النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
٤٧٨١ - حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرنا عبد الأعلى قال ، حدثنا سعيد،
عن قتادة قال : كان أهل الجاهلية ، كان الرجل يطلِّق الثلاث والعشر وأكثر
من ذلك، ثم يراجعُ ما كانت فى العِّدة، فجعل الله حد الطلاق ثلاث تطليقات .(١)
٤٧٨٢ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال : كان أهل الجاهلية يطلّق أحدهم امرأته ثم يراجعها، لا حَّد فى ذلك ، هى
امرأته ما راجعها فى عدتها. (٢) فجعل الله حد ذلك يصير إلى ثلاثة قروء، وجعل حدّ
الطلاق ثلاث تطليقات .
٤٧٨٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله:
((الطلاق مرتان))، قال: كان الطلاق - قبل أن يجعل اللّه الطلاق ثلاثاً .-
ليس له أمد، يطلق الرجل امرأته مئة، ثم إن أراد أن يراجعها قبل أن تحلّ ، كان
ذلك له . وطلق رجلٌ امرأته، حتى إذا كادت أن تجلّ ارتجعها. ثم استأنف ٢٧٧/٢
بها طلاقاً بعد ذلك ليضارّها بتركها، حتى إذا كان قبل انقضاء عدتها راجعها .
وصنع ذلك مراراً ، فلما علم اللّه ذلك منه جعل الطلاق ثلاثاً: مرتين، ثم بعد المرتين
إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .
٤٧٨٤ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان))، أما قوله :
فهذان ثقتان روياه عن هشام بن عروة مرفوعاً . والرفع زيادة تقبل من الثقة ، كما هو معروف .
ولا يعل المرفوع بالموقوف بل يكون الموقوف مؤيداً المرفوع ، ومؤكداً لصحته .
فيعلى بن شبيب الأسدى ، مولى آل الزبير : ثقة : ذكره ابن حبان فى الثقات. وترحمه البخارى
فى الكبير ٤١٨/٢/٤ - ٤١٩ وابن أبى حاتم فى ٤ / ٢ / ٣٠١ - فلم يذكرا فيه جرحاً . وقد رواه
عنه مرفوعاً ثلاثة من الثقات : قتيبة بن سعيد ، ويعقوب بن خید بن كاسب ، ومحمد بن سليمان بن حبيب
الأسدى، الملقب ((لوين)).
ومحمد بن إسحق بن يسار : ثقة ، لا حجة لمن تكلم فيه .
(١) قوله: ((كان أهل الجاهلية، كان الرجل ... ))، قد مضى برقم: ٤٧٥١ فى حديث
قتادة أيضاً بنفس هذا الإستاد - مثل هذا التعبير العربى الفصيح ، كما أشرنا إليه فى التعليق ص : ٥٢٢
(٢) فى المخطوطة: ((ما داحقها فى عدتها))، تصحيف فيما أظن، ولكن كيف يجىء مثل
هذا التصحيف من كاتب ! !

٥٤٢
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
((الطلاق مرتان))، فهو الميقات الذى يكون عليها فيه الرجعة .
٤٧٨٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك ، عن عكرمة
فى قوله: ((الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان))، قال: إذا أراد
الرجل أن يطلق امرأته فيطلقها تطليقتين ، فإن أراد أن يراجعها كانت له عليها
رجعة ، فإن شاء طلقها أخرى، فلم تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره .
٠ ٥
قال أبو جعفر : فتأويل الآية على هذا الخبر الذى ذكرنا : عدد الطلاق
الذى لكم أيها الناس فيه على أزواجكم الرجعة = إذا كن مدخولا بهن = تطليقتان .
ثم الواجب على من راجع منكم بعد التطليقتين، إمساك بمعروف أوتسريح بإحسان،
لأنه لا رجعة له بعد التطليقتين، إن سرحها فطلقها الثالثة .
٠٠٠
وقال آخرون: إنما أنزلت هذه الآية على نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم تعريفاً
من الله تعالى ذكره عباده سنة طلاقهم نساءهم إذا أرادواطلاقهن - لا دلالةً على
العدد الذی تبین به المرأة من زوجها . (١)
. ذكر من قال ذلك :
٤٧٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مطرف ، عن أبى
إسحق، عن أبى الأحوص، عن عبد الله فى قوله: ((الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف
أو تسريح بإحسان ))، قال : يطلقها بعد ما تطهر من قبل جماع ، ثم يدعها حتى
تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء، ثم إن أراد أن يراجعها راجعها ، ثم إن شاء
طلقها، وإلا تركها حتى تتم ثلاث حیض وتبینُ منه به . (٢)
٤٧٨٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية
(١) فى المطبوعة: ((لا دلالة على القدر)) تصحيف وتحريف، والصواب من المخطوطة.
(٢) الأثر : ٤٧٨٦ - أخرجه النسائى فى السنن ٦: ١٤٠ بغير هذا اللفظ، وكذلك البيهقى
فى السنن ٧ : ٣٣٢، وابن ماجة ١ : ٦٥١.
.

٥٤٣
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (( الطلاق مرتان فإمساك
بمعروف أو تسريح بإحسان))، قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله
فى التطليقة الثالثة ، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها ، أو يسرحها بإحسان
فلا يظلمها من حقها شيئاً .
٤٧٨٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: (( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو
تسريح بإحسان))، قال : يطلق الرجل امرأته طاهراً من غير جماع، فإذا حاضت
ثم طهرت فقد تم القرء. ثم يطلق الثانية كما يطلق الأولى، إن أحب أن يفعل، (١)
فإذا طلق الثانية ثم حاضت الحيضة الثانية، فهما تطليقتان وقرءان. (٢) ثم قال اللّه
تعالى ذكره فى الثالثة: ((إمساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسان))، فيطلقها فى ذلك
القرء كله إن شاء ، حين تجمع عليها ثيابها . (٣)
٤٧٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد بنحوه - إلا أنه قال : فحاضت الحيضة الثانية كما
طلق الأولى ، فهذان تطليقتان وقرءان ، ثم قال : الثالثة - وسائرُ الحديث مثل
حديث محمد بن عمرو، عن أبى عاصم .
قال أبو جعفر: وتأويل الآية على قول هؤلاء : سنة الطلاق التى سننتها وأبحتها
لكم إن أردتم طلاقَ نسائكم: أن تطلقوهن ثنتين فى كل طهر واحدة . ثمّ الواجب
بعد ذلك عليكم، إما أن تمسكوهن بمعروف ، أو تسرحوهنّ بإحسان .
٠ ٥
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فإن أحب أن يفعل))، بزيادة الفاء، وهو لا يستقيم.
(٢) قوله: ((وقرءان))، هو مثنى ((قره)).
(٣) فى المخطوطة ((تجمع عليه))، وهو خطأ. يقال: جمعت على ثيابى، إذا لبست الثياب التى
تبرز بها إلى الناس من إزار ورداء وعمامة. وجمعت المرأة ثيابها: لبست الدرع والملحقة والخمار. وكنى
بقوله: (جمعت عليها ثيابها))، عن غسلها من حيضتها ولبسها ثيابها فى طهر.

٥٤٤
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
قال أبو جعفر : والذى هو أولى بظاهر التنزيل ما قاله عروة وقتادة ، ومن
قال مثل قولهما : من أن الآية إنما هى دليلٌ على عدد الطلاق الذى يكون به
التحريم وبُطولُ الرجعة فيه، والذى يكون فيه الرجعة منه . وذلك أن اللّه تعالى
ذكره قال فى الآية التى تتلوها: ﴿فَإنْ طَلََّهَاَ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ
زَوْجاً غَيْرَهُ﴾، فعرَّف عباده القدرَ الذى به تحرُم المرأة على زوجها إلاّ بعد زوجٍ-
ولم يبين فيها الوقت الذى يجوز الطلاق فيه، والوقتَ الذى لا يجوز ذلك فيه، فيكون
٢٧٨/٢٠ موجَّهاً تأويلُ الآية إلى ما روى عن ابن مسعود ومجاهد، ومن قال بمثل قولهما فيه .
٠ ٠٠
وأما قوله: ((فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان))، فإنّ فى تأويله وفيما عُنى
به اختلافاً بين أهل التأويل .
فقال بعضهم : عنى اللّه تعالى ذكره بذلك، الدلالةَ على اللازم الأزواج
للمطلقات اثنتين _ (١): بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية - من عشرتهن
بالمعروف ، أوفراقهن بطلاق. (٢)
* ذكر من قال ذلك :
٤٧٩٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج، عن ابن
جريج قال: قلت لعطاء: ((الطلاق مرتان))، قال يقول: عند الثالثة، إما أن
يمسك بمعروف، وإما أن يسرح بإحسان. وغيره قالها. (٣) = قال: وقال مجاهد:
الرجل أملكُ بامرأته فى تطليقتين من غيره ، فإذا تكلم الثالثة فليست منه بسبيل ،
وتعتدّ لغيره .
(١) فى المخطوطة: (اللازم للأزواج المطلقات اثنتين)) وفى المطبوعة: ((اللازم للأزواج للمطلقات»
والذى أثبته أجود العبارات الثلاث .
(٢) فى المخطوطة: ((أو بفراقهن))، بزيادة ((باء)) لا محل لها هنا.
(٣) فى المطبوعة: ((وغيرها قالها))، والصواب من المخطوطة - ويعى: وغيره قال هذه المقالة،
ثم ذكر مقالة مجاهد فى تأويل الآية . هذا ما رأيت ، إلا أن يكون فى الكلام تصحيف .

٥٤٥
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
٤٧٩١ - حدثنى أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية ، عن إسمعيل بن
سميع، عن أبى رزين قال: أتى النبى صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله،
أرأيت قوله: (( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أوتسريح بإحسان))، فأين الثالثة ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان))،
هى الثالثة .
٤٧٩٢ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن
مهدى قالا ، حدثنا سفيان ، عن إسمعيل بن سميع ، عن أبى رزين قال : جاء
رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: ((الطلاق مرتان))، فأين
الثالثة؟ قال: ((إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)).
٤٧٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا
الثورى ، عن إسماعيل ، عن أبى رزين قال: قال رجل: يا رسول اللّه، يقول الله:
((الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف))، فأين الثالثة؟ قال: التسريح بإحسان.(١)
(١) الأحاديث : ٤٧٩١ - ٤٧٩٣ كلها حديث واحد بأسانيد ثلاثة . وهو حديث مرسل
ضعيف، كما سنذكر، إن شاء الله .
سفيان، فى الإسناد الثانى : هو الثورى ، كما فى الإسناد الثالث .
إسمعيل بن سميع - بضم السين مصغراً - الحنفى: ثقة مأمون، كما قال ابن معين. ومن تكلم فيه
فإنما تكلم من أجل أنه كان يرى رأى الخوارج .
أبو رزين - بفتح الراء وكسر الزاى: هو الأسدى، أسد خزيمة، واسمه ((مسعود))،، وهو
تابعى كوفى ثقة، وبعضهم يقول: ((مسعود بن مالك))، فيشتبه براو آخر، اسمه «مسعود بن مالك بن
معبد))، مولى سعيد بن جبير. وهو متأخر عن أبى رزين. وقد حققنا ذلك مفصلا فى المسند : ٣٥٠١،
٧٤٣٢ م، وفى الاستدراك فيه : ٧٠٧.
و ((أبو رزين الأسدى)) هذا تابعى كما قلنا. وهو غير ((أبى رزين العقيل))، ذاك مصابى اسمه
((لقيط بن عامر))، مضت ترجمته : ٣٢٢٣.
والإسناد : ٤٧٩٣ - هو فى تفسير عبد الرزاق، ص: ٢٨ - ٢٩. وفيه: ((أسمع الله يقول))،
بدل «يقول الله)). وكذلك هو فى المصنف لعبد الرزاق ج ٣ ص ٣٠١.
والحديث ذكره ابن كثير ١: ٥٣٨ - ٥٣٩، من رواية ابن أبى حاتم. وعبد بن حميد، وسعيد
ابن منصور ، وابن مردويه - بأسانیدم، کلهم عن أبى رزين ، بنحوه، مرسلا. وكذلك رواه البيهقى
٧: ٢٤٠، بإسناده، من رواية سعيد بن منصور.
ج ١ (٣٠)

٥٤٦
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
٤٧٩٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((أو تسريح بإحسان))، قال : فى الثالثة .
٤٧٩٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن
معمر، عن قتادة قال: كان الطلاق ليس له وقت حتى أنزل الله: ((الطلاق
مرتان)). قال: الثالثة: ((إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان)).
وقال آخرون منهم : بل عنى الله بذلك الدلالة على يلزمهم لهن بعد التطليقة
الثانية ، من مراجعة بمعروف أو تسريح بإحسان ، بترك رجعتهن حتى تنقضى
عدتهن، فيصرن أملك لأنفسهن. وأنكروا قول الأولين الذين قالوا: إنه دليل على
التطليقة الثالثة .
* ذكر من قال ذلك :
٤٧٩٦ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى فى قوله: ((فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان))، إذا طلق واحدة أو
اثنتين، إما أن يمسك = ((ويمسك)): يراجع = بمعروف، وإما سكت عنها
ووهم الحافظ ابن كثير - رحمه الله - وهماً شديداً، إذ نسب هذا الحديث المرسل لرواية المسند،
فقال: ((ورواه الإمام أحمد أيضاً)).
والحديث ذكره السيوطى ١: ٢٧٧، وزاد نسبته لوكيع . وأبى داود فى ناسخه ، وابن المنذر ،
والنحاس .
وسيقول أبو جعفر بعد قليل، مشيراً إلى هذا الحديث: ((فإن اتباع الخبر عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أولى بنا من غيره)). وهذا ذهاب منه إلى الاحتجاج بالحديث المرسل . وهو مذهب يختاره بعض
أهل العلم .
وقد رددت على أبي جعفر - رحمه الله - فى كتاب نظام الطلاق فى الإسلام، فى الفقرة: ٢٩،
بعد أن ذكرت كلامه - فقلت: ((ونعم، إن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا من
غيره، وعلى العين والرأس ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام إذا كان صحيحاً ثابتاً . ولکن خبر أبى رزين
هذا غير صحيح ، فإنه مرسل غير موصول . لأن أبا رزين الأسدى تابعى ، وليس صحابياً. والمرسل لا حجة
فيه ، لأنه عن راو مجهول، ثم إنه خبر باطل المعنى جداً. وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفسر
الطلقة الثالثة بهذا ، وهى ثابتة فى الآية التى بعدها فى سياق الكلام: ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى
تنكح زوجاً غيره). وإلا كانت طلقة رابعة. وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة».

٥٤٧
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
حتى تنقضى عدتها ، فتكون أحق بنفسها .
٤٧٩٧ - حدثنا على بن عبد الأعلى قال، حدثنا المحاربى ، عن جويبر ،
عن الضحاك: ((أو تسريح بإحسان))، والتسريحُ أن يدعها حتى تمضى عدتها. (١)
٤٧٩٨ - حدثنا يحيى بن أبى طالب قال، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ،
عن الضحاك فى قوله: ((الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان))،
قال : يعنى تطليقتين بينهما مراجعة ، فأمر أن يمسك أو يسرّح بإحسان . قال:
فإن هو طلقها ثالثة ، فلا تحلله حتى تنكح زوجاً غيره .
قال أبو جعفر : وكأن قائلى هذا القول الذى ذكرناه عن السدى والضحاك ،
ذهبوا إلى أنّ معنى الكلام: الطلاق مرتان فإمساك فى كل واحدة منهما لهن بمعروف
أو تسريحٌ هُن بإحسان .
وهذا مذهب مما يحتمله ظاهرُ التنزيل ، لولا الخبرُ الذى ذكرته عن النبى
صلى الله عليه وسلم، الذى رواه إسماعيل بن سميع ، عن أبى رزين ، فإنّ اتباع
الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا من غيره.
٢٧٩/٢
فإذْ كان ذلك الواجب، فبيِّنٌ أن تأويلَ الآية: الطلاقُ الذى لأزواج النساء
على نسائهم فيه الرجعة ، مرتان . ثم الأمرُ بعد ذلك إذا راجعوهن فى الثانية ، إما
إمساكٌ بمعروف ، وإما تسريح منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة ، حتى تبينَ
منهم ، فيبطل ما كان لهم عليهنّ من الرجعة ، ويصرن أملك بأنفسهن منهم. (٢)
...
قال أبو جعفر: فإن قال قائل : وما ذلك الإمساك الذى هو بمعروف ؟
قيل : هو ما : -
(١) الأثر: ٤٧٩٧ - ((على بن عبد الأعلى))، لم أجد فى شيوخ الطبرى من يسمى ((على
ابن عبد الأعلى))، وسيأتى فى الأثر: ٤٧٩٩، ((على بن عبد الأعلى المحاربى))، ورقم: ٤٨٠٤. والذى
يكثر الرواية عنه فى التفسير هو (( محمد بن عبد الأعلى الصنعانى، فلا أدرى ما الصواب.
(٢) فى المطبوعة: ((أملك لأنفسهن))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٥٤٨
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
:
٤٧٩٩ - حدثنا به على بن عبد الأعلى المحاربى قال، حدثنا عبد الرحمن
ابن محمد المحاربى، عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((فإمساك بمعروف»،
قال : المعروف أن يحسن صحبتها . (١)
٤٨٠٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((فإمساك بمعروف))،
قال : ليتق الله فى التطليقة الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها .
فإن قال : فما التسريح بإحسان ؟
قيل : هو ما : -
٤٨٠١ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس: ((أو تسريح بإحسان))، قال: يسرحها ولا يظلمها
من حقها شيئاً . (٢)
٤٨٠٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال، حدثی عمى قال ،
حدثی أبی ، عن أبيه ، عن ابن عباس : « فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان )»،
قال: هو الميثاق الغليظ . (٣)
٤٨٠٣ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((أو تسريح بإحسان))، قال: الإحسان أن يوفيها حقها، فلا يؤذيها
ولا يشتمها .
٤٨٠٤ - حدثنا على بن عبد الأعلى قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربى،
عن جويبر، عن الضحاك، ((أو تسريحٌ بإحسان))، قال: التسريح بإحسان:
(١) الأثر: ٤٧٩٩ - انظر التعليق السالف على الأثر رقم : ٤٧٩٧ .
(٢) الأثر: ٤٨٠٠، ٤٨٠١ - هما بعض الأثر السالف رقم: ٤٧٨٧ . وفى المطبوعة والمخطوطة
فى رقم: ٤٨٠١ ((قيل: يسرحها ... )) والصواب ما أثبت .
(٣) سيأتى تفسير ((الميثاق الغليظ)) بعد قليل فى رقم: ٤٨٠٥.

٥٤٩
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
أن يدعها حتى تمضى عِدَّتها، ويعطيها مهراً إن كان لها عليه إذا طلَّقها. فذلك
التسريح بإحسان ، والمتعة على قَدْر الميسرة .
٤٨٠٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك،
عن ابن جريج ، عن عطاء الخراسانى ، عن ابن عباس فى قوله: (( وأخذن منكم
ميثاقاً غليظاً))، قال: قوله: ((فإمساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسان)).
٠٠٠
فإن قال : فما الرافع للإمساك والتسريح ؟
قيل : محذوف، اكتُفى بدلالة ما ظهر من الكلام من ذكره ، ومعناه :
الطلاق مرتان ، فالأمر الواجبُ حينئذ به ، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .
وقد بينا ذلك مفسراً فى قوله: ﴿فاتِّبَاعٌ بِالمعْرُوفِ وَأَدَاءِ إلَيْهِ بإحْسَانٍ ﴾
[سورة البقرة: ١٧٨]، فأغنى ذلك عن إعادته فى هذا الموضع. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمّاَ
ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَن يَخَفَآَ أَلاَّ يُقِماَ حُدُودَ اللهِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما
آتيمتوهن شيئاً))، ولا يحل لكم أيها الرجال، أن تأخذوا من نسائكم، إذا أنتم أردتم
طلاقهن - لطلاقكم وفراقكم إياهن، (٢) شيئاً مما أعطيتموهن من الصَّداق وسُقتم
إليهن ، بل الواجب عليكم تسريحهن بإحسان ، وذلك إيفاؤهن حقوقهن من الصداق
والمتعة وغير ذلك مما يجب لهن عليكم، ((إلا" أن يخافا ألا يقيما حدود الله)).
٠
(١) انظر ما سلف ٣ : ٣٧٢.
(٢) فى المطبوعة: ((بطلاقكم)) بالباء، والصواب من المخطوطة.

٥٥٠
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة فى قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: ((إلا أنْ
يخافا ألا يقيما حدود الله))، وذلك قراءة عُظْم أهل الحجاز والبصرة، بمعنى: إلا أن
يخاف الرجل والمرأة أن لا يقبما حدود الله. وقد ذكر أنّ ذلك فى قراءة أبيّ بن كعب :
﴿إِلّ أَنْ يَظُنَّا أَلاَّ يُقِماَ حُدُودَ الله﴾
٤٨٠٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر
قال ، أخبرنى ثور، عن ميمون بن مهران قال: فى خرف أبىّ بن كعب أن الفداء
تطليقة . قال : فذكرت ذلك لأيوب، فأتينا رجلا عنده مصحف قديم لأبىّ خرج
من ثقة، فقرأناه فإذا فيه: ﴿إِلّ أَنْ يَظُنَّا أَلاَّ يُقِيمَا حُدودَ اللهِ فَإِنْ ظَنَّا أَلاَ يُقِيماً
حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَحَ عَلَيْهِمَاَ فِيَ افْتَدَتْ بِهِ لاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ
زَوْجاً غَيْرَهُ﴾
والعرب قد تضع ((الظن)) موضع ((الخوف))، ((والخوف)) موضع ((الظن))
فى كلامها ، لتقارب معنييهما، (١) كما قال الشاعر: (٢)
أَثَفِى كَلَامٌ عَنْ نُصَيْبِ يَقُولُهُ، وَمَ خِفْتُ ياسَلَامُ أَنّكَ عَائِ (٣).
٢٨٠/٢
بمعنى : ما ظنتُ.
#
(١) هذا بيان قلما تصيبه فى كتب اللغة، وانظر معانى القرآن الفراء ١: ١٤٥ - ١٤٦،
ففيه بيان أوفى .
(٢) هو أبو الغول الطهوى، وهو شاعر إسلامى كان فى الدولة المروانية.
(٣) البيت فى نوادر أبى زيد: ٤٦، ومعانى القرآن الفراء ١: ١٤٦، وسيأتى فى التفسير
٥ : ٤٠ (بولاق). ولم أجد خبر ((نصيب)) و((سلام)). وربما كان نصيب هذا هو أبو الحجناء،
نصيب الأسود مولى عبد العزيز بن مروان. فإن أبا الغول، كما أسلفت ، شاعر إسلامى كمان فى الدولة
المروانية، وهجا حماداً (الأغانى ٥: ١٦٢)، وقال له أيضاً فيما روى أبو زيد فى نوادره
ص : ٤٦ ٠
ولقد مَلَأَّتُ عَلى نُصَيْبٍ جِلْدَهِ بِمَسَاءَةٍ، إنّ الصَّدِيقَ يُعَتَبُ

٥٥١
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
وقرأه آخرون من أهل المدينة والكوفة: ﴿ إِلَّا أَنْ يُخَفَ أَلَُّ يُقِمَا حُدُودَ اللهِ﴾.
فأما قارىء ذلك كذلك من أهل الكوفة ، (١) فإنه ذكر عنه أنه قرأه كذلك، (٢)
اعتباراً منه بقراءة ابن مسعود، وذكر أنه فى قراءة ابن مسعود: ﴿ إِلَّا أَنْ تَخَفُوا
أَلَّا يُقِماَ حُدُودَ اللهِ﴾. وقراءة ذلك كذلك ، اعتباراً بقراءة ابن مسعود التى ذُكرت
عنه ، خطأ . وذلك أن ابن مسعود إن كان قرأه كما ذُكر عنه ، فإنما أعمل الخوف
فى ((أنْ)) وحدها، وذلك غير مدفوعة صحته، كما قال الشاعر: (٣)
تُرَوِّى عِظَامِى بَعْدَ مَوْتِى عُرُوقُهَا(٤)
إِذَا مِتُّ فَادْفِّى إِلَى جَنْبٍ كَرْمَةٍ
أَخَافُ، إذَا سَمِتُ، أَنْ لاَ أَذُوقُها(٥)
وَلاَ تَدْفِتَنِّ بِالْفَلاَةِ ، فَإِنْنِى
فأما قارئه: ((إلا أنْ يخافا)) بذلك المعنى، فقد أعمل فى متروكة تسميتُه، (٦)
وفى ((أنْ)) - فأعمله فى ثلاثة أشياء : المتروك الذى هو اسم ما لم يسم فاعله، وفى
((أن)) التى تنوبُ عن شيئين، (٧) ولا تقول العرب فى كلامها: ((ظُنَّا أن يقوما)).
ولكن قراءة ذلك كذلك صحيحة ، على غير الوجه الذى قرأه من ذكرنا قراءته
كذلك ، اعتباراً بقراءة عبد الله الذى وصفنا ، ولكن على أن يكون مراداً به إذا
(١) هو الأمام الكوفى الحبر حمزة بن حبيب الزيات، أحد القراء السبعة.
(٢) الذى ذكر هذا هو الفراء فى معانى القرآن ١: ١٤٦، ولكن عبارة الفراء تدل على أنه ظن
ذلك واستخرجه، لا أن حمزة قرأها كذلك يقينا غير شك. ونص الفراء: ((وأما ما قال، فإنه إن كان
أراد اعتبار قراءة عبد الله، فلم يصبه - والله أعلم)). فإن يكن الطبرى أخذه عن الفراء ، فهذا كلام
الفراء ، وإن أخذه من غيره ، فهو ثقة فيما ينقل .
(٣) هو أبو محجن الثقفى.
(٤) ديوانه: ٢٣، ومعانى القرآن الفراء ١: ١٤٦، والخزانة ٣: ٥٥٠، وغيرها كثير .
وخبر أبى محجن فى الخمر وحبها مشهور .
(٥) هذا البيت شاهد النحاة على تخفيف ((أن)) لوقوعها بعد الخوف، بمعنى العلم واليقين،
واسمها ضمير شأن محذوف، أو ضمير متكلم، وجملة ((لا أذوقها)) فى محل رفع، خبرها.
(٦) يعنى أن الفعل قد عمل فى نائب الفاعل، وفى حملة ((أن)) المخففة من ((أن))، كما سيظهر
من بيان كلامه . وقد بين ذلك أيضاً الفراء فى معانى القرآن ١ : ١٤٦ - ١٤٧.
(٧) يعنى بقوله: ((أن، التى تنوب عن شيئين)) أنها فى موضع المفعولين، تسد مسدهما.

٥٥٢
.
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
قرئ كذلك: إلا أن يخافا بأن لا يقيما حدود الله - أو: على أن لا يقما حدود الله ،
فيكون العامل فى ((أن)) غير ((الخوف)) ويكون ((الخوف))، عاملا فيما لم يسم
فاعله . (١) وذلك هو الصواب عندنا من القراءة، (٢)لدلالة ما بعده على صحته، وهو
قوله: ((فإن خفتم ألا يقيما حدود الله))، فكان بيناً أن الأول بمعنى: إلا أن
تخافوا أن لا يقما حدود الله .
٠
٠
فإن قال قائل : وأية حال الحالُ التى يخافُ عليهما أن لا يقما حدود اللّه،
حتى يجوز للرجل أن يأخذ حينئذ منها ما آتاها ؟
قيل : حال نشوزها وإظهارها له بِغْضته، حتى يخاف عليها ترك طاعة الله
فيما لزمها لزوجها من الحق ، ويخاف على زوجها - بتقصيرها فى أداء حقوقه التى
ألزمها اللّه له - تركه أداء الواجب لها عليه. فذلك حين الخوف عليهما أن لا يقيما
حدودَ اللّه فيطيعاه فيما ألزم كل واحد منهما لصاحبه ، والحال التى أباح النبى صلى
الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخذ ما كان آتى زوجته إذْ نشزت عليه ،
بغضاً منها له ، كما : -
٤٨٠٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ،
قرأت على فضيل ، عن أبى حريز ، أنه سأل عكرمة : هل كان للخُلْع أصل ؟
قال : كان ابن عباس يقول : إن أول خُلْح كان فى الإسلام، أختُ عبد اللّه
ابن أبى : أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، لا يجمع
رأسى ورأسه شىء أبداً! إنىّ رفعتُ جانبَ الخباء ، فرأيته أقبل فى عِدَّةٍ ، فإذا هو
أشدهم سواداً، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً! قال زوجها: يا رسول الله، إنى أعطيتها
أفضل مالى! حديقةٌ، فإن ردّتْ على حديقتى! قال : ما تقولين؟ قالت: نعم ،
(١) هذا كله قد بينه الفراء فى معانى القرآن ١ : ١٤٦ - ١٤٧ كما أسلفنا.
(٢) فى المطبوعة: ((فى القراءة))، والأجود ما فى المخطوطة.

٥٥٣
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
وإن شاء زدته ! قال: ففرق بينهما. (١)
(١) الحديث: ٤٨٠٧ - المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمى: ثقة، روى عنه الأئمة:
ابن مهدى ، وعبد الرزاق ، وأحمد ، وإسحق ، وغيرهم .
فضيل - بالتصغير : هو ابن ميسرة الأزدى العقيلى ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وغيره .
أبو حريز: هو عبد الله بن الحسين الأزدى البصرى، قاضى سجستان، وهو مختلف فيه، والحق
أنه ثقة ، وثقه ابن معين ، وأبو زرعة ، وغيرهما .
و((أبو حريز)»: بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وآخره زاى معجمة. ووقع فى المطبوعة وابن كثير
وفتح البارى ((أبو جرير))، وهو تصحيف، ووقع فى الإصابة ((ابن جرير))؛ وهو خطأ إلى خطأ.
وهذا الحديث صحيح الإسناد . وقد نقله ابن كثير ١ : ٥٤٢، عن هذا الموضع. وذكره السيوطى
١: ٢٨٠ - ٢٨١، ولم ينسباه لغير الطبرى، ونقله الحافظ فى الفتح ٩: ٣٥١، قال: ((وفى
رواية معتمر بن سليمان ... ))، فذكر نحوه، مع شىء من الاختلاف فى اللفظ. فدل على أنه نقله
من رواية أخرى. ولكنه لم يبين من خرجه كعادته. سها رحمه الله. وأشار إليه فى الإصابة ٨: ٤٠،
فى السطر ٣ وما بعده . منسوباً للطبرى فقط .
وقد ثبت نحو معناه من حديث ابن عباس . رواه البخارى ٩ : ٣٤٩ - ٣٥٢ . بأسانيد . ونقله
ابن كثير عن روايات البخارى ١: ٥٤١ - ٥٤٢، ثم قال: ((وهذا الحديث من أفراد البخارى
من هذا الوجه)). ثم نقل نحوه من رواية الإمام أبى عبد الله بن بطة، بإسناده، عن قتادة ، عن عكرمة،
عن ابن عباس. ثم ذكر أنه رواه ابن مردويه فى تفسيره، وابن ماجة، ثم قال: ((وهو إسناد جيد
مستقيم)). ورواية ابن ماجة - هى فى السنن برقم : ٢٠٥٦.
وقوله: ((أخت عبد الله بن أبى)): هى جميلة بنت عبد الله بن أبى ابن سلول رأس المنافقين. وهى أخت
عبد الله بن عبد الله بن أبى ابن سلول الصحابى الجليل. نسبت هى وأخوها إلى جدهما اختصاراً. وهذا هو
الصحيح الذى رجحه الحافظ وغيره .
ولم يذكر فى هذه الرواية - فى الطبرى - اسم زوجها الذى اختلعت منه ، وهو ثابت بن قيس بن
شماس، كما دلت على ذلك الروايات الأخر . وقد ولدت لزوجها ثابت هذا ابنه محمد بن ثابت ، وهو مترجم
فى الإصابة ٦: ١٥٢، وابن سعد ٥: ٥٨ - ٥٩. وقد جزم بأن أمه هى ((جميلة بنت عبد الله
ابن أبى)). وقد أبت أمه أن ترضعه، بما أبغضت أباه، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
((فبزق فى فيه وحنكه، وسماه محمداً. وقال: اختلف به ، فإن اللّه رازقه. فأتيته اليوم الأول والثانى
والثالث ، فإذا امرأة من العرب تسأل عن ثابت بن قيس ، فقلت : ما تريدين منه ؟ أنا ثابت . فقالت :
أريت فى منامى كأنى أرضع ابناً له يقال له : محمد ، فقال : فأنا ثابت ، وهذا ابنى محمد . قال :
وإذا درعها يتعصر من لبنها)). رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢١٠ - ٢١١، وقال: ((هذا حديث
صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. وهو إسناد صحيح متصل، لأن السياق يدل على أن محمداً
هذا سمعه من أبيه، وحدث به عنه . وقد ذكره الحافظ فى ترجمته فى الإصابة، بنحو من هذا .
وهو يؤيد أن المختلفة من ثابت هى جميلة هذه .
ووقع فى المطبوعة: ((فلتردد على حديقتى)). والصواب ما أثبتنا: ((فإن ردت على حديقى)). صححناه من
المخطوطة وابن كثير والسيوطى. وجواب الشرط محذوف، كماهو ظاهر. وهذا فصيح كثير فى كلام البلغاء.
وانظر : ٤٨١٠.
!

٥٥٤
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
٤٨٠٨ - حدثی محمد بن معمر قال ، حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا أبو عمرو
السدوسى ، عن عبد الله - يعنى ابن أبى بكر -، عن عمرة ، عن عائشة ، أن
حبيبة ابنة سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، (١) فضربها فكسر نُغْضها،
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكته، فدعا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثابتاً فقال : خذ بعضَ ما لها وفارقها . قال : ويصلح ذاك يا رسول
الله؟ قال: نعم. قال : فإنىّ أصدقتها حديقتين، وهما بيدها. فقال النبى صلى
اللّه عليه وسلم: خذهما وفارقها. ففعل. (٢)
(١) فى المطبوعة: ((بنت سهل))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) الحديث: ٤٨٠٨ - أبو عامر: هو العقدى. عبد الملك بن عمرو.
أبو عمرو السدوسى: هو سعيد بن سلمة بن أبى الحسام المدنى، وهو ثقة. قال أبو سلمة التبوذكى:
(( ما رأيت كتاباً أصح من كتابه)». وذكره ابن حبان فى الثقات. ولم يعرفه ابن معين حق معرفته، كما
حكى عنه ابن أبى حاتم، وضعفه النسائى. ولكن ترجمه البخارى فى الكبير ٤٣٨/١/٢ فلم يذكر
فيه جرحاً . وهذا كاف فى توثيقه ، خصوصاً وقد أخرج له مسلم فى صحيحه .
ولم يجزم البخارى بأنه سعيد بن سلمة هو أبو عمرو راوى هذا الحديث، فقال: (( وقال أبو عامر:
حدثنا أبو عمرو السدوسى المدنى . فلا أدرى هو هذا أم غيره ؟ )).
وترجم فى التهذيب فى الأسماء ٤: ٤١ - ٤٢، وفى الكنى ١٢: ١٨١ - ١٨٢. وأثبت الحافظ
بالدلائل القوية أنهما راو واحد. كما سيتبين من التخريج ، إن شاء الله .
عبد الله: هو ابن أبى بكر بن عمرو بن حزم .
والحديث رواه أبو داود: ٢٢٢٨، عن محمد بن معمر - شيخ الطبرى فيه - بهذا الإسناد.
وذكره ابن كثير ١: ٥٤١، عن أبى داود والطبرى. ثم قال: ((وأبو عمرو السدوسى: هو
سعيد بن سلمة بن أبى الحسام)).
وذكره الحافظ فى التهذيب ٤: ٤١ - ٤٢ موجزاً، من رواية أبى داود، ثم قال: ((وروى هذا
الحديث أحمد بن محمد بن شعيب الرجالى ، عن محمد بن معمر ، عن أبى عامر العقدى ، عن سعيد بن
سلمة ، عن عبد الله بن أبى بكر، بإسناده . فدلت هذه الرواية على أن أبا عمرو ، المذكور فى رواية
أبى داود -: هو سعيد بن سلمة)). ثم قال: ((وسيأتى فى الكنى ما يقرر أنهما واحد)). ثم قال فى ((الكنى))
من التهذيب ١٢: ١٨١ - ١٨٢: ((روى أبو محمد بن صاعد فى الجزء الخامس من حديثه. حدثنا محمد
ابن معمر القيسى ، حدثنا أبو عامر العقدى، حدثنا أبو عمرو السدوسى. أخبرنى عبد الله بن أبى بكر
ابن حزم - فذكر حديثاً آخر ، قال ابن صاعد: أبو عمرو السدوسى، هو سعيد بن سلمة . حدثنا
هشام بن على السيرافى بالبصرة ، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة بن أبى الحسام ، حدثنى
عبد الله بن أبى بكر - فذكر ذلك الحديث بعينه. فتعين أن أبا عمرو المدينى السدوسى المذكور ، هو
سعيد بن سلمة)» .

٥٥٥
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
٤٨٠٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال ، حدثنا مالك ، عن
يحيى، عن عمرة ، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية : أنها كانت تحت
ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآها عند بابه بالغلس،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هذه ؟ قالت : أنا حبيبة بنت سهل ، لا
أنا، ولا ثابت بن قيس !! = لزوجها == فلما جاء ثابتٌ قال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم : هذه حبيبة بنت سهل تذكر ما شاء الله أن تذكر! فقالت حبيبة :
يا رسول الله، كلّ ما أعطانيه عندى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
خذمنها . فأخذ منها ، وجلست فى بيتها .(١)
٢٨١/٢
ورواه أيضاً البيهقى ٧ : ٣١٥، من طريق هشام بن على، عن عبد الله بن رجاء: ((أخبرنا
سعيد بن سلمة بن أبى الحسام، حدثنا عبد الله بن أبى بكر ... )) - فذكره، بزيادة فى آخره.
وهذه الطريق مثل الطريق التى حكاها الحافظ آنفاً عن أبى محمد بن صاعد . وهى تؤيد ما قاله وقلناه .
وذكره السيوطى ١: ٢٨٠، وزاد نسبته لعبد الرزاق. ولم أجده فى التفسير، ولا فى المنصف لعبد
الرازق وأهله خفى على موضعه فى واحد منهما .
قوله ((فكسر نغضها)) - النغض، بضم النون وسكون الغين المعجمة وآخره ضاد معجمة: العظم
الرقيق على طرف الكتف. وهذا هو الصواب فى هذا الحرف هنا. وثبت فى المطبوعة ((بعضها))، وكذلك
فى النسخ المطبوعة من سنن أبى داود ، إلا فى نسخة بهامش طبعة الهند ، ذكرت على الصواب . وهو
الصحيح الثابت فى مخطوطة الشيخ عابد السندى ، واضحة مضبوطة ، لا تحتمل تصحيفاً . ويؤيد ذلك
ويقويه: أن رواية البيهقى ((فكسر يدها)). وأما كلمة ((بعضها)) - فإنها قلقة فى هذا الموضع، غير مستساغة.
وانظر الحديث التالى لهذا .
(١) الحديث: ٤٨٠٩ - ابن بشار: هو محمد بن بشار، شيخ الطبرى وأصحاب الكتب
الستة، مضت ترجمته فى: ٣٠٤. ووقع فى المطبوعة ((أبو يسار)) !! وهو تصحيف قبيح. صحح من
المخطوطة. روح: هو ابن عبادة
يحي - شيخ مالك: هو الأنصارى. النجارى، مضت ترجمته : ٢١٥٤، ووقع هناك فى ترجمته
((البخارى))، وهو خطأ مطبعى. ومضى على الصواب فى: ٣٣٩٥. وهو ((يحيى بن سعيد بن قيس بن
عمرو بن سهل بن ثعلبة)). فتكون ((حبيبة بنت سهل بن ثعلبة)) صاحبة الحديث والقصة - عمة جده
((قيس بن عمرو)).
والحديث فى الموطأ، ص: ٥٦٤. ورواه الشافعى، عن مالك، فى الأم ٥: ١٠١، ١٧٩.
ورواه أحمد فى المسند ٦ : ٤٣٣ - ٤٣٤ (حلى)، عن عبد الرحمن بن مهدى ، عن مالك .
ورواه أبو داود : ٢٢٢٧، عن القعنى، عن مالك، ورواه النسائى ٢ : ١٠٤، من طريق ابن
القاسم ، عن مالك، ورواه ابن حبان فى صحيحه ٦ : ٤٣٦ - ٤٣٧ ( من مخطوطة الإحسان)، من

٥٥٦
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
٤٨١٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسن
ابن واقد ، عن ثابت، عن عبدالله بن رباح، عن جميلة بنت أبىّ ابن سلول : أنها
كانت عند ثابت بن قيس فنشرت عليه، فأرسل إليها النبى صلى الله عليه وسلم فقال:
يا جميلة، ماكرهت من ثابت؟ قالت: والله ما كرهت منه ديناً ولا خلقاً، إلاأنی
كرهت دمامته! فقال لها: أتردين الحديقة؟ قالت: نعم. فردت الحديقة وفرَّق بينهما. (١)
٥
قال أبو جعفر: وقد ذكر أن هذه الآية نزلت فى شأنهما - أعنى فى شأن
ثابت بن قيس وزوجته هذه .
طريق أبى مصعب أحمد بن أبى بكر ، عن مالك . ورواه البيهقى ٧: ٣١٢ - ٣١٣، من طريق أبي داود .
ورواه عبد الرزاق فى المصنف ( مخطوط مصور) ج ٤ فى الورقة : ١٧، عن ابن جريج ، عن
يحيى بن سعيد ، به .
ورواه الشافعى فى الأم - فى الموضعين عقب روايته عن مالك - عن سفيان بن عيينة ، عن يحيى
ابن سعيد .
ورواه ابن سعد في الطبقات ٨: ٣٢٦، فى ترجمة ("حبيبة)) - عن يزيد بن هرون، عن
يحيى بن سعيد، عن عمرة: ((أن حبيبة بنت سهل ... )). فذكره مرسلا .
ثم رواه عن حارم بن الفضل، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد - فذكره معضلا ، حذف
منه التابعية والصحابية . وقد تبين من الروايات السابقة أن هذا والذى قبله متصلان ، على ما فى ظاهرهما
من الانقطاع . وذكره متصلا ابن كثير ١: ٥٤١، والسيوطى ١: ٢٨٠.
(١) الحديث: ٤٨١٠ - يحيي بن واضح: هو أبو تميلة، مضت ترجمته فى: ٣٩٢.
الحسين بن واقد المروزى ، قاضى مرو : ثقة، وثقه ابن معين، وأثنى عليه أحمد . وقال فيه ابن
المبارك: ((ومن لنا مثل الحسين)). ووقع فى المطبوعة ((الحسن))، وهو خطأ بين. ثابت: هو البنانى.
عبد الله بن رباح الأنصارى: تابعى ثقة، وثقه ابن سعد، والنسائى، وغيرهما، وقال ابن خراش:
(( وهو رجل جليل)).
وهذا الإسناد صحيح . ولم أجده إلا عند الطبرى هنا ، وعند ابن عبد البر فى الاستيعاب . فرواه ابن
عبد البر ، ص : ٧٣٢ - ٧٣٣، عن عبد الوارث بن سفيان، عن قاسم بن أصبغ ، عن أحمد بن زهير،
عن محمد بن حميد الرازى - شيخ الطبرى هنا - بهذا الإسناد .
وقد تبين من هذه الأحاديث الأربعة : ٤٨٠٧ - ٤٨١٠، ومن غيرها من الروايات الصحيحة ..
الاختلاف فيمن اختلعت من ثابت بن قيس بن شماس : أهى جميلة بنت عبد الله بن أبى ابن سلول، أم
حبيبة بنت سهل؟ فالراجح أنهما كلتاهما اختلعتا منه. وهو الذى رجحه الحافظ فى الفتح ٩ : ٣٥٠
وارتضاه . قال: ((والذى يظهر أنهما قصتان، وقعتا لامرأتين. اشهرة الخبرين، وصصة الطريقين،
واختلاف السياقين)).
وانظر الإصابة ٨: ٣٩ - ٤٠، ٤٢، ٤٩.

٥٥٧
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
٤٨١١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج قال : نزلت هذه الآية فى ثابت بن قيس وفى حبيبة ، قال : وكانت
اشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
تردّين عليه حديقته؟ فقالت: نعم . فدعاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر
ذلك له ، فقال : ويطيب لى ذلك ؟ قال : نعم . قال ثابت : قد فعلتُ.
فنزلت: ((ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقما حدود الله
فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا
تعتدوها )) .
٥
وأما أهل التأويل، فإنهم اختلفوا فى معنى ((الخوف)) منهما أن لايقيما حدود الله .
فقال بعضهم : ذلك هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة لزوجها ، فإذا
ظهر ذلك منها له ، حَلَّ له أن يأخذ ما أعطته من فدية على فراقها .
ذكر من قال ذلك :
٥
٤٨١٢ - حدثیعلی بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية،
عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن
شيئاً ))، إلا أن يكون النشوزُ وسوءُ الخلق من قِبَلها فتدعوك إلى أن تفتدى منك .
فلا جناح علیك فيما افتدت به .
٤٨١٣ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال ، قال ابن جريج ،
أخبرنى هشام بن عروة : أن عروة كان يقول: لا يحل الفداء حتى يكون الفسادُ
من قبلها. ولم يكن يقول: ((لا يحل له))، حتى تقول: ((لا أبرَّ لك قسماً، ولا
أغتسل لك من جنابة)» .
٤٨١٤ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن ابن جريج قال ،

٥٨ %
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
أخبرنى عمروبن دينار قال: قال جابر بن زيد: إذا كان الشرُّ من قِبَلها حل الفداء . (١)
٤٨١٥ - حدثنا الربيع بن سليمان قال، أخبرنا ابن وهب قال ،حدثنى
ابن أبى الزناد ، عن هشام بن عروة : أن أباه كان يقول : إذا كان سوء الخلق
وسوء العشرة من قبل المرأة ، فذاك يُحل خُلعها .
٤٨١٦ - حدثٹی علی بن سهل قال،حدثنا محمد بن کثیر ،عن حماد، عن
هشام، عن أبيه أنه قال : لا يصلح الخُلع حتى يكون الفسادُ من قِبل المرأة .
٤٨١٧ - حدثنا عبد الحميد بن بيان القنّاد قال، حدثنا محمد بن يزيد،
عن إسماعيل ، عن عامر: فى امرأة قالت لزوجها: لا أبِرُّ لك قسماً ، ولا أطيع
لك أمراً، ولا أغتسل لكَ من جنابة! قال: ما هذا - وحرك يده - ((لا أبر لك
قسما، ولا أطيع لك أمراً)) !! إذا كرهت المرأة زوجها فليأخذه وليتركها .
٤٨١٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب ،
عن سعيد بن جبير أنه قال ، فى المختلعة : يعظها ، فإن انتهت وإلا هجرها ، فإن
انتهت وإلاّ ضربها، فإن انتهت وإلاّ رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكماً من
أهله وحكماً من أهلها ، فيقول الحكم الذى من أهلها : تفعلُ بها كذا وتفعلُ بها
كذا ! ويقول الحكم الذى من أهله : تفعل به كذا وتفعل به كذا . فأيهما كان
أظلم، ردَّه السلطان وأخذ فوق يده. وإنْ كانت ناشزاً أمره أن يخلع .
٤٨١٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
٢٨٢/٢ عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((الطلاقُ مرتان فإمساك بمعروف)) إلى قوله :
((فلا جناح عليهما فيما افتدت به ))، قال : إذا كانت المرأة راضيةً مغتبطة
مطيعةً ، فلا يحل له أن يضربها حتى تفتدى منه . فإن أخذ منها شيئاً على ذلك ،
فما أخذ منها فهو حرام . وإذا كان النشوز والبغض والظلم من قِبلها ، فقد حل له
أن يأخذ منها ما افتدت به .
(١) فى المطبوعة: ((إذا كان النشر)). كأنه ظنه مصدر ((نشز))، ولكن المصدر ((نشوز))
لا غير ، وهذا وهم من الطابع . أما المخطوطة ففيها ما أثبته ، وهو الصواب المحض.

٥٫٥٩
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
٤٨٢٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الزهرى فى قوله: (( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلاّ أن
يخافا ألا يقيما حدودَ اللّه))، قال: لا يحل للرجل أن يخلع امرأته إلا أن تؤتى ذلك
منها . (١) فأما أن يكون يضارها حتى تختلع ، فإن ذلك لا يصلح ، ولكن إذا
نشزت فأظهرت له البغضاء وأساءت عشرته ، فقد حلّ له خُلعها .
٤٨٢١ - حدثنا يحيى بن أبى طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر،
عن الضحاك فى قوله: ((ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً))، قال:
الصداق ((إلاّ أن يخافا ألا يقيما حدود الله)) - وحدود اللّه أن تكون المرأة ناشزة،
فإن اللّه أمر الزوج أن يعظها بكتاب الله، فإن قبلت وإلا هجرها. والهجران أن لا يجامعها
ولا يضاجعها على فراش واحد، ويوليها ظهره ولا يكلمها، فإن أبت غلّظ لها القول
بالشتيمة لترجع إلى طاعته . (٢) فإن أبت فالضرب ضربٌ غير مبرح، فإن أبت
إلاّ جماحاً فقد حل له منها الفدية .
**
وقال آخرون: بل ((الخوف)) من ذلك: أن لا تُبرَّ له قسما، ولا تطيع له أمراً،
وتقول : لا أغتسل لك من جنابة ، ولا أطيع لك أمراً ! فحينئذ يحل له عندهم
أخذ ما آتاها على فراقه إياها .
ذكر من قال ذلك :
#
٤٨٢٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن
أبيه قال ، قال الحسن: إذا قالت: ((لا أغتسل لك من جنابة ، ولا أبرُّ لك
قسما، ولا أطيع لك أمرًا))، فحينئذ حل الخُلع .
٤٨٢٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة ، عن الحسن قال: إذا قالت المرأة لزوجها: ((لا أبرُّ لك قسما، ولا أطيع
(١) فى المطبوعة: إلا أن يرى ذلك))، وهى لاشىء. وفى المخطوطة: ((إلا أن لك لونى)) غير
منقوطة، وهذا صواب قراءتها إن شاء الله.
(٢) فى المطبوعة: ((غلظ عليها)) والجيد من المخطوطة ما أثبته.

٥٦٠
تفسير سورة البقرة : ٢٢٩
لك أمرًا، ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم حدًّاً من حدود الله))، فقد حل له مالها .
٤٨٢٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هرون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن
محمد بن سالم قال: سألت الشعبى قلت : متى يحل للرجل أن يأخذ من مال امرأته ؟
قال: إذا أظهرت بغضه وقالت: ((لا أبِرُ لك قسما، ولا أطيع لك أمراً)).
٤٨٢٥ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن الشعبى :
أنه كان يعجب من قول من يقول: لا تحلّ الفدية حتى تقول: ((لاأغتسل لك
من جنابة )) ، وقال : إن الزانی یزنى ثم يغتسل !
٤٨٢٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد ،
عن إبراهيم فى الناشز ، قال : إن المرأة ربما عصَت زوجها ثم أطاعته ، ولكن إذا
عصته فلم تبرَّ قسمه ، فعند ذلك تحل الفدية .
٤٨٢٧ - حدثی موسی قال، (١) حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط، عن
السدى: ((ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً))، لا يحل له أن يأخذ من
مهرها شيئاً = ((إلاّ أن يخاف أن لا يقيما حدود الله))، فإذا لم يقيما حدود الله فقد
حلّ له الفداء، وذلك أن تقول: ((والله لا أبرُّ لك قسما، ولا أطيع لك أمرًاً ،
ولا أكرم لك نفساً ، ولا أغتسل لك من جنابة))، فهو حدود الله. فإذا قالت
المرأة ذلك ، فقد حل الفداء للزوج أن يأخذه ويطلِّقها .
٤٨٢٨ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام قال ، حدثنا عنبسة ، عن
على بن بذيمة، عن مقسم فى قوله: ﴿ ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضٍ مَا آتَيْتُمُوهُنْ
إلّا أنْ يُفْحِشْنَ﴾ [سورة النساء: ١٩]، فى قراءة ابن مسعود، قال: إذا عصتك
وآ ذتك ، فقد حلّ لك ما أخذت منها. (٢)
(١) فى المطبوعة: ((حدثى يونس))، وهو خطأ محض، والصواب من المخطوطة، وهو مع
ذلك إسناد دائر فى التفسير لا يختلف عليه .
(٢) الأثر: ٤٨٢٨ - سيأتى هذا الأثر بنصه وإسناده فى تفسير سورة النساء ٤ : ٢١٢