النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
تفسير سورة البقرة : ٢١٠
فقرأ بعضهم: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة))،
بالرفع، عطفاً بـ ((الملائكة)) على اسم الله تبارك وتعالى ، على معنى : هل ينظرون
إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ فى ظلل من الغمام.
. ذكر من قال ذلك :
٤٠٣٢ - حدثنى أحمد بن يوسف، عن أبى عبيد القاسم بن سلام قال ،
حدثنا عبد الله بن أبى جعفر الرازى ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، عن أبى
العالية قال - فى قراءة أبيّ بن كعب: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ فى
ظلل من الغمام)) - قال: تأتى الملائكة فى ظلل من الغمام، ويأتى الله عزّ وجل
فيما شاء .
٤٠٣٣ - وقد حدثت هذا الحديث عن عمار بن الحسن، عن عبد الله بن
أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع قوله: هل ((ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل
من الغمام والملائكة)) الآية، وقال أبو جعفر الرازى: وهى فى بعض القراءة: ((هل
ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه والملائكة فى ظلل من الغمام))، كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَتَقَّقُ
السَّمَاءِ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ [ سورة الفرقان: ٢٥].
وقرأ ذلك آخرون: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة))
بالخفض، عطفاً: ((الملائكة)) على ((الظلل))، بمعنى: هل ينظرون الا أن يأتيهم
الله فى ظلل من الغمام وفى الملائكة .
.. .
وكذلك اختلفت القرأة فى قراءة ((ظلل)): فقرأها بعضُهم: ((فى ظُلِل))،
وبعضهم: ((فى ظلال )) .
فمن قرأها ((فى ظلل))، فإنه وجهها إلى أنها جمع ((ظُلَّةٌ))، و((الظُّلَّة))،
تجمع (ُظلل وظلال))، كما تجمع ((أُخُلَّة))، ((خُلَل وخلال))، و((الجِلَّة))،
جُاَلٌ وجلال)).

٢٦٢
تفسير سورة البقرة : ٢١٠
وأما الذى قرأها ((فى ظلال))، فإنه جعلها جمع ((ظُلَّة))، كما ذكرنا من
جمعهم ((الخلة)) ((خلال)).
وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك، وجَّهه إلى أنّ ذلك جمع ((ظِلّ))، لأن
((الظُّلة)) و ((الظِّل)) قد يجمعان جميعاً ((ظلالا)).
٠٠٠
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندى: ((هل ينظرون إلاّ أن
يأتيهم الله فى ظللٍ من الغمام))، لخبر روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: إن من الغمام طاقات يأتى الله فيها محفوفاً. (١) فدل بقوله ((طاقات))، على أنها
ظلل لا ظلال، لأن واحد ((الظلل)) ((ظلة))، وهى الطاق= واتباعاً لخط المصحف. (٢)
وكذلك الواجبُ فى كل ما اتفقت معانيه واختلفتْ فى قراءته القرأة ، ولم
يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خطّ المصحف،
فالذى ينبغى أن تؤثر قراءته منها، ما وافق رَسم المصحف .
#
۵
وأما الذى هو أولى القراءتين فى ((والملائكة))، الصواب بالرفع، عطفاً بها على
اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله فى ظال من
الغمام ، وإلاّ أن تأتيهم الملائكة، على ما روى عن أبىّ بن كعب . لأن الله جل
ثناؤه قد أخبر فى غير موضع من كتابه: أن الملائكة تأتيهم ، فقال جل ثناؤه :
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالَلاَتُ صَفَّا صَفًّا) [سورة الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُون
إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ آيَاتٍ رَبِّكَ)
[سورة الأنعام: ١٥٨]
١٩١/٢
فإن أشكلَ على امرىء قولُ الله جل ثناؤه: ﴿وَالَلَكُ صَفَّا صَفًّا)، فظنأنه
مخالفٌ معناه معنى قوله: ((هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة))،
(١) سيأتى فى الأثر رقم : ٤٠٣٨.
(٢) قوله: ((واتباعاً ... )) معطوف على موضع قوله: ((خبر روى عن رسول الله ... ))

٢٦٣
تفسير سورة البقرة : ٢١٠
إذا كان قوله: ((والملائكة)» فى هذه الآية بلفظ جميع، وفى الأخرى بلفظ الواحد ،
فإن ذلك خطأ من الظنّ. وذلك أن ((الملك)) فى قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالَمَلَكُ﴾
بمعنى الجميع ومعنى ((الملائكة)). والعرب تذكر الواحد بمعنى الجميع فتقول: ((فلان
كثير الدرهم والدينار)) = يراد به: الدراهم والدنانير - و((هلك البعير والشاةُ ))، بمعنى
جماعة الإبل والشاء. فكذلك قوله: والملك)) بمعنى ((الملائكة)).
٠
قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل فى قوله: (('ظلل الغمام))، وهل هو
من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل ((الملائكة)) . ومن الذى يأتى فيها ؟
فقال بعضهم : هو من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم
اللّه فى ظل من الغمام ، وأن تأتيهم الملائكة .
• ذكر من قال ذلك :
٤٠٣٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم
الله فى ظلل من الغمام، قال: هو غير السحاب، (١) لم يكن إلاّ لبنى إسرائيل
فى تيههم حين تاهوا، وهو الذى يأتى اللّه فيه يوم القيامة.
٤٠٣٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة: ((هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام))، قال: يأتيهم الله
وتأتيهم الملائكة عند الموت .
٤٠٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال عكرمة فى قوله: ((هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله فى ظلل
من الغمام ))، قال : طاقات من الغمام ، والملائكة حوله - قال ابن جريج ،
وقال غيره : والملائكةُ بالموت .
٠ ٠
(١) انظر تفسير ((الغمام)) فيما سلف ٢: ٩١.٩٠، وما سيأتى قريباً: ٢٦٦.

٢٦٤
تفسير سورة البقرة : ٢١٠
وقول عكرمة هذا، وإن كان موافقاً قول من قال إن قوله: (( فى ظلل من
الغمام )) من صلة فعل الرب تبارك وتعالى الذى قد تقدم ذكرُناه ، فإنه له مخالف
فى صفة الملائكة . وذلك أن الواجب من القراءة = على تأويل قول عكرمة هذا فى
((الملائكة)) = الخفضُ، لأنه تأول الآية: هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله فى ظلل من
الغمام وفى الملائكة. لأنه زعم أن الله تعالى يأتى فى ظلل من الغمام والملائكةُ حوله .
هذا إن كان وجَّه قوله: ((والملائكة حوله)) إلى أنهم حول الغمام، وجعل ((الهاء))
فى ((حوله)) من ذكر ((الغمام)). وإن كان وجَّه قوله: (( والملائكة حوله )) إلى أنهم
حول الرب تبارك وتعالى، وجعل ((الهاء)) فى (( حوله )) من ذكر الرب عز وجل ،
فقوله نظيرُ قول الآخرين الذين قد ذكرنا قولهم ، غيرُ مخالفهم فى ذلك .
#
وقال آخرون: بل قوله: ((فى ظلل من الغمام)) من صلة فعل ((الملائكة)) ،
وإنما تأتى الملائكة فيها . وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتى فيما شاء .
ذكر من قال ذلك :
٠
٤٠٣٧ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ،
عن الربيع فى قوله: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة))
الآية ، قال : ذلك يوم القيامة ، تأتيهم الملائكة فى ظال من الغمام . قال: الملائكة
يجيئون فى ظلل من الغمام ، والرب تعالى يجىء فيما شاء .
...
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب فى ذلك تأويل من وجَّه قوله: (( فى
ظُلل من الغمام)) إلى أنه من صلة فعل الرب عز وجل ، وأن معناه : هل ينظرون
إلا أن يأتيهم اللّه فى ظلل من الغمام وتأتيهم الملائكة ، لما : -
٤٠٣٨ - حدثنا به محمد بن حميد قال، حدثنا إبراهيم بن المختار ، عن ابن
جريج ، عن زمعة بن صالح ، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة ، عن ابن عباس:
أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إن من الغمام طاقات يأتى اللّه فيها محفوفاً،

٢٦٥
تفسير سورة البقرة : ٢١٠
وذلك قوله: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة وقُضى الأمر)).(١)
وأما معنى قوله: ((هل ينظرون))، فإنه: ما ينظرون . وقد بيّنا ذلك بعلله فيما
مضى من كتابنا هذا قبل. (٢)
ثم اختلف فى صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذى ذكره فى قوله: (( هل
ينظرون إلا أن يأتيهم الله. ))
فقال بعضهم : لا صفة لذلك غير الذى وصّف به نفسه عز وجل من المجىء
والإتيان والنزول . وغيرُ جائز تكلُّف القول فى ذلك لأحدٍ إلا بخبر من الله جل
جلاله أو من رسول مرسل . فأما القول فى صفات الله وأسمائه ، فغيرُ جائز لأحد
من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا . .
وقال آخرون: إتيانه عز وجل، نظيرُ ما يعرف من مجىء الجائى من موضع إلى
موضع ، وانتقاله من مكان إلى مكان .
٥
وقال آخرون: معنى قوله: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله))، يعنى به :
هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ اللّه، كما يقال: ((قد خشينا أن يأتينا بنو أمية))،
يراد به : حُكهم.
٠٠٠
(١) الحديث: ٤٠٣٨ - زمعة بن صالح الجندى - بفتح الجيم والنون - اليمانى: ضعيف،
ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما . وفصلنا ذلك فى شرح المسند : ٢٠٦١.
سلمة بن وهرام - بفتح الواو وسكون الهاء - اليمانى: ثقة، وإنما تكلموا فيه من أجل أحاديث
رواها عنه زمعة بن صالح ، والحمل فيها على زمعة .
وهذا الحديث ضعيف ، كما ترى . وذكره السيوطى ١ : ٢٤١ - ٢٤٢، ونسبه لابن جرير ،
والديلمى ، فقط .
ونقل قبله نحو معناه ، موقوفاً على ابن عباس ، ونسبه لعبد بن حميد ، وأبي يعلى ، وابن المنذر ،
وابن أبى حاتم . ولعله موقوفاً أشبه بالصواب .
وانظر الحديث بعده : ٤٠٣٩.
(٢) كأنه يريد ما سلف ٢: ٤٨٥، من أن حروف الاستفهام تدخل بمعنى الجحد. ولم أجد
موضعاً مما يشير إليه غير هذا . وانظر اللسان مادة (هلل).

٢٦٦
١٩٢/٢
تفسير سورة البقرة : ٢١٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه
وعذابه، كما قال: عز وجل (بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ والنّهَارِ﴾ [سورة سبأ: ٣٣]، وكما يقال:
((قطع الوالى اللص أو ضربه))، وإنما قطعه أعوانُه.
وقد بينا معنى ((الغمام)) فيما مضى من كتابنا هذا قبل ، فأغنى ذلك عن
تكريره. (١) لأن معناه ههنا ، هو معناه هنالك .
...
قال أبو جعفر : فمعنى الكلام إذاً : هل ينظر التاركون الدخول فى السلم
كافة، (٢) والمتبعون خطوات الشيطان، إلاّ أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام ،
فيقضى فى أمرهم ما هو قاضٍ .
٤٩٣٩ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربى ،
عن إسمعيل بن رافع المدينى ، عن يزيد بن أبى زياد ، عن رجل من الأنصار ،
عن محمد بن كعب القرظى ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدارَسبعين عاماً، لا يُنظر إليكم ولا يُقضى
بينكم ، قد حُصر عليكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع ، ثم تدمعون دماً ، وتيكون
حتى يبلغ ذلك منكم الأذقان، أو يلجمكم فتصيحون ثم تقولون : من يشفع لنا إلى
ربنا فيقضى بيننا؟ فيقولون: من أحقُّ بذلك من أبيكم آدم؟ جبل اللّه تُربته وخلقه
بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلَّمه قِبَلاً !(٣) فیؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه،
فيأبى. ثم يستقرئون الأنبياء نبيًّاً نبيًا، كلما جاءوا نبياً أبى. قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: حتى يأتونى، فإذا جاءوفى خرجت حتى آتى الفَحْص = قال أبو هريرة
يا رسول الله، وما الفَحْص؟ قال: قُدّام العرش= فأخرّ ساجداً، فلا أزال ساجداً
(١) انظر ما سلف ٢ : ٩٠ - ٩١، وما مضى قريباً: ٢٦٣.
(٢) فى المطبوعة: ((هل ينظرون التاركون .. ))، والصواب ما أثبت.
(٣) ((كلمه قبلا)) (بكسر القاف وفتح الباء)، أى عياناً ومقابلة، لامن وراء حجاب،
ومن غير أن يولى أمره أو كلامه أحداً من الملائكة .

٢٦٧
تفسير سورة البقرة : ٢١٠
حتى يبعث الله إلىّ ملكاً فيأخذ بعضدىّ فيرفعنى ، ثم يقول الله لى: يا محمد !
فأقول : نعم ! وهو أعلم . فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يارب وعدتنى الشفاعة
فشفَّعنى فى خلقك، فاقضٍ بينهم. فيقول: قد شفَّعتك، أنا آتيكم فأقضى بينكم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنصرف حتى أقف مع الناس ، فبينا
نحن وقوفٌ سمعنا حِسًا من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل السماء الدنيا بمثلَىْ من
فى الأرض من الجن والإنس ، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرضُ بنورهم
وأخذوا مَصافَّهم ، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا : لا ! وهو آتٍ . ثم نزل أهل
السماء الثانية بمثْلىْ من نزل من الملائكة، وبمثلى من فيها من الجنّ والإنس، حتى إذا
دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟قالوا:
لا! وهو آتٍ . ثم نزل أهل السماء الثالثة بمثلى من نزل من الملائكة، وبمثلى من
فى الأرض من الجن والإنس ، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم ،
وأخذوا مَصافَّهم ، فقلنا لهم: أفيكم ربنا ؟ قالوا : لا! وهو آتٍ . ثم نزل أهلُ
السموات على عدد ذلك من التضعيف ، حتى نزل الجبار فى ظُلل من الغمام
والملائكة، ولهم زجَلٌ من تسبيحهم يقولون: ((سبحان ذى الملك والملكوت! سبحان
ربّ العرش ذى الجبروت! سبحان الحى الذى لا يموت !سبحان الذى يميت الخلائق ولا
موت !سبوح قدوسربالملائكةوالروح! قد وس قد وس ! سبحان ربنا الأعلى !سبحان
ذى السلطان والعظمة! سبحانه أبداً أبداً» !فينزل تبارك وتعالى، يحملُ عرشه يومئذ
ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تُخوم الأرض السفلى، والسموات إلى حُجَزَهم،
والعرشُ على مناكبهم. فوضع اللّه عز وجل عرشه حيث شاء من الأرض ، ثم
ينادى مناد نداءً يُسمع الخلائق، فيقول: يا معشر الجن والإنس، إنى قد أنصتُ
منذ يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم ، وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إلىّ ،
فإنما هى ◌ُصُعُفكم وأعمالكم نقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير
ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه! فيقضى الله عز وجل بين خلقه الجن والإنس والبهائم ،

٢٦٨
تفسير سورة البقرة : ٢١٠
فإنه ليقتصُ يومئذ للجمَّاء من ذات القَرْن.(١)
٠٠٠
قال أبو جعفر: وهذا الخبر يدلّ على خطأ قول قتادة فى تأويله قوله: ((والملائكة))
أنه يعنى به الملائكة تأتيهم عند الموت. لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنهم يأتونهم
بعد قيام الساعة فى موقف الحساب ، حين تشقَّقُ السماء ، وبمثل ذلك روى الخبر
(١) الحديث: ٤٠٣٩ - هذا حديث ضعيف من جهتين: من جهة إسماعيل بن رافع، ومن
جهة الرجل المبهم من الأنصار . ثم هذا السياق فيه نكارة .
فإسماعيل بن رافع بن عويمر المدنى : ضعيف جداً ، ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم ، وابن
سعد، وغيرهم، وذكره ابن حبان فى كتاب المجروحين، رقم: ٤٢ ( مخطوط مصور) ، وقال :
(( كان رجلا صالحاً، إلا أنه يقلب الأخبار، حتى صار الغالب على حديثه المناكير، التى يسبق
إلى القلب أنه كالمتعمد لها)) .
وهذا الحديث أشار إليه ابن كثير ١ : ٤٧٤ - ٤٧٥، وقال: ((وهو حديث مشهور ،
ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم))! وما وجدته فى شىء مما بين يدى من المراجع. فلا أدرى
كيف كان هذا ؟ .
والإسماعيل بن رافع هذا حديث آخر ، فى معنى هذا الحديث ، أطول منه جداً . ذكره ابن كثير
فى التفسير ٣ : ٣٣٧ - ٣٤٢، من رواية الطبرانى فى كتابه (المطولات)، بإسناده ، من طريق
أبى عاصم النبيل ، عن إسمعيل بن رافع ، عن محمد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظى ، عن
أبى هريرة مرفوعاً. ثم قال ابن كثير، بعد سياقته بطوله: ((هذا حديث مشهور ، وهو غريب جداً،
ولبعضه شواهد فى الأحاديث المتفرقة ، وفى بعض ألفاظه نكارة . تفرد به إسمعيل بن رافع قاص أهل
المدينة ، وقد اختلف فيه : فمنهم من وثقه ، ومنهم من ضعفه . ونص على نكارة حديثه غير واحد من
الأئمة ، كأحمد بن حنبل، وأبى حاتم الرازى ، وعمرو بن على الفلاس . ومنهم من قال فيه : هو متر وك
وقال ابن عدى : أحاديثه كلها فيها نظر ، إلا أنه يكتب حديثه فى حملة الضعفاء . قلت: [القائل ابن
كثير ]: وقد اختلف عليه فى إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة ، وقد أفردتها فى جزء على
حدة . وأما سياقه فغريب جداً، ويقال أنه جمعه من أحاديث كثيرة ، وجعله سياقاً واحداً، فأنكر
عليه بسبب ذلك . وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول : إنه رأى الوليد بن مسلم مصنفاً قد
جمعه. كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث. فالله أعلم».
ثم جاء صدر الدين بن أبى العز قاضى القضاة - تلميذ ابن كثير - فأشار إلى هذين الحديثين:
حديث الطبرى الذى هنا ، وحديث الطبرانى الذى ذكره شيخه ابن كثير ، إشارة واحدة ، فى شرح
شرح الطحاوية ، ص : ١٧١ - ١٧٢ بتحقيقنا، كأنه اعتبرهما حديثاً واحداً ، فذكر بعض
سياق الحديث المطول، ثم قال: ((رواه الأمة: ابن جرير فى تفسيره، والطبرانى، وأبو يعلى
الموصلى، والبيهقى))، فكان شأنه فى ذلك موضع نظر، لأن رواية الطبرانى إنما هى فى كتاب آخر
غير معاجمة الثلاثة، كما نقل ابن كثير، ثم لم أجده فى كتاب الأسماءوالصفات البيبى. ثم لم يذكره صاحب
الزوائد. ولو كان فى أحد معاجم الطبرانى، أو فى مسند أبي يعلى الموصلى، كما يوهمه إطلاق ابن أبى
العز - لذكره صاحب الزوائد بما التزم من ذلك فى كتابه .

٢٦٩
تفسير سورة البقرة : ٢١٠
عن جماعة من الصحابة والتابعين ، كرهنا إطالة الكتاب بذكرهم وذكر ما قالوا فى
ذلك، - ويوضحُ أيضاً صحةما اخترنا فى قراءة قوله: ((والملائكة )) بالرفع ، على معنى:
وتأتيهم الملائكة = ويُبينُ عن خطأ قراءة من قرأ ذلك بالخفض ، لأنه أخبر صلى
الله عليه وسلم أن الملائكة تأتى أهل القيامة فى موقفهم حين تَفَطَّر السماء، قبل أن
یأتیہم رُّبهم، فی ظلل من الغمام . إلا أن یکون قارىء ذلك ذهب إلى أنه عز وجل
عنى بقوله ذلك : إلاّ أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام، وفى الملائكة الذين يأتون
أهلَ الموقف حين يأتيهم الله فى ظلل من الغمام ، فيكون ذلك وجهاً من التأويل ،
وإن كان بعيداً من قول أهل العلم، ودلالة الكتاب وآثار رسول الله صلى الله عليه
وسلم الثابتة .
١٩٣/٢
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ
الأمور )®)
قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك: وفُصِل القضاء بالعدل بين الخلق، (١)
على ما ذكرناه قبلُ عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أخْذ الحق
لكلّ مظلوم من كل ظالم، حتى القصاص للجمّاء من القرناء من البهائم. (٢)
وأما قوله: (( وإلى اللّه تُرجع الأمور))، فإنه يعنى: وإلى اللّه يؤول القضاء بين
خلقه يوم القيامة ، والحكم بينهم فى أمورهم التى جرت فى الدنيا ، من ظلم بعضهم
بعضاً ، واعتداء المعتدى منهم حدودَ اللّه وخلافَ أمره، وإحسانِ المحسن منهم
وطاعته إياه فيما أمره به - فيفصلُ بين المتظالمین، ويجازى أهل الإحسان بالإحسان،
(١) انظر معنى ((قضى))، و((القضاء)» فيما سلف ٢: ٥٤٢، ٥٤٣.
(٢) انظر الأثر السالف رقم : ٤٠٣٩.

٢٧٠
تفسير سورة البقرة : ٢١١،٢١٠
وأهل الإساءة بما رأى ، ويتفضل على من لم يكن منهم كافراً فيعفو . ولذلك قال
جل ثناؤه: (( وإلى اللّه تُرجع الأمور))، وإن كانت أمور الدنيا كلها والآخرة ، من
عنده مبدؤها، وإليه مصيرها، إذْ كان خلقُه فى الدنيا يتظالمون ، ويلى النظر بينهم
أحياناً فى الدنيا بعضُ خلقه، فيحكم بينهم بعضُ عبيده، فيجورُ بعضٌ ويعدل
بعض"، ويصيبُ واحد ويخطىء واحد، ويمكَّن من تنفيذ الحكم على بعض ،
ويتعذَّر ذلك على بعض، لمنعة جانبه وغلبته بالقوة. فأعلم عبادَه تعالى ذكره أن
مرجع جميع ذلك إليه فى موقف القيامة، فينصف كُلاًّ من كُلُّ، ويجازى حق
الجزاء گُلاًّ حیثُ لا ظلم ولا مُمْتنَعَ من نفوذ حکمه علیه، وحیث یستوى
الضعيف والقوىّ والفقير والغنى،، ويضمحل الظلم ، وينزلُ سلطان العدل .
وإنما أدخل جل وعزّ ((الألف واللام)) فى ((الأمور))، لأنه جل ثناؤه عنى
بها جميع الأمور ، ولم يعن بها بعضاً دون بعض ، فكان ذلك بمعنى قول القائل :
((يعجبنى العسل - والبغل أقوى من الحمار))، فيدخل فيه ((الألف واللام))،
لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع.
القول فى تأويل قوله عز ذكره ( سَلْ بَنِىّ إِسْرَآءِيلَ كَمْ
ءاتَيْتَهُم مِّنْ ، إِيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : سل يا محمد بنى إسرائيل - الذين
لا ينتظرون ـ بالإنابة إلى طاعتى، والتوبة إلىّ بالإقرار بنبوتك وتصديقك ، فيما
جثتهم به من عندى - إلا أن آتيهم فى ظلل من الغمام وملائكى، فأفصلُ
القضاء بينك وبين من آمن بك وصدَّقك بما أنزلت إليك من كتبى ، وفرضت

٢٧١
تفسير سورة البقرة : ٢١١
عليك وعليهم من شرائع دينى ، وبينهم = كم جئتهم به من قبلك من آية وعلامة
على ما فرضتُ عليهم من فرائضى ، فأمرتهم به من طاعتى ، وتابعتُ عليهم من
حججى على أيدى أنبيائى ورسلى من قبلك، مؤيِّدةً لهم على صدقهم، بيِّنَةً أنها
من عندى، واضحةٌ أنها من أدلتى على صدق نُذُرى ورُسلى فيما افترضت عليهم
من تصديقهم وتصدیقك، فكفروا حججی، وكذَّبوا رسلى،وغيِّروا نعمی قِبلهم،
وبدّلوا عهدی ووصیتی إليهم.
وأما ((الآية))، فقد بينت تأويلها فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية، (١)
وهی ههنا ما : -
٤٠٤٠ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((سل بنى إسرائيل كم آتيناهم
من آية بينة))، ما ذكر الله فى القرآن وما لم يذكر ، وهم اليهود.
٤٠٤١ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: ((سل بنى إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة))، يقول: آتاهم الله
آيات بينات، عصا موسى، ويده ، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوّهم وهم ينظرون،
وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وذلك من آيات الله التى آتاها
بنى إسرائيل فى آيات كثيرة غيرها ، خالفوا معها أمر الله، فقتلوا أنبياء الله ورسله،
وبدلوا عهده ووصيته إليهم، قال الله: ((ومن يُبدّل نعمة الله من بعد ما جاءته
فإن الله شديد العقاب )) .
قال أبو جعفر: وإنما أنبأ الله نبيه بهذه الآيات، فأمره بالصبر على من كذَّبه
واستكبر على ربه، وأخبره أنّ ذلك فعل من قبْله من أسلاف الأمم قبلهم بأنبيائهم،
(١) انظر ما سلف معنى ((الآية)) ١: ١٠٦ / ثم ٢: ٣٩٧ - ٣٩٨، ٠٠٣ / ثم
٣: ١٨٤. ومعنى ((بينة))، فى ٢: ٣١٨، ٣٩٧/ ثم ٢٤٩:٣ / وهذا الجزء ٤: ٢٥٩، ٢٦٠.

٢٧٢
تفسير سورة البقرة : ٢١١
مع مظاهرته عليهم الحجج ؛ وأنّ من هو بين أظهرهم من اليهودُ إنما هم من بقايا
من جرت عاداتهم [ بذلك ] ، ممن قص عليه قصصهم من بنى إسرائيل. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَمَن ◌ُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ
مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى ((بالنعم)) جل ثناؤه: الإسلام، وما فرض من شرائع
دينه .
ويعنى بقوله: ((ومن يُبدّل نعمة الله))، ومن يغير ما عاهد الله فى نعمته التى
هى الإسلام، (٢) من العمل والدخول فيه فيكفر به ، فإنه مُعاقبه بما أوْعد على
الكفر به من العقوبة ، واللّه شديدٌ عقابه ، أليم عذابه .
٠
فتأويل الآية إذاً: يا أيها الذين آمنوا بالتوراة فصَدَّقوا بها، ادخلوا فى الإسلام
جميعاً ، ودعوا الكفر وما دعاكم إليه الشيطان من ضلالته ، وقد جاءتكم البينات
منعندی بمحمد وما أظهرت على يديه لكم من الحجج والعبر ، فلا تبدُّلوا عهدى
إلیکم فیه وفما جاء کم به من عندی فی کتابکم بأنه نی ورسولی ، فإنه من یبدل
ذلك منكم فيغيره ، فإنى له معاقب بالأليم من العقوبة .
١٩٤/٢
ويمثل الذى قلنا فى قوله: ((ومن يبدُّل نعمة الله من بعد ما جاءته))، قال
جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
(١) ما بين القوسين زيادة، أعشى أن تكون لازمة حتى يستقيم الكلام.
(٢) انظر معنى ((التبديل)) فيما سلف ٣ : ٣٩٦.

٢٧٣
تفسير سورة البقرة : ٢١٢،٢١١
٤٠٤٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجیح ،عن مجاهد فى قوله: « ومن يبد ◌ّل نعمة الله من بعد ما جاءته))،
قال : يكفر بها .
٤٠٤٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد مثله .
٤٠٤٤ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((ومن يبدُّل نعمة اللّه))، قال، يقول: من يبدِّلها كفراً.
٤٠٤٥ - حدثت عن عمار، عن ابن أبى جعفر، عن أبيه ، عن الربيع:
(((ومن يبدُّل نعمة الله من بعد ما جاءته))، يقول: ومن يكفُر نعمته منبعد ما
جاءته .
٥
القول فى تأويل قوله جلّ ذكره (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيْوةُ
الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ء امَنُواْ وَالَّذِينَ أَّقَوْاْ فَوْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيْمَةِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك : زيِّن للذين كفروا حبُّ الحياة
الدنيا العاجلة اللذات ، (١) فهم يبتغون فيها المكاثرة والمفاخرة ، ويطلبون فيها الرياسات
والمباهاة ، ويستكبرون عن اتباعك يا محمد والإقرار بما جئت به من عندى ،
تعظُّماً منهم على من صدَّقك واتبعك، ويسخرون بمن تبعك من أهل الإيمان
والتصديق بك ، فى تركهم المكاثرة والمفاخرة بالدنيا وزينتها من الرياش والأموال
(١) فى المطبوعة: ((العاجلة فى الذنب))، وهو كلام بلا معنى. وقد سمى الله الدنيا ((العاجلة)»
لتعجيله للذين يحبونها ما يشاء من زينتها ولذتها، وهو يشير بذلك إلى قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاهِ لِمِنْ نُرِيدُ مُمَّ جَعَلْنَا له
جَهَمَّ بَصْلاَهَا مَذْ مُومَا مَدْحُوراً﴾ [ سورة الإسراء: ١٨]
ج : (١٨)

٢٧٤
تفسير سورة البقرة : ٢١٢
بطلب الرياسات ، وإقبالهم على طلبهم ما عندى برفض الدنيا وترك زينتها .
والذين عملوا لى = وأقبلوا على طاعتى ، ورفضوا لذات الدنيا وشهواتها ، اتباعاً لك ،
وطلباً لما عندى، واتقاءً منهم بأداء فرائضى وتجنُّب معاصىَّ = فوق الذين كفروا
يوم القيامة ، بإدخال المتقين الجنة ، وإدخال الذين كفروا النار .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك من التأويل قال جماعة منهم .
• ذكر من قال ذلك :
٤٠٤٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((زُيِّن للذين كفروا الحياة الدنيا))، قال : الكفار يبتغون الدنيا
ويطلبونها = ((ويسخرون من الذين آمنوا))، فى طلبهم الآخرة - قال ابن جريج:
لا أحسبه إلا عن عكرمة ، قال : قالوا : لو كان محمد نبياً كما يقول ، لاتبعه
أشرافنا وساداتنا ! والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود !
٤٠٤٧ - حدثنا الحسن بن یحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة))، قال: ((فوقهم))، فى الجنة .
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءِ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾ (١)
قال أبو جعفر : ويعنى بذلك : والله يعطى الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه
وكراماته وجزيل عطاياه ، بغير محاسبة منه لهم على ما منّ به عليهم من كرامته .
...
فإن قال لنا قائل: وما فى قوله: ((يرزق من يشاء بغير حساب)) من المدح ؟
قيل : المعنى الذى فيه من المدح، الخبرُ عن أنه غير خائف نفادَ خزائنه ،

٢٧٥
تفسير سورة البقرة : ٢١٣٠٢١٢
فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها ، إذ كان الحساب من المعطى إنما يكون ليعلم
قَدْر العطاء الذى يخرج من ملكه إلى غيره، لئلا يتجاوز فى عطاياه إلى ما يُححف
به. فربنا تبارك وتعالى غيرُ خائف نفادَ خزائنه، ولا انتقاصَ شىء من ملكه ،
بعطائه ما يعطى عبادَه، فيحتاج إلى حساب ما يعطى وإحصاء ما يبقى. فذلك المعنى
الذى فى قوله: ((والله يرزق من يشاء بغير حساب)).
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَمَثَ
اللهُ النَّيَْينَ مُبَتْرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحَقْ
لِيَحْكمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيَاَ أُخْتلَمُواْ فِيهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى معنى: ((الأمة)): فى هذا الموضع، (١)
وفى ((الناس)) الذين وصفهم الله بأنهم: كانوا أمة واحدة.
فقال بعضهم : هم الذین کانوا بین آدم ونوح، وهم عشرة قرون، کلھم کانوا
على شريعة من الحق ، فاختلفوا بعد ذلك .
· ذكر من قال ذلك :
٤٠٤٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا همام بن
منبه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان بين نوح وآدم عشرة قرون ،
كلهم على شريعة من الحق . فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال :
وكذلك هى فى قراءة عبد الله: ((كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا)).(٢)
(١) انظر معنى (الأمة) فيما سلف ١: ٢٢١ / ثم ٣: ١٠٠،٧٤ ، ١٢٨، ١٤١.
(٢) الأثر: ٤٠٤٨ - رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٥٤٦ - ٥٤٧، وقال: ((هذا
حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي .

٢٧٦
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
٤٠٤٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة فى قوله: ((كان الناس أمة واحدة))، قال: كانوا على الهدى
جميعاً فاختلفوا، فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أوَّلَ نبى بُعث نوحٌ .
٠٠٠
قال أبو جعفر: فتأويل ((الأمة))، على هذا القول الذى ذكرناه عن ابن عباس،
((الدين))، كما قال النابغة الذبياني :
خَلَفْتُ فَ أَثْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُوْ أُمَّةٍ وَهْوَ طَايِعُ؟(١)
يغنى : ذا الدين .
#
فكان تأويل الآية على معنى قول هؤلاء : كان الناس أمَّة مجتمعة على ملة
واحدة ودين واحد فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
١٩٥/٢
٠ ٠
وأصل ((الأمة))، الجماعة تجتمع على دين واحد ، ثم يُكتفى بالخبر عن
((الأمة))، من الخبر عن ((الدين))، لدلالتها عليه، كما قال جل ثناؤه :
﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [ سورة المائدة: ٤٨ / سورة النحل: ٩٣]، يراد
به: أهل دين واحد وملة واحدة. فوجه ابن عباس فى تأويله قوله: « كان الناس أمة
واحدة))، إلى أن الناس كانوا أهل دين واحد حتى اختلفوا .
٠ ٠
وقال آخرون : بل تأويل ذلك : كان آدم على الحقّ ، إماماً لذريته ،
فبعث الله النبيين فى ولده. ووجهوا معنى ((الأمة)) إلى الطاعة لله، والدعاء إلى
توحيده واتباع أمره، من قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانَتَاشِ
حَنِيفًاً﴾ [سورة النحل: ١٢٠]، يعنى بقوله: ((أمة))، إماماً فى الخير يُقتدى به ويُنَّع عليه.
* ذكر من قال ذلك :
(١) ديوانه: ٤٠، واللسان ( أم)، من قصيدته المشهورة فى اعتذاره النعمان. يقول :
أيتهجم على الإثم ذو دين، وقد أطاع الله وأخبت له، فيحلف لك كاذباً بيمين غموس كالتى حلفت
بها، لأنفى عن قلبك الريبة فى أمرى .

٢٧٧
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
٤٠٥٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((كان الناس أمة واحدة))، قال: آدم.
٤٠٥١ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ،
عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله .
٤٠٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((كان الناس أمة واحدة»، قال: آدم . قال:
كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . قال
مجاهد: آدم أمة وحدّه . (١)
وكأنّ من قال هذا القول، استجاز بتسمية الواحد باسم الجماعة ، لاجتماع
أخلاق الخير الذى يكون فى الجماعة المفرَّقة فيمن سماه بـ ((الأمة))، كما يقال
((فلان أمة وحده))، (١) يقوم مقام الأمة .
وقد يجوز أن يكون سماه بذلك، لأنه سبب لاجتماع الأشتات من الناس على
ما دعاهم إليه من أخلاق الخير. (٢) فلما كان آدم صلى الله عليه وسلم سبباً لاجتماع
من اجتمع على دينه من ولده إلى حال اختلافهم ، (٣) سماه بذلك ((أمة)).
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك : كان الناس أمة واحدة على دين واحد ، يوم
استخرَج ذرية آدمَ من صلبه فعرضهم على آدم .
• ذكر من قال ذلك :
٤٠٥٣ - حدثت عن عمار، عن ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع
(١) فى المطبوعة: ((أمة واحدة)) فى الموضعين، وهو خطأ، والصواب ما أثبت. وذلك ما جاء فى
حديث قس بن ساعدة: ((إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده))، ويقال أيضاً: ((هوأمة على حدة))،
كالذى فى الحديث: ((يبعث يوم القيامة زيد بن عمرو بن نفيل، أمة على حدة)).
(٢) فى المطبوعة: ((سبب لاجتماع الأسباب من الناس))، وهو تصحيف. والأشتات:
المتغرقون ، ومثله : شتى .
(٢) قوله: ((إلى حال اختلافهم))، أى: إلى أن صارت حالهم إلى الاختلاف والتفرق.

٢٧٨
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
قوله: ((كان الناس أمة واحدة )) - وعن أبيه، عن الربيع ، عن أبى العالية ،
عن أبى بن كعب قال: كانوا أمة واحدة حيث عُرضوا على آدم، ففطرهم يومئذ
على الإسلام ، وأقرُّوا له بالعبودية ، وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم ، ثم اختلفوا
من بعد آدم = فكان أبىّ يقرأ: ((كان الناسُ أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله
النبيين مبشرين ومنذرين)) إلى ((فيما اختلفوا فيه)). وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل
الكتب عند الاختلاف .
٤٠٥٤ - حدثی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
(( كان الناس أمة واحدة))، قال: حين أخرجهم من ظهر آدم، لم يكونوا أمة واحدة
قطُّ غيرَ ذلك اليوم = ((فبعث الله النبيين))، قال: هذا حين تفرقت الأمم.
٠
وتأويل الآية على هذا القول ، نظيرُ تأويل قول من قال بقول ابن عباس :
إن الناس كانوا على دين واحد فيما بين آدمَ ونوح - وقد بينا معناه هنالك، إلا أن
الوقت الذى كان الناس فيه أمة واحدة ، مخالفٌ الوقت الذى وقَّته ابن عباس .
٠ ٠
وقال آخرون بخلاف ذلك كلهفى ذلك ، وقالوا : إنما معنى قوله: (( کان الناس
أمة واحدة))، على دين واحد ، فبعث الله النبيين.
* ذكر من قال ذلك :
٤٠٥٥ ۔۔ حدثی محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمی قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( كان الناس أمة واحدة))، يقول:
كان ديناً واحداً ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات فى هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله
عز وجل أخبر عباده أنّ الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة ،
كما :-

٢٧٩
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
٤٠٥٦ - حدثیموسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((كان الناس أمة واحدة))، يقول: ديناً واحداً على دين
آدم ، فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
٠
= وكان الدينُ الذى كانوا عليه دينَ الحق، كما قال أبي بن كعب ،
وكما : -
٤٠٥٧ ، حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى قال: هى فى قراءة ابن مسعود: ((اختلفوا عنه))، عن
الإسلام . (١)
= فاختلفوا فى دينهم ، (٢) فبعث الله عند اختلافهم فى دينهم النبيين مبشرين
ومنذرین ،«وأنزل معهم الکتاب لیحکم بين الناس فيما اختلفوا فيه ))، رحمة منه جل
ذ کره بخلقه ، واعتذاراً منه إليهم .
وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذى كانوا فيه أمة واحدة من عهد آدم إلى
عهد نوح عليهما السلام ، كما روى عكرمة عن ابن عباس ، وكما قاله قتادة .
وجائز أن یکون کان ذلك حین عرض على آدم خلقه . وجائزٌ أن یکون كان ذلك
فى وقت غير ذلك ـ ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر يثبت به الحجة، على أىِّ هذه
الأوقات كان ذلك. فغيرُ جائز أن نقول فيه إلا ما قال الله عز وجل : من
أن الناس كانوا أمة واحدة، فبعث الله فيهم، لما اختلفوا، الأنبياء والرسل. ولا يضرُّنًا
(١) الأثر: ٤٠٥٧ - سيأتى هذا الأثر برقم : ٤٠٦٣ وكان نصه هنا كنصه هناك،
ولكنه تصحيف نساخ فيما أظن، كما سيأتى. كان فى المطبوعة ((اختلفوا فيه - على الإسلام)).
(٢) فى المطبوعة: ((واختلفوا فى دينهم)) بالواو، والصواب بالفاء، وهو من كلام الطبرى،
لا من الأثر، وهو من سياق قوله قبل: ((وكان الدين الذى كانوا عليه دين الحق ... فاختلفوا ... ))
١٩٦/٢

٢٨٠
تفسير سورة البقرة : ٢١٣
الجهل بوقت ذلك ، كما لا ينفعُنَا العلمُ به، إذا لم يكن العلم به اللّه طاعةً .(١)
غير أنه أى ذلك كان، فإن دليلَ القرآن واضحٌ على أن الذين أخبر الله عنهم
أنهم كانوا أمة واحدة ، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق ، دون الكفر
بالله والشرك به. وذلك أن الله جل وعز قال فى السورة التى يذكر فيها (( يونس)»:
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [ سورة يونس: ١٩]. فتوعَّد جل ذكره على
الاختلاف لا على الاجتماع ، ولا على كونهم أمة واحدة . ولو كان اجتماعُهم
قبل الاختلاف كان على الكفر ، ثم كان الاختلاف بعد ذلك، لم يكن إلا بانتقال
بعضهم إلى الإيمان. ولو كان ذلك كذلك ، لكان الوعد أولى بحكمته جل ثناؤه فى
ذلك الحال من الوعيد ، لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته . ومحالٌ أن يتوعد فى
حال التوبة والإنابة ، ويترك ذلك فى حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك .
٠
قال أبو جعفر: وأما قوله: ((فبعثَ اللّه النبيين مبشرين ومنذرين))، فإنه
يعنى أنه أرسل رسلا يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب وكريم المآب = ويعنى
بقوله: ((ومنذرين))، ينذرون من عصى الله فكفر به بشدّة العقاب وسوء الحساب
والخلود فى النار = (( وأنزل معهم الكتاب بالحقليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ))،
يعنى بذلك: ليحكم الكتاب - وهو التوراة - بين الناس فيما اختلف المختلفون
فيه. فأضاف جل ثناؤه ((الحكم)) إلى ((الكتاب ))، وأنه الذى يحكم بين الناس دون
النبيين والمرسلين، إذْ كان مَنْ حَكم من النبيين والمرسلين بحُكم، إنما يحكم بما دلَّهم
عليه الكتاب الذى أنزل الله عز وجل. فكان الكتاب، بدلالته على ما دلَّ وصفه
على محنته من الحكم، حاكماً بين الناس، وإن كان الذى يفصل القضاء بينهم غيرُه.
٠
٠٠
(١) هذه حجة رجل تى ورع عاقل، بصير بمواضع الزالى فى العقول، وبمواطن الجرأة على
الحق من أهل الجرأة الذين يتهجمون على العلم بغياً بالعلم. ولو عقل الناس لأمسكوا فضل ألسنتهم،
ولكنهم قلما يفعلون .