجيح ، عن مجاهد ووائل ، عن الحسن : أن أناساً من الأنصار كانوا مسترضعين
فى بنى النضير، فلما أجلوا أرادَ أهلوهم أن يُلحقوهم بدينهم، فنزلت: ((لا إكراه
فى الدين)).
٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يكرهُ أهل الكتاب على الدين إذا بذلوا
الجزية ، ولكنهم يُقَرُّون على دينهم. وقالوا : الآية فى خاصّ من الكفار ، ولم
ينسخ منها شىء.
• ذكر من قال ذلك :
٥٨٢٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
(١) فى المطبوعة: ((فلما أن جاء الإسلام))، وفى المخطوطة: ((فلما إذ جاء)»، وصواب ذلك
ما أثبت .
(٢) الأثران: ٥٨٢٣، ٥٨٢٤ - انظر الآثار السالفة: ٥٨١٤ - ٥٨١٦.
٤١٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
قتادة: (( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى))، قال: أكرِه عليه هذا
الحىُّ من العرب، لأنهم كانوا أمّة أمِّيّة ليس لهم كتاب يعرفونه ، فلم يقبل منهم
غير الإسلام . ولا يُكره عليه أهل الكتاب إذا أقرُّوا بالجزية أو بالخراج، ولم يُقْتنوا
عن دينهم ، فيخلَّى عنهم .(١)
٥٨٢٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال ، حدثنا أبو هلال
قال، حدثنا قتادة فى قوله: ((لا إكراه فى الدين))، قال: هو هذا الحى من
العرب، أكرِهوا على الدين ، لم يقبل منهم إلاّ القتل أو الإسلام ، وأهل الكتاب
قبلت منهم الجزية ، ولم يُقْتَّلوا .
٥٨٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير قال ، حدثنا عمرو
ابن قيس، عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((لا إكراه فى الدين»، قال :
أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان ، فلم
يقبل منهم إلاّ: ((لا إله إلاّ اللّه))، أو السيف، ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم
الجزية ، فقال: ((لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى)).
١٢/٣
٥٨٣٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة فى قوله : « لا إكراه فی الدین »، قال : کانت العرب لیس
لها دين ، فأكرهوا على الدين بالسيف . قال : ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس ،
إذا أعطوا الجزية .
٥٨٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن
عيينة ، عن ابن أبى نجيح قال : سمعت مجاهداً يقول لغلام له نصرانى: يا جرير،
أسْلم . ثم قال : هكذا كان يقال لهم .
٥٨٣٢ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثنی أبی قال ، حدثنى عمى قال ،
(١) فى الخطوطة: ((فخلى عنهم))، وهما سواء.
٤١٤
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
حدثنی أبی ، عن أبيه ، عن ابن عباس : « لا إكراه فی الدین قد تبین الرشد من
الغى ))، قال: وذلك لما دخل الناس فى الإسلام، وأعطى أهلُ الكتاب الجزية.
...
وقال آخرون : هذه الآية منسوخة ، وإنما نزلت قبل أن يُفرض القتال .
• ذكر من قال ذلك :
٥٨٣٣ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى
يعقوب بن عبد الرحمن الزهرى قال : سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى ذكره:
((لا إكراه فى الدين))، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين
لا يُكره أحداً فى الدين، فأبى المشركون إلاّ أن يقاتلوهم، فاستأذن الله فى قتالهم
فأذن له .
٠
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ من قال : نزلت هذه
الآية فى خاصٌ من الناس - وقال: عنى بقوله تعالى ذكره: ((لا إكراه فیالدین»،
أهل الكتابين والمجوسَ وَكلَّ من جاء إقرارُه على دينه المخالف دين الحقّ وأخْذُ
الجزية منه ، وأنكروا أن يكون شىء منها منسوخاً . (١)
وإنما قلنا : هذا القول أولى الأقوال فى ذلك بالصواب ،لما قد دللنا عليه فی کتابنا
(كتاب اللطيف من البيان عن أصول الأحكام ): من أنّ الناسخ غير كائن
ناسخاً إلا ما نفى حكم المنسوخ فلم يجز اجتماعهما. فأما ما كان ظاهرَه العمومُ من
الأمر والنهى ، وباطنه الخصوص ، فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل . (٢)
وإذا كان ذلك كذلك = وكان غير مستحيل أن يقال : لا إكراه لأحد
ممن أخذت منه الجزيةُ فى الدين ، ولم يكن فى الآية دليلٌ على أن تأويلها
بخلاف ذلك ، وكان المسلمون جميعاً قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه
(١) فى المخطوطة: ((منسوخ))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) انظر ما قاله فيما سلف فى شرط النسخ ٣: ٣٨٥، ٥٦٣.
٤١٥
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
أكره على الإسلام قوماً فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام ، وحكم بقتلهم إن امتنعوا
منه ، وذلك كعبدة الأوثان من مشركى العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى
الكفر ومن أشبههم ، وأنه تركَ إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه وإقراره
على دينه الباطل ، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم =(١) كان بيناً بذلك أنّ
معنى قوله: ((لا إكراه فى الدين))، إنما هو لا إكراه فى الدين لأحد ممن حلّ
قبولُ الجزية منه بأدائه الجزية ، ورضاه بحكم الإسلام.
ولا معنى لقول من زعم أنّ الآية منسوخة الحكم ، بالإذن بالمحاربة .
٠ ٠٠
فإن قال قائل : فما أنت قائلٌ فیما روى عن ابن عباس وعمن رُوى عنه : من
أنها نزلت فى قوم من الأنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإسلام ؟
قلنا : ذلك غير مدفوعة صحته ، ولكن الآية قد تنزل فى خاص من الأمر،
ثم يكون حكمها عامًا فى كل ما جانس المعنى الذى أنزلت فيه . فالذين أنزلت
فيهم هذه الآية - على ما ذكر ابن عباس وغيره - إنما كانوا قوماً دانوا بدين أهل
التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم، فنهى الله تعالى ذكره عن إكراههم على الإسلام،
وأنزل بالنهى عن ذلك آية يعم حكمها كلَّ من كان فى مثل معناهم ، ممن كان
على دين من الأديان التى يجوز أخذُ الجزية من أهلها ، وإقرارُهم عليها ، على
النحو الذى قلنا فى ذلك .
*
قال أبو جعفر: ومعنى قوله: ((لا إكراه فى الدين))، لا يكره أحد فى
دين الإسلام عليه. (٢) وإنما أدخلت ((الألف واللام)) فى ((الدين))، تعريفاً
للدين الذى عنى الله بقوله: (٣) ((لا إكراه فيه))، وأنه هو الإسلام.
(١) سياق الجملة: ((وإذ كان ذلك كذلك ... كان بيناً)). وما بين الخطين، عطوف متتابعة
فاصلة بينهما .
(٢) ((عليه»، أى على الإسلام.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((تصريفاً الدين))، وهو تحريف، والصواب الواضح ما أثبت.
٤١٦
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
وقد يحتمل أن يكون أدخلتا عقيباً من((الهاء)) المنوية فى (( الدين ))، (١) فيكون
معنى الكلام حينئذ : وهو العلى العظيم ، لا إكراه فی دینه ، قد تبين الرشد من
الغى . وكأن هذا القول أشبه بتأويل الآية عندى .
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأما قوله: ((قد تبين الرشد))، فإنه مصدر من قول القائل:
((رشدت فأنا أرشَد رَشَداً ورُشْداً ورشاداً))، وذلك إذا أصاب الحق والصواب. (٢)
٥
٥٠
١٢/٣
وأما ((الغى))، فإنه مصدر من قول القائل: ((قد غَوَى فلان فهو يغوَى
غَيًّا وغَواية))، وبعض العرب يقول: ((غَوِى فلان يغوَى))، والذى عليه قراءة
القرأة: ﴿مَا ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [سورة النجم: ٢] بالفتح، وهى أفصح
اللغتين ، وذلك إذا عدا الحق وتجاوزه ، فضلًّ .
فتأويل الكلام إذاً : قد وضح الحق من الباطل ، واستبان لطالب الحق
والرشاد وجه مطلبه ، فتميّزَ من الضلالة والغواية، فلا تكرهوا من أهل الكتابين=
ومن أبحتُ لكم أخذَ الجزية منه-، (٣) [أحداً] على دينكم دين الحق، فإن من حاد عن
الرشاد بعد استبانته له ، فإلى ربه أمره ، وهو ولىُّ عقوبته فى معاده .
القول فى تأويل قوله ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّفُوتِ وَيُؤْمِنِ بِاللهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى معنى ((الطاغوت)).
فقال بعضهم : هو الشيطان .
(١) قوله: ((عقيباً)) أى بدلا وخلفاً منه. وأصله من العقيب: وهو كل شىء أعقب شيئاً.
وعقيبك هو الذى يعاقبك فى العمل ، يعمل مرة ، وتعمل أنت مرة
(٢) انظر ما سلف فى معنى ((رشد = ٣ ٠٤٨٤ ٤٨٥
والزيادة مما يقتضيه السياق .
أحداً على دينكم
(٣) أى ، فلا تكرهوا من أهل الكتاب
٤١٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
:
• ذكر من قال ذلك :
٥٨٣٤ - حدثنا محمد بن بشارقال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن أبى إسحق ، عن حسان بن فائد العَبْسىّ قال، قال عمر بن الخطاب: الطاغوت
الشيطان .(١)
٥٨٣٥ - حدثنى محمد بن المثنى قال ، حدثنى ابن أبى عدى ، عن شعبة ،
عن أبى إسحق ، عن حسان بن فائد ، عن عمر مثله .
٥٨٣٦ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبدالملك،
عمن حدثه ، عن مجاهد قال : الطاغوت الشيطان .
٥٨٣٧ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا ، عن
الشعبى قال : الطاغوت الشيطان.
٥٨٣٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((فمن يكفر بالطاغوت))، قال : الشيطان .
٥٨٣٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة : الطاغوت الشيطان .
٥٨٤٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى
قوله: ((فمن يكفر بالطاغوت))، بالشيطان.
وقال آخرون: ((الطاغوت)) هو الساحر.
. ذكر من قال ذلك : .
٥٨٤١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود،
(١) الأثر: ٥٨٣٤ - ((حسان بن فائد العبسى)). روى عنه أبو إسحق السبيعى. قال أبو حاتم
((شيخ))، وقال البخارى يعد فى الكوفيين . وذكره ابن حبان فى ثقات التابعين . مترجم فى التهذيب ،
والكبير ٢٨/١/٢، وابن أبى حاتم ٢٣٣/٢/١. وكان فى المطبوعة: ((العنسى))، والصواب من
المخطوطة. وهذا الأثر ساقه ابن كثير بتمامه فى تفسيره ٢ : ١٦ - ١٧
ج . (٢٧)
٤١٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
عن أبى العالية أنه قال : الطاغوت الساحر
وقد خولف عبد الأعلى فى هذه الرواية ، وأنا ذاكرٌ الخلافَ بعدُ .(١)
٠٠٠
٥٨٤٢ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال ، حدثنا
عوف ، عن محمد قال : الطاغوت الساحر . (٢)
. . .
وقال آخرون: بل ((الطاغوت)) هو الكاهن.
• ذكر من قال ذلك :
٥٨٤٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة،
عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير قال: الطاغوت الكاهن . (٣)
٥٨٤٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود ،
عن رفيع قال : الطاغوت الكاهن . (٤)
٥٨٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((فمن يكفر بالطاغوت))، قال: كُهَّنٌ تتزَّل عليها شياطين ،
يلقون على ألسنتهم وقلوبهم = أخبرنى أبو الزبير ، عن جابر بن عبد الله أنه سمعه
يقول : - وسئل عن الطواغيت التى كانوا يتحاكمون إليها فقال - : كان فى جهينة
واحد ، وفى أسلم واحد ، فى كل حى واحد ، وهى كهان ينزل عليها الشيطان .
(١) فى الأثر الآتى رقم : ٥٨٤٤.
(٢) الأثر: ٥٨٤٢°- حماد بن مسعدة، سلفت ترجمته فى رقم: ٣٠٥٦. وكان فى المطبوعة
((حميد بن مسعدة))، وهو هنا خطأ، صوابه من المخطوطة. أما ((حميد بن مسعدة، فهو شيخ الطبرى،
سلفت ترجمته فى الأثر رقم : ١٩٦ .
(٣) الأثر: ٥٨٤٣ - كان فى المطبوعة والمخطوطة: ((حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا
سعيد))، والصواب ((شعبة))، وانظر مثل ذلك فى هذا الإسناد نفسه مما سلف رقم: ٥٨١٣، والتعليق
علیه ...
(٤) الأثر ٥٨٤٤ - رفيع، هو أبو العالية الرياحى، وقد مضت ترجمته مراراً فيما سلف .
٤١٩
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
قال أبو جعفر: والصواب من القول عندى فى ((الطاغوت))، أنه كل ذى
طغيان على اللّه، فعُبِد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، وإما بطاعة ممن عبده
له ، إنساناً كان ذلك المعبود، أو شيطاناً، أو وثناً ، أو صنماً، أو كائناً ما كان
من شىء .
وأرى أن أصل ((الطاغوت))، ((الطَّغَوُوت)) من قول القائل: ((طغا فلان
يطغو))، إذا عدا قدره، فتجاوز حده، كـ ((الجبروت))((من التجبِّر))، و((الخلبوت))
من ((الخَلْب))، (١) ونحو ذلك من الأسماء التى تأتى على تقدير ((فَعَلُوت)) بزيادة
الواو والتاء. ثم نقلت لامه - أعنى لام ((الطفووت)) فجعلت له عيناً، وحُوَّلت
عينه فجعلت مكان لامه، كما قيل: ((جذب وجبذ))، و ((جاذب وجابذ))،
و((صاعقة وصاقعة))، وما أشبه ذلك من الأسماء التى على هذا المثال.
٠
٠ ٠
فتأويل الكلام إذاً : فمن يجحد رُبوبية كل معبود من دون الله ، فيكفر به =
(((ويؤمن بالله))، يقول: ويصدق باللّه أنه إلهه وربه ومعبوده(٢) = ((فقد استمسك
بالعروة الوثقى))، يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسّك به من طلبَ الخلاص لنفسه
من عذاب الله وعقابه ، كما : -
٥٨٤٦ - حدثنى أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندى قال ، حدثنا بقية بن
الوليد قال ، حدثنا ابن أبى مريم ، عن حميد بن عقبة ، عن أبى الدرداء : أنه ١٤/٣
عاد مريضاً من جييرته ، فوجده فى السَّوْق وهو يُغرغِر ، لا يفقهون ما يريد .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة ((الحلبوت من الحلب)) بالحاء المملة، والصواب ما أثبت. يقال:
(( رجل خلبوت وامرأة خلبوت))، وهو المخادع الكذوب، وجاء فى الشعر، وما أصدق ما قال هذا العربى ،
وما أبصره بطباع الناس ، وما أصدقه على زماننا هذا :
وَشَرُّ الْمُلُوكِ الغَدِرُ الخَلَبُوتُ
مَّلَكْمُ، فَلَمَّ أَنْ مَلَكْمُْ خَلَبُْ!
(٢) اطلب معنى ((الإيمان)) فيما سلف فى فهارس اللغة.
٤٢٠ ٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
فسألهم: يريد أن ينطق؟ قالوا: نعم، يريد أن يقول: ((آمنت بالله وكفرت
بالطاغوت)). قال أبو الدرداء: وما عِلْمكم بذلك؟ قالوا: لم يزل يردُّدُها حتى
انكسر لسانه ، فنحن نعلم أنه إنما يريد أن ينطق بها . فقال أبو الدرداء : أفلح
صاحبُكم! إن الله يقول: ((فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة
الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم)). (١)
٠
(١) الأثر: ٥٨٤٦ - ((أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندى))، أبو العباس الحمصى، روى عن
بقية بن الوليد، وعثمان بن سعيد الحمصى، روى عنه النسائى. وذكره ابن حبان فى الثقات. مترجم فى التهذيب
وابن أبى حاتم ٥٣/١/١. و((حميد بن عقبة))، هو: حميد بن عقبة بن رومان بن زرارة القرشى ويقال،
الفلسطينى . سمع ابن عمر، وأبا الدرداء. وروى عنه أبو بكر بن أبي مريم والوليد بن سليمان بن أبي السائب.
قال أحمد : ((حدثنا أبو المغيرة: سألت أبا بكر فقلت: حميد بن عقبة أراه كبيراً ، وأنت تحدث عنه
عن أبى الدرداء ؟ قال: حدثنى أن كل شىء حدثنى عن أبى الدرداء، سمعه من أبى الدرداء»، مترجم فى
الكبير ٣٤٧/٢/١، وابن أبى حاتم ٢٢٦/٢/١، وتعجيل المنفعة : ١٠٦.
يقال: ((فلان فى السوق، وفى السياق)) أى فى النزع عند الموت، كأن روحه تساق لتخرج من
بدنه. و ((هو يسوق نفسه ويسوق بنفسه)): أى يعالج سكرة الموت ونزعه. ويقال: ((غرغر فلان يغرغر))
جاد بنفسه عند الموت، و ((الغرغرة)) تردد الروح فى الحلق، وأكثر ذلك أن يكون معها صوت،
كغرغرة الماء فى الحلق. وقوله: ((حتى انكسر لسانه)): أى عجز عن النطق. وكل من عجز عن شىء،
فقد انكسر عنه . وهو هنا عبارة جيدة تصور ما يكون فى لسان الميت .
٠٠٠
وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذى نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه :
«يتلوهُ القول فى تأويل قوله: فقد استمسك بالعروة الوثقى .
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيراً))
ثم يبدأ الجزء بعد :
(( بسم الله الرحمن الرحيم،
ربّ يَسِّرْ))