النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ تفسير سورة البقرة : ٢٤٦ وذلك هو الكلامُ الذى لاحاجة بالمتكلم به إلى الاستشهاد على صحته ، لفشُوٍ ذلك على ألسن العرب. = وتثبت ((أن)) فيه أخرى، توجيهاً لقولها: ((مالك)) إلى معناه ، إذ كان معناه: ما منعك؟ كما قال تعالى ذكره: ﴿مَاَ مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٢]، ثم قال فى سورة أخرى فى نظيره: ﴿مَالَكَ أَلَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [سورة: الحبر: ٣٢]، فوضع ((ما منعك)) موضع ((مالك))، و(مالك)) موضع ((ما منعك))، لاتفاق معنييهما، وإن اختلفت ألفاظهما، كما تفعل العرب ذلك فى نظائره مما تتفق معانيه وتختلف ألفاظه، كما قال الشاعر: (١) يَقُولُ إِذَا افْلَوْلَى عَلَيْهَا وَأَفْرَدَتْ: أَلاَهَلْ أَخُر عَيْشٍ لَذِيِذٍ بِدَاْمِ؟(٢) ونسوة))، وهذا الراجز يقول لناقته: ما رغاؤك، والحوامل لا ترغو؟ يعنى أنها إنما ترغو حنيناً إلى بلاده وبلادها ، حيث فارق من كان يحب ، كما قال الشماطيط الغطفانى لناقته : إِلَى مَنْ باَلَحَنِينٍ تَشَوَّقِينَاَ !! أَرَارَ اللهُ مُنَّكِ فِى السُّلَامَى وَلِكِنَى أُسِرُ وَتُعْلِنِينَاَ! فَإِى مِثْلُ مَآَ تَجِدِينَ وَجْدِى ، أجِلُّ عَنِ الِقَِّل ، وَتُعْقَلِينَاَ! وَبِ مِثْلُ الَّذِى بِكِ ، غَيْرَ أَلِّى هذا، وقد كان فى المطبوعة ((مالك ترعين ولا ترعوا الخلف))، وهو فى المخطوطة على الصواب، ولكنه غير منقوط كعادة ناسخها فى كثير من المواضع . (١) هو الفرزدق . (٢) ديوانه: ٨٦٣، والنقائض: ٧٥٣، ومعانى القرآن الفراء ١: ١٦٤، والسمان (قرد) (قلا) (هلل) يهجو جريراً، ويعرض بالبحيث، وقبله، يعرض بأن قوم جرير ، وهم كليب بن يربوع ، كان يغشون الأمن : إِذَا لَمْ يَجِدْ رِيحَ الأَثَانِ، بِنَئِ وَلَيْنَ كُلَيْىٌّ، إِذَا جَنَّ كَُ يَقُولُ - إِذَا أَقْلَوْلَى. وفى المطبوعة: ((تقول)). وقد شرح ابن برى على هذه الرواية شرحاً فاسداً جداً فى السان فی (قرد)، وشرحه ابن الأعرابي أيضاً فى (قلا) على هذه الرواية ، فكان أيضاً شرحاً شديد الفساد. وزعم أنه أراد امرأة يزفى بها . والصواب أنه أراد ما ذكرت من غثيان إناث الحمير ، لا إنات البشر ! ! وقوله: ((اقلولى)، أى: علا على ظهرها مستفزاً قلقاً لا يستقر، واختيار الفرزدق لهذا الحرف عجب ٣٠٢ تفسير سورة البقرة : ٢٤٦ فأدخل فى ((دائم)) ((الباء)) مع ((هل)) ، وهى استفهام. وإنما تدخل فى خبر ((ما)) التى فى معنى الجحد، لتقارب معنى الاستفهام والجحد. (١) وكان بعض أهل العربية يقول: (٢) أدخلت ((أن)) فى ((ألا تقاتلوا))، لأنه بمعنى قول القائل: مالك فى ألا تقاتل . ولو كان ذلك جائزاً ، لجاز أن يقال : ((مالك أن قمت = ومالك أنك قائم))، وذلك غير جائز. لأن المنع إنما يكون للمستقبل من الأفعال، كما يقال: ((منعتك أن تقوم)) ولا يقال: ((منعتك أن قمت))، فلذلك قيل فى ((مالك)): ((مالك ألا تقوم)، ولم يقل: ((مالك أن قمت)). وقال آخرون منهم: (٣) ((أن)) ههنا زائدة بعد (( ما لنا))، كما تزاد ((لما)) و ((لو))، (٤) وهى تزاد فى هذا المعنى كثيراً. قال: ومعناه: ومالنا لا نقاتل فى سبيل اللّه؟ فأعمل ((أن)) وهى زائدة، وقال الفرزدق: لَوْ لَمْ تَكُنْ غَفَانٌ لَاذَنُوبَ لَهَا إِذَنْ لَلَمَ ذَوُوأُحْسَابهاَ مُمَرَا(٥) من العجب فى تصوير ما أراد. وأقرد الرجل وغيره: مكن وتملوت. يريد أن الأتان قد رضيت فأنمحت فسكنت له. فلما بلغ ذلك منه ومنها قال: ((ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم))، يكشف عن شدة حبه وشغفه بذلك، وأنه يأسف ويتحسر على أنه أمر ينقضى ولا يدوم. وقد زعموا أن ((هل)) هنا بمعنى الجحد أى ليس أخو عيش لذيذ بدائم. (اللسان : هلل). (١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ١٦٣ - ١٦٤، وقد استوفى الكلام فيما فتحه الطبرى. (٢) هو الكسائى، كما صرح به الفراء فى معانى القرآن ١: ١٦٥. (٣) هو أبو الحسن الأخفش، كما يتبين من تفسير أبي حيان والقرطبي والمغنى. (٤) فى المطبوعة: ((زائدة بعد فلما ولما ولو))، وهو تخليط. وفى المخطوطة ((بعد ملما ... )) مضطربة الكتبة، فالصواب عندى أن تكون: ((مالنا))، ولما أخطأ الناسخ الكتابة والقراءة ، سلف ((كما تزاد))، وهذا هو صواب المعنى والحمد فيه. (٥) ديوانه: ٢٨٣، وسيأتى فى التفسير ٩: ١٥٦، والخزانة ٢: ٨٧، والعينى (الخزانة) ٢ : ٣٢٢ يهجو عمر بن هبيرة الفزارى وهو أسيد الأمراء وعمال سليمان بن عبد الملك. وقومه .. فزارة ابن ذبيان، من ولد غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر. وهو شعر جيد فى بابه، وقبل البيت أبيات منها : ٣٠٣ تفسير سورة البقرة : ٢٤٦ والمعنى: لو لم تكن غطفان لها ذنوب = (( ولا ) زائدة فأعملها. (١) = وأنكر ما قالَ هذا القائلُ من قوله الذى حكينا عنه، آخرون . وقالوا: غير جائز أن تجعل ((أن)) زائدة فى الكلام وهو صحيح فى المعنى وبالكلام إليه الحاجة قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل - فلا وجه لدعوى مدَّع أنّ((أن)) زائدة، معنى مفهوم صحيح . قالوا وأما قوله : ٢٧٧/٢ • لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانٌ لَا ذَنُوبَ لَهاَ. يَا قِيسَ غَيْلَانَ: أَنْ لَا تُشْرِ عُوا الصَّجَرَا يَا قَيْسَ عَيْلَانَ، إِلَّ كُنْتُ قْتُ لَكُمْ سَبْعَاً، إِذَا أُسْتَمَعُوا صَوْتِى، ولا بَصَرَا إِى مَتَى أَهْجُ قَوْمًا لا أُدَعْ لَهُمُ ثم قال بعد أيات : لَوْلَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ هذا وجميع من رأيت يذهب إلى أن ((الذنوب)) جمع ((ذنب))، وهو عندى ليس بشىء، وإنما انحطوا فى آثار الأخفش، حين استشهد بالبيت على إعمال ((لا)) الزائدة. وصواب البيت عندى إلاَّ ذَ نُوبَ لها﴾ وليس فى البيت شاهد عندئذ. والظاهر أن الأخفش أخطأ فى الاستشهاد به . والذنوب (بفتح الذال) : الحظ والنصيب، وأصله الدلو الملأى. وهو بهذا المعنى فى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْل ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾، أى حظاً من العذاب. قال الفراء: ((الذنوب الدلو العظيمة، ولكن العرب تذهب به إلى الحظ والنصيب)). وقال الزنجثرى: ((ولهم ذقوب من كذا)) أى نصيب، قال عمرو ابن شأس : فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَذَاكَ ذَنُوبُ وَفِى كُلّ حَي قَدْ خَبَطْتَ بِنْمَةٍ أقول: يقول الفرزدق: لو لم تكن غطفان خسيسة لاحظ لهما من الشرق والحسب والمرومة - ((إذن للام ذوو أحسابها عمرا). وبذلك يبرأ البيت من السخف ومن تكلف التحاة . هذا وانظر هجاء الفرزدق لعمر بن هبيرة فى طبقات فحول الشعراء : ٢٨٧ - ٢٨٨ وقوله : فَدِ الزَّمَانُ وَبُدَّلَتْ أَعْلَامُهُ حَتّى أُمَّةُ عَنْ فَزَارَةَ تَنْزِعُ يقول: تبدلت الدنيا، حتى صارت أمية تحتمى بغزارة وتصدر عن رأيها. يتعجب من ذلك خمسة فزارة عنده . (١) استشهد بهذا على إعمال الزائد وهو ((لا))، كما أعملت ((أن)) فى الآية. ٣٠٤ تفسير سورة البقرة : ٢٤٦ = فإن « لا ، غيرُ زائدة فى هذا الموضع ،لأنه جحد، والححد إذا جُحد صار إثباتاً. قالوا: فقوله: ((لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها))، إثبات الذنوب لها، كما يقال: (( ما أخوك ليس يقوم)) ، بمعنى : هو يقوم. ... وقال آخرون: معنى قوله: (( ما لنا ألا نقاتل)): ما لنا ولأن لا نقاتل ، ثم حذفت ((الواو)) فتركت، كما يقال فى الكلام: ((مالك ولأن تذهب إلى فلان)) ، فألقى منها ((الواو))، لأن ((أن)) حرف غير متمكن فى الأسماء. وقالوا: نُجيز أن يقال: ((مالك أن تقوم))، ولا نُجيز: ((مالك القيام))، لأن القيام اسم صحيح (((وأن)) اسم غير صحيح. وقالوا: قد تقول العرب: ((إياك أن تتكلم))، بمعنى : إياك وأن تتكلم . . .. وأنكر ذلك من قولهم آخرون وقالوا : لو جاز أن يقال ذلك على التأويل الذى تأوله قائل من حكينا قوله، لوجب أن يكون جائزاً: (( ضربتك بالجارية وأنت كفيل))، بمعنى: وأنت كفيل بالجارية = وأن تقول: ((رأيتك إيانا وتريد)»، بمعنى: ((رأيتك وإيانا تريد)).(١) لأن العرب تقول: ((إياك بالباطل تنطق))، قالوا: فلو كانت ((الواو)) مضمرة فى ((أن))، لجاز جميع ما ذكرنا، ولكن ذلك غير جائز، لأن ما بعد ((الواو)) من الأفاعيل غير جائز له أن يقع على ما قبلها ، (٢) واستشهدوا على فساد قول من زعم أن ((الواو)) مضمرة مع ((أن )) بقول الشاعر : فَبُحْ بِالَّرَائِ فِىِ أَهْلِهَا وَإِنَّكَ فِ غَيْرِهِمْ أَنْ تَبُوحًَ(٢) (١) فى المطبوعة: ((رأيتك أبانا ويزيد، بمعنى: رأيتك وأبانا يزيد))، وهو كلام ساقط هالك . والصواب من المخطوطة، وإن كان غير منقوط الحروف، ومن معانى القرآن الفراء ١ : ١٦٥. (٢) ((الأفاعيل)) الأفعال. ووقوعها على ما قبلها، إما بالعمل فيه أو بالتعلق به. (٣) لم أعرف قائله، وهو فى معانى القرآن الفراء ١: ١٦٥، والسرائر جمع سريرة، والسريرة: السر هنا ٣٠٥ تفسير سورة البقرة : ٢٤٦ = وأنّ ((أن تبوحا))، لو كان فيها ((واو)) مضمرة، لم يجز تقديم ((فى غيرهم)) عليها . (١) وأما تأويل قوله: ((وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا))، فإنه يعنى: وقد أخرج من غُلب عليه من رجالنا ونسائنا من ديارهم وأولادهم ، ومن سُبٍ. وهذا الكلام ظاهره العموم وباطنه الخصوص، لأن الذين قالوا لنبيهم: ((ابعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل الله))، كانوا فى ديارهم وأوطانهم ، وإنما كان أخرج من داره وولده من أسير وقُهر منهم . ٥ ه وأما قوله: ((فلما كُتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم )) ، يقول : فلما فرض عليهم قتالُ عدوهم والجهادُ فى سبيله = ((تولوا إلا قليلاً منهم)) ، يقول : أدبروا مولّين عن القتال، وضيعوا ما سألوه نبيهم من فرض الجهاد . والقليل الذين استثناهم الله منهم، هم الذين عبروا النهر مع طالوت. وسنذكر سبب تولى من تولَّى منهم ، وعبور من عبر منهم النهر بعدُ إن شاء اللّه، إذا أتينا عليه . ٠ ٠ يقول الله تعالى ذكره: ((والله عليم بالظالمين))، يعنى: والله ذو علم بمن ظلم منهم نفسه، فأخلف اللّه ما وعده من نفسه، وخالف أمر ربه فيما سأله ابتداءً أن يوجبه عليه . # وهذا من الله تعالى ذكره تقريعٌ لليهود الذين كانوا بين ظهرانَىْ مُهاجر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فى تكذيبهم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، ومخالفتهم أمر ربهم . يقول الله تعالى ذكره لهم: إنكم، يا معشر اليهود، عصيتم اللّه وخالفتم أمره فيما سألتموه أن يفرضه عليكم ابتداء، من غير أن يبتدئكم ربكم بفرض ما عصيتموه (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((تقديم غيرهم)) بإسقاط ((فى))، والصواب من معانى القرآن الفراء ١: ١٦٦، وقد استوفى الكلام فى ذلك، وكأن ما هنا منقول عنه بنصه. ج . (٢٠) ٣٠٦ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧،٢٤٦ فیه ، فأنتم بمعصيته - فيما ابتدأ کم به من إلزام فرضه - أحرى. ٠٠٠ وفى هذا الكلام متروك قد استغنى بذكر ما ذكر عما ترك منه . وذلك أن معنى الكلام: ((قالوا: وما لنا ألا نقاتل فى سبيل اللّه وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا)) = فسأل نبيُّهم ربّهم أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون معه فى سبيل الله ، فبعث لهم ملكاً ، وكتب عليهم القتال = ((فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين» . ٣٧٨/٢ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَتَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِّكَا قَالُواْ أَّى يَكُونَ لَهُ الْهُ عَلَيْنَاَ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِْلَمُلْكِ مِنْهُ وَلَ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ﴾ قال أبو جعفر : یعنی تعالى ذكره بذلك : وقال للملأ من بنى إسرائيل نبيُهم شمويل : إن الله قد أعطاكم ما سألتم، وبعث لكم طالوت ملكاً . فلما قال لهم نبيهم شمويل ذلك ، قالوا : أنىّ يكون لطالوت الملك علينا ، وهو من سبط بنيامين ابن يعقوب = وسبط بنيامين سبطٌ لا مُلك فيهم ولانبوّة = ونحن أحق بالملك منه ، لأنَّا من سبط يهوذا بن يعقوب = ((ولم يؤت سعة من المال))، يعنى: ولم يؤت طالوت كثيراً من المال ، لأنه سَقَّاء = وقيل : كان دبَّغاً. ٠ وكان سببُ تمليك اللّه طالوتَ على بنى إسرائيل ، وقولهم ما قالوا لنبيهم شمويل: ((أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال))؟ ما : - ٥٦٣٦ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثنى محمد بن إسحق قال ، حدثنى بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قال: لما قال الملأ من بنى إسرائيل لشمويل بن بالى ما قالوا له، سأل اللّهَ نبيَّهم شمويل أن يبعث ٣٠٧ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧ لهم ملكاً ، فقال الله له: انظر القَرْن الذى فيه الدُّهن فى بيتك، (١) فإذا دخل عليك رجل فنشّ الدهن الذى فى القَرْن، (٢) فهو ملك بنى إسرائيل ، فادْهن رأسَهُ منه وملكه عليهم، وأخبره بالذى جاءه ـ (٣) فأقام ينتظرمتى ذلك الرجل داخلاً عليه . (٤) وكان طالوت رجلاً دبّاغاً يعمل الأدم ، (٥) وكان من سبط بنيامين ابن يعقوب . وكان سبطُ بنيامين سبطاً لم يكن فيهم نبوة ولا ملك . فخرج طالوت فى طلب دابة له أضلَّته، (٦) ومعه غلام له. فمرّاً ببيت النبى عليه السلام ، فقال غلام طالوت لطالوت : لو دخلتَ بنا على هذا النبىّ فسألناه عن أمرَ دابَّتنا ، غیرشدنا ويدعو لنا فيها بخير ! فقال طالوت. ما بما قلتمن بأس ! فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران له شأن دابتهما ويسألانه أن يدعو لههما فيها، إذ نَشّ الدهن الذى فى القرن، فقام إليه النبى عليه السلام فأخذه ، ثم قال لطالوت : قرِّب رأسك ! فقرَّبه ، فدهنه منه ، ثم قال: أنتَ ملك بنى إسرائيل الذى أمرنى الله أن أملكك عليهم != وكان اسم ((طالوت)) بالسريانية : شاول(٧) بن قيس بن ٠,٣ (١) القرن: قرن الثور وغيره، وكأنه أراد هنا: القنينة التى يكون فيها الدهن والطيب، وكأنهم كانوا يتخذونها من قرون البقر وغيرها، وقد سموا المحجمة التى يحتجم بها ((قرناً)) ولم أجد هذا الحرف بهذا المعنى فى كتب اللغة ، ولكنه صحيح كما رأيت . (٢) نش الماء يتش نشاً: ونشيشاً: صوت عند الغليان. (٣) فى المخطوطة ((بالذى حاه)) غير منقوطة، ولولا أن التى فى المطبوعة، صواب أيضاً، لقلت إنها : ((بالذى حباه الله))، يعنى الملك. (٤) هكذا جاءت هذه الجملة فى المطبوعة والمخطوطة والدر المنثور ١: ٣١٥. وأخشى أن تكون ((متى)) زائدة، أو تكون ((مأتى ذلك الرجل ... )) (٥) الأدم جمع أديم. وهو جمع عزيز، وقال سيبويه: هواسم الجمع. قال التوزى: ((الجلد أول ما يدبغ فهو أديم ، فإذا رد فى الدباغ مرة أخرى فهو القديم )». (٦) يقال: أضله الأمر: إذا ذهب عنه وفارقه فلم يقدر عليه. وهذا من عجيب العربية. وفى المخطوطة: ((أطلته))، وهو خطأ، والصواب ما فى المطبوعة والدر المنثور. (٧) فى المخطوطة والمطبوعة: ((شادل)). والصواب من التاريخ ١: ٢٤٧، والدر المنثور ١: ٣١٥، وهو كذلك فى كتاب القوم. ٢٠٨ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧ أبيال(١) بن ضرار (٢) بن يخرب(٢) بن أفيح بن آيس(٤) بن بنيامين بن يعقوب ابن إسحق بن إبراهيم = فجلس عنده، وقال الناس: مُلُّك طالوت !! فأنت عظماء إسرائيل نبيَّهم وقالوا له : ما شأن طالوت يملك علينا ، وليس فى بيت النبوة المملكة؟ قد عرفتَ أن النبوة والملك فى آل لاوى وآل يهوذا! فقال لهم: ((إن اللّه اصطفاهُ عليكم وزاده بسطةً فى العلم والجسم)). ٥٦٣٧ - حدثنا المثی قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا إسمعیل بن عبدالكريم، عن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه قال: قالت بنو إسرائيل لأشمويل: (٥) ابعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل الله ! قال : قد كفاكم الله القتال ! قالوا : إنا نتخوَّف مَنْ حولنا، فيكون لنا ملك نفزع إليه! فأوحى الله إلى أشمويل: أن ابعث لهم طالوت ملكاً، وادهنه بدُهن القدس. فضلَّتُ حُرٌ لأبى طالوت، (٦) فأرسله وغلاماً له يطلبانها ، فجاءا إلى أشمويل يسألانه عنها، (٧) فقال: إن الله قد بعثك ملكاً على بنى إسرائيل . قال : أنا ؟ قال: نعم ! قال: أو ما علمتَ أن سبطى أدنى أسباط بنى إسرائيل؟(٨) قال: بلى ! قال: أنما علمت أن قبيلتى أدنى قبائل سبطى ؟! قال : بلى! قال : أما علمت أن بيتى أدنى بيوت قبيلتى ؟ قال : (١) (أيئيل) فى كتاب القوم. (٢) (صرور) فى كتاب القوم . (٢) (بكورة﴾ فى كتاب القوم، وفى التاريخ ((بحرت))، وكأنها الصواب. (٤) لم أجده فى كتاب القوم، وفى التاريخ (أيش) (٥) فى تاريخ الطبرى ١: ٢٤٤ ((لأشمويل))، وفيا سيأتى بعد ((أشمويل)) فى سائر المواضع. وكذلك فى المخطوطة، أما المطبوعة، فكان فيها ((لشمويل))، وفى سائر المواضع ((شمويل)) فأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ . (٦) فى المطبوعة: ((وضلت))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ. (٧) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فجازوا ... يسألونه عنها))، والصواب ما فى التاريخ كما أثبته. (٨) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وما علمت)) وأثبت ما فى التاريخ، وهو مقتضى السياق. ٣٠٩ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧ بلى ! قال : فبأيَّة آية ؟ قال : بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك ◌ُمره ، وإذا كنت بمكان كذا وكذا نزل عليك الوحى! فدهنه بدُهن القدُس . فقال لبنى إسرائيل : ((إِنّ اللّهَ قد بعثَ لكُمْ طالوتَ ملِكاً قالوا أنَّى يكونُ له الملكُ علينا ونحنُ أحقّ بالملك منهُ ولم يؤتَ سعةٌ من المال قالَ إنّ الله اصطفاه عليكمْ وزاده بسطة فى العلم والجسم». ٣٧٩/٢ ٥٦٣٨ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قال: لما كذَّبت بنو إسرائيل شمعون، (١) = وقالوا له: إن كنت صادقاً، فابعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل الله آيةً من نبوتك. قال لهم شمعون: عسى إن كُتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ؟ ((قالوا وما لنا ألا نقاتل فى فى سبيل اللّه)) الآية = دعا الله، فأتى بعصاً تكون مقداراً على طول الرجل الذى يُبعث فيهم ملكاً ، فقال : إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا ، فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها . وكان طالوت رجلاً سقَّاء يسمى على حمار له ، فضلًّ حماره ، فانطلق يطلبه فى الطريق . فلما رأوه دعوه فقاسوه بها ، فكان مثلها ، فقال لهم نبيهم: ((إنّ اللّه قد بعث لكم طالوت ملكاً)). قال القوم: ما كنتَ قط أكذبَ منك الساعة ! ونحن من سبط المملكة، وليس هو من سبط المملكة، ولم يؤتَ سعةً من المال فنتبعه لذلك! فقال النبي: ((إنّ اللّه اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم)». (٢) ٥٦٣٩ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال ، حدثنا شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: كان طالوت سقَّاء يبيع الماء. ٥٦٤٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : بعث اللّه طالوت ملكاً ، وكان من سبط بنيامين ، سبطٌ لم يكن فيهم (١) انظر الأثر السالف: ٥٦٣٥، وما قبله فى الاختلاف فى اسم هذا النبى عليه السلام. (٢) الأثر: ٥٦٣٨ - هو تتمة الأثر السالف : ٥٦٣٥، وهو فى تاريخ الطبرى بطوله ١ : ٢٤٢ - ٢٤٣ ٠ ٣١٠ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧ مملكة ولا نبوة . وكان فى بنى إسرائيل سبطان : سبط نبوة ، وسبط مملكة . وكان سبط النبوة سبط لاوى ، إليه موسى = وسبط المملكة يهوذا ، إليه داود وسليمان . فلما بعث من غير سبط النبوة والمملكة ، أنكروا ذلك وعجبوا منه وقالوا: ((أنَّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه)) ؟ قالوا : وكيف يكون له الملك علينا وليس من سبط النبوة ولا من سبط المملكة ؟ فقال الله تعالى ذكره: ((إن الله اصطفاه عليكم)). ٥٦٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((ابعث لنا ملكاً)، قال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً . قالوا: ((أنى يكون له الملك علينا))؟ قال: وكان من سبط لم يكن فيهم ملك ولا نبوة، فقال: ((إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم)). ٥٦٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً)، وكان فى بنى إسرائيل سبطان: سبطُ نبوة ، وسبط خلافة ، فلذلك قالوا : ((أنّى يكون له الملك علينا))؟ يقولون: ومن أين يكون له الملك علينا، وليس من سبط النبوة ولاسبط الخلافة؟ قال: ((إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم)). ٥٦٤٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول فى قوله: (( أنى يكون له الملك علينا ))، فذكر نحوه . ٥٦٤٤ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : لما قالت بنو إسرائيل لنبيهم: سل ربّك أن يكتُب علينا القتال! فقال لهم ذلك النبىّ: ((هل عسيتم إن كُتُب عليكم القتال)) ؟ الآية ، قال: فبعث الله طالوت ملكاً . قال: وكان فى بنى إسرائيل سبطان: سبطُ نبوة وسبط مملكة، ولم يكن طالوت من سبط النبوة ولامن سبط المملكة . فلما بعث لحم ٢١١ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧ ملكاً، أنكروا ذلك وعجبوا وقالوا: (( أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال))؟ قالوا: وكيف يكون له الملك علينا وليس من سبط النبرة ٣٨٠/٢ ولا من سبط المملكة؟ فقال: ((إنّ الّه اصطفاه عليكم)) الآية. ٥٦٤٥ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عی قال، حدثی أبی،عن أبيه،عن ابن عباس قال: أما ذكر طالوت إذا قالوا: ((أتى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال)»؟ فإنهم لم يقولوا ذلك إلا أنه كان فى بنى إسرائيل سبطان: كان فى أحدهما النبوة، وكان فى الآخر المك ، فلا يبعث إلا من كان من سبط النبوة، ولا يملك على الأرض أحد إلا. من كان من سبط الملك . وأنه ابتعث طالوت حين ابتعثه وليس من أحد السبطين، واختاره عليهم، وزاده بسطة فى العلم والجسم . من أجل ذلك قالوا: ((أتى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه))، وليس من واحد من السيطين؟ قال: ذ وإن الله اصطفاه عليكم، إلى: ((واّ سميع عليم)). ٥٦٤٦ - حدثنا القاسم قال حدثنا الحسینقال، حدثی حجاج، عن ابن جریجقال،قال ابن عباس قوله: ((ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل من بعد مرمى)) الآية ، هذا حين رفعت التوراة واستُخرج أهل الإيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجهم من ديارهم وأبثاتهم = ((فلما كتب عليهم التبتال))، وذلك حين أتاهم التابوت. قال: وكان من بنى إسرائيل سبطان: سيط نبوة وسبط خلاقة ، فلا تكون الخلافة إلا فى سبط الخلافة، ولا تكون النبوة إلا فى سبط النبوة، - فقال لهم فيهم: (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه))، وليس من أحد السبطين: لا من سيط النبرة، ولا سبط الخلافة؟ = ((قال إن اهـ اصطفاء عليكم))، الآية.(١) (١) الأثر: ٥٦٤٦ - هو تتمة الأثر لسالف: ٠٦٣٣. ٣١٢ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧ وقد قيل: إن معنى ((الملك)) فى هذا الموضع: الإمرة على الجيش. • ذكر من قال ذلك : ٥٦٤٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: ((إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً))، قال: كان أمیر الجيش . ٥٦٤٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد بمثله - إلا أنه قال : كان أميراً على الجيش. قال أبو جعفر: وقد بينا معنى ((أنى))، ومعنى ((الملك))، فيما مضى ، فأغنى ذلك عن إعادته فى هذا الموضع . (١) القول فى تأويل قوله ﴿قَالَ إِنَّ الْهَ أَمْطَقْهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَّةً فِى اٌلِلٍْ وَالْجْمِ» قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((إنّ الله اصطفاه عليكم))،". قال نبيُّهم شمويل لهم: ((إنّ الله اصطفاء عليكم ))، يعنى: اختاره عليكم، كما : - ٥٦٤٩ - حدثنى محمد بنسعد قال ، حدثی أبی قال ، حدثی عی قال ، حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((اصطفاه عليكم))، اختاره. (٢) ٥٦٥٠ - حدثی المثی قال حدثنا إسمق قال، حدثنا أبو زهیر ، عن جوییر ، عن الضحاك: ((إنّ اللّه اصطفاه عليكم))، قال: اختاره عليكم. (١) انظر تفسير ((أنى)) فيما سلف ٤: ٣٩٨ - ٤١٦)، وتفسير معنى ((الملك)) فيما سلف ١: ١٤٨ - ١٥٠، ثم ٢ : ٠٤٨٨ (٢) انظر تفسير ((الاصطفاء)) فيما سلف ٣: ٩١. ٣١٣ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧ ٥٦٥١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((إن الله اصطفاه عليكم))، اختاره . وأما قوله: ((وزاده بسطةً فى العلم والجسم))، فإنه يعنى بذلك أن الله بسط له فى العلم والجسم ، وآتاه من العلم فضلاً على ما آنى غيره من الذين خوطبوا بهذا الخطاب. وذلك أنه ذكر أنه أتاه وحى من الله، وأما ((فى الجسم))، فإنه أوتی من الزيادة فى طوله علیهم ما لم یوته غیرُه منهم ، كما : - ٥٦٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا إسمعيل بن عبد الكريم قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه قال : لما قالت بنو إسرائيل: ((أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قالَ إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم)). قال: واجتمع بنو إسرائيل فكان طالوت فوقهم من منكبيه فصاعداً . ٠ ٠ ٥ ٣٨١/٢ وقال السدى: 'أتى النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم بعصاً تكون مقدارًا على طول الرجل الذى يبعث فيهم ملكاً ، فقال : إن صاحبكم يكون طولُه طولَ هذه العصا. فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها . فقاسوا طالوت بها فكان مثلها . ٥٦٥٣ - حدثنى بذلك موسى قال، حدثناعمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى.(١) وقال آخرون : بل معنى ذلك: (( إن الله اصطفاه علیکم وزاده » مع اصطفائه .. إياه ((بسطةً فى العلم والجسم)). يعنى بذلك: بسط له مع ذلك فى العلم والجسم. • ذكر من قال ذلك : ٥٦٥٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم)) ، بعدَ هذا. (١) الأثر: ٥٦٥٣ - هو بعض الأثر السالف: ٥٦٣٨. . ٣١ ٤ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧ القول فى تأويل قوله (وَلُهُ يُؤَِّى مُلْكَهُ مَنْ يَشَآءِ وَأَقْهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) قال أبو جعفر : یعنی تعالى ذكره بذلك : إن الملك قه وبيده دون غیره ۔۔. « یؤنیه »، بقول: يؤتىذلك من يشاء، فیضعه عنده ويخصّه به ، ويمنعه من أحبّ من خلقه.(١) يقول : فلا تستنكروا ، يا معشر الملا من بنى إسرائيل ، أن يبعث اللّه طالوت ملكاً عليكم ، وإن لم يكن من أهل بيت المملكة ، فإن الملك ليس بميراث عن الآباء والأسلاف، ولكنه بيد اللّه يُعطيه من يشاء من خلقه ، فلا تتخيَّروا على الله. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك : ٥٦٥٥ - حدثنا ابن حميد قال،حدثنا سلمة قال ، حدثی ابن إسحق قال ، حدثنى بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: ((والله يؤتى ملكه من يشاء))، الملكُ بید اله یضعه حیث یشاء ، لیس لكم أن تختاروا فيه . ٥٦٥٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج قال ، مجاهد : ملكه سلطانه. ٥٦٥٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد: (( والله برقی ملکه من يشاء)» ، سلطانه. وأما قوله: ((والله واسعٌ عليم))، فإنه يعنى بذلك: ((والله واسع)» بفضله فينهم به على من أحب، ويزيد فيه من يشاء =(٢) ((عليم)) بمن هو أهل ملكه الذى (١) فى المطبوعة: ((ويمنجه من أحب .... )، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى الخطرية: ((فينم له))، والصواب ما فى المطبوعة: وفى المطبوعة: ((ويريد به من يشاء، وفى المخطوطة: ((ويريد فيه ... ، غير متقوية وصواب قرامتها ما أثبت. ٣١٥ تفسير سورة البقرة : ٢٤٧، ٢٤٨ يؤتيه ، وفضله الذى يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به ، وبأنه لما أعطاه أهل : إما للإصلاح به ، وإما لأن ينتفع هو به .(١) القول فى تأويل قوله ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِكُمُ النَّابُوتُ﴾ قال أبو جعفر : وهذا الخبر من الله تعالی ذ کره عن نبیه الذی أخبر عنه به ، دليلٌ على أن الملأ من بنى إسرائيل الذى قيل لهم هذا القول، لم يقرُّوا ببعثة اللّه طالوت عليهم ملكاً إذْ أخبرهم نبيهم بذلك ، وعرَّفهم فضيلته التى فضّله اللّه بها ، ولكنهم سألوه الدّلالة على صدق ما قال لهم من ذلك وأخبرهم به. فتأويل الكلام، إذ كان الأمر على ما وصفنا: ((والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم))، فقالوا له: ما آية ذلك إن كنت من الصادقين؟(٢) =: ((قال لهم نبيهم إنّ آية مُلكه أن يأتيكم التابوت)). وهذه القصة = (٣) وإن كانت خيراً من الله تعالى ذكره عن الملأ من بنى إسرائيل ونبيهم، وما كان من ابتدائهم نبيَّهم بما ابتدأوا به من مسألته أن يسأل الله لهم أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون معه فى سبيله، وتَباً عما كان منهم من تكذيبهم نبيّهم بعد علمهم بنبوته، (٤) ثم إخلافهم الموعد الذى وعدوا الله ووعدوا رسوله ، من نه)) وبينهما بياض على قدر كلمة، ولم أستطع أن أجد (١) فى المخطوطة: ((وإما لا كلمة أحلها فى البياض، وتركت ما فى المطبوعة على حاله ، وإن كنت لا أرضاه كل الرضى . (٢) فى المطبوعة: ((فقالوا له: انت بآية على ذلك ... ))، وفى المخطوطة: ((مما أتى به ذلك). وقد ضرب على الباء من ((أتى)). واستظهرت قراءتها كما أثبتها، لقوله تعالى بعد: ((إن آية ملكه)). (٣) فى المطبوعة: ((هذه القصة)) بإسقاط الواو، وإسقاطها محل بالكلام. (٤) فى المطبوعة: ((بناء عما كان منهم من تكذيبهم))، وهو غمث من الكلام. وفى المخطوطة: ((سماعما كان ... )) غير منقوطة، والصواب ما أثبت مع زيادة ((الواو)) عطفاً على قوله: ((وإن كانت خبراً .... ٣١٦ تفسير سورة البقرة : ٢٤٨ الجهاد فى سبيل اللّه، بالتخلُّف عنه حين استُنهضوا لحرب من استهضوا لحربه ، وفتْح اللّه على القليل من الفئة ، مع تخذيل الكثير منهم عن ملكهم وقُعودهم عن الجهاد معه = (١) فإنه تأديب لمن كان بين ظهرانَى مُهاجَر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من ذراريهم وأبنائهم يهود قُرَيظة والنضير، وأنهم لن يَعْدوا فى تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به ونهاهم عنه = مع علمهم بصدقه ، ومعرفتهم بحقيقة نبوته ، بعد ما كانوا يستنصرون الله به على أعدائهم قبل رسالته ، وقبل بعثة الله إياه إليهم وإلى غيرهم = (٢) أن يكونوا كأسلافهم وأوائلهم الذين كذبوا نبيهم شمويل ابن بالى ، مع علمهم بصدقه ، ومعرفتهم بحقية نبوته ، وامتناعهم من الجهاد مع طالوت لمّا ابتعثه اللّه ملكاً عليهم، بعد مسألتهم نبيَّهم ابتعاثَ ملك يقاتلون معه عدوهم ويجاهدون معه فى سبيل ربهم ، ابتداءً منهم بذلك نبيّهم، وبعد مراجعة نبيهم شمويل إياهم فى ذلك =(٣) وحضّ لأهل الإيمان بالله وبرسوله من أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم على الجهاد فى سبيله ، وتحذيرٌ منه لهم أن يكونوا فى التخلف عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم عند لقائه العدو ، ومناهضته أهل الكفر بالله وبه ، على مثل الذى كان عليه الملأ من بنى إسرائيل فى تخلفهم عن ملكهم طالوتَ إِذ زحف لحرب عدوٌّ اللّه جالوت، وإيثارهم الدعة والخفض على مباشرة حرِّ الجهاد والقتال فى سبيل اللّه =(٤) وشحذٌ منه لهم على الإقدام على مناجزة أهل الكفر به الحربَ، وترك تهيئُّب قتالهم أنْ قلَّ عددهم وكثر عدد أعدائهم واشتدت شوكتهم بقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْمِنْ فِئَةٍ قَلِلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَأَلُهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٩]، =(٥) وإعلامٌ منه (١) سياق الجملة: وهذه القصة، وإن كانت خيراً من الله ... ونبأ عما كان منهم ... فإنه تأديب ... )) (٢) سياق هذه الجملة: ((وأنهم لن يعدوا فى تكذيبهم محمداً ... أن يكونوا كأسلافهم ... )) (٣) قوله: ((وحض ... )) معطوف على قوله آنفاً: ((فإنه تأديب .. (٤) قوله: ((وشحذ ... )) معطوف ثان على قوله آنفاً: ((فإنه تأديب ... )) (٥) قوله: ((وإعلام ... )) معطوف ثالث على قوله: ((فإنه تأديب ... )) ٣٨٢/٢ ٣١٧ تفسير سورة البقرة : ٢٤٨ تعالى ذكرُه عبادَه المؤمنين به أن بيده النصر والظفر والخير والشر. ٠ ٠٠ وأما تأويل قوله: ((قال لهم نبيهم))، فإنه يعنى: للملأ من بنى إسرائيل الذين قالوا لنبيهم: ((ابعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل الله)). ٠٠٠ وقوله: ((إن آیة ملکه))، إن علامة ملك طالوت= (١) التی سالمونیها دلالة دلالة على صدقى فى قولى : إن الله بعثه عليكم ملكاً ، وإن كان من غير سبط المملكة = ((أن يأتيكم التابوتُ فيه سكينة من ربكم))، وهو التابوت الذى كانت بنو إسرائيل إذا لقوا عدوًّا لهم قدموه أمامهم ، وزحفوا معه ، فلا يقوم لهم معهم عدوٌّ، ولا يظهر عليهم أحدٌ ناوأهم ، حتى ضيعوا أمر اللّه، (٢) وكثر اختلافهم على أنبيائهم ، فسلبهم اللّه إياه مرة بعد مرة ، يردُّه إليهم فى كل ذلك، حتى سلبهم آخرَها مرةً فلم يردّه عليهم، (٣) ولن يردَّه إليهم آخرَ الأبد. (٤) ٠ ثم اختلف أهل التأويل فى سبب مجىء التابوت الذى جعل الله مجيئه إلى بنى إسرائيل آية لصدق نبيهم شمويل على قوله: ((إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً)) وهل كانت بنو إسرائيل سُلِبوه قبل ذلك فردّه الله عليهم حين جعل مجيئه آيةً لملك طالوت ، أو لم يكونوا سُلبوه قبل ذلك ، ولكنّ اللّه ابتدأهم به ابتداءً؟ فقال بعضهم : بل کان ذلك عندهم من عهد موسى وهرون یتوارثونه، (٥) حتی سلبهم إياه ملوك من أهل الكفربه ، ثم رده اللّه عليهم آيةً ملك طالوت. وقال فى (١) انظر تفسير (آية)) فيما سلف ١: ١٠٦ / ٢: ٣٩٧، ٣٩٨، ٥٥٣ / ٢: ١٨٤ / ٤ : ٢٧١ . (٢) فى المطبوعة والخطوطة: ((حتى منعوا أمر الله)). وهو تصحيف لا معنى له، والصواب ما أثبت . (٣) فى المطبوعة: ((حتى سلبهم آخر مرة))، والذى فى المخطوطة هو الصواب الجيد، وإن كانت الأخرى قريبة من الصواب على ضعف . (٤) فى المخطوطة: ((ولم يرده إليهم آخر الأبد»، وهو خطأ بين. (٥) فى المطبوعة: ((كان ذلك عندم))، بحذف ((بل)). ٣١٨ تفسير سورة البقرة : ٢٤٨ سبب ردِّه عليهم ما أنا ذاكرُه، وهو ما : - ٥٦٥٨ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهب بن منبه قال : كان العيلى الذى ربَّى شمويل، ابنان شابان أحدثا فى القُربان شيئاً لم يكن فيه . كان مِسْط القُربان الذى كانوا يسُوطونه به كُلاَّبين، (١) فما أخرجا كان للكاهن الذى يسُوطه، (٢) فجعله ابناه كلاليب. (٣) وكانا إذا جاء النساء يصلّين فى القدس يتشبكان بهن. فبينا شمويل نائم قبل البيت الذى كان ينام فيه عِيلى ، إذ سمع صوتاً يقول: أشْمويل !! (٤) فوثب إلى عيلى فقال: لبّيك! مالك! دعوتنى ؟ فقال : لا ! ارجع فم ! فرجع فنام ، ثم سمع صوتاً آخر يقول : أشمويل !! فوثب إلى عيلى أيضاً فقال : لبيك ! مالك ! دعوتى ؟ فقال: لم أفعل ، ارجع قم، فإن سمعت شيئاً فقل: ((لبيك)) مكانَك، ((مُرنى فأفعل))! فرجع فنام ، فسمع صوتاً أيضاً يقول : أشمويل !! فقال: لبيك ! أنا هذا ! مرفى أفعل ! قال: انطلق إلى عيلى فقل له: ((منعه حُبُالولد أن يزجر ابنيه أن يُحْدثا فى قُدْسى وقربانى ، وأنْ يعصِيانى، فلأنزعنَّ منه الكهانة ومن ولده ، ولأهلكتّه وإياهما)) ! فلما أصبح سأله عیلی فأخبره ، ففزع لذلك فزعاً شديداً . فسار إليهم عدوٍّ ممن ٣٨٣/٢ (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كان مشرط القربان الذى كانوا يشرطونه به))، وهو خطأ لا معنى له، والصواب من تاريخ الطبرى ١: ٢٤٣. والمسوط (بكسر الميم) والمسواط: خشبة أو ما يشبهها ، يحرك بها ما فى القدر ليختلط. ساط الشىء فى القدر يسوطه سوطاً: إذا حركه وخاضه، ليختلط ويمتزج. وقر بان اليهود هذا هو ((التقدمة))، كانت من دقيق مع زيت ولبان، يؤخذ قليل من الدقيق المقدم والزيت وكل اللبان، ويوقد على المذبح، أو يعمل منه قطائف على صاج، وأما البقية فكانت الكهنة (قاموس الكتاب المقدس ٢: ٢٠٨). والكلاب (بضم الكاف وتشديد اللام): سفود من حديد أو خشب ، فى رأسه عقافة معطوفة كالخطاف، وجمعه: ((كلاليب)). (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((الكاهن الذى يستوطته))، وهو خطأ، صوابه من التاريخ. (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فجعل ابناه ... ))، والصواب من التاريخ. (٤) فى المخطوطة والتاريخ فى هذا الموضع وما بعده: ((أشمويل))، والذى قبله: ((شمويل))، وأثبت ما فيهما ، كما سلف قريباًص : ٣٠٨، تعليق: ٥ ٣١٩٠ تفسير سورة البقرة : ٢٤٨ حولهم ، فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو . فخرجا وأخرجا معهما التابوت الذى كان فيه اللوْحان وعصا موسى ليُنْصروا به. (١) فلما تهيّأوا للقتال هم وعدوُّهم ، جعل عيلى يتوقع الخبر": ماذا صنعوا ؟ فجاءه رجل يخبره وهو قاعدٌ على كرسيه : إن ابنيك قد قُتلا، وإن الناس قد انهزموا ! قال: فما فعل التابوت ؟ قال : ذهب به العدو ! قال : فشهق ووقع على قفاه من کرسیه فمات . وذهب الذين سبوا التابوت حتى وضعوه فى بيت آلهتهم ، ولهم صنم يعبدونه ، فوضعوه تحت الصنم ، والصنم من فوقه ، فأصبح من الغد والصنم تحته وهو فوق الصنم . ثم أخذوه فوضعوه فوقه وسمّروا قدميه فى التابوت، فأصبح من الغد قد تقطّعت یدا الصنم ورجلاه ، وأصبح ملقى تحتَ التابوت . فقال بعضهم لبعض: قد علمتم أن إله بنى إسرائيل لا يقوم له شىء، فأخرجوه من بيت آلهتكم ! فأخرجوا التابوت فوضعوه فى ناحية من قريتهم ، فأخذ أهل تلك الناحية التى وضعوا فيها التابوت وجعٌ فى أعناقهم ، فقالوا : ما هذا ؟! فقالت لهم جارية كانت عندهم من سَبْى بنى إسرائيل : لا تزالون ترون ما تكرهون ما كان هذا التابوت فيكم ! فأخرجوه من قريتكم! قالوا : كذبتِ! قالت: إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتين لهما أولاد لم يوضع عليهما نِيرٌ قط، ثم تضعوا وراءهما العَجَل، (٢ )ثم تضعوا التابوت على العجل وتسيِّر وهما وتحبسوا أولادهما ، فإنهما تنطلقان به مذعنتين ، (٣) حتى إذا خرجتا من أرضكم ووقعتا فى أرض بنى إسرائيل كسرتا نِيرَهما ، وأقبلتا إلى أولادهما . ففعلوا ذلك، فلما خرجتا من أرضهم ووقعتا فى أدنى أرض بنى إسرائيل ، كسرتا نِيرَهما ، وأقبلتا إلى أولادهما ، ووضعتاه فى خربة فيها حصَادٌ من بنى إسرائيل، (٤) ففزع إليه (١) فى التاريخ: ((لينتصروا به))، أى ليجلبوا النصر لأنفسهم به. (٢) فى المطبوعة: ((وراءهم)) والصواب من التاريخ والمخطوطة. والنير: الخشبة التى تكون على عنق الثور بأداتها . (٣) فى المطبوعة: ((ينطلقان مذعنين))، والصواب من المخطوطة والتاريخ. (٤) فى المطبوعة: ((حضار))، وفى المخطوطة: ((حصار»، غير منقوطة، والصواب ما فى التاريخ. ٣٢٠ تفسير سورة البقرة : ٢٤٨ بنو إسرائيل وأقبلوا إليه ، فجعل لا يدنو منه أحدٌ إلا مات. فقال لهم نبيهم أشمويل: اعترضوا ، (١) فمن آنس من نفسه قوة فليدن منه . فعرضوا عليه الناس، فلم يقدر أحدٌ يدنو منه إلا رجلان من بنى إسرائيل، (٢) أذن لهما بأن يحملاه إلى بيت أمِّهما ، وهى أرملة . فكان فى بيت أمِّهما حتى ملك طالوت ، فصلح أمر بنى إسرائيل مع أشمويل. (٣) ٥٦٥٩ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال ، حدثنى بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه قال : قال شمويل لبنى إسرائيل لما قالوا له: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سَعة من المال ؟ قال : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم ، وإنّ آية ملكه = وإن تمليكه من قبَل اللّه = أن يأتيكم التابوت ، فيرد عليكم الذى فيه من السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون ، وهو الذى كنتم تهزمون به من لقيكم من العدو، وتظهرون به عليه . قالوا : فإن جاءنا التابوتُ فقد رضينا وسلَّمنا ! وكان العدوُّ الذين أصابوا التابوت أسفل من الجبل جبل إيليا فيما بينهم وبين مصر ، وكانوا أصحاب أوثان ، وكان فيهم جالوتُ. وكان جالوت رجلاً قد أعطى بسطة فى الجسم، وقوة فى البطش، وشدة الحرب ، مذكورًا بذلك فى الناس . وكان التابوت حين استُبِى قد جُعل فى قرية من قرى فلسطین يقال لها: (( أزدود )) ، (٤) فكانوا قد جعلوا التابوت فى (١) فى التاريخ: ((اعرضوا))، وهما سواء. (٢) فى التاريخ: ((فلم يقدر أحد على أن يدنو منه))، والذى فى المخطوطة والمطبوعة حسن. (٣) الأثر: ٥٦٥٨ - فى التاريخ ١: ٢٤٣ - ٢٤٤، وهو صدر الأثر السالف رقم : ٥٦٣٧، وساقهما الطبرى فى التاريخ سياقاً واحداً. (٤) فى المطبوعة: ((يقال لها: أردن))، وهو خطأ لا شك فيه، وأما ما فى المخطوطة فهو، ((أردود)) بالراء، وأنا أظنه بالزاى وأثبته كذلك. فإن الذى فى كتاب القوم فى ((كتاب صموئيل الأول)) الإصحاح الخامس: ((أشدود))، وقال صاحب قاموسهم: ((أشدود)) ( حصن، معقل)، إحدى مدن فلسطين الخمس المتحالفة ... وموقعها على ثلاثة أميال من البحر المتوسط بين غزة ويافا. قال: ((وهى الآن قرية حقيرة تسمى: أسدود، وفى جوارها خرائب كثيرة)). والذى يرجح ما ظنته أنها بالزاى أن