النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
تفسير سورة البقرة : ١١٣
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا أُخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّ الَّذِينَ أُوُْوهُ
مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَّنْتُ بَغْيَا يَنَهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وما اختلف فيه))، وما اختلف
فى الكتاب الذى أنزله ، وهو التوراة = ((إلا الذين أوتوه))، يعنى بذلك اليهود من بنى
إسرائيل، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها = و(«الهاء» فى قوله: ((أوتوه )) عائدة على
((الكتاب)) الذى أنزله الله = ((من بعد ما جاءتهم البينات))، يعنى بذلك: من بعد
ما جاءتهم حجج الله وأدلته أنّ الكتاب الذى اختلفوا فيه وفى أحكامه من عند الله ،
وأنه الحق الذى لا يسعهم الاختلاف فيه ولا العمل بخلاف ما فيه . فأخبر عز
ذكره عن اليهود من بنى إسرائيل أنهم خالفوا الكتابَ التوراةَ ، واختلفوا فيه على علم
منهم ما يأتون ، متعمَّدين الخلاف على الله فيما خالفوه فيه من أمره وحكم كتابه .
ثم أخبر جل ذكره أن تعمُّدهم الخطيئة التى أتوها، (١). وركوبهم المعصية التى
ركبوها ، من خلافهم أمرَه ، إنما كان منهم بغياً بينهم .
٠
٠ ٠
و((البغى)) مصدر من قول القائل: ((بغى فلانٌ على فلان بغياً))، إذا طغى
واعتدى عليه فجاوز حدّه . ومن ذلك قيل للجرح إذا أمدّ، وللبحر إذا كثر
ماؤه ففاض، ولالسحاب إذا وقع بأرض فأخصبت، ((بَغَى))، كل ذلك بمعنى
واحد ، وهی زیادته وتجاوز حده . (٢)
...
فمعنى قوله جل ثناؤه: (( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم
البيئات بغياً بينهم))، من ذلك . يقول : لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود
من بنى إسرائيل ، فی کتابی الذیأنزلته مع نبيئِّ ، عن جهل منهم به ، بل كان
(١) فى المطبوعة: ((تعمدهم الخطيئة التى أنزلها))، وهو تصحيف، وكلام بلا معنى.
(٢) انظر معنى ((البنى)) فيما سلف ١: ٣٤٢.

٢٨٢
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
اختلافھم فیه وخلافُ حكمه ، من بعد ما ثبتت حجته عليهم ، بغياً بينهم طلب
الرياسة من بعضهم على بعض ، واستدلالاً من بعضهم لبعض ، كما : -
٤٠٥٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع قال: ثم رجع إلى بنى إسرائيل فى قوله: (( وما اختلف فيه إلاّ
الذين أوتوه ))، يقول: إلاّ الذين أوتوا الكتابَ والعلم =((من بعد ما جاءتهم البينات
بغياً بينهم ))، يقول: بغياً على الدنيا، وطلبَ ملكها وزخرفها وزينتها، أيُّهم يكون
له الملك والمهابة فى الناس، فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضُهم رقاب بعض .
٠
قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل العربية فى ((مِنْ)) التى فى قوله: ((من بعد
ما جاءتهم البينات))، ما حكمها ومعناها؟ وما المعنى المنتسق فى قوله: ((وما اختلف
فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم)) ؟
فقال بعضهم: ((من))، ذلك الذين أوتوا الكتاب، وما بعده صلة له. غيرَ أنه
زعم أن معنى الكلام : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ، بغياً بينهم ، من بعد ما
جاءتهم البينات . وقد أنكر ذلك بعضهم فقال : لا معنى لما قال هذا القائل ،
ولا لتقديم ((البغى)) قبل ((من))، لأن ((من)) إذا كان الجالب لها (البغى))، فخطأ
أن تتقدمه، لأن ((البغى)) مصدر، ولا تتقدم صلة المصدر عليه. وزعم المنكر ذلك
أن ((الذين) مستثنى، وأنّ ((من بعدما جاءتهم البينات)) مستثنى باستثناء آخر،
وأن تأويل الكلام : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ، ما اختلفوا فيه إلا بغياً،
ما اختلفوا إلاّ من بعد ما جاءتهم البينات = فكأنه كرر الكلام توكيداً .
٠ ٠
قال أبو جعفر: وهذا القول الثانى أشبه بتأويل الآية . لأن القوم لم يختلفوا إلاّ
من بعد قيام الحجة عليهم ومجىء البينات من عند الله، وكذلك لم يختلفوا إلا بغياً .
فذلك أشبه بتأويل الآية .
١٩٧/٢

٢٨٣
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ، امَنُواْ لِمَا
أُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْقُّ بِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَّطِمُسْتَقِيمٍ )
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فهدى اللّه))، فوفق [اللّه] الذين
آمنوا، (١) وهم أهل الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، المصد قين به وبما
جاء به أنه من عند الله، لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه. وكان اختلافهم الذى خذلهم
اللّه فيه، وهدى له الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فوفقهم لإصابته: ((الجمعة))
ضلوا عنها، وقد فُرضت عليهم كالذى فُرض علينا، فجعلوها ((السبت))، فقال
صلى الله عليه وسلم: ((نحن الآخرون السابقون ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ،
وأوتيناه من بعدهم ، وهذا اليوم الذى اختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فلليهود غداً
والنصارى بعد غد» .
٤٠٥٩ - حدثنا بذلك محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ،
عن عياض بن دينار الليثى قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال أبو القاسم صلى
اللّه عليه وسلم ، فذكر الحديث . (٢)
٤٠٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة: ((فهدى الله الذين آمنوا لما
(١) انظر معنى ((هدى)) فيما سلف ١: ١٦٦ - ١٧٠، ٢٣٠، ٢٤٩، ٥٤٩ -
٥٥١، وأنظر فهارس اللغة فى الأجزاء السالفة، فى معنى هذه الكلمة، وفى معنى ((الإيمان)).
(٢) الحديث : ٤٠٥٩ - محمد بن حميد الرازى، شيخ الطبرى: معروف، مضت الرواية
عنه كثيراً. ووقع فى المطبوعة هنا ((أحمد بن حميد))؛ وهو غلط وتحريف.
عياض بن دينار الليثى: تابعى ثقة، سمع من أبى هريرة . وقد وثقه ابن إسحق فى حديث آخر .
رواه عنه، فى المسند: ٧٤٨١، وترجمه البخارى فى الكبير ٢٢/١/٤، وذكره ابن حبان فى
ثقات التابعين، ص : ٢٩٩ ( من كتاب الثقات المخطوط المصور).
وهذا حديث صحيح ، معروف مشهور ، من حديث أبى هريرة ، ثبت عنه من غير وجه . وانظر
الحديث الذى عقبه .

٢٨٤
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
اختلفوا فيه من الحق بإذنه ))، قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون
الأوَّلون يوم القيامة، نحن أوّل الناس دخولاً الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتابَ من قبلنا،
وأوتيناه من بعدهم ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه . فهذا اليوم الذى
هدانا الله له، والناس لنا فيه تبع ، غداً لليهود، وبعد غد للنصارى . (١)
٠ ٠
• وكان مما اختلفوا فيه أيضاً ، ما قال ابن زيد، وهو ما : -
٤٠٦١ - حدثنى به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد فى قوله: «فهدى الله الذين آمنوا » للإسلام ، واختلفوا فى الصلاة،
فمنهم من يصلى إلى المشرق ، ومنهم من يصلى إلى بيت المقدس ، فهدانا للقبلة .
واختلفوا فى الصيام ، فمنهم من يصوم بعض يوم ، وبعضهم بعضَ ليلة ، وهدانا
الله له. واختلفوا فى يوم الجمعة، فأخذت اليهود السبت ، وأخذت النصارى الأحد،
فهدانا اللّه له . واختلفوا فى إبراهيم ، فقالت اليهود : كان يهودياً! وقالت النصارى :
كان نصرانياً ! فبرأه الله من ذلك، وجعله حنيفاً مسلماً ، وما كان من المشركين
للذين يدَّعونه من أهل الشرك. (٢) واختلفوا فى عيسى، فجعلته اليهود لِفِرْية،
وجعلته النصارى رباً ، فهدانا الله للحق فيه . فهذا الذى قال جل ثناؤه: ((فهدى
الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه)).
٠ ٠
٠
قال أبو جعفر: (٣) فكانت هداية الله جل ثناؤه الذين آمنوا بمحمد وبما
(١) الحديث: ٤٠٦٠ - هو فى تفسير عبد الرزاق، ص ٢٣، بهذا الإسناد. وكذلك
رواه أحمد فى المسند : ٧٦٩٢، عن عبد الرزاق .
ورواه الشيخان وغيرهما. فانظر المسند أيضاً: ٧٢١٣، ٧٣٠٨، ٧٣٩٣، ٧٣٩٥،
٧٦٩٣، وما أشرنا إليه هناك من التخريج فى مواضع متعددة .
(٢) فى المطبوعة: ((((الذين يدعونه))، والصواب ما أثبت.
(٣) فى المطبوعة: ((قال: فكانت هداية الله جل ثناؤه ... ))، يتوهم القارىء أن هذا الآتى
إنما هو من الأثر السالف ، وليس ذلك كذلك ، بل هو من كلام أبى جعفر ، كما يدل عليه سياقه
الآتى، وكما يتبين من رواية هذا الأثر السالف فى تفسير ابن كثير ١ : ٤٨٩ : ٤٩٠، والدر
المنشور ١: ٢٤٣. فلذلك فصلت بين الكلامين وجعلت صدر الكلام: ((قال أبو جعفر)».

٢٨٥
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
جاء به ، لما اختلف - هؤلاء الأحزاب من بنى إسرائيل الذين أوتوا الكتاب - فيه
من الحق بإذنه أنْ وفقهم الإصابة ما كان عليه من الحق مَنْ كان قبل المختلفين
الذين وصف اللّه صفتهم فى هذه الآية ، إذ كانوا أمة واحدة ، وذلك هو دين
إبراهيم الحنيف المسلم خليلِ الرحمن ، فصاروا بذلك أمة وسطاً ، كما وصفهم به
رہہم ، لیکونوا شهداء على الناس ، کما : -
٤٠٦٢ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع: ((فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه))، فهداهم الله
عند الاختلاف ، أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف : أقاموا على
الإخلاص لله وحده ، وعبادته لا شريك له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ،
فأقاموا على الأمر الأول الذى كان قبل الاختلاف ، واعتزلوا الاختلاف ، فكانوا
شهداء على الناس يوم القيامة ، كانوا شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح
وقوم شعيب وآل فرعون: أن رسلهم قد بلَّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلهم . وهى فى
قراءة أبي بن كعب: ﴿ِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والله يَهْدِى مَنْ
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فكان أبو العالية يقول: فى هذه الآية المخرج من
الشبهات والضلالات والفتن .
٤٠٦٣ - حدثی موسی بن هرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه))، يقول: اختلف
الكفار فيه، فهدى الله الذين آمنوا للحق من ذلك. وهى فى قراءة ابن مسعود :
((فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا عنه))، عن الإسلام.(١)
(١) الأثر: ٤٠٦٣ - انظر الأثر، السالف رقم : ٤٠٥٧ والتعليق عليه . وكان فى
المطبوعة هنا وهناك: (( لما اختلفوا فيه على الإسلام»، وهو غير بين المعنى، والذى أثبته هو نص
ما فى القرطبى ٣: ٣٣، والدر المنثور ١ : ٢٤٣.
.':

٢٨٦
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
قال أبو جعفر: وأما قوله: ((بإذنه ))، فإنه یعنی جل ثناؤه: بعلمه، بما هداهم
له. وقد بينا معنى ((الإذن))، إذْ كان بمعنى العلم فى غير هذا الموضع، بما أغنى عن
عن إعادته ههنا . (١)
١٩٨/٢
وأما قوله: ((والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم))، فإنه يعنى به: والله
يسدّد من يشاء من خلقه وُيُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذى لا اعوجاج
فيه ، کما هدی الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما اختلف الذين أوتوا الكتاب
فيه بغياً بينهم ، فسددهم الإصابة الحق والصواب فيه .
٠٠٠
قال أبو جعفر: وفى هذه الآية البيان الواضح على صحة ما قاله أهل الحق":
من أن كل نعمة على العباد فى دينهم أو دنياهم فمن الله جل وعز .
٠
فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله: ((فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه))؟
أهداهم للحق ، أم هداهم للاختلاف؟ فإن كان هداهم للاختلاف ، فإنما أضلهم!
وإن كان هداهم للحق، فكيف قيل، ((فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه))؟
قيل: إن ذلك على غير الوجه الذى ذهبتَ إليه. وإنما معنى ذلك: فهدى الله
الذين آمنوا للحقّ فيما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه، فكفر بتبديله
بعضُهم ، وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم ـ وهم أهل التوراة الذين بد لوها -
فهدى الله للحقّ مما بدَّلوا وحرَّفوا، الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
٠ ٠٠
قال أبو جعفر : فإن أشكل ما قلنا على ذى غفلة فقال : وكيف يجوز أن
يكون ذلك كما قلت، و((مِنْ)) إنما هى فى كتاب الله فى ((الحق))، و«اللام))
فى قوله: ((لما اختلفوا فيه))، وأنت تحول (اللام)) فى ((الحق))، و(من) فى((الاختلاف))،
فى التأويل الذى تتأوله فتجعله مقلوباً ؟
(١) انظر ما سلف ٢ : ٤٤٩ - ٤٥٠.

٢٨٧
تفسير سورة البقرة : ٢١٤،٢١٣
قيل: ذلك فى كلام العرب موجودٌ مستفيضَ، واللّه تبارك وتعالى إنما خاطبهم
بمنطقهم ، فمن ذلك قول الشاعر : (١)
كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُول كما كَانَ الزَّنَاء فَرِيضَةَ الرَّجْمِ(٣)
وإنما الرجم فريضة الزنا ، وكما قال الآخر :
إنّ سِرَاجَاً لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ تَخْلَى بِهِ العَيْنُ إِذَا مَا تَجَهَرُ.(٣)
وإنما مراجٌ الذى يحلى بالعين ، لا العين بسراج .
٠٠٠
وقد قال بعضهم : إن معنى قوله : (( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من
الحق) ، أن أهل الكتبالأول اختلفوا ، فکفر بعضهم بکتاببعض ، وهى كلها
من عند الله، فهدى اللّه أهل الإيمان بمحمد للتصديق يجميعها.
وذلك قولٌ، غير أن الأوّل أصح القولين. لأن الله إنما أخبر باختلافهم
فى كتاب واحد.
. ..
القول فى تأويل قوله عز ذكره (أَمْ حَسِيْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ
وَلَا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِنْ قَبْلِكُم مَّسَتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّآءِ
وَزُلْزُلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ، امَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلََّ إِنَّ
نَصْرَ اَللهِ قَرِيبٌ ﴾ (١)
قال أبو جعفر: أما قوله: ((أم حسبتم))، كأنه استفهم : ((أم )) فى ابتداء
لم يتقدمه حرف استفهام، لسبوق كلام هو به متصل . (٤) ولو لم يكن قبله كلام
(١) هو النابغة الجعدى .
(٢) سلف تخريج البيت فى ٣: ٣١١، ٣١٢.
(٣) سلف تخريج الشعر فى ٣ : ٣١٢.
(٤) فى المطبوعة: ((لمسبوق كلام))، وهو فاسد المعنى وذلك أن أحد شروط ((أم))

٢٨٨
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
يكون به متصلا، وكان ابتداءً ، لم يكن إلا بحرف من حروف الاستفهام . لأن
قائلا لو كان قال مبتدئاً كلاماً لآخر: ((أم عندك أخوك))؟ لكان قائلاً ما لا
معنى له . ولكن لوقال: ((أنت رجل مُدِلٌّ بقوتك، أم عندك أخوك ينصرك ؟))
كان مصيباً . وقد بينًا بعض هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا، بما فيه الكفاية
عن إعادته .(١)
.
فمعنى الكلام : أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة ، ولم
يصبكم مثلُ ما أصاب من قبلكم مين أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن
والاختبار، فتُبتلوا بما ابتُلوا واختبروا به من (البأساء)). وهو شدة الحاجة والفاقة
= (والضراء))- وهى العلل والأوصاب(٢) ـ ولم تزلزلوا زلزالهم - يعنى: ولم يصبهم من
أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ حتى يستبطىء القوم نصر الله إياهم فيقولون:
متى الله ناصرنا ؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه مُعليهم على عدوّ هم، ومظهرهم
عليه ، فنجِّز لهم ما وعدهم ، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا.
٠
وهذه الآية - فيما يزعم أهل التأويل - نزلت يوم الخندق حين لفى المؤمنون
ما لقوا من شدة الجهد من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد وضيق العيش الذى
كانوا فيه يومئذ. يقول اللهجل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ﴿يَا أَيُّهَ الَّذِينَ آمَنُوا اذْ كُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَ
عَلَيْهِمْ رِيحً وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) إلى قوله: ﴿وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ
الْحَنَجِرَ وَتَظُنُونَ باللهِ الظُُّونَا . هُنَاَ لِكَ ابْتُلِ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاَ
شَدِيداً ﴾ [ سورة الأحزاب: ٩ - ١١].
فى الاستفهام: أن توكن نسقاً فى الاستفهام، لتقدم ما تقدمها من الكلام. (انظر ما سلف ٢ : ٤٩٣)
وقوله ((لسبوق)) هذا مصدر لم يرد فى كتب اللغه، ولكنى رأيت الطبرى وغيره يستعمله، وسيأتى فى
نص الطبرى بعد ٢٤٦،٢٤٠.٢ (بولاق).
(١) انظر ما سلف ٢ ٤٩٣ - ٤٩٤ ثم ٣ ٩٧، وانظر معانى القرآن الفراء ١: ١٣٢
(٢) انظر معنى ((البأساء والضراء» فيما سلف ٣ ٣٤٩ - ٣٥٢

٢٨٩
تفسير سورة البقرة : ٢١٤
• ذكر من قال نزلت هذه الآية يوم الأحزاب :
٤٠٦٤ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم
مستهم البأساء والضراء وزلزلوا)) ، قال : نزل هذا يوم الأحزاب حين قال قائلهم :
﴿مَ وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [سورة الأحزاب: ١٢].
٠٠٠١٩٩/٢
٤٠٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة فى قوله: ((ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّهم البأساءُ
والضراء وزلزلوا))، قال: نزلت فى يوم الأحزاب، أصاب رسولَ اللّه صلى الله عليه
وسلم وأصحابه بلاءٌ وحصرٌ، فكانوا كما قال الله جل وعزّ: ﴿ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَاجِرَ﴾
٠ ٠
وأما قوله: ((ولما يأتكم))، فإنّ عامة أهل العربية يتأوّلونه بمعنى: ولم يأتكم ،
ويزعمون أن ((ما)) صلة وحشو. وقد بينت القول فى ((ما)) التى يسميها أهل العربية
((صلة))، ما حكمها؟ فى غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.(١)
...
وأما معنى قوله: ((مثل الذين خلوا من قبلكم))، فإنه يعنى : شبه الذين خلوا
فضوا قبلكم . (٢)
وقد دللت فى غير هذا الموضع على أن ((المثل))، الشبه . (٣)
وبنحو ذلك الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
(١) انظر ما سلف ١: ٤٠٥، ٤٠٦ / ثم ٢: ٣٣٠، ٣٣١. وقوله: ((صلة)»، أى
زيادة، كما سلف شرحها مراراً ، فاطلبها فى فهرس المصطلحات .
(٢) انظر تفسير («خلا)) فيما سلف ٣: ١٠٠، ١٢٨، ١٢٩.
(٣) انظر ما سلف ١ : ٤٠٣.
ج ! (١٩)

٢٩٠
تفسير سورة البقرة : ٢١٤
٤٠٦٦ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم
مستهم البأساء والضراء وزلزلوا)) ... (١)
٤٠٦٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن
عبد الملك بن جريج قال: قوله: ((حتى يقول الرسول والذين آمنوا))، قال : هو
خيرُهم وأعلمهم بالله .
وفى قوله: ((حتى يقول الرسول))، وجهان من القراءة: الرفع والنصب. ومن رفع
فإنه يقول: لما كان يحسُن فى موضعه ((فعل)) أبطل عمل ((حتى)) فيها. لأن
((حتى)) غير عاملة فى ((فعل))، وإنما تعمل فى ((يفعل))، وإذا تقدمها ((فعل))،
وكان الذى بعدها ((يفعل)) وهو مما قد فُعل وفُرغ منه ، وكان ما قبلها من الفعل
غير متطاول، فالفصيح من كلام العرب حينئذ الرفع فى ((يفعل))، وإبطال عمل
((حتى)) عنه. وذلك نحو قول القائل: ((قمت إلى فلان حتى أضربُه))، والرفع
هو الكلام الصحيح فى ((أضربه))، إذا أراد: قمت إليه حتى ضربته ، إذا كان
الضرب قد كانَ وفُرغ منه ، وكان القيام غيرَ متطاول المدة . فأمَّا إذا كان ما قبل
((حتى)) من الفعل على لفظ ((فعل)) متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على
لفظ غير منقضٍ، فالصحيح من الكلام نصب ((يفعل))، وإعمال ((حتى))،
وذلك نحوقول القائل: (( ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك = وجعل ينظر إليك
حتى يثبتك))، فالصحيح من الكلام - الذى لا يصح غيره . النصبُ بـ ((حتى)) ،
كما قال الشاعر (٢):
مَطَوْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ(٣)
(١) الأثر: ٤٠٦٦ - هذا أثر ناقص، ولم أجد تمامه فى مكان آخر.
(٢) هو امرؤ القيس.
(٣) ديوانه: ١٨٦، ومعانى القرآن للفراء ١: ١٣٣، وسيبويه ١: ٢/٤١٧: ٢٠٣،

٢٩١
تفسير سورة البقرة : ٢١٤، ٢١٥
فنصب ((تكل))، والفعل الذى بعد ((حتى)) ماض، لأن الذى قبلها من
(((المطو)) متطاول .
والصحيح من القراءة ۔۔ إذْ كان ذلك كذلك -: ((وزلزلوا حتى يقول" الرسول))،
نصب ((يقول))، إذ كانت ((الزلزلة)) فعلا متطاولا مثل ((المطو بالإبل)). وإنما
((الزلزلة)) فى هذا الموضع: الخوف من العدو، لا ((زلزلة الأرض )»، فلذلك كانت
متطاولة، وكان النصبُ فى ((يقول))، وإن كان بمعنى ((فعل))، أفصحَ وأصحَّ من
الرفع فيه . (١)
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ
مَا أَفَقْتُم مِّنْ خَيْرِ قَلِوَلِدَيْنِ وَالْرَبِنَ وَلْيَتْعَى وَالْمَسُّكِينِ وَأَبْ
السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : يسألك أصحابُك يا محمد : أى شىء
ينفقون من أموالهم، فيتصدقون به ؟ وعلى من ينفقونه فيما ينفقونه ويتصدقون به ؟
فقل لهم : ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم
وأمهاتكم وأقربيكم ، واليتامى منكم ، والمساكين، وابن السبيل ، فإنكم ما تأتوا من
خير وتصنعوه إليهم، فإن الله به عليم، وهو مُخْصيه لكم حتى يوفِّيكم أجوركم عليه
يوم القيامة ، ويثيبكم = على ما أطعتموه بإحسانكم = عليه .
٠٠
ورواية سيبويه: ((سريت بهم))، وفى المواضع الثانى منه روى :
((حَتّى تَكِلَّ غَزِيّهم)»
مطا بالقوم يمطو مطواً: مد بهم وجد فى السير. يقول: جد بهم ورددهم فى السير حتى كلت
مطاياهم، فصارت من الإعياء إلى حال لا تحتاج معها إلى أرسان تقاد بها ، وصار راكبوها من الكلال
إلى إلقاء الأرسان وطرحها على الخيل . لا يبالون من تعبهم وإعيائهم ، كيف تسير، ولا إلى أين .
(١) قد استوفى الكلام فى ((حتى)) الفراء فى معانى القرآن ١: ١٣٢ - ١٣٨، واعتمد عليه
الطبرى فى أكثر ما قاله فى هذا الموضع .

٢٩٢
تفسير سورة البقرة : ٢١٥
و(الخير) الذى قال جل ثناؤه فى قوله: ((قل ما أنفقتم من خير))، هو المال الذى
سأل رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم أصحابُه من النفقة منه، فأجابهم اللّه عنه بما أجابهم
فى به هذه الآية .
وفى قوله: ((ماذا))، وجهان من الإعراب .
أحدهما: أن يكون ((ماذا)) بمعنى: أىّ شىء؟ فيكون نصباً بقوله ((ينفقون)).
فيكون معنى الكلام حينئذ: يسألونك أىَّ شىء ينفقون؟ ولا يُنصَب ! ((يسألونك)).
والآخر منهما : الرفع . وللرفع فى ذلك وجهان :
أحدهما: أن يكون ((ذا)) الذى مع ((ما)) بمعنى ((الذى))، فيرفع ((ما)): ((ذا))
و((ذا)) لـ ((ما))، و((ينفقون)) من صلة ((ذا)). فإن العرب قد تصل ((ذا)) و((هذا))،
كما قال الشاعر : (١)
عَدَسْ! مَا لِعَبَّدٍ عَلَيْكِ إِمَرَةُ، أَمِنْتِ، وهُذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ! (٢)
فـ ((تحملين)) من صلة ((هذا)).
فيكون تأويل الكلام حينئذ : يسألونك ما الذى ينفقون ؟
والآخر من وجهى الرفع: أن تكون ((ماذا)) بمعنى: أىّ شىء، فيرفع ((ماذا))،
(١) هو يزيد بن مفرغ الحميرى.
(٢) تاريخ الطبرى ٦: ١٧٨، والأغانى ١٧: ٦٠ (ساسى)، ومعانى القرآن للفراء
١ : ١٣٨، والخزانة: ٢: ٢١٦، ٥١٤، واللسان (عدس ) ، من أبيات فى قصة يزيد بن
مفرغ ، مع عباد بن زياد بن أبى سفيان ، وكان معاوية ولاه سجستان، فاستصحب معه يزيد بن
مفرغ ، فاشتغل عنه بحرب الترك . فغاظ ذلك ابن مفرغ واستبطأ جائزته ، فبسط لسانه فى لحية عباد،
وكان عباد عظيم اللحية فقال :
المسلمینا
أَلاَ لَيْتَ اللَّحَى كانت حشيشًاً فَنَعْلِفِها خيولَ
فعرف عباد ما أراد ، فطلبه ، ففر منه ، فهجاه وهجا معاوية باستلحاق زياد بن أبى سفيان ، فأخذه
عبيد الله بن زياد، أخو عباد، فعذبه عذاباً قبيحاً، وأرسله إلى عباد، ثم أمرهما معاوية بإطلاقه ، فلما
انطلق على بغلة البريد ، قال هذا الشعر الذى أوله هذا البيت .
وقوله: ((عدس)) زجر البغلة، حتى صارت كل بغلة تسمى ((عدس)). والشعر شعر جيد، فاقرأه فى
المراجع السالفة .

٢٩٣
تفسير سورة البقرة : ٢١٥
وإن كان قوله ((ينفقون)) واقعاً عليه، (١) إذ كان العاملُ فيه، وهو ((ينفقون))،
لا يصلح تقديمه قبله . وذلك أن الاستفهامَ لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف
الاستفهام ، كما قال الشاعر: (٢)
٢٠٠/٢
أَلاَ تَسْلاَنِ المَرْءَ مَذَا يُحَاوِلُ؟ أَنَحْبٌ فَيُقْضَى، أَمْ ضِلاَلٌ وَ بَطِلُ؟(٣)
وكما قال الآخر : (٤)
وَقَالُوا: (٤) تعرَّفْهَاَ المَنَازِلَ مِنْ مِنَّى! وَمَا كُلُّ مَنْ يَفْتَى مِنَّى أَنَا عَارِف( (٥)
فرفع ((كل)) ولم ينصبه ((بعارف))، إذ كان معنى قوله: (( وما كلُّ من
يغشى منىّ أنا عارف))، جحودُ معرفة من يغشى منىّ، فصار فى معنى: ما أحد. (٦)
٠
٥
٠
قال أبو جعفر: وهذه الآية [ نزلت]، (٧) - فيما ذكر - قبل أن يفرض الله
زكاة الأموال .
* ذكر من قال ذلك :
٤٠٦٨ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
(١) سلف أنه ((الوقوع)) هو تعدى الفعل إلى المفعول، فانظر فهرس المصطلحات وما سلف
٢: ١٠٨، ١٩٨.
(٢) هو لبيد بن ربيعة .
(٣) ديوانه ٢ / ٢٧ القصيدة: ٤١، وسيبويه ١: ٤٠٥، والخزانة ٢: ٥٥٦، ومعانى
القرآن الفراء ١: ١٣٩، وغيرها. والشاهد فيه أنه رفع ((نحب)) وهو مردود على ((ما)) فى ((ماذا)).
فدل ذلك على أن ((ذا)) بمعنى ((الذى))، وما بعده من صلته، فلا يعمل فيما قبله . والنحب : النذر .
يقول: أعليه نذر فى طول سعيه الذى ألزم به نفسه؟ والنحب: الحاجة، وهى صحيحة المعنى فى مثل
هذا البيت ، يقول : أهى حاجة لابد منها يقضيها بسعيه ، أم هى أمانى باطلة يتمناها ، لو استنى عنها
وطرحها لما خسر شيئاً، ولسارت به الحياة سيراً بغير حاجة إلى هذا الجهاد المتواصل، والاحتيال المتطاول ؟
(٤) هو مزاحم العقيل .
(٥) ديوانه: ٢٨، وسيبويه ١: ٣٦، ٧٣، شاهداً على نصب ((كل)) ورفعها ومعانى
القرآن الفراء ١: ١٣٩، وقال: لم ((أسمع أحداً نصب)) كل، وشرح شواهد المغنى: ٣٢٨.
وقوله: ((تعرفها المنازل )» بنصبها على حذف الخافض، أو الظرف، أى تعرف صاحبتك بالمنازل من
مى. فيقول : لا أعرف أحداً يعرفها ممن يغشى من فأسأله عنها.
(٦) انظرا كثر ما مضى فى معانى القرآن الفراء ١٣٨ - ١٤٠.
(٧) هذه الزيادة بين القوسين لابد منها، ليستقيم الكلام .

٢٩٤
تفسير سورة البقرة : ٢١٥
أسباط ، عن السدى: (( يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين
والأقربين))، قال: يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة ، وإنما هى النفقةُ ينفقها
الرجل على أهله ، والصدقة يتصدق بها ، فنسختها الزكاة .
٤٠٦٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج : سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أينَ يضعون أموالهم؟
فنزلت: ((يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فالوالدين والأقربين واليتامى
والمساكين وابن السبيل))، فذلك النفقةُ فى التطوُّع، والزكاةُ سوى ذلك كله =
قال: وقال مجاهد: سألوا فأفتاهم فى ذلك: (( ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ))
وما ذكر معهما .
٤٠٧٠ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنى
عيسى قال، سمعت ابن أبى نجيح فى قول الله: ((يسألونك ماذا ينفقون))، قال :
سألوه فأفتاهم فى ذلك: ((فالوالدين والأقربين )) وما ذكر معهما .
٤٠٧١ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد = وسألته
عن قوله: ((قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين)) = قال : هذا من النوافل .
قال : يقول : هم أحق بفضلك من غيرهم .
...
قال أبو جعفر : وهذا الذى قاله السدى = : من أنه لم يكن يوم نزلت هذه
الآية زكاةً ، وإنما كانت نفقةً ينفقها الرجل على أهله، وصدقةً يتصدق بها، ثم
نسختها الزكاة = قولٌ ممكن أن يكون كما قال ، وممكن غيره ، ولا دلالة فى الآية
على صحة ما قال . لأنه ممكن أن يكون قوله: (( قل ما أنفقتم من خير فللوالدين
والأقربين )) الآية ، حثاً من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غير
واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء ومن سمى معهم فى هذه الآية ، وتعريفاً من

٢٩٥
تفسير سورة البقرة : ٢١٦،٢١٥
الله عبادَه مواضع الفضل التى تُصرف فيها النفقات، كما قال فى الآية الأخرى:
﴿وَ آتَى الَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى القُرْبَى وَاليَتَمِى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّيل والسَّائِلِينَ
وِفِى الرَّقَبِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّ كَاةَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧]. وهذا القول
الذی قلناه فی قول ابن جريج الذی حکیناه .
٠
٠
٠
وقد بينا معنى ((المسكنة))، ومعنى ((ابن السبيل)) فيما مضى ، فأغنى ذلك عن
إعادته . (١)
القول فى تأويل قوله عز ذكره (كُتِبَ عَلَيْكُّ الْقِتَالُ)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه بقوله: ((كُتب عليكم القتال))،
فُرض عليكم القتال، يعنى: قتال المشركين = ((وهو كُرْهٌ لكم)).
٠٠٠
واختلف أهل العلم فى الذين عُنوا بفرض القتال .
فقال بعضهم : عنى بذلك أصحابُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاصةً دون
غیرهم .
* ذكر من قال ذلك :
٤٠٧٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: سألت عطاء قلت له: ((كتب عليكم القتال وهو كُرْهً لكم))،
أواجبٌ الغزوُ على الناس من أجلها؟ قال : لا ! كُتب على أولئك حينئذ.
٤٠٧٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا
(١) انظر تفسير ((المسكين)) فيما سلف ٢: ١٣٧، ٢٩٣ / ثم ٣: ٢٤٥ - ومعنى
اليتامى)) فيما سلف ٢: ٢٩٢ / ثم ٣: ٣٤٥ = ومعنى ((ابن السبيل)» فيما سلف ٣: ٣٤٥.

٢٩٦
تفسير سورة البقرة : ٢١٦
خالد ، عن حسين بن قيس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فى قوله :
(كتب عليكم القتال وهو كره لكم))، قال نسختها ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
[ سورة البقرة: ٢٨٥]
قال أبو جعفر: وهذا قول لا معنى له . لأن نسخ الأحكام من قبل الله جل
وعزّ، لامن قبل العباد. وقوله: ((قالوا سمعنا وأطعنا))، خبر من اللّه عن عباده
المؤمنين ، وأنهم قالوه ، لا نسخٌ منه .
٤٠٧٤ - حدثی محمد بن إسحق قال، حدثنا معاوية بن عمرو قال، حدثنا
أبو إسحق الفزارى قال: سألت الأوزاعى عن قول الله عز وجل: ((كتب عليكم
القتال وهو كره لكم))، أواجبٌ الغزو على الناس كلهم ؟ قال : لا أعلمه ، ولكن
لا ينبغى للأئمة والعامة تركه ، فأما الرجل فى خاصة نفسه فلا. (١)
وقال آخرون : هو على كل واحد حتى يقوم به من فى قيامه الكفاية ،
فيسقطُ فرض ذلك حينئذ عن باقى المسلمين ، كالصلاة على الجنائز ، وغسلهم
الموتى ودفنهم . وعلى هذا عامة علماء المسلمين .
. . .
قال أبو جعفر : وذلك هو الصواب عندنا ، لإجماع الحجة على ذلك ، ولقول
الله عز وجل: ﴿ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً
وُكُلاَّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ [سورة النساء: ٩٥]، فأخبر جل ثناؤه أنّ الفضل
للمجاهدين ، وأن لهم وللقاعدين الحسنى . ولو كان القاعدون مضيِّعين فرضاً ،
لكان لهم السُّوأى لا الحسنى.
٢٠١/٢
(١) الأثر: ٤٠٧٤ - محمد بن إسحق بن جعفر الصاغانى، نزل بغداد وكان وجه مشايخ بغداد
وكان أحد الحفاظ الأثبات المتقنين، مات سنة ٢٧٠، وروى عنه الطبرى فى المذيل ( إنظر المنتخب
من ذيل المذيل : ١٠٤). ومعاوية بن عمرو بن المهلب الأزدى، روى عنه البخارى ، توفى ببغداد
سنة ٢١٥ . وكلاهما مترجم فى التهذيب.

٢٩٧
تفسير سورة البقرة : ٢١٦
وقال آخرون : هو فرضٌ واجبٌ على المسلمين إلى قيام الساعة.
• ذكر من قال ذلك .
٤٠٧٥ - حدثنا حُبَيش بن مبشرقال، حدثنا روح بن عبادة ، عن ابن
جريج، عن داود بن أبى عاصم قال : قلت لسعيد بن المسيب : قد أعلم أن الغزو
واجبٌ على الناس! فسكت، وقد أعلم أنْ لو أنكر ما قلت لبيَّن لى.(١)
٥
٠٠
وقد بينا فيما مضى معنى قوله: ((كتب)) بما فيه الكفاية. (٢)
٥
٨
القول فى تأويل قوله عز ذكره (وَهُوَ كَرْهُ لَـ
قال أبو جعفر: یعنی بذلك جل ثناؤه: وهو ذو کره لكم. فترك ذکر ((ذو))
اكتفاء بدلالة قوله: ((كره لكم))، عليه، كما قال: ﴿وَأُسْأَّل الْقَرْيَةَ﴾
[سورة يوسف: ٨٣]
وبنحو الذى قلنا فى ذلك روى عن عطاء فى تأويله .
• ذكر من قال ذلك :
٤٠٧٦ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
جريج ، عن عطاء فى قوله: (( وهو کره لكم ))، قال: حُرّه إليكم حينئذ.
٥
(والكُرْه)) بالضم: هو ما حمل الرجلُ نفسَه عليه من غير إكراه أحدٍ إياه
عليه. ((والكَرْهُ)) بفتح (( الكاف))، هو ما حمله عليه غيره فأدخله عليه كرهاً. ومن
حكى عنه هذا القول معاذ بن مسلم .
(١) الأثر : ٤٠٧٥ - حبيش بن مبشر بن أحمد الطوسى الفقيه، كان ثقة من عقلاء البغداديين،
مات فى سنة ٢٥٨، مترجم فى التهذيب، وتاريخ بغداد. وكان فى المطبوعة: ((حسين بن ميسر))، وليس
فى الرواة من يعرف بذلك .
(٢) انظر ما سلف ٣ : ٣٥٧، ٣٦٤، ٣٦٥.

٢٩٨
تفسير سورة البقرة : ٢١٦
٤٠٧٧ - حدثنیالمثی قال حدثنا إسمق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبى حماد،
عن معاذ بن مسلم قال: الكُرْه المشقة، والكره الإجبار .
٠٠
وقد كان بعض أهل العربية يقول: ((الكُره والكره)) لغتان بمعنى واحد،
مثل: ((الغُسْل والغَسْل)) و((الضُّعف والضَّعف)) و((الرُّهْب والرَّهْب)). وقال
بعضهم: ((الكره)) بم ((الكاف)) اسضم، و«الكره )) بفتحها مصدر .
...
القول فى تأويل قوله عز ذكره (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ عَبْدًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىَّ أَنْ تُحِبُواْ شَبًّا وَهُوَ شَرٌ لَكمْ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: ولا تكرهوا القتالَ فإنكم لعلكم أن
تكرهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تحبوا ترك الجهاد فلعلكم أن تحبوه وهو شرلكم، كما :-
٤٠٧٨ - حدثنی موسی بن هرون قال ، حدثناعمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى: ((كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً
وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم))، وذلك لأن المسلمين كانوا
يكرهون القتال، فقال: ((عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم)) يقول: إن
لكم فى القتال الغنيمة والظهور والشهادة ، ولكم فى القعود أن لا تظهروا على المشركين،
ولا تُسْتشهدوا ، ولا تصيبوا شيئاً.
٤٠٧٩ - حدثنى محمد بن إبراهيم السلمى قال ، حدثنى يحيى بن محمد بن
مجاهد قال ، أخبرنى عبيد اللّه بن أبى هاشم الجعفى قال ، أخبرنى عامر بن واثلة
قال ، قال ابن عباس : كنت رِدْفَ النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن
عباس ، ارض عن الله بما قدّرَ ، وان كان خلاف هواك ، فإنه مثبتٌ فی کتاب
الله. قلت: يارسول الله، فأين؟ وقد قرأت القرآن! قال: فى قوله: ((وعسى

٢٩٩
تفسير سورة البقرة : ٢١٦، ٢١٧
أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم
لا تعلمون» . (١)
٠
٥
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿وَاللهُ يَعَمُ وَأَتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
٢١٦
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: والله يعلم ما هو خيرٌ لكم مما هو شر
لكم ، فلا تكرهوا ما كتبتُ عليكم من جهاد عدوكم وقتال من أمرتكم بقتاله ،
فإنى أعلم أنّ قتالكم إياهم هو خيرٌ لكم فى عاجلكم ومعادكم ، وترككم قتالهم شر
لكم، وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم . يحضّهم جل ذكره بذلك على جهاد أعدائه،
ویرغِّبهم فى قتال من كفر به .
٥
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ
فَتَلِ فِيهِ قُلْ قِتَلُ فِيهِ كَبِرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُغْرُ بِهَ
وَاَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَأَلْفِيْنَةُ أَكَّبُ
مِنَ الْقَتْلِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: يسألك، يا محمد، أصحابُك عن الشهر الحرام
= وذلك رَجبٌ - عن قتال فيه .
(١) الحديث: ٤٠٧٩ - هذا إسناد مظلم، والمتن منكر! لم أجد ترجمة ((يحيى بن محمد بن
مجاهد))، ولا ((عبيد الله بن أبى هاشم))، ولا أدرى ما هما. ولفظ الحديث لم أجده، ولا نقله أحد من
ينقل عن الطبرى .

٣٠٠
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
وخفضُ ((القتال)) على معنى تكرير ((عن)) عليه. وكذلك كانت قراءةُ
عبد الله بن مسعود فیما ذكر لنا ، وقد : -
٤٠٨٠ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع قوله: (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه))، قال : يقول :
يسألونك عن قتال فيه. قال: وكذلك كان يقرؤها: ((عن قتال فيه )).
...
= قال أبو جعفر: ((قل)) يا محمد: ((قتالٌ فيه)) - يعنى فى الشهر
الحرام ((كبيرٌ))، أى عظيمٌ عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه. ومعنى قوله:
((قتال فيه))، قل: القتال فيه كبير. وإنما قال: ((قل قتالٌ فيه كبيرٌ))، لأن العرب
كانت لا تقرعُ فيه الأسنَّة ، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يهيجه تعظما
له . وتسمیه مضر ((الأصم))، (١) لسکون أصوات السلاح وقعقعته فيه ، وقد : -
٤٠٨١ - حدثنى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى قال، حدثنا شعيب
ابن الليث قال ، حدثنا الليث قال ، حدثنا الزبير ، عن جابر قال : لم يكن رسول
الله صلى الله عليه وسلم يغزو فى الشهر الحرام إلاّ أن يُغْزَى، أو يَغزو حتى إذا
حضر ذلك أقام حتىّ ينسلخ .
٢٠٢/٢
...
وقوله جل ثناؤه: ((وصَدّ عن سبيل الله)). ومعنى ((الصدّ)) عن الشىء، المنع منه
والدفع عنه ، ومنه قيل: ((صدّ فلان بوجهه عن فلان))، إذا أعرض عنه فمنعه
من النظر إليه .
٠ ٠
وقوله: ((وكفرٌ به))، يعنى: وكفر بالله، و((الباء)) فى ((به )) عائدة على
اسم الله الذى فى (( سبيل الله). وتأويل الكلام: وصدّ عن سبيل الله و کفر به، وعن
المسجد الحرام ، وإخراج أهل المسجد الحرام . وهم أهله وولاته .. أكبرُ عند الله
من القتال فى الشهر الحرام .
(١) يعنى شهر رجب، وهو رجب الأمم.