النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ تفسير سورة البقرة : ٢١٩ ٤١٧١ - حدثنى محمد بن معمر البحرانى قال، حدثنا روح بن عبادة قال ، حدثنا ابن جريج ، قال ، أخبرنى أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه ، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلاً بعد ذلك فليتصدق علی غیرهم. (١) ٤١٧٢ - حدثنا عمرو بن علی قال، حدثنا یزید بن هرون قال ، حدثنا محمد بن إسحق، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ ببيضة من ذهب أصابها فى بعض المعادن ، فقال : يا رسول اللّه ، خذ هذه منى صدقة ، فوالله ما أصبحت أملك غيرها ! فأعرض عنه ، فأتاه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه . ثم قال له مثل ذلك ، فأعرض عنه . ثم قال له مثل ذلك ، فقال : هاتها ! مغضباً، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجَّه أو عقَرَه، ثم قال : يجىء أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس !! إنما الصدقة عن ظهر غِىّ. (٢) (١) الحديث: ٤١٧١ - رواه أحمد فى المسند: ١٤٣٢٣ (٣: ٣٠٥ حلبى)، بنحوه، مع قضة فى أوله - من طريق أيوب ، عن أبى الزبير ، عن جابر . ورواه مسلم ١: ٢٧٤، نحو رواية المسند - من طريق اليث بن سعد، عن أبي الزبير. ثم من طريق أيوب ، عن أبى الزبير . وذكره ابن كثير ١: ٥٠٣، ونسبه لمسلم. وذكره السيوطى ١: ٢٥٤، ونسبه لمسهم والنسائى. (٢) الحديث: ٤١٧٢ - عاصم بن عمر بن قتادة: مضى فى: ١٥١٩ . ووقع فى المطبوعة (((عاصم عن عمر بن قتادة)). وهو خطأ واضح. والحديث رواه أبو داود : ١٦٧٣، عن موسى بن إسمعيل، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن ابن اسحق، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم فى المستدرك ١: ٤١٣، من طريق موسى بن إسمعيل، به وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. وذكره السيوطى ١: ٢٥٣ - ٢٥٤، وزاد نسبته لابن سعد، وهوفى طبقات ابن سعد ٤ /١٩/٢، من وجه آخر، من رواية ((عمر بن الحكم بن ثوبان))، عن جابر . حذفه بالشىء رماه به . تكفف الناس: تعرض لمعروفهم باسطاً يده ، ليتلقى منهم ما يتصدقون به عليه. وقوله: ((عن ظهر غنى ))، أى عن غنى يستقيم به أمره ويقوى . أ ٣٤٢ تفسير سورة البقرة : ٢١٩ ٤١٧٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن إبراهيم المخرّمى قال: سمعت أبا الأحوص يحدث، عن عبد الله ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ارضَحْ من الفضل، وابدأ بمن تعول ، ولا تُلام على كقاف . (١) ٠ = وما أشبه ذلك من الأخبار التى يطول باستقصاء ذكرها الكتاب . فإذا كان الذى أذن صلى الله عليه وسلم لأمته، الصدقةَ من أموالهم بالفضل (١) الحديث : ٤١٧٣ - إبرهيم المخرمى: هكذا ثبت فى المطبوعة، ولا يوجد راو - فيما أعلم - بهذا الاسم. والراجح عندى، بل الذى أكاد أوقن به، أنه محرف عن ((إبرهيم الهجرى))، فالحديث حديثه. والرسم مقارب . والهجرى: هو إبرهيم بن مسلم العبدى الكوفى ، وهو ضعيف . ضعفه ابن عيينة ، والبخارى ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغيرهم . وهذا الحديث جزء من حديث، ذكره السيوطى ١: ٢٥٤، قال: ((أخرج أبو يعلى، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأيدى ثلاثة، فيد الله العليا ، ويد المعطى التى تليها، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، فاستعفف عن السؤال وعن المسألة ما استطعت ، فإن أعطيت خيراً فلير عليك، وابدأ بمن تعول، وارضخ من الفضل، ولا تلام على الكفاف)). وكذلك ذكره المنذرى فى الترغيب والترهيب ٢: ١٠، وقال: ((رواه أبو يعلى، والغالب على روايته التوثيق. ورواه الحاكم، وصحح إسناده)). وهكذا حكى السيوطى والمنذرى تصحيح الحاكم إياه . ولنا على ذلك تعقيب: أنه ليس فى المستدرك تصحيحه - كما سيأتى . فإن لم يكن السيوطى نقل عن المندرى وقلده، يكن فى نسخة المستدرك المطبوعة سقط التصحيح الذى حكياه . وأول الحديث إلى قوله ((ويد السائل السفلى)) - رواه أحمد فى المسند : ٤٢٦١، عن القاسم بن مالك ، عن الهجرى ، عن أبى الأحوص، عن عبد الله - وهو ابن مسعود - مرفوعاً. وذكر الهيشمى فى مجمع الزوائد ٣ : ٩٧ أوله عن المسند وأبي يعلى، وزيادة آخره عن أبى يعلى. وقال: ((ورجاله موثقون )). ورواية الحاكم إياه - هى فى المستدرك ١: ٤٠٨، بثلاثة أسانيد، لم يذكر لفظه فيها كاملا . بل ذكر فى أولها أنه سقط عليه تمام الحديث ، ثم ذكر فى الآخرين بعض الحديث ، ولم يذكره كله . ولم يذكر فيه تصحيحاً ولا تضعيفاً ، ولا قال الذهبى شيئاً فى ذلك فى مختصره . رضخ له من ماله يرضخ رضفاً ، ورضخ له رضيخة: أعطاه القليل اليسير . والكفاف: هو الذى يكف المرء عن سؤال الناس: يقول: إذا لم يكن عندك فضل مال تبذله ، لم تلم على أن لا تعطى أحداً . ٣٤٣ تفسير سورة البقرة : ٢١٩ عن حاجة المتصدق، فالفضل من ذلك هو ((العفو)) من مال الرجل، (١) إِذْ كان ((العفو))، فى كلام العرب، فى المال وفى كل شىء: هو الزيادة والكثرة ... ومن ذلك قوله جل ثناؤه: ((حتى عَقَوْا)) بمعنى : زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا، (٢) ومنه قول الشاعر: (٣) بِأَسْوُقِ عَافِيَتِ الشَّخْرِ كُوم (٤) وَلكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منها يعنى به: كثيرات الشحوم . ومن ذلك قيل للرجل: ((خذما عفا لك منفلان )»، يراد به ما فضل فصفا لك عن جُهده بما لم يَجْهده = (٥) كان بيِّناً أنّ الذى أذن الله به فى قوله: ((قل العفو)) لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه، هو الذى بين لأمته رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((خير الصدقة ما أنفقت عن غنی ))، وأذنهم به . فإن قال لنا قائل: وما تنكر أن يكون ذلك ((العفو)) هو الصدقة المفروضة؟(٦) (١) فى المطبوعة: ((الفضل من ذلك ... )) بحذف الفاء، والفاء لا بد منها ليستقيم الكلام. (٢) انظر ما قاله فى معنى ((عفا)) فيما سلف: ٣ : ٣٧٠. (٣) هو لبيد بن ربيعة . (٤) ديوانه قصيدة ٢: ١٩، ثم يأتى فى التفسير ٩: ٦ (بولاق)، وفى المطبوعة هنا ((يعض السيف منا)) وهو خطأ، والصواب ما فى الموضع الآخر والديوان. وهذا البيت من أبيات يفخر فيها بإكرامهم الضيف ، ولا سيما فى الشتاء ، يقول إذا جاء الشتاء ببرده وقحمله : إلى البَكْرِ المُقَارِبِ والكَزُوم فَلاَ نَتَجَاوَزُ العَطِلاَتِ مِنْها ولكنّا نُمِضِّ السَّيْف ... والضمير فى ((منها) للإبل. يقول: لا نتجاوز عند الذبح فندع النوق الطوال الأعناق السمينات ، إلى بكر دفىء أو بكر هرم، ولكننا نغض السيف، أى نضرب بالسيف حتى يعض فى اللحم - بعراقيب السمينات العظام الأسنمة ، وهى الكوم ، جمع كوماء. (٥) قوله: ((كان بينا ... )) جواب قوله: ((فإذا كان الذى أذن صلى الله عليه وسلم ... ). كان بيناً ... ))، وأذن هنا بمعنى: أعلم وأخبر. (٦) ((الصدقة المفروضة)) يعنى: الزكاة المفروضة. ٣٤٤٠ تفسير سورة البقرة : ٢١٩ قيل: أنكرنا ذلك لقيام الحجة على أنّ من حلّت فى ماله الزكاة المفروضة فهلكَ جميعُ ماله إلاّ قَدْرُ الذى لَزِمِ مالَه لأهل سُهْمان الصدقة، أنّ عليه أن يسلمه إليهم ، إذا كانَ هلاكٌ ماله بعد تفريطه فى أداء الواجب كان لهم فى ماله، إليهم. (١) وذلك لاشك أنه جُهْده ــ إذا سلّمه إليهم - لاعفوُه . وفى تسمية الله جل ثناؤه ما علَّم عبادَه وَجْه إنفاقهم من أموالهم ((عفواً))، ما يبطل أن يكون مستحقاً اسم ((جهد)) فى حالة. وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قول من زعم أن معنى («العفو)) ،هوما أخرجه رب المال إلى إمامه فأعطاه، كائناً ما كان من قليل ماله وكثيره ، وقولٍ من زعم أنه الصدقة المفروضة . وكذلك أيضاً لا وجه لقول من يقول إن معناه: ((ما لم يتبيّن فى أموالكم))، (٢) لأن النبى صلى الله عليه وسلم لما قال له أبو لباية: ((إنّ من توبتى أن أنخلع إلى الله ورسوله من مالی صدقة)»، قال النبى صلىالله عليه وسلم: «یکفیك من ذلك الثلث !))، و کذلك روی عن کعب ابن مالك أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له نحواً من ذلك. (٣) والثلث لا شك أنه بيِّنٌ فَقْدُه من مال ذى المال، ولكنه عندى كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلمَ يَقْتُرُوا وَكَنَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٧]، وكما قال جل ثناؤه لمحمد صلى اللّه عليه وسلم: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ (١) فى المطبوعة: ((الواجب كان لهم ما له إليهم))، وزيادة ((فى)) واجبة تمام المعنى واستقامته يمنى :... أداء الواجب فى ماله إليهم، وقوله: ((كان لهم)) صفة لقوله ((الواجب)). (٢) انظر هذا القول فيما سلف قريباً ص: ٣٣٨ (٣) حديث توبة أبي لبابة بن المنذر، وانخلاعه من ماله فى المسند ٣: ٤٥٢، ٥٠٢ قال، لما تاب الله عليه فى أمر غزوة بنى قريظة (انظر سيرة ابن هشام ٣: ٢٤٧، ٢٤٨): يا رسول الله إن من توبى أن أهجر دار قومى، وأن أنخلع من مالى صدقة لله ولرسوله ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجزىء عنك الثلث . وأما خير كعب بن مالك، فهو خبر الثلاثة الذين خلفوا (رواه البخارى فى غزوة بنى قريظة ٦: ٧ )، فلما تاب الله عليه قال: إنه من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله ورسوله ! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك . ٢١٥/٢ ٣٤٥ تفسير سورة البقرة : ٢١٩ وَلاَ تَبْسُطْهَ كُلِّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومَا تَحْسُوراً﴾ [سورة الإسراء: ٢٩]، وذلك هو ما حدَّه صلى اللّه عليه وسلم فيما دون ذلك على قدر المال واحتماله . ٠٠٠ ثم اختلف أهل العلم فى هذه الآية: هل هى منسوخة أم ثابتة الحكم على العباد ؟ فقال بعضهم : هى منسوخة ، نسختها الزكاة المفروضة. • ذكر من قال ذلك : ٤١٧٤ - حدثی علی بن داود قال،حدثنا عبد الله بن صالح قال ،حدثی معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( يسألونك ماذا ينفقون قل العفو ))، قال : كان هذا قبل أن تفرض الصدقة . ٤١٧٥ - حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبی قال، حدثنی عی قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: (( يسألونك ماذا ينفقون قل العفو))، قال: لم تفرض فيه فريضة معلومة. ثم قال: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ هَنِ الجَاهِلِين﴾ [سورة الأعراف: ١٩٩]، ثم نزلت الفرائض بعد ذلك مستَّةً". ٤١٧٦ - حدثیموسی بن هرون قال حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((يسألونك ماذا ينفقون قل العفو))، هذه نسختها الزكاة . ٠ ٥ ٠ وقال آخرون : بل مُثْبَتة الحكم غير منسوخة . • ذكر من قال ذلك : ٤١٧٧ - حدثنى محمد بن عمروقال حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عیسی ، عن ابن أبى نجیح، عن قیس سعد= أو عيسى، عن قیس = عن مجاهد - شكّ أبو عاصم قال - قال: اسمعو الصدقة المفروضة . . ٠ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك ما قاله ابن عباس على ما رواه عنه عطية، من أن قوله: ((قل العفو))، ليس بإيجاب فرض فُرض من الله حقاً فى ماله ، ولكنه إعلامٌ منه ما يرضيه من النفقة مما يُسخطه ، جواباً منه لمن سأل نبيه ٣٤٦ تفسير سورة البقرة : ٢١٩ محمداً صلى الله عليه وسلم عما فيه له رضاً . فهو أدبٌ من اللّه لجميع خلقه على ما أدَّبهم به فى الصدقات غير المفروضات ثابتُ الحكم، غيرُ ناسخ لحكم كان قبله بخلافه ، ولا منسوخ بحكم حدث بعده . فلا ينبغى لذى ورع ودين أن يتجاوز فى صدقاته التطوع وهباته وعطايا النفل وصدقته، ما أُدَّ بهم به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : (( إذا كان عند أحدكم فضل فليبدأ بنفسه ، ثم بأهله ، ثم بولده))، ثم يسلك حينئذ فى الفضل مسالكه التى ترضى اللّه ويحبها. وذلك هو ((القوّام)) بين الإسراف والإقتار، الذى ذكره الله عز وجل فى كتابه = إن شاء الله تعالى. ٠ ويقال لمن زعم أن ذلك منسوخ : ما الدلالة على نسخه ، وقد أجمع الجميعُ لا خلاف بينهم: على أن للرجل أن ينفق من ماله صدقةً وهبةً ووصيةً، الثلثَ ؟ فما الذی دل على أن ذلك منسوخ؟ فإن زعم أنه يعنى بقوله: (إنه منسوخ))، أنّ إخراج العفو من المال غير لازم فرضاً ، وأن فرض ذلك ساقطٌ بوجود الزكاة فى المال = -قيل له: وما الدليل على أن إخراج العفو كان فرضاً فأسقطه فرضُ الزكاة، ولا دلالة فى الآية على أن ذلك كان فرضاً، إذ لم يكن أمرٌ من الله عز ذكره، بل فيها الدلالة على أنها جوابُ ما سأل عنه القوم على وجه التعرف لما فيه لله الرضا من الصدقات ؟ ٢١٦/٢ ولا سبيل لمدَّعى ذلك إلى دلالة توجب صحة ما ادَّعى . ٠٠٠ قال أبو جعفر: وأما القرأة فإنهم اختلفوا فى قراءة ((العفو)). فقرأته عامة قرأة الحجاز وقرأة الحرمين وُعظم قرأة الكوفيين: ((قل العفو)) نصباً. وقرأه بعض قرأة البصريين: ((قل العفو)) رفعاً . فمن قرأه نصباً جعل ((ماذا)) حرفاً واحداً، ونصبه بقوله: ((ينفقون» ، علىما قد ٣٤٧ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠،٢١٩ بيّنت قبل . (١) ثم نصب ((العفو)) على ذلك. فيكون معنى الكلام حينئذ: ويسألونك أى شىء ينفقون ؟ ومن قرأه رفعاً جعل ((ما) من صلة ((ذا))، ورفعوا ((العفو)). فيكون معنى الكلام حينئذ : ما الذى ينفقون ؟ قل: الذى ينفقون، العفو . ولو نصب ((العفو))، ثم جعل ((ماذا)) حرفين ، بمعنى: يسألونك ماذا يتفقون؟ قل: ينفقون العفو = ورفع الذين جعلوا ((ماذا)) حرفاً واحداً ، بمعنى: ما ينفقون ؟ قل: الذى ينفقون، خبراً = (٢) كان صواباً صحيحاً فى العربية . وبأى القراءتين قرئ ذلك، فهو عندى صواب ، (٣) لتقارب معنيهما ، مع استفاضة القراءة بكل واحدة منهما . غير أن أعجبَ القراءتين إلىّ، وإن كان الأمر كذلك ، قراءةُ من قرأه بالنصب ، لأن من قرأ به من القرأة أكثر ، وهو أعرف وأشهرُ . ٥ القول فى تأويل قوله عزّ ذكره ﴿كَذَلِكَ ◌ُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْأَيْتِ لَعَلَّكُ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ فِ الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله عز ذكره: ((كذلك يبين الله لكم الآيات))، هكذا بين = أى: كما بينت لكم أعلامى وحججى - وهى ((آياته)) - فى هذه السورة ، وعرّفتكم فيها ما فيه خلاصكم من عقابى، وبينت لكم حدودى وفرائضى ، ونبّهتكم فيها على الأدلة على وحدانيتى ، ثم على حجج رسولى إليكم، فأرشدتكم إلى ظهور (١) انظر ما سلف فى هذا الجزء: ٢٩٢، ٢٩٣ (٢) يعنى: ورفعوه على أنه خبر ((الذى ينفقون)). (٣) فى المطبوعة: ((قرىء ذلك عندى صواب)، والصواب زيادة ((فهو))، أو يقول: ((كان عندى صواباً» . . ٠ ٣٤٨ تفسير سورة البقرة : ٢١٩، ٢٢٠ الهدى = فکذلك أبین لكم فى سائر کتابی الذى أُنزلته علی نبیی محمد صلى الله. علیه وسلم آیاتی وُحججی وأوضحها لكم، لتتفكروا فى وعدی ووعيدى ، وثوابى وعقابى، فتختاروا طاعتى التى تنالون بها ثوابى فى الدار الآخرة، والفوز بنعيم الأبد، (١) على القليل من اللذات واليسير من الشهوات ، بركوب معصيتى فى الدنيا الفانية، الی من رکبها کان معاده إلىّ ،ومصیرہ إلی ما لا قبل له به من عقابى وعذابى. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٤١٧٨ - حدثنا على بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ابن صالح، عن على ، عن ابن عباس: ((كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فى الدنيا والآخرة ))، قال : يعنى فى زوال الدنيا وفنائها ، وإقبال الآخرة وبقائها . ٤١٧٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((لعلكم تتفكرون فى الدنيا والآخرة)»، قال يقول: لعلكم تتفكرون فى الدنيا والآخرة ، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا . ٤١٨٠ - حدثنا القاسم، قال حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال: قوله: ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فى الدنيا والآخرة))، قال: أما الدنيا ، فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء ، فتتفكرون فتعملون للباقية منهما = قال: وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضاً . ٤١٨١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة (١) فى المطبوعة: ((فتجاوزوا طاعتى ... ))، وهو خطأ، والصواب ما أثبت. يقال: ((اخترت فلافاً على فلان))، بمعنى آثرته عليه. وعدى ((الاختيار)) بقوله ((على)) لتضمنها معنى: ((فضلت)). ٠٣٤٩ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠،٢١٩ قوله: ((كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فى الدنيا والآخرة))، وأنه من تفكر فيهما عرف فضل إحداهما على الأخرى ، وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء ، وأن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء ، فكونوا ممن يَصْرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة . القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْتَّعَىْ قُلْ إِسْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تَخَلِطُمْ فَإِخْوَنُكُمْ﴾ اختلف أهل التأويل فيمَ نزلت هذه الآية . (١) فقال بعضهم : نزلت [ فى الذين عزلوا أموال اليتامى الذين كانوا عندهم ، وكرهوا أن يخالطوهم فى مأكل أو فى غيره ، وذلك حين نزلت ﴿وَلاَ تَقْرَ بُوا مَالَ اليَقِيمِ إِلّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٢]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْ كُلُوَن أَمْوَالَ الَتَآَمَى ظُلْمًا﴾ [سورة النساء: ١٠] . • ذكر من قال ذلك]: (٢) ٤١٨٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ﴿وَلاَ تَقْرَ بُوا مَالَ الَّتِيمِ إِلَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٢ / والإسراء: ٣٤] عزلوا أموال اليتامى، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: (((وإن تخالطوهم فإخوانكم، والله يعلمَ المفسدَ من المصْلح، ولو شاء اللّه لأعنتكم))، فخالطوهم . (٣) ٢١٧/٢ (١) فى المطبوعة: ((فيما نزلت))، والأجود ما أثبت. (٢) ما بين القوسين زيادة استظهرتها من سياق الكلام، واستجزت أن أزيدها بين الأقواس فى متن الكتاب ، حتى لا تنقطع على القارىء قراءته، وكان مكانها فى المطبوعات والمخطوطات بياض. (٣) الأثر: ٤١٨٢ - أعرب الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٧٨ مطولاً، وقال: ((هذا حديث ٣٥٠ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ ٤١٨٣ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الَّتِيمِ إِلاَّ بِالّتِى هِىَ أَحْسَنُ)، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال اليَى ظْمَاإِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [سورة النساء: ١٠]، انطلق من كان عنده يتيمٌ فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُل الشىء من طعامه فيُحبس له حتى يأكله أو يفسُد. فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: ((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم))، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.(١) ٤١٨٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن سعيد قال: لما نزلت: ﴿وَلاَ تَقْرَ بُوا مَالَ الْيَقِيمِ إِلاَّ بِالّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾، قال : كنا نصنع لليتيم طعاماً فيفضُل منه الشىء ، فيتركونه حتى يفسد ، فأنزل اللّه: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم)).(٢) ٤١٨٥ - حدثنا یحیی بن داود الواسطى قال، حدثنا أبو أسامة، عنابن أبى ليلى، عن الحكم قال: سئل عبد الرحمن بن أبى ليلى عن مال اليتيم فقال: لما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَغِيرِ إِلَّ بِالّتِ هِىَ أَحْسَنُ)، اجتُنبت مخالطتهم ، واتقوا كل شىء ، حتى اتقوا الماء، فلما نزلت: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم))، قال : فخالطوهم . ٤١٨٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (( ويسألونك عن الپتامی ) الآية کلها، قال: کان الله أنزل قبلذلك فى صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي. وكان فى المطبوعة. ((فإخوانكم ولو شاء لأعنتكم))، فأتمبت الآية على تنزيلها . (١) الأثر: ٤١٨٣ - أخرجه أبو داود ٣: ١٥٥ رقم: ٢٨٧١، والنسائى ٦: ٢٥٦. (٢) الأثر: ٤١٨٤ - قوله ((عن سعيد قال)) يعنى قال ابن عباس، كما هو ظاهر الخبر. ٢٥١ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ (سورة بنى إسرائيل))(١) ﴿ وَلاَ تَقْرَ بُوامَالَ الْيَغِيمِ إِلّ بِالّتِ هِىَ أَخْتَنُ)، فكبُرت عليهم ، فكانوا لا يخالطونهم فى مأكل ولا فى غيره ، فاشتد ذلك عليهم ، فأنزل الله الرخصة فقال: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم)). ٤١٨٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال: لما نزلت: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَقِيم إلّ بِالْتِى هِىَ أَحْسَنُ )، اعتزل الناس اليتامى فلم يخالطوهم فى مأكل ولا مشرب ولا مال ، قال : فشق ذلك على الناس ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: (ويسألونك عن اليتامى ◌ُل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم)). ٤١٨٨ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم)) الآية، قال: فذكرلنا والله أعلمُ أنه أنزل فى ((بنى إسرائيل)): ((١) ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الَّتِيم إلّ بِالّتِ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) فكبُرت عليهم، فكانوالا يخالطونهم فى طعام ولا شراب ولا غير ذلك . فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة فقال: (( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم))، يقول : مخالطتهم فى ركوب الدابة وشرب اللبن وخدمة الخادم . يقول: الولىّ الذى يلى أمرهم ، فلا بأس عليه أن يركب الدابة أو يشرب اللبن أو يخدمه الخادم . ٠ ٥ وقال آخرون فى ذلك بما : - ٤١٨٩ - حدثنى عمرو بن على قال ، حدثنا عمران بن عيينة قال ، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فى قوله: ((إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون فى بطونهم)) الآية، قال: كان يكون فى حِجْر الرجل اليتيمُ فيعزل طعامه وشرابه وآ نيته، فشقّ ذلك على المسلمين ، فأنزل (١) ((سورة بنى إسرائيل)) هى ((سورة الإسراء)). ٣٥٢ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ الله: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح))، فأحل خُلْطتهم. (١) ٤١٩٠ -حدثھی أبو السائب قال ، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا أشعث، عن الشعبى قال: لما نزلت هذه الآية: ((إنّ الذين يأكلون أموال" اليتامى ظلماً إنما يأكلون فى بطونهم ناراً وسَيَصْلونَ سعيراً)، قال: فاجتنب الناس الأيتام ، فجعل الرجل يعزل طعامه من طعامه، وماله من ماله، وشرابه من شرابه . قال: فاشتد ذلك على الناس ، فنزلت: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح)). قال الشعبي: فمن خالط يتما فليتوسّع عليه، ومن خالطه ليأكل من ماله فلا يفعل . ٢١٨/٢ ٤١٩١ - حدثنى على بن داود قال ، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس: قوله: ((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير)) ، وذلك أن الله لما أنزل: ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون فى بطونهم ناراً وسيصْلون سعيراً))، كره المسلمون أن يضمُّوا اليتامى، وتحرَّجوا أن يخالطوهم فى شىء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ((قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم)). ٤١٩٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال : سألت عطاء بن أبى رباح عن قوله: ((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم ))، قال: لما نزلت ((سورة النساء»، عزل الناس طعامهم فلم يخالطوهم. قال: ثم جاءوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا يشقُّ علينا أن نعزل طعام اليتامى وهم يأكلون معنا ! فنزلت: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم ) = قال ابن جريج، وقال مجاهد : عزلوا طعامهم عن طعامهم وألبانهم عن ألبانهم وأدْمهم عن أدْمهم، (٢) فشقّ ذلك عليهم، فنزلت: ((وإن تخالطوهم (١) الأثر : ٤١٨٩ - أخرجه النسائى ٦: ٢٥٦ - ٢٥٧. وفى المطبوعة: ((فأحل لم دخلطم والهصوا من اننسائى. (٢) الأدم (بضم فسكون) والإدام: ما يؤتدم به ، أى ما يؤكل بالخبز أى شىء كان ، وفى الحديث: ((نعم الإدام الخل)). ٣٥٣ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ فإخوانكم))، قال: مخالطة اليتيم فى المراعى والأُدْم - قال ابن جريج، وقال ابن عباس: الألبان وخدمة الخادم وركوب الدابة = قال ابن جريج : وفى المساكن ، قال: والمساكن يومئذ عزيزة" . ٤١٩٣ - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر قال ، أخبرنا أبو كدينة ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزلت: ((ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن)) و((إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً)، قال: اجتنب الناس مال اليتيم وطعامه ، حتى كان يفسد ، إن كان لحماً أو غيره . فشقّ ذلك على الناس ، فشکوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير)) (١) ٤١٩٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجیح ، عن قيس بن سعد = أو عيسى ، عن قيس بن سعد ، شك أبو عاصم - عن مجاهد: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم))، قال: مخالطة اليتيم فى الرُّعْى والأُدْم.(٢) ٠٠ وقال آخرون : بل كان اتقاء مال اليتيم واجتنابه من أخلاق العرب ، فاستفتوا فى ذلك لمشقته عليهم ، فأفتوا بما بيَّنه اللّه فى كتابه . • ذكر من قال ذلك : ٤١٩٥ - حدثی موسی بن هرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح))، قال: كانت العرب يشددون فى اليتيم حیلا یأ کلوا معه فى قصعة واحدة ، ولا یر کبوا له بعیراً ، ولا يستخدموا له خادماً، (١) الأثر: ٤١٩٣ - أخرجه النسائي ٦ : ٢٥٦. (٢) الرحى (بكسر الراء وسكون العين): الكلانفسه ، كالمرعى . ٢٣ ٣٥٤ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عنه ، فقال: ((قل إصلاح لهم خيرٌ))، يصلح له ماله وأمره له خيرٌ ، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه وير كب راحلته ويحمله ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجودُ ((والله يعلم المفسد من المصاح)). ٤١٩٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ)) إلى ((إن الله عزيز حكيم))، وإن الناس كانوا إذا كان فى حِجْر أحدهم اليتيمُ جعل طعامه على ناحية ، ولبنه على ناحية ، مخافة الوزر ، وأنه أصاب المؤمنين الجّهْد، فلم يكن عندهم ما يجعاون خدماً لليتامى، فقال الله: ((قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم )) إلى آخر الآية . ٤١٩٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد بن سابمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ويسألونك عن اليتامى))، كانوا فى الجاهلية يعظّمون شأنَ اليتيم، فلا يمسُون من أموالهم شيئاً ، ولا يركبون لهم دابة ، ولا يطعمون لهم طعاماً . فأصابهم فى الإسلام جَهْدٌ شديد ، حتى احتاجوا إلى أموال اليتامى، فسألوا نبى الله صلى الله عليه وسلم عن شأن اليتامى وعن مخالطتهم، فأنزل الله: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم))، يعنى ((بالمخالطة)): ركوب الدابة، وخدمة الخادم، وشربَ اللبن . ٢١٩/٢ ٠ قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذاً : ويسألك يا محمد أصحابك عن مال اليتامى ، وخلطهم أموالهم له فى النفقة والمطاعمة والمشاربة والمساكنة والخدمة، فقل لهم: تفضُّلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم - من غير مَرْزِئة شىء من أموالهم، (١) وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم - خيرٌ لكم عند اللّه وأعظمُ (١) يقال: ((رزأه فى ماله يرزؤه رزءاً (بضم فسكون) ومرزئة ( بفتح الميم وسكون الراء وكسر الزامى ): أساب منه خيراً ما كان ، فنقص من ماله . ٣٥٥ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ لكم أجراً، لما لكم فى ذلك من الأجر والثواب = وخيرٌ لهم فى أموالهم فى عاجل دنياهم، لما فى ذلك من توفر أموالهم عليهم = ((وإن" تخالطوهم)) فتشاركوهم بأموالكم أموالهم فى نفقاتكم ومطاعمكم ومشاربكم ومساكنكم ، فتضمُّوا من أموالهم عوضاً من قيامكم بأمورهم وأسبابهم وإصلاح أموالهم ، فهم إخوانكم ، والإخوان يعين بعضهم بعضاً ، ويكنُفُ بعضهم بعضاً، (١) فذو المال يعينُ ذا الفاقة، وذو القوة فى الجسم يعين ذا الضعف . يقول تعالى ذكره: فأنتم أيها المؤمنون وأيتامكم كذلك ، إن خالطتموهم بأموالكم = فخلطتم طعامكم بطعامهم، وشرايكم بشرابهم، وسائر أموالكم بأموالهم، فأصبتم من أموالهم فَضْل مَرْفَق بما كان منكم من قيامكم بأموالهم وولائهم، ومعاناة أسبابهم، على النظر منكم لهم نظرّ الأخ الشفيق لأخيه ، العامل فيما بينه وبينه بما أوجب الله عليه وألزمه = فذلك لكم حلال"، لأنكم إخوان بعضكم لبعض ، كما :- ٤١٩٨ - حدثنی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم )) ، قال : قد يخالط الرجل أخاه . ٤١٩٩ - حدثنى أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن أبى مسكين، عن إبراهيم قال: إنى لأكره أن يكون مال اليتيم كالعُرة. (٢) ٤٢٠٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن هشام الدستوائى ، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: إنى لأ كره أن يكون مالُ اليتيم عندى عُرَّةً ، حتى أخلط طعامه بطعامى وشرابه بشرابى. (٣) ٠ (١) كنفه يكنفه : حاطه وصانه وكان إلى جنبه وعاونه، والمكانفة: المعاونة . وأصلها من ((الكنف))، وهو حضن الرجل. ويقال: ((هو فى كنف اللّه))، أى فى كلامته وحفظه وحرزه ورعايته . (٢) المرة : القذر وحذرة الناس ، يريد: أن يتجنبه تجنب القذر . (٣) الأثر: ٤٢٠٠ - فى تفسير ابن كثير ١: ٥٠٥، والدر المنثور ١: ٢٥٦، ولم أجده فى مكان آخر. و((العرة))، سلف شرحها. وفى تفسير ابن كثير ((عندى حدة))، ولعل صوابها ما فى التفسير . تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قال: (( (إخوانُكم»، فرفع ((الإخوان))؟ وقال فى موضع آخر: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِ جَالاً أَوْ رُ كْبَانًا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩] قيل: لافتراق معنييهما. وذلك أنّ أيتام المؤمنين إخوان المؤمنين، خالطهم المؤمنون بأموالهم أو لم يخالطوهم . فمعنى الكلام : وإن تخالطوهم فهم إخوانكم. و((الإخوان)) مرفوعون بالمعنى المتروك ذكره، وهو ((هم))، لدلالة الكلام عليه - وأنه لم يرد ((بالإخوان)) الخبر عنهم أنهم كانوا إخواناً من أجل مخالطة ولاتهم إياهم. ولو كان ذلك المراد ، لكانت القراءة نصباً ، وكان معناه حينئذ : وإن تخالطوهم فخالطوا إخوانكم ، ولكنه قرئ رفعاً لما وصفت : من أنهم إخوان للمؤمنين الذين يلونهم ، خالطوهم أو لم يخالطوهم. وأما قوله: ﴿فرجالاً أو رُ كبانا)، فتصبّ، لأنهما حالان للفعل، غير دائمين، (١) ولا يصلح معهما ((هو)). وذلك أنك لو أظهرت ((هو)) معهما لاستحال الكلام. ألا ترى أنه لو قال قائل: ((إن خفت من عدوك أن تصلى قائماً فهو راجل أو راكب)»، لبطل المعنى المرادُ بالكلام؟ وذلك أن تأويل الكلام . فإن خفتم أن تصلوا قياماً من عدوكم ، فصلوا رجالا أو ركباناً . ولذلك نصبه إجراءً على ما قبله من الكلام، كما تقول فى نحوه من الكلام: (( إن لیستثياباً فالبياض )) ، فتنصبه، لأنك تريد : إن لبست ثياباً فالبس البياض - ولست تريد الخبر عن أن جميع ما يلبس من الثياب فهو البياض. ولو أردت الخبر عن ذلك لقلت: ((إن لبست ثياباً فالبياضُ)) رفعاً ، إذا كان مخرج الكلام على وجه الخبر منك عن اللابس، أنّ كل ما يلبس من الثياب فبياضٌ . لأنك تريد حينئذ: إن لبست ثياباً فهى بیاض.(٢) (١) فى المطبوعة ((غير ذاتيين)):، وهو تصحيف فاحش لا معنى له، والصواب ما أثبت والحال غير الدائمة ، هى الحال المشتقة المنتقلة، والدائم هو الجامد والثابت . (٢) انظر تفصيل ذلك فى معانى القرآن الفراء أيضاً ١ : ١٤١ - ١٤٢. ٣٥٧ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ فإن قال: فهل يجوز النصب فى قوله: ((فإخوانكم)). قيل : جائز فى العربية . فأما فى القراءة، فإنما منعناه لإجماع القرأة على رفعه . وأما فى العربية ، فإنما أجزناه ، لأنه يحسن معه تكريرُ ما يحمل فى الذى قبله من الفعل فيهما : وإن تخالطوهم ، فإخوانكم تخالطون - فيكون ذلك جائزاً فى كلام العرب . (١) (٣) القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿وَاللهُ يْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: إن ربكم قد أذن لكم فى مخالطتكم اليتامى على ما أذن لكم به، (٣) فاتقوا الله فى أنفسكم أن تخالطوهم وأنتم تريدون أكل أموالهم بالباطل ، وتجعلون مخالطتكم إياهم ذريعة لكم إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حقها ، فتستوجبوا بذلك منه العقوبة التى لا قبل لكم بها ، فإنه يعلم من خالط منكم يتيمه - فشاركه فى مطعمه ومشربه ومسكنه وخدمه ورعاته فى حال مخالطته إياه - ما الذى يقصد بمخالطته إياه : أفسادَ ماله وأكله بالباطل ، أم إصلاحه وتثميره؟ لأنه لا يخفى عليه منه شىء، (٤) ويعلم أيكم المريد صلاح ماله، من المريد إفساده ، كما : - ٢٢٠/٢ (١) انظر تفصيل ذلك فى معانى القرآن الفراء أيضا ١: ١٤١ - ٤٢). (٢) من أول تفسير هذه الآية يبدأ الجزء الرابع من المخطوطة العتيقة التى اعتمدناها. وأولها: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيم ربّ أَعِنِ بِرْتَمَتِك) (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إن ربكم وإن أذن لكم ... )) وهو كلام مختل، وكأن الذى أثبت قريب من الصواب . (٤) فى المخطوطة ((لا نها عليه منه شىء))، وفيها تصحيف لم أتبينه، والذى فى المطبوعة جيد فى سياق المعنى . ٣٥٨° تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ ٤٢٠١ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قول الله تعالى ذكره: ((والله يعلم المفسد من المصلح))، قال: اللّه يعلم حين تخلط مالك بماله : أتريد أن تصلح ماله ، أو تفسده فتأكله بغير حق ؟ ٤٢٠٢ - حدثنى أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث قال ، حدثنا أشعث، عن الشعبى: ((والله يعلم المفسد من المصلح))، قال الشعبي: فمن خالط يتيماً فليتوسّع عليه، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يُفعل".(١) ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَأَعْتَشَـ قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: ولو شاء اللّه لحرَّم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالهم ، فجهدكم ذلك وشقّ عليكم، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى والواجب عليكم فى ذلك من فرضه ، ولكنه رخّص لكم فيه وسهله عليكم ، رحمةٌ بكم ورأفةٌ . ٠ ٠ واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((لأعنتكم)). فقال بعضهم بما : - ٤٢٠٣ - حدثنى به محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجیح ، عن قيس بن سعد ۔۔ أو عیسی ، عن قيس بن سعد - عن مجاهد = شك أبو عاصم = فى قوله تعالى ذكره: ((ولو شاء اللّه لأعنتكم))، لحرم عليكم المرعى والأدْم. ((حدثنى أبو السائب، قال حدثنا (١) الأثر: ٤٢٠٢ - فى المخطوطة والمطبوعة أشعث ... ))، وهو إسناد ناقص، أسقط ((قال حدثنا حفص بن غياث)»، وقد مضى هذا الإسناد مراراً، أقربه: ٤١٩٠، وهذا الأثر مختصره. ٣٥٩ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ قال أبو جعفر : يعنى بذلك مجاهد : رعى مواشى والى اليتيم مع مواشى اليتيم، والأكلَ من إدامه. لأنه كان يتأول فى قوله: ((وإن تخالطوهم فإخوانكم)»، أنه خُلْطة الولىّ اليتيم بالرُّعْى والأدْم.(١) ٠ ٠ ٠ ٤٢٠٤ - حدثنى على بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثى معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: (( ولو شاء اللّه لأعنتكم))، يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيَّقَ عليكم، ولكنه وسَّعَ ويسَّر فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَغْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْ كُلْ بِلَعْرُوفِ ﴾ [سورة النساء: ١] ٤٢٠٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (( ولو شاء اللّه لأعنتكم))، يقول: لجهد كم، فلم تقوموا بحقّ ولم تؤدُّوا فريضة. ٤٢٠٦ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع نحوه = إلا أنه قال: فلم تعملوا بحقّ . ٤٢٠٧ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((ولو شاء اللّه لأعنتكم ))، لشدد عليكم . ٤٢٠٨ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهبقال، قال ابن زيد فی قول الله: ((ولو شاء اللّه لأعنتكم))، قال: لشقّ عليكم فى الأمر. ذلك العنتُ. ٤٢٠٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم، عن ابن عباس قوله: (( ولو شاء اللّه لأعنتكم))، قال: ولو شاء الله لجعل ما أصبتُم من أموال اليتامى مُوبقاً . ٠ ٠٠ وهذه الأقوال التى ذكرناها عمن ذكرت عنه ، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيها ، فإنها متقارباتُ المعانى. لأن من حُرُّم عليه شىء فقد ضُيِّق عليه فى ذلك (١) انظر الأثر السالفيق : ٤١٩٤ ٣٦٠ تفسير سورة البقرة : ٢٢٠ الشىء ، ومن ضُيق عليه فى شىء فقد أخْرج فيه، ومن أحرج فى شىء أو ضيِّق عليه فيه فقد جُهد . وكل ذلك عائد إلى المعنى الذى وصفت من أن معناه : الشدة والمشقة . ولذلك قيل: ((عَنِت فلانٌ)) = إذا شق عليه الأمر، وجهده،=(١) ((فهو يعنّتُ عَنْتاً))، كما قال تعالى ذكره: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِّمْ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨]، يعنى ما شق عليكم وآذا كم وجهد كم، ومنه قوله تعالى ذكره: ﴿ذلكَ لِمَنْ خَشِىَ العَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٥]. فهذا إذا عَنْت العانت. فإن صيّره غيره كذلك، قيل: ((أعنته فلانٌ فى كذا )) = إذ جهده وألزمه أمراً جهده القيام به = ((يُعْنته إعناتاً)). فكذلك قوله: ((لأعنتكم)) معناه: لأوجب لكم العنت بتحريمه عليكم ما يجْهدكم ويحرجكم ، مما لا تطيقون القيام باجتنابه ، وأداء الواجب له علیکم فيه . وقال آخرون : معنى ذلك : لأوبقكم وأهلككم . • ذكر من قال ذلك : ٢٢١/٢ ٤٢١٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق بن غنام ، عن زائدة ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال: قرأ علينا: ((ولو شاء اللّه لأعنتكم))، قال ابن عباس: ولو شاء اللّه لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً . ٤٢١١ ۔۔ حدثنا أبو کریب قال،حدثنا یحی بن آدم، عن فضيل - وجرير، عن منصور = وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور = عن الحكم ، (٤) فى المطبوعة: ((عنت غلاماً)، وهو خطأً، والفعل لازم، كما سيأتى. وفى المخطوطة والمطبوعة: ((إذا شق عليه وجهده))، والصواب زيادة «الأمر)).