النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ تفسير سورة البقرة : ٢٠٥ قتله الآباء والأمهات انقطاع نسلهما. وجائزٌ أن يكون كما قال مجاهد، غير أن ذلك وإن كان تحتمله الآية ، فالذى هو أولى بظاهرها ما قاله السدى. غير أن السدى ذكر أن الذى نزلت فيه هذه الآية ، إنما نزلت فى قتله ◌ُمُرّ القوم من المسلمین وإحراقه زرعاً لهم . وذلك وإن کان جائزاً أن یکون كذلك ، فغير فاسد أن تكون الآية نزلت فيه ، والمراد بها كلُّ من سلك سبيله فى قتل كل ما قتل من الحيوان الذى لا يحلّ قتله بحال، والذى يحلّ قتله فى بعض الأحوال - إذا قتله بغير حق. بل ذلك كذلك عندى، لأن الله تبارك وتعالى لم يخصُص من ذلك شيئاً دون شىء ، بل عمَّه . وبالذى قلنا فى عموم ذلك قال جماعة من أهل التاويل . • ذكر من قال ذلك : ٣٩٨٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا ، حدثنا سفيان ، عن أبى إسحق، عن التميمى: أنه سأل ابن عباس: ((ويهلك الحرث والنسل)) ، قال : نسلَ كل دابة . ٣٩٨٧ - حدثنا أبو کریب قال،حدثنا ابن عطية قال ، حدثنا إسرائيل ، عن أبى إسحق، عن التميمى أنه سأل ابن عباس قال: قلت: أرأيت قوله: ((الحرث والنسل)» ؟ قال : الحرث حرئكم ، والنسل نسل كل دابة . ٣٩٨٨ - حدثنا ابن حميد: قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبى إسمق، عن التميمى قال: سألت ابن عباس عن ((الحرث والنسل))، فقال: الحرثُ ما تحرثون ، والنسلُ نسل كلّ دابة . ٣٩٨٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن مطرِّف، عن أبى إسحق ، عن رجل من تميم ، عن ابن عباس مثله.(١) (١) الآثار: ٣٩٨٦ - ٣٩٨٩. ((التميمى))، قد مضى ما كتبه أخى السيد أحمد فى التعليق على الأثر رقم : ٢٠٩٥، ولكن ظهر من الأثر رقم : ٣٩٨٩، أنه رجل من بني تميم - مجهول الاسم فيما يظهر، كان يسأل ابن عباس كما كان يسأله أصحاب المسائل من الأمة. وذلك بين فى مسند أبى داود الطيالسى رقم: ٢٧٣٩ ص ٣٥٨. ج : (١٦) ٢٤٢ تفسير سورة البقرة : ٢٠٥ ٣٩٩٠ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال، حدثنى على قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((ويهلك الحرث والنسل))، فنسلَّ كل دابة والناس أيضاً . ٣٩٩١ - حدثنىمحمد بن عمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال،حدثی عیسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ويهلك الحرث))، قال: نبات الأرض، ((والنسل)) من كل دابة تمشى من الحيوان، من الناس والدواب. ٣٩٩٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((ويهلك الحرث))، قال: نبات الأرض، ((والنسل )) نسل كل شىء. ٣٩٩٣ - حدثنا أحمد بن إسحق قال،حدثنا أبو أحمد الزبیری قال ، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال : الحرثُ النبات، والنسل نسل كل دابة . ٣٩٩٤ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((ويهلك الحرث))، قال: ((الحرث)) الذى يحرثه الناس نباتُ الأرض ، (( والنسل )» نسل كل دابة . ٣٩٩٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: ((ويهلكَ الحرث والنسل))، قال : الحرث الزرع، والنسل من الناس والأنعام. قال: يقتُل نسْل الناس والأنعام - قال وقال مجاهد: يبتغى فى الأرض هلاك الحرث - نبات الأرض - والنسل من كل شىء من الحيوان. ٣٩٩٦ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((ويهلك الحرثَ والنسل))، قال: الحرث الأصل، والنسل کل دابة والناس منهم. (١) (١) قوله: ((الحرث: الأصل))، معنى قلما تصيبه فى كتب الت بیناً ، ولکنه أتى فيها معترضاً كقولهم: ((الحرث، أصل جردان الحمار))، وهذا تخصيص، وهذا الأثر دال على عموم معنى (الحرث)) أنه: الأصل، وهو جيد فى حجاز اللذة. ٢٤٣ تفسير سورة البقرة : ٥ ٢٠ ٣٩٩٧ -حدثنى ابن عبد الرحيم البرقىّ قال، حدثناعمرو بن أبى سلمة قال، (١) مثل سعيد بن عبد العزيز عن ((فساد الحرث والنسل)) وما هما: أىُّ حرث، وأىُّ نسل ؟ قال سعيد: قال مكحول: الحرث ما تحرثون، وأما النسل فنسْل كل شىء. ٠٠ ٥ قال أبو جعفر: وقد قرأ بعض القرأة: ((ويهلكُ الحرث والنسل))، برفع « هلك )،= على معنى : ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ، ویشهد اللّه على ما فى قلبه وهو ألد الخصام، ويهلك الحرث والنسل ، وإذا تولى سعى فى الأرض ليُفسد فيها والله لا يحب الفساد = فيردُّ ((وُيهلكُ)) على ((ويشهدُ اللّه)) عطفاً به عليه . وذلك قراءةٌ عندى غير جائزة، وإن كان لها مخرج فى العربية، لمخالفتها لما عليه الحجة مجمعةٌ من القراءة فى ذلك، قراءة ((ويهلك الحرث والنسل))، وأن ذلك فى قراءة أبيّ بن كعب ومصحفه ـ فيما ذكرلنا(٢) - ((ليفسد فيها وليهلك الحرث والنسل)). وذلك من أدل الدليل على تصحيح قراءة من قرأ ذلك: ((ويهلك)) بالنصب ، عطفاً به على (( ليفسد فيها)) . القول فى تأويل قوله تعالى ( وَاللهُ لَا يَجِبُّ الْفَسَادَ﴾ ٥ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: والله لا يحب المعاصىَ، وقطعَ السبيل، وإخافة الطريق . ٥ و ((الفساد)) مصدر من قول القائل: ((فسد الشىء يفسُد))، نظير قولهم: (١) فى المطبوعة: ((عمر بن أبى سلمة)) والصواب ما أثبت. (٢) فى المطبوعة: ((فيما ذكرنا))، وهو لا يستقيم. ٢٤٤ تفسير سورة البقرة : ٢٠٥ ، ٢٠٦ ((ذهب يذهب ذهاباً)). ومن العرب من يجعل مصدر ((فسد)) ((فسوداً))، ومصدر ((ذهب يذهب ذُهوباً)). (١) # القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقٍ اُللهَ أَخَذَتْهُ آلْمِرَّةُ بِالْأِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبْسَ آلْبِهَادُ﴾ ٢٠٦ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : وإذا قيل = لهذا المنافق الذى نعَتّ نعتَه لنبيه عليه السلام، وأخبره أنه يُعجبه قوله فى الحياة الدنيا -: اتق الله وخَفْهُ فى إفسادك فى أرْض الله، وسعيكَ فيها بما حرَّم الله عليك من معاصيه، وإهلاكك حروث المسلمين ونسلهم - استكبر ودخلته عزة وهمية بما حرّم اللّه عليه، وتمادى فى غيُّهُ وضلاله. قال الله جل ثناؤه: فكفاه عقوبة من غيه وضلاله، صلىُّ نارٍ جهنم، ولبئس المهاد لصاليها . ١٨٦/٢ # واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية . فقال بعضهم : عنى بها كل فاسق ومنافق . • ذكر من قال ذلك : ٣٩٩٨ - حدثنى محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا جعفر بن سليمان قال، حدثنا بسطام بن مسلم قال، حدثنا أبو رجاء العطارديّ قال : سمعت عليًّا فى هذه الآية: ((ومن الناس من يُعجبك قوله فى الحياة الدنيا)) إلى ((والله رؤوف بالعباد))، قال على: ((اقتَتَلا وربِّ الكعبة)). (١) انظر معنى ((الإفساد فى الأرض)) ١: ٢٨٧ - ٢٩٠، ٤١٦، وما سلف قريباً: ٢٣٩. وانظر أيضاً معانى القرآن الفراء ١ : ١٢٤. ٢٤٥ تفسير سورة البقرة : ٢٠٦ ٣٩٩٩ -حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: (((وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم)) إلى قوله: ((والله رؤوف بالعباد))، قال : كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا صلى السُّبْحة وفرغ، دخل مربداً له، (١) فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخى عيينة، (٢) قال: فيأتون فيقرأون القرآن ويتدارسونه ، فإذا كانت القائلة انصرف . قال : فمرُّوا بهذه الآية: ((وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم))، (( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاءَ مرضَات اللّه واللّه رؤوفٌ بالعباد)) = قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون فى سبيل الله = فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه : اقتتل الرجلان ؟ فسمع عمر ما قال ، فقال: وأىّ شىء قلت ؟ قال : لا شىء يا أمير المؤمنين ! قال : ماذا قلت؟ اقتّتل الرجلان ؟ قال : فلما رأى ذلك ابن عباس قال : أرى ههنا مَنْ إذا أُمير بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله ، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم ، قال هذا: وأنا أشترى نفسى !فقاتله، فاقتتل الرجلان!فقال، عمر: لله بلادك يا ابن عباس. (٣) ٠ ٠ وقال آخرون : بل عنى به الأخنس بن شريق . وقد ذكرنا من قال ذلك فيما مضى . (٤) (١) السبحة: صلاة التطوع والنافلة وذكر الله، تقول: ((قضيت سبحتى)). والمربد: فضاء وراء البيوت يرتفق به ، كالحجرة فى الدار، وهو أيضاً موضع التمر يجفف فيه لينشف ، يسميه أهل المدينة مربداً ، وهو المراد هنا . (٢) ابن أخى عيينة، هو الحر بن قيس بن حصين الفزارى، ويقال: الحارث بن قيس ، والأول أصح. وروى البخارى من طريق الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: قدم عيينة بن حصن ، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ، وكان من النفر الذين يدفيهم عمر - الحديث . ترجم فى الإصابة وغيرها . (٣) فى المطبوعة: ((لله تلادك))، بالتاء فى أوله، ولا معنى له، والصواب ما أثبت. وفى الدر المنثور ١: ٢٤١ - ((لله درك)). والعرب تقول: «اللّه در فلان، ولله بلاده)». (٤) انظر الأثر رقم: ٣٩٦١. ٢٤٦ تفسير سورة البقرة : ٢٠٦، ٢٠٧ وأما قوله: ((ولبئس المهاد ))، فإنه يعنى: ولبئس الفراشُ والوِطاء جهنمُ التى أوعدَ بها جل ثناؤه هذا المنافق، ووطَّأها لنفسه بنفاقه وفجوره وتمرُّده على ربه . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ الْهِ﴾ قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه : ومن الناس من يبيع نفسه بما وعد الله المجاهدين فى سبيله وابتاع به أنفسهم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ أُشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [ سورة التوبة: ١١١]. وقد دللنا على أن معنى (شرى )) باع، فى غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.(١). وأما قوله: ((ابتغاء مرضات الله))، فإنه يعنى أن هذا الشارى يشرى، إذا اشترى طلب مرضاة الله . ونصب ((ابتغاء)) بقوله: ((يشرى)). فكأنه قال: ومن الناس من يشرى [نفسه] من أجل ابتغاء مرضاة الله، ثم تُرك ((من أجل))، وتعمل فيه الفعل. وقد زعم بعض أهل العربية أنه نصب ذلك على الفعل، (٢) على ((يشرى))، كأنه قال: لابتغاء مرضاة الله، فلما نزع ((اللام)) عمل الفعل، قال: ومثله : ﴿حَذَّرَ الَوْتِ﴾ [سورة البقرة: ١٩]، (٣) وقال الشاعر، وهو حاتم: (١) انظر ما سلف ٢: ٣٤١ - ٣٤٣، ٤٥٥، وفهارس اللغة. (٢) قوله: ((على الفعل))، أى أنه مفعول لأجله، وقد مضى مثله ((على التفسير الفعل)) ١ : ٣٥٤ تعليق : ٤ . (٣) انظر القول فى إعراب هذه الكلمة فيما سلف ١ : ٣٥٤ - ٣٥٥. ٢٤٧ تفسير سورة البقرة : ٢٠٧ وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ أَدِّخَارَهُ وَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ الَّثِ تَكَرُمَا(١) وقال: لما أذهب ((اللام)) أعمل فيه الفعل . وقالبعضهم: أُبما مصدر وُضع موضع الشرط، (٢)وموضع (( أن ))، فتحسن فيها (((الباء)) و((اللام))، فتقول: ((أتيتك من خوف الشرّ ـ ولخوف الشر ــ وبأن خفتُ الشرَّ))، فالصفة غير معلومة، فحذفت وأقيم المصدرُ مقامها. (٣) قال: ولو كانت الصفة حرفاً واحداً بعينه ، لم يجز حذفها ، كما غير جائز لمن قال : ((فعلت هذا لك ولفلان)) أن يسقط («اللام)). ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية فيه ، ومن عنى بها . فقال بعضهم : نزلت فى المهاجرين والأنصار ، وعنى بها المجاهدون فى سبيل الله . . ذكر من قال ذلك : ٤٠٠٠ - حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة فى قوله: ((ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله))، قال : المهاجرون والأنصار . وقال بعضهم : نزلت فى رجال من المهاجرين بأعيانهم . • ذكر من قال ذلك : (١) ديوانه: ٢٤، من أبيات جياد كريمة، وسيبويه ١ : ١٨٤، ٤٦٤، ونوادر أبى زيد: ١١٠، الخزانة ١: ٤٩١، والعينى ٣: ٧٥، وغيرها. وفى البيت اختلاف كثير فى الرواية، والشاهد فيه نصب ((ادخاره)) على أنه مفعول له. (٢) قوله: ((الشرط))، كأنه فيما أظن أراد به معنى العلة والعذر، يعنى أنه علة وسبباً أو عذراً لوقوع الفعل . (٣) ((الصفة)) هى حرف الجر. وانظر ما سلف آنفاً ١: ٢٩٩، وفهرس المصطلحات فى الأجزاء السالفة . ٢٤٨ تفسير سورة البقرة : ٢٠٧ ٤٠٠١٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن عكرمة: ((ومن الناس مَنْ يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله)، قال : نزلت فى صُهيب بن سنان، وأبى ذرّ الغفارى جُندب بن السكن. أخذ أهل أبى ذرّ أباذر، فانفلت منهم ، فقدم على النبى صلى الله عليه وسلم . فلما رجع مهاجراً عرضوا له ، وكانوا بمرِّ الظهران ، فانفلت أيضاً حتى قدم على النبى عليه السلام . وأما صُهيب فأخذه أهله فافتدى منهم بماله ، ثم خرج مهاجراً فأحركه قُنفذ بن ◌ُمير بن جُدعان، فخرج له مما بقى من ماله وخلَّی سبيله.(١) ٤٠٠٢- حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله)) الآية، قال : كان رجل من أهل مكة أسلم فأراد أن يأتى النبى صلى الله عليه وسلم ويهاجر إلى المدينة ، فمنعوه وحبسوه . فقال لهم: أعطيكم دارى ومالى وما كان لى من شىء ! فخلُّوا عنى، فألحق بهذا الرجل! فأبوا. ثم إنّ بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شىء وخلُّوا عنه! ففعلوا ، فأعطاهم داره وماله، ثم خرج. فأنزل الله عز وجل على النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة: ((ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله))، الآية. فلما دنا من المدينة تلقاه مُمر فى رجال ، فقال له عمر: رَبَح البيعُ! قال : وبيعك فلا يخسر ! قال: وما ذاك؟ قال: أنزل فيك كذا وكذا . (٢) ... وقال آخرون : بل عنى بذلك كل شارٍ نفسَه فى طاعة الله وجهاد فى سبيله ، أو أمرٍ بمعروف . • ذكر من قال ذلك : (١) الأثر: ٤٠٠١ - فى الدر المنثور ١: ٢٤٠، فى المطبوعة: ((منقذ بن عمير))، وهو خطأ ، وقد ذكر قنفد بن عمير ، أبو طالب فى قصيدته المشهورة ، وذكر ابن هشام نسبه فى سيرته ( انظر ١ : ٢٩٥، ٣٠١). وقد أسهم قنفد بن عمير ، وله صحبة ، وولاء عمر مكة ، ثم عزله . (٢) الأثر: ٤٠٠٢ - فى تفسير البغوى ١ : ٤٨١ - ٤٨٢، مع اختلاف فى اللفظ. ١٨٧/٢ ٢٤٩ تفسير سورة البقرة : ٢٠٧ ٤٠٠٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا حسين بن الحسن أبو عبد الله قال ، حدثنا أبو عون ، عن محمد قال : حمل هشام بن عامر على الصف حتى خرقه، فقالوا: ألقى بيده ! !فقال أبوهريرة: ((ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله)). (١) ٤٠٠٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال ، حدثنا إسرائيل ، عن طارق بن عبد الرحمن ، عن قيس بن أبى حازم ، عن المغيرة قال : بعث عمر جيشاً فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل من بجيلة فقاتل فقُتِل ، فأكثر الناس فيه يقولون : ألقى بيده إلى التهلكة ! قال : فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: كذبوا! أليس الله عز وجل يقول: ((ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله واللّه رؤوف بالعباد))؟ ٤٠٠٥ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو داود قال، حدثنا هشام، عن قتادة قال ، حَمل هشام بن عامر على الصّف حتى شقّه، فقال أبو هريرة: (( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله)). ٤٠٠٦ - حدثنا سوار بن عبد الله العنبرى قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال ، حدثنا حزم بن أبى حزم قال: سمعت الحسن قرأ: ((ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد))، أتدرون فيم أنزلت ؟ نزلت فى أن المسلم لقى الكافرَ فقال له: قل: ((لا إله إلاّ اللّه))، فإذا قلتها عصمتَ دمك (١) الأثر: ٤٠٠٣ - حسين بن الحسن أبو عبد الله النصرى، روى عن ابن عون وغيره، وروى عنه أحمد ، والفلاس وبندار وغيرهم . كان من المعدودين من الثقات ، وكان يحفظ عن ابن عون. توفى سنة ١٨٨، مترجم فى التهذيب. و((أبو عون)) كنية ((ابن عون)) - عبد الله بن عون المزفى مولاهم. ((ومحمد))، هو محمد بن سيرين. وهشام بن عامر بن أمية الأنصارى، كان اسمه فى الجاهلية ((شهاباً)) فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك منه فى غزاة كابل، انظر الإصابة وغيرها. وقوله: ((ألى بيده)) أى: ألتى بيده إلى التهلكة، كما هو مبين فى الروايات الأخرى ، وانظر ما سيأتى رقم: ٤٠٠٥، مختصراً . ٢٥٠ تفسير سورة البقرة : ٧٠٢ ومالك إلا بحقهما! فأبى أن يقولها ، فقال المسلم: والله لأشرِيَنّ نفسى لله! فتقدم فقاتل حتى قتل. (١) ٤٠٠٧ - حدثنى أحمد بن حازم قال ، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زياد ابن أبى مسلم، عن أبى الخليل قال: سمع ◌ُمر إنساناً قرأ هذه الآية: (( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله))، قال: استرجع مُمرَ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قام رجلٌ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقُتل. (٣) قال أبو جعفر: والذى هو أولى بظاهر هذه الآية من التأويل ، ما روى عن عمر بن الخطاب وعن على بن أبى طالب وابن عباس رضى الله عنهم ، من أن يكون عنى بها الآمرُ بالمعروف والنهى عن المنكر. وذلك أن الله جل ثناؤه وصف صفة فريقين: أحدهما منافقٌ يقول بلسانه خلاف ما فى نفسه ، وإذا اقتدر على معصية اللّه ركبها، وإذا لم يقتدر رَامَها، وإذا ◌ُنهى أخذته العزّة بالإثمٌ بما هو به آثم، والآخر منهما بائعٌ نفسه، طالب من اللّه رضا الله . فكان الظاهر من التأويل أن الفريقَ الموصوف بأنه شرى نفسه اللّه وطلب رضاه، إنما شراها للوُثُوب بالفريق الفاجر طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية . وأما ما رُوُى من نزول الآية فى أمر صُهيب ، فإنّ ذلك غير مستنكرٍ، إذ كان غيرَ مدفوع جوازُ نزول آية من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بسبب من الأسباب ، والمعنىُّ بها كلُّ من شمله ظاهرها . (١) الأثر: ٤٠٠٦ - ((حزم بن أبى حزم)) القطعى، أبو عبد الله البصرى، روى عن الحسن وغيره ، قال أبو حاتم : صدوق لا بأس به ، وهو من ثقات من بقى من أصحاب الحسن ، مات سنة ٧٥ . مترجم فى التهذيب. وكان فى المطبوعة: ((حزام بن أبى حزم))، وهو خطأ. (٢) الأثر: ٤٠٠٧ - ((زياد بن أبى مسلم)) أبو عمر الفراء البصرى، روى عن صالح أبى الخليل وأبى العالمية والحسن، مترجم فى التهذيب. ((وأبو الخليل)): صالح بن أبى مريم الضبعى مولاهم تابعى ، مترجم فى التهذيب . ٢٥١ تفسير سورة البقرة : ٢٠٨،٢٠٧ فالصوب من القول فى ذلك أن يقال : إنّ الله عز ذكره وصف شارياً نفسه ابتغاء مرضاته ، فكل من باعَ نفسه فى طاعته حتى قُتل فيها ، أو استقتل وإن لم يُقتل، (١) فمعنىّ بقوله: (( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله))فى جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه ، أو فى أمر بمعروف أو نهى عن منكر . ٥ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ قد دللنا فيما مضى على معنى ((الرأفة))، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع ، وأنها رقة الرحمة. (٢) فمعنى ذلك : والله ذو رحمة واسعة بعبده الذى يشرى نفسه له فى جهاد من حادّه فى أمره من أهل الشرك والفُسوق، وبغيره من عباده المؤمنين فى عاجلهم وآجل معادهم ، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا فى طاعته فى الدنيا ، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَأَيُّهاَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِى السِّ كَآَفَّةً ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى معنى ((السلم)) فى هذا الموضع. فقال بعضهم : معناه الإسلام . * ذكر من قال ذلك : (١) فى المطبوعة: ((واستقتل)) بواو العطف، وهو فاسد، والصواب ما أثبت. (٢) انظر ما سلف ٣ : ١٧١، ١٧٢. ٢٥٢ تفسير سورة البقرة : ٢٠٨ ٤٠٠٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((ادخلوا فى السَّكم))، قال : ادخلوا فى الإسلام . ١٨٨/٢ ٤٠٠٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة قوله: ((ادخلوا فى السلم))، قال : ادخلوا فى الإسلام. ٤٠١٠ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمی قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((ادخلوا فى السلم كافة))، قال: السلم الإسلام. ٤٠١١ - حدثنى موسى بن هرون قال، أخبرنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى، ((ادخلوا فى السلم))، يقول: فى الإسلام. ٤٠١٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن النضر بن عربى، عن مجاهد : ادخلوا فى الإسلام ٤٠١٣ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : ((ادخلوا فى السلم))، قال : السلم الإسلام. ٤٠١٤ - حدثت عن الحسين بن فرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: ((ادخلوا فى السلم»، فى الإسلام. ٠ ٠ وقال آخرون : بل معنى ذلك : ادخلوا فى الطاعة. * ذكر من قال ذلك : ٤٠١٥ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: ((ادخلوا فى السلم))، يقول: ادخلوا فى الطاعة . ... وقد اختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز، (( ادخلوا فى السَّلم)) بفتح ((السين))، وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر (السين)). ٢٥٣ تفسير سورة البقرة : ٢٠٨ فأما الذين فتحوا ((السين)) من ((السلم)).، فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى : ادخلوا فى الصلح والمسالمة وترك الحرب وإعطاء الجزية . وأما الذين قرأوا ذلك بالكسر من ((السين))، فإنهم مختلفون فى تأويله . فمنهم من يوجهه إلى الإسلام ، بمعنى : ادخلوا فى الإسلام كافة . ومنهم من يوجّهه إلى الصلح ، بمعنى : ادخلوا فى الصلح. ويستشهد على أن (( السین )) تكسر وهى بمعنى الصلح ، بقول زهير بن أبى سلمى : وَقَدْ قُلْتُاَ إِنْ نُدْرِكِ السَّمَ وَاسِعاً بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأُمْرِ نَشَ (١) وأولى التأويلات بقوله: ((ادخلوا فى السلم))، قول من قال : معناه : ادخلوا فى الإسلام كافة . وأمّا الذى هو أولى القراءتين بالصواب فى قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر ((السين)). لأن ذلك إذا قرىء كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام ودوام الأمر الصالح عند العرب ، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة ، وينشد بيت أخى كندة . دَعَوْتُ عَشِيرَتِ لِلِسَّهْرِ لَمّا رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْيِرِينَا(٢) (١) ديوانه: ١٦ من معلقته النبيلة. والضمير فى ((قلما)) للمساعيان فى الصلح، وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان، وذلك فى حرب عبس وذبيان. وقوله: ((واسعاً))، أى: قد استقر الأمر ، واطمأنت النفوس ، فاتسع الناس فيه ما لا يتسع لهم فى زمن الحرب . وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة فى أموالهما ، ليصطلح الناس . (٢) من أبيات لامرئ القيس بن عابس الكندى، وتروى لغيره. المؤتلف والمختلف : ٩، والوحشيات: ٧٥، وغيرهما وكان امرؤ القيس قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرتد فى أيام أبى بكر ، وأقام على الإسلام، وكان له فى الردة غناء وبلاء، وقد قال الأبيات فى زمن الردة، وقبل البيت: وَأَبْلِغْهَاَ جَمِيعَ الْمُسْلِينَ أَلاَ أَبْلِغْ أبَا بَكْرِ رَسُولاً بما قَالَ الرَّسُولُ مُكَذَّ بِينَاَ فَلَسْتُ بُجَاوِراً أَبَدًا قَبِيلاً رَأَيُهُمُ أُغَارُوا مُفْسِدِينَاً دَعَوْتُ عَشِيرَتِى لِلِسُّرِ حَتَّى ٠ ٢٥٤ تفسير سورة البقرة : ٢٠٨ بكسر (( السين))، بمعنى: دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث ، (١) بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائرَ ما فى القرآن من ذكر ((السلم)) بالفتح، سوى هذه التى فى ((سورة البقرة))، فإنه كانيخصُها بكسر سينها، توجيهاً منه لمعناها إلى الإسلام دون ما سواها . وإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل فى قوله: ((ادخلوا فى السلم))، وصرفنا معناه إلى الإسلام ، لأن الآية مخاطب بها المؤمنون، فلن يعدوّ الخطاب، إذ كان خطاباً للمؤمنين ، من أحد أمرين : إما أن يكون خطاباً للمؤمنین بمحمد المصدقين به وبما جاء به . فإن یکن ذلك كذلك ، فلامعنى أن يقال لهم وهم أهل الإيمان: ((ادخلوا فى صلح المؤمنين ومسالمتهم))، لأن المسالمة والمصالحة إنما يؤمر بها من كان حرباً بترك الحرب، فأما الموالى فلا يجوز أن يقال له: ((صالح فلاناً))، ولا حربَ بينهما ولا عداوة . = أو يكون خطاباً لأهل الإيمان بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المصدِّقين بهم وبما جاءوا به من عند الله، المنكرين محمداً ونبوته، فقيل لهم: ((ادخلوا فى السلم))، يعنى به الإسلام، لا الصُّح. لأن اللّه عز وجل إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وإلى ذلك دعاهم ، دون المسالمة والمصالحة . بل نهى نبيه صلى الله عليه وسلم فى بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح (٢) فقال: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَّدْعُوا إلى السَّلْرِ وَأَنْتُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ (١) هو الأشعث بن قيس الكندى، وكان وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السنة العاشرة فى سبعين راكباً من كندة، ثم ارتد فيمن ارتد من العرب. وقاتل فى الردة حتى هزم، ثم استسهم وأسر ، وقدموا به على أبى بكر ، فقال له أبو بكر : ماذا ترانى أصنع بك ؟ فإنك قد فعلت ما علمت قال الأشعث : تمن على فتفكنى من الحديد، وتزوجنى أختك، فإنى قد راجعت وأسلمت. فقال أبو بكر : قد فعلت ! فزوجه أم فروة بنت أبى قحافة ، فكان بالمدينة حتى فتح العراق . ثم شهد الفتوح حتى مات سنة ٤٠، وله ثلاث وستون سنة . (٢) فى المطبوعة: (( .. عن دعاء أهل الكفر إلى الإسلام))، وهو خطأ لاشك فيه، سبق ٢٥٥ تفسير سورة البقرة : ٢٠٨ مَعَكُم﴾ [سورة محمد: ٣٥]، وإنما أباح له صلى الله عليه وسلم فى بعض الأحوال، إذا دعوه إلى الصلح، ابتداءَ المصالحة، فقال له جل ثناؤه: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلِسِّلُّمِ فَأَجْنَحْ لَهَا﴾ [سورة الأنفال: ٦١]. فأما دعاؤهم إلى الصُّح ابتداءً ، فغير موجود فى القرآن، فيجوزُ توجيه قوله: ((ادخلوا فى السلم)) إلى ذلك. ... قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فأىّ هذين الفريقين دعى إلى الإسلام كافة ؟ قيل : قد اختلف فى تأويل ذلك . فقال بعضهم : دعى إليه المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. وقال آخرون: قيل: دُعى إليه المؤمنون بمن قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم من الأنبياء ، المكذبون بمحمد . ... فإن قال : فما وجه دعاء المؤمن بمحمد وبما جاء به إلى الإسلام ؟ قيل: وجهُ دعائه إلى ذلك، الأمرُ له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه ١٨٩/٢ وحدوده ، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه . وإذا كان ذلك معناه ، كان قوله : ((كافة)) من صفة (السلم))، ويكون تأويله: ادخلوا فى العمل بجميع معانى السلم، ولا تضيعوا شيئاً منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به . وبنحو هذا المعنى كان يقول عكرمة فى تأويل ذلك : ٤٠١٦ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: ((ادخلوا فى السلم كافة))، قال : نزلت فى ثعلبة ، وعبد الله بن سلام، وابن يامين، وأسد وأسَيْد ابنى كعب، وسَعْبَه بن عمرو، (١) قلم الكاتب فوضع ((الإسلام)) مكان ((الصلح))، ومحال أن ينهى الله نبيه عن دعاء أحد إلى الإسلام. والسياق دال على الصواب كما ترى . (١) فى المطبوعة: ((شعبة))؛ وفى الدر المنثور: ((سعيد)) والذى فى أسماء يهود: ((سعية))، وسعنة وأكثر هذه الأسماء من أسماء يهود مما يصعب تحقيقها ويطول، لكثرة الاختلاف فيها . ٢٥٦ تفسير سورة البقرة : ٢٠٨ وقيس بن زيد - كلهم من يهود - قالوا : يا رسول الله، يوم السبت يومٌ كنا نعظمه، فدعنا فلنُسبيت فيه! وإن التوراة كتاب الله ، فدعنا فلنقم بها بالليل ! فنزلت: (( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان». (١) ٠ ٠ فقد صرح عكرمة بمعنى ما قلنا فى ذلك ، من أن تأويل ذلك دعاء للمؤمنين إلى رفض جميع المعانى التى ليست من حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهى عن تضييع شىء من حدوده . وقال آخرون : بل الفريق الذى دُعى إلى السلم فقيل لهم: ((ادخلوا فيه))، بهذه الآية ، هم أهل الكتاب، أميروا بالدخول فى الإسلام . • ذكر من قال ذلك : ٤٠١٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس فى قوله: ((ادخلوا فى السلم كافة)» ، يعنى أهل الكتاب . ٤٠١٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قول الله عز وجل: ((ادخلوا فى السلم كافة))، قال : يعنى أهل الكتاب . ٠٠٠ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال : إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول فى العمل بشرائع الإسلام کلها . وقد يدخل فى ((الذين آمنوا)) المصدّقُون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل وما جاءوا به . وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده ، والمحافظة على غرائضه التى فرضها ، ونهاهم عن تضيع (١) الأثر: ٤٠١٦ - فى الدر المنثور ١ : ٢٤١. ٢٥٧ تفسير سورة البقرة : ٢٠٨ عیء من ذلك . فالآية عامة لكل من شمله اسم (( الإيمان » ، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض . وبمثل التأويل الذى قلنا فى ذلك كان مجاهد يقول : ٤٠١٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((ادخلوا فى السلم كافة))، قال : ادخلوا فى الإسلام كافة، ادخلوا فى الأعمال كافة . ٥ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿كَآَنَّةٌ ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله(١):((كافة))، عامة، جميعاً، كما :- ٤٠٢٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة قوله: ((فى السلم كافة))، قال : جميعاً . ٤:٢١ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى: (فى السلم كافة)) ، قال : جميعاً . ٤٠٢٢ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: ((فى السلم كافة))، قال: جميعاً - وعن أبيه، عن قتادة مثله . ٤٠٢٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع بن الجراح ، عن النضر ، عن مجاهد : ادخلوا فى الإسلام جميعاً . ٤٠٢٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال ابن عباس: ((كافة))، جميعاً. (١) فى المطبوعة: ((جل ثناؤه: كافة)) بإسقاط ((بقوله))، وهذا سياق الكلام. ج : (١٧) ٢٥٨ تفسير سورة البقرة : ٢٠٨ ٤٠٢٥ - حدثییونس قال ،أخبرنا ابن وهبقال ،قال ابن زيد: ((کافة))جميعاً، وقرأ ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةٌ كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾ [سورة التوبة: ٣٦]، جميعاً . ٤٠٢٦ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ادخلوا فى السلم كافة))، قال : جميعاً . ٥ ٥ ٥ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَلَا تَتَّبُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنْ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴾ ٢٠٨ قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك: اعملوا، أيها المؤمنون، بشرائع الإسلام كلها ، وادخلوا فى التصديق به قولا وعملا، ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها، فإنه لكم عدو مبين لكم عدواته . (١) وطريقُ الشيطان الذى نهاهم أن يتبعوه ، هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه ، ومنه تسبيت السبت ، وسائر سنن أهل الملل التى تخالف ملة الإسلام . . .. وقد بينت معنى ((الخطوات)) بالأدلة الشاهدة على صحته فيما مضى، فكرهت إعادته فى هذا المكان. (٢) ٥ (١) انظر تفسير ((عدومبين)) فيما سلف ٣ : ٣٠٠. (٢) انظر ما سلف ٣: ٣٠١، ٣٠٢. ٢٥٩ تفسير سورة البقرة : ٢٠٩ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَإِنْ زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ اُلْتِيَّتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : فإن أخطأتم الحق، (١) فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد ما جاءتكم حُجَجى وبيِّنَات هداى، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التى قطعت عذركم أيها المؤمنون = فاعلموا أن الله ذو عزة لا يمنعه من الانتقام منكم مانع ، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم أمره ووعصيتكم إياه دافع = ((حكيم)) فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إياه، بعد ١٩٠/٢ إقامته الحجة عليكم، وفى غيره من أموره . وقد قال عدد من أهل التأويل إن ((البينات)) هى محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. (٢) وذلك قريب من الذى قلنا فى تأويل ذلك. لأن محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن ، من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين. غير أن الذى قلناه فى تأويل ذلك أولى بالحق ، لأن الله جل ثناؤه قد احتج على من خالف الإسلام من أحبار أهل الكتاب ، بما عهد إليهم فى التوراة والإنجيل، وتقدّم إليهم على ألسن أنبيائهم بالوصاة به . فذلك وغيرُه من حجج الله تبارك وتعالى عليهم ، مع ما لزمهم من الحجج بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن . فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل فى ذلك. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ... • ذكر أقوال القائلين فى تأويل قوله: ((فإن زللم)). (١) ٤٠٢٧ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى فى قوله: ((فإن زلتم))، يقول: فإن ضللتم . (١) انظر معنى ((زل)) فيما سلف ١ : ٥٢٤ - ٥٢٥. (٢) انظر ما سلف فى تفسير ((البينات)) ٢: ٣١٨، ٣٥٤٪ ثم ٣: ٢٤٩ - ٢٥١. ٢٦٠ تفسير سورة البقرة : ٢١٠،٢٠٩ ٤٠٢٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عی قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((فإن زللتم))، قال: الزلل الشرك . ذكر أقوال القائلين فى تأويل قوله: ((من بعد ما جاءتكم البينات)). (١) ٤٠٢٩ ۔ حدثی،وسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد ، قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((من بعد ما جاءتكم البينات))، يقول: من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم . ٤٠٣٠ - وحدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج: ((فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات))، قال : الإسلام والقرآن. # ۵ ٤٠٣١ ۔ حدثتعن عمار قال . حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: ((فاعلموا أن الله عزيز حكيم))، يقول: عزيز فى نقمته ، حكيم فى أمره. (٢) القولُ فى تأويل قوله تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلِكَةُ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: هل ينظرُ المكذّبون بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وما جاء به ، إلا أن يأتيهم اللّه فى ظُلل من الغمام والملائكة ؟ ثم اختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((والملائكة)). ٠ (١) انظر ما سلف فى تفسير ((البينات ))٢: ٣٥٤،٣١٨ ثم ٣: ٢٤٩ - ٢٥١. (٢) انظر معنى ((عزيز)) و((حكيم) فى فهرس اللغة.