النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ : تفسير سورة البقرة : ٢٠٣ قال ابن جريج: هى فى مصحف عبدالله: ((لِمَنِ أُتَّقَى اللهَ)) ٣٩٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد اللّه قال، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس: ((فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه))، فلا حرج عليه، يقول: لمن اتقى معاصىَ اللّه عز وجل .(١) ٠٠ وقال آخرون: بل معنى ذلك: ((فمن تعجل فى يومين )) من أيام التشريق ((فلا إثم عليه))، أى فلا حرج عليه فى تعجيله النفْر، إن هو اتفى قَتْل الصيد حتى ينقضى اليوم الثالث ، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر ، فلا حرج عليه . ذكر من قال ذلك: ٠ ٣٩٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا محمد بن أبى صالح: ((لمن اتقى)) أن يصيب شيئاً من الصيد حتى بمضى اليوم الثالث . ٣٩٥٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ))، ولا يحل له أن يقتل صيداً حتى تخلو أيام التشريق . ٠ وقال آخرون: بل معناه: ((فمن تعجل فى يومين )) من أيام التشريق فنفر ((فلا إثم عليه))، أى مغفورٌ له - ((ومن تأخر)) فنفر فى اليوم الثالث ((فلا إثم عليه))، أى مغفور له ، إن اتقى على حجه أن يصيب فيه شيئاً نهاه اللّه عنه . • ذكر من قال ذلك : ٣٩٥٥ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة (١) الأثر: ٣٩٥٢ - فى المطبوعة: ((حدثنا على، قال حدثنا عبد الله)).، وقوله ((على)) تصحيف، والصواب ما أثبتنا، وانظر الأثر السالف رقم: ٣٩٣١، والتعليق عليه . ٢٢٢ تفسير سورة البقرة : ٢٠٣ قوله: ((لمن اتقى))، قال: يقول لمن اتقى على حجه - قال قتادة : ذكر لنا أن ١٨٠/٢ ابن مسعود كان يقول: من اتقى فى حجه غفر له ما تقدم من ذنبه - أو: ما سلف من ذنبه . ٠ قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال : تأويل ذلك : ((فمن تعجل" فى يومين)) من أيام منى الثلاثة فنفر فى اليوم الثانى، ((فلا إثم عليه ))، لحطِّ اللّه ذنوبه إن كان قد اتفى الله فى حجه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده = (( ومن تأخر)) إلى اليوم الثالث منهن، فلم ينفر إلى النفر الثانى حتى نفر من غد النفر الأول، ((فلا إثم عليه))، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وأجرامه، إن كان اتقى الله فى حجه بأدائه بحدوده . وإنماقلنا إن ذلك أولى تأويلاته [بالصحة]، لتظاهر الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((من حجّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه = وأنه قال صلى الله عليه وسلم: ((تابعوا بين الحجّ والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفى الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة)). ٣٩٥٦ - حدثنا عبد الله بن سعيد الكندى قال: حدثنا أبو خالد الأحمر قال ، حدثنا عمرو بن قيس ، عن عاصم ، عن شقيق ، عن عبد اللّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوبَ كما ينفى الكِبرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابُ دون الجنة . (١) (١) الحديث: ٣٩٥٦ - عبد الله بن سعيد الكندى أبو سعيد الأشج: ثقة حافظ، من شيوخ أصحاب الكتب الستة . أبو خالد الأحمر: هو سليمان بن حيان - بالياء التحتية - الأزدى ، وهو ثقة من شيوخ أحمد وإسحق، أخرج له الجماعة. عمرو بن قيس: هو الملائى . عاصم : هو ابن أبي النجود. شقيق .: هو ابن سلمة، أبو وائل الأسدى. عبد الله: هو ابن مسعود. ٢٣٢ تفسير سورة البقرة : ٢٠٣ ٣٩٥٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا الحكم بن بشير ، عن عمرو بن قيس، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد اللّه، عن النبى صلى الله عليه وسلم بنحوه . (١) ٣٩٥٨ - حدثنا الفضل بن الصباح قال، حدثنا ابن عيينة ، عن عاصم ابن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه ، عن عمر يبلغ به النبى صلى الله عليه وسلم قال: تابعوا بين الحج والعمرة، فإنّ متابعة ما بينهما تنفى الفقرَ والذنوبَ كما ينفى الكيرُ الحَبَثَ = أو: خبَثَ الحديد. (٢) ٣٩٥٩ - حدثنا إبراهيم بن سعيد قال ، حدثنا سعد بن عبد الحميد قال ، حدثنا ابن أبى الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قضيتَ حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك. (٣) ٠ والحديث رواه أحمد فى المسند : ٣٦٦٩، عن أبى خالد الأحمر، بهذا الإسناد، ورواه الترمذى ٢ : ٧٨، والنسائى ٢: ٤ - كلاهما من طريق أبي خالد الأحمر . وذكره السيوطى ١ : ٢١١، وزاد نسبته لابن أبى شيبة ، وابن خزيمة، وابن حبان. الكير : زق أو جلد غليظ ذو حافات ، ينفخ فيه الحداد ، ليؤرث النار . وخبث الحديد وغيره : هو ما ينفيه الكير والنار من الحديد إذا أذيب ، وهو ما لا خير فيه منه . (١) الحديث: ٣٩٥٧ - وهذا إسناد آخر صحيح لهذا الحديث، لم أجده عند غير الطبرى. وهو يدل على أن عاصم بن أبي النجود رواه عن شيخين ، هما أبو وائل ، وزر بن حبيش - : كلاهما عن ابن مسعود . (٢) الحديث: ٣٩٥٨ - عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: ضعيف، وقد بينا ضعفه فى شرح المسند : ١٢٨، ٥٢٢٩. والحديث رواه ابن ماجة: ٢٨٨٧، بإسنادين، من طريق ابن عيينة، ومن طريق عبيد اللّه بن عمر - كلاهما عن عاصم بن عبيد الله. وقال البوصيرى فى زوائده: ((مدار الإسنادين على عاصم · ابن عبيد اللّه، وهو ضعيف. والمتن صحيح من حديث ابن مسعود، رواه الترمذى والنسائى))، يريد الحديثين السابقين . وذكره السيوطى ١ : ٢١١، وزاد نسبته لابن أبى شيبة ، والبيهقى . (٣) الحديث: ٣٩٥٩ - إبرهيم بن سعيد: هو الجوهرى. مضى فى: ٣٣٥٥. سعد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله الأنصارى المدنى: ضعفه ابن حبان جداً وقال ابن معين: «ليس به ٢٢٤ تفسير سورة البقرة : ٢٠٣ = وما أشبه ذلك من الأخبار التى يطول بذكر جميعها الكتاب ، مما ينبئ عن أنّ من حجّ فقضاه بحدوده على ما أمره الله ، فهو خارج من ذنوبه كما قال جل ثناؤه: ((فلا إثم عليه لمناتقى)) اللّه فى حجه . فكان فى ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضح عن أن معنى قوله جل وعزّ: ((فلا إثم عليه))، أنه خارجٌ من ذنوبه ، مخطوطة عنه آثامه، مغفورةٌ له أجرامه = وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: ((فلا إثم عليه))، فلا حرج عليه فى نفره فى اليوم الثانى ، ولا حرج عليه فى مقامه إلى اليوم الثالث . لأن الحرج إنما يوضع عن العامل فيما كان عايه ترك عمله، فيرخّص له فى عمله بوضع الحرج عنه فى عمله ؛ أو فيما کان عليه عمله ، فيرخَّص له فى تركه بوضع الحرج عنه فى تركه . فأما ما على العامل عمله ، فلا وَجْه لوضع الحرّج عنه فيه إن هو عمله، وفرضُه عملُه . لأنه محال أن يكون المؤدِّى فرضاً عليه ، حرِّجاً بأدائه ، (١) فيجوز أن يقال : قد وضعنا عنك فيه الحرّج . وإذا كان ذلك كذلك = وكان الحاج لا يخلو عند من تأوّل قوله: ((فلا إثم عليه)) فلا حرج عليه، - أو: فلاجناح عليه، من أن يكون فرضه النفر فى اليوم الثانى من أيام التشريق ، فوضع عنه الحرج فى المقام / أو أن يكون فرضه المقام، بأس)). والذى أرجحه أنه ثقة، فإن البخارى ترجمه فى الكبير ٢ / ٢ / ٦٢، فلم يذكر فيه جرحاً، ولم يذكره هو ولا النسائى فى الضعفاء، وترجمه ابن أبى حاتم ٢ / ١ / ٩٢، فلم يجرحه أيضاً . صالح مولى التوأمة: هو صالح بن نبهان ، مضى فى ١٠٢٠ تصحيح رواية من سمع منه قديماً قبل تغير حفظه . وموسى بن عقبة سمع منه قديماً، كما بينا فى شرح المسند : ٢٦٠٤ . وهذا الحديث ، بهذا الإسناد - لم أجده فى موضع آخر من المراجع من حديث ابن عباس . ومعناه ثابت فى أحاديث أخر صحاح. انظر الترغيب والترهيب ٢ : ١٠٥ - ١١٣، ومجمع الزوائد ٣ : ٢٠٧ - ٢٠٩، ٢٧٤ - ٢٧٧، وانظر ما سلف من رقم : ٣٧١٨ - ٣٧٢٨. (١) قوله: ((حرجاً)) على وزن ((فرح))، بمعنى آثم، وقد مضى فى الجزء ٢: ٤٢٣، استعمال هذه الصيغة، وعلقت عليه أن أهل اللغة ينكرون ذلك، ويقولون بل هو ((حارج))، ولقد أعاد الطبرى استعمالها هنا مرة أخرى ، ورأيت أيضاً القاضى الباقلانى قد استعملها فى كتابه التمهيد ص : ٢٢١، فقال: (( ... لم يكن الإمام بذلك مأثوهاً ولا حرجاً))، وكأنى رأيت الشافعى قد استعملها أيضاً فى الأم ، ولكن ذهب عنى مكانها . ٢٢٥ تفسير سورة البقرة : ٢٠٣ إلى اليوم الثالث ، فوضع عنه الحرج فى النفر فى اليوم الثانى ، فإن يكن فرضه فى اليوم الثانى من أيام التشريق المقام إلى اليوم الثالث منها ، فوضع عنه الخرج فى نفره فى اليوم الثانى منها - وذلك هو التعجُّل الذى قيل: ((فمن تعجّل فى يومين فلا إثم عليه)) - فلا معنى لقوله على تأويل من تأوّل ذلك ((فلا إثم عليه))، فلا جناح عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه. لأن المتأخر إلى اليوم الثالث إنما هو م تأخّرٌ عن أداء فرضٍ عليه، تاركٌ قبولَ رُخصة النفر. فلا وجه لأن يقال: ((لا حرج عليك فى مقامك على أداء الواجب عليك )) ، لما وصفنا قبل - أو يكون فرضُه فى اليوم الثانى النفر، فرُخُّص له فى المقام إلى اليوم الثالث، فلامعنى أن يقال : (((لا حرج عليك فى تعجّلك النفر الذى هو فرضك وعليك فعله))، للذى قدمنا من العلة . وكذلك لا معنى لقول من قال: معناه: ((فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه » ولا حرج عليه فى نفره ذلك ، إن اتفى قتل الصيد إلى انقضاء اليوم الثالث . لأن ذلك لو كان تأويلا مسلَّماً لقائله، لكان فى قوله: ((ومن تأخر فلا إثم عليه))، ما يُبطل دعواه . لأنه لا خلاف بين الأمة فى أن الصيد للحاجّ بعد نفره من منى فى اليوم الثالث حلال ، فما الذى من أجله وَضَع عنه الحرج فى قوله: ((ومن تأخر فلا إثم عليه))، إذا هو تأخر إلى اليوم الثالث ثم نفر؟ هذا، مع إجماع الحجة علىأن المحرم إذا رمی وذبح وحلق وطاف بالبيت،فقد حلّ له کل شیء، وتصريح الرواية الموروثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك، (١) التى : - ١٨١/٢ ٣٩٦٠ - حدثنا بها هناد بن السرى الحنظلى قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن حجاج ، عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ؟ عن عمرة قالت: سألت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها : متى يحلّ المحرم ؟ فقالت : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إذا رَمَيتم وذبحتم وحلقتم، حلّ لكم كل شىء إلا النساء .- (١) فى المطبوعة: ((الرواية المروية)) ورددتها إلى عبارة الطبرى التى يكثر استعمالها، انظرما سلف ٤ : ٣٣، س: ١٩، وفى مواضيع كثيرة لم أستطع أن أجدها الآن. ج : (١٥) ٢٢٦ تفسير سورة البقرة : ٢٠٣ قال: وذكر الزهرى، عن عمرة، عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم مثله.(١) (١) الحديث: ٣٩٦٠ - هناد بن السرى الدارمى: مضت ترجمته: ٢٠٥٨. وقد نسب هنا حنظلياً، كما نسبه البخارى فى الكبير . وكلاهما صحيح ، فهو من بنى ((دارم بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم)). انظر جمهرة ابن حزم ، ص : ٢١٧،٢١١. حجاج: هو ابن أرطاة ، وهو ثقة على الراجح عندنا ، كما ذكرنا فى : ٣٢٩٩. وقد روى الحجاج هذا الحديث بإسنادين : فرواه عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة، وهى بنت عبد الرحمن - وهى خالة أبى بكر بن حزم - عن عائشة، وذكر لفظ الحديث. ثم . رواه عن الزهرى، عن عمرة، عن عائشة ((مثله)). فلم يذكر لفظه. وهذا من تحرى الحجاج بن أرطاة ودققه، كما سيبين مما يجىء . فالحديث - من رواية أبى بكر بن حزم - رواه أحمد فى المسند ٦ : ١٤٣ (حلبى)، عن يزيد ابن هرون، عن الحجاج، بهذا الإسناد، نحوه. ولكن ليس فيه كلمة ((وذبحتم)). وكذلك رواه البيهقى فى السنن الكبرى ٥: ١٣٦، من طريق مالك بن يحيى، عن يزيد بن هرون. ثم قال : ((ورواه محمد بن أبى بكر ، عن يزيد بن هرون، فزاد فيه: وذبحتم فقد حل لكم كل شىء ، الطيب والثياب، إلا النساء)). ثم ذكر البيهقى إسناده به إلى محمد بن أبى بكر . ثم أعله البيهقى ، وسنذكر ما قال والجواب عنه ، إن شاء الله . وقد سها السيوطى، حين ذكر هذا الحديث فى زوائد الجامع الصغير (١ : ١١٧ من الفتح الكبير )، فنسبه لصحيح مسلم - مع البيهقى -. وهذا خطأ يقيناً، فإنه ليس فى صحيح مسلم. وأما من رواية الحجاج عن الزهرى : فرواه أبو داود فى السنن : ١٩٧٨، عن مسدد ، عن عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج، عن الزهرى عن عمرة، عن عائشة، مرفوعاً، بلفظ: ((إذا ربى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شىء إلا النساء)). ثم أعله أبو داود، فقال: ((هذا حديث ضعيف . والحجاج لم ير الزهرى، ولم يسمع منه)). وهذا تعليل جيد من أبى داود ، فقد روى ابن أبى حاتم فى كتاب المراسيل، ص: ١٨، بإسناده عن هشيم، قال: ((قال لى الحجاج بن أرطاة : سمعت من الزهرى ؟ قلت: نعم، قال: لكنى لم أسمع منه شيئاً)) . وأما البيهقى فإنه أهل رواية الحجاج عن أبى بكر بن حزم تعليلا لا أراه مستقيما . قال عقب روايته: ((وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة، وإنما الحديث عن عمرة ، عن عائشة ، عن النبى صلى اللّه عليه وسلم، كما رواه سائر الناس عن عائشة)). ثم ذكر حديثها، قالت: ((طيبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يفيض - بأطيب ما وجدت من الطيب)). وهو حديث صحيح رواه مسلم . وما نرى إعلال ذاك بهذا ، هذا حديث فعلى ، من حكاية عائشة ، وذاك حديث قولى من روايتها عن النبى صلى الله عليه وسلم، وكل منهما مؤيد لصحة الآخر، فأنى يستقم التعليل ؟ وقد ورد نحو هذا الحديث أيضاً، من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((إذا رميتم الجمرة ، فقد حل لكم كل شىء إلا النساء)) رواه أحمد فى المسند: ٢٠٩٠، ٣٢٠٤، ٣٤٩١. ولكنه بإسناد منقطع ، لأنه من رواية الحسن العرفى ، عن ابن عباس . وهو لم يسمع من ابن عباس ، كما قال البخارى فى الصغير ، ص ١٣٦ . ولكنه يصلح على كل حال شاهداً لهذا الحديث . ٢٢٧ تفسير سورة البقرة : ٢٠٣ وأما الذى تأوّل ذلك أنه بمعنى: ((لا إثم عليه إلى عام قابل ))، فلاوجه لتحديد ذلك بوقت ، وإسقاطه الإثم عن الحاجّ سنة مستقبلة دون آثامه السالفة. لأن الله جل ثناؤه لم يحصُر ذلك على نفى إثم وقت مستقبل بظاهر التنزيل ، ولا على لسان الرسول عليه السلام، بل دلالةُ ظاهر التنزيل تُبين عن أن المتعجّل فى اليومين والمتأخر لا إثم على كل واحد منهما فى حاله التى هو بها، دون غيرها من الأحوال . والخبرُ عن الرسول صلى الله عليه وسلم بصرّح بأنه بانقضاء حجه علىما أمر به، خارجٌ من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ففى ذلك= من دلالة ظاهر التنزيل، وصریح قول الرسول صلى الله عليه وسلم - دلالة واضحة على فساد قول من قال: معنى قوله : ((فلا إثم عليه))، فلا إثم عليه من وقت انقضاء حجه إلى عام قابل . ٠٠٠ قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: ما الجالب ((اللام)) فى قوله: ((لمن اتّى)»؟ وما معناها ؟ قيل: الجالبُ لها معنى قوله: ((فلا إثم عليه)). لأن فى قوله: ((فلا إثم عليه)) معنى: خططنا ذنوبه وكفَّرنا آثامه ، فكان فى ذلك معنى : جعلنا تكفير الذنوب لمن اتقى الله فى حجه. فترك ذكر ((جعلنا تكفير الذنوب))، اكتفاء بدلالة قوله : ((فلا إثم عليه » . وقد زعم بعض نحوبىّ البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة ، فقد أخبر عن أمر، فقال: ((لمن اتقى)) أى: هذا لمن اتقى. وأنكرَ بعضُهم ذلك من قوله، وزعم أن الصفة لابد لها من شىء تتعلق به، (١) لأنها لا تقوم بنفسها ، ولكنها فيما زهم من صلة ((قول)) متروك. فكان معنى الكلام عنده: ((قلنا)): (٢) ((ومن تأخر فلا (١) الصفة: هى حرف الجر، وهى حروف الصفات، وانظر ما سلف ١: ٢٩٩، تعليق: ١، ثم ٣ : ٤٧٥ تعليق : ١ (٢) فى المطبوعة: ((فكان معنى الكلام عنده ((ما قلنا)) بزيادة ((ما)»، وهو خطأ بين يدل عليه سياق هذا التأويل . . + ٢٠ ٠٢٢٨ تفسير سورة البقرة : ٢٠٣ إثم عليه لمن اتقى))، وقام قوله: ((ومن تأخر فلا إثم عليه))، مقامَ (القول)). وزعم بعضُ أهل العربية أنّ موضع طرْح الإثم فى المتعجّل ، فجعل فى المتأخر- وهو الذى أدّى ولم يقصر= مثل ما جُعل على المقصِّر، كما يقال فى الكلام: ((إن تصدقتْ مُرًّا فحسنٌ، وإن أظهرتَ فحسنٌ))، وهما مختلفان. لأن المتصدق علانية إذا لم يقصد الرياء فحسن ، وإن كان الإسرار أحسن . وليس فى وصف حالتى المتصدقين بالحُسن وصف إحداهما بالإثم . وقد أخبر الله عز وجل عن النافرين بنفى الإثم عنهما، ومحال أن ينفى عنهما إلا ما كان فى تركه الإثم ، على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة. وفى إجماع الجميع على أنهما جميعاً لو تركا النفر وأقاما بمنّى لم يكونا آثمين ، ما يدل على فساد التأويل الذى تأوله من حكيناً عنه هذا القول . وقال أيضاً: فيه وجهٌ آخر: وهو معنى نهى الفريقين عن أن يُؤثُم أحدُ الفريقين الآخر، كأنه أراد بقوله: ((فلا إثم عليه))، لا يقل المتعجل للمتأخر: ((أنت آثم))، ولا المتأخر للمتعجل: ((أنت آثم))، بمعنى: فلا يؤثِّمنَّ أحدهما الآخر. وهذا أيضاً تأويل لقول جميع أهل التأويل مخالفٌ، وكفى بذلك شاهداً على خطئه . ٥ الا،۔۔۔ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ ◌ُمْتَرُونَ﴾﴾) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: واتقوا الله، أيها المؤمنون، فيما فرض عليكم من فرائضته، فخافوه فى تضييعها والتفريط فيها ، وفيما نهاكم عنه فى حجكم مناسککم أن ترتکېوه أو تأتوه ، وفما كلفكم فى إحرامكم لحجكم أن تقصُّروا فى * ٢٢٩ تفسير سورة البقرة : ٢٠٣: ٢٠٤ أدائه والقيام به، ((واعلموا أنكم إليه تحشرون))، فمجازيكم هو بأعمالكم - المحسن منكم بإحسانه ، والمسىء بإساءته ــ وموفُ كلَّ نفس منكم ما عملت وأنتم لا تظلمون . ٠ ٠ ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُمْجِيُكَ قَوْلُهُ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَهُ أَنْصَمٍ﴾ قال أبو جعفر: وهذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين. يقول جل ثناؤه : ومن الناس من يعجبك يا محمد ظاهرُ قوله وعلانيته، ويستشهد الله على ما فى قلبه ، وهو ألدُّ الخصام ، جَدِلٌ بالباطل. ٠ ٠ ٥ ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية . فقال بعضهم: نزلت فى الأخنس بن شريق، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعم أنه يريد الإسلام ، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك ، ثم خرج فأفسد أموالا من أموال المسلمين . * ذكر من قال ذلك : ٣٩٦١ ۔۔ حدثی موسی بنهرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ومن الناس من يُعجبك قولُه فى الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما فى قلبه وهو ألدُّ الخصام))، قال: نزلت فى الأخسر بن شريق الثقفى - وهو حليفٌ لبنى زُهرة- وأقبل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، ١٨٢/٢ والله يعلم أنی صادق ! - وذلك قوله: (( ویشهد الله على ما فى قلبه )» - ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وُر، فأحرق الزرع ٢٣٠ تفسير سورة البقرة : ٢٠٤ وعقر الحُمُرُ ، فأنزل الله عز وجل: ((وإذا تولی سعی فیالأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرْثَ والنسل)). وأما ( ألد الخصام)) فأعوجُ الخصام، وفيه نزلت: (وْلٌ لِكُلِّ ◌ُهُمَزَّةٍ لُمَزَةٍ﴾ [سورة الهمزة: ١]، ونزلت فيه: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلِّ حَلَّفٍ مَهِينٍ) إلى (عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٌ﴾ [سورة القلم: ١٠ -١٣].(١) ٠ ٥ وقال آخرون: بل نزل ذلك فى قوم من أهل النفاق، تكلموا فى السرية التى أصيبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَّجيع. • ذكر من قال ذلك : ٣٩٦٢ ۔۔ حدثنا أبو کریب قال،حدثنا يونس بن بکیر ، عن ابن إسحق قال ، حدثی محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت قال ، حدثی سعید بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال: لما أصيبت هذه السرية أصحاب خُبَيْب بالرجيع بين مكة والمدينة، فقال رجال من المنافقين: ياويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا!(٢) لا هم قعدوا فى بيوتهم، ولا هم أدَّوْا رسالة صاحبهم! فأنزل الله عز وجل" فى ذلك من قول المنافقين ، وما أصاب أولئك النفر من الشهادة والخير من اللّه : (( ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا)) = أى: ما يُظهر بلسانه من الإسلام- ((ويشهد الله على ما فى قلبه)) - أى: من النفاق.(٣) (( وهو ألد الخصام)) أى: ذو جدال إذا كلمك وراجعك = ((وإذا تولى))- أى: خرج من عندك = ((سعىَ فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)) - أى: (١) الأثر رقم: ٣٩٦١ - لم يذكر الطبرى فى تفسير ((سورة الهمزة)) و((سورة القلم))، هذا الخبر من أن الآيتين نزلتا فى الأخنس بن شريق. وهذا دليل آخر على صدق ما أخبروا به عنه أنه قد اختصر هذا التفسير اختصاراً كبيراً ، كما جاء فى أخباره . وسيأتى بعض هذا الأثر برقم : ٣٩٧٨ . (٢) فى المطبوعة: ((هؤلاء المقتولين)). والصواب من سيرة ابن هشام. وبعد هذا فى ابن هشام : (( لا هم قعدوا فى أهليهم)). (٣) مكان هذا التفسير فى نص ابن هشام: ((وهو مخالف لما يقول بلسانه)). ٢٣١ تفسير سورة البقرة : ٢٠٤ لا يحبّ عمله ولا يرضاه = ((وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسْبُه جهنم ولبئس المهاد . ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله)) = الذين شروا أنفسهم الله بالجهاد فى سبيل الله والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك - يعنى هذه السرّية. ٣٩٦٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن إسحق ، عن محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس - أو: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - قال : لما أصيبت السرية التى كان فيها عاصم ومرْتد بالرَّجيع، قال رجال من المنافقين : - ثم ذكر نحو حديث أبي كريب .(١) ... وقال آخرون: بل عنى بذلك جميعَ المنافقين، وعنى بقوله: ((ومن الناس من يُعجبك قوله فى الحياة الدنيا وُيشهد اللّه على ما فى قلبه))، اختلاف سريرته وعلانيته . ذكر من قال ذلك : ٥ ٣٩٦٤ - حدثنى محمد بن أبى معشر قال ، أخبرنى أبى أبو معشر نجيح قال، سمعت سعيدًا المقبرى يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنّ فى بعض الكتب أن لله عباداً ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمرٌّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوكَ الضأن من اللين، (٢) يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعلىّ يجترئون، وبى يغترُّون !! وعزتى لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليم" منهم حيران !! فقال محمد بن کعب : هذا فی کتاب الله جل ثناؤه : فقال سعيد : وأين هو من من كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل: ((ومن الناس من يُعجبك قوله فى الحياة (١) الأثر: ٣٩٦٢، ٣٩٦٣ - سيرة ابن هشام ٣: ١٨٣ - ١٨٤، وسيأتى بعضه برقم ٣٩٧٣، ثم رقم : ٣٩٨٠ . (٢) الصبر (بفتح الصاد وكسر الباء): عصارة شجر مر. والمسوك جمع مسك (بفتح فسكون) : الجلد ، جلد الغنم وغيرها . ٢٣٢ تفسير سورة البقرة : ٢٠٤ : الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام . وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)). فقال سعيد: قد عرفتَ فيمن أنزلت هذه الآية ! فقال محمد بن كعب : إن الآية تنزل فى الرجل ، ثم تكون عامة بعدُ . ٣٩٦٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبى هلال، عن القرظى ، عن نَوْفٍ - وكان يقرأ الكتب - قال : إنى لأجد صفة ناس من هذه الأمة فی کتاب الله المنزل: ((قومٌ يحتالون الدنيا بالدين، (١) ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبر، يلبسون للناس لباسَ مُسوك الضأن ، وقلوبهم قلوب الذئاب ، فعلىّ يجترئون! وبى يغترُّون! حلفت بنفسى لأبعثنّ عليهم فتنةً تترك الحليم فيهم حيران)). قال القرظى: تدبرتها فى القرآن، فإذا هم المنافقون ، فوجدتها: (( ومن الناس، من يُعجبك قوله فى الحياة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام))، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ أَطْمَأَنَّ بِهِ﴾.(٢) [سورة الحج: ١١] ٣٩٦٦ ٠- وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: ((ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا وُيشهد الله على ما فى قلبه ))، قال : هو المنافق . ٣٩٦٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، (١) فى الأصل: ((يحتالون))، والصواب ما أثبت. اجتال الرجل الشىء: إذا ذهب به وطرده وساقه . واجتال الجيش أموالهم : ذهب بها . (٢) الأثر : ٣٩٦٥ - خالد بن يزيد الجمحى أبو عبد الرحيم المصرى، كان فقيها مفتياً ثقة مات سنة ١٣٩. مترجم فى التهذيب. و((نوف))، هو نوف بن فضالة الحميرى البكالى، كان ثقة راوية للقصص، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، مات ما بين التسعين إلى المئة مترجم فى التهذيب . ٢٣٣ تفسير سورة البقرة : ٢٠٤ عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ومن الناس من يُعجبك قوله))، قال: علانيته فى الدنيا، ويُشهد الله فى الخصومة، إنما يريد الحق. ٣٩٦٨ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((ومن الناس من يُعجبك قوله فى الحياة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام))، قال: هذا عبد كان حسن القول سيئء العمل ، يأتى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فيحسن له القول، ((وإذا تولَّى سَعَى فى الأرض ليُفسد فيها)). ١٨٣/٢ ٣٩٦٩ - وحدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال ، قلت لعطاء: (( ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه))، قال: يقول قولاً فى قلبه غيره، والله يعلم ذلك. وفى قوله: ((ويُشهد الله على ما فى قلبه))، وجهان من القراءة: فقرأته عامة القرأة: ((ويُشهد الله على ما فى قلبه))، بمعنى أن المنافق الذى يُعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قولُه، يستشهدُ اللّه على ما فى قلبه أن قوله موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمن بالله ورسوله وهو کاذب ، کما : - ٣٩٧٠ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : ((ومن الناس من يُعجبك قوله فى الحياة الدنيا)) إلى ((والله لا يحب الفساد))، كان رجلٌ يأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أى رسول الله! أشهد أنك جئت بالحق والصدق من عند الله! قال: حتى يُعجب النبى صلى اللّه عليه وسلم بقوله ، ثم يقول: أما والله، يا رسولَ اللّه، إنّ اللّه ليعلم ما فى قلبى مثلُ مانطق به لسانى! فذلك قوله: ((ويُشهد الله على ما فى قلبه))، قال: هؤلاء المنافقون، وقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَ جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ حتى بلغ ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَذِبُونَ ﴾ [سورة المنافقون: ١]، بما يشهدون أنك رسول الله . ٢٣٤ تفسير سورة البقرة : ٢٠٤ ٠ ٠٠ وقال السدى: ((ويُشهد الله على ما فى قلبه))، يقول: الله يعلم أنى صادق أنى أريد الإسلام . ٣٩٧١ - حدثی بذلك موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط . ٠٠٠ وقال مجاهد : ويُشهد الله فى الخصومة أنما يريد الحق. ٣٩٧٢ ۔۔ حدثنی بذلك محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عنه . وقرأ ذلك آخرون: ﴿ وَيَشْهَدُ اللهُ عَلَى مَا فِى قَلْبِه)، بمعنى : والله يشهد على الذى فى قلبه من النفاق، وأنه مضمرٌ فى قلبه غير الذى يُبديه بلسانه ، وعلى كذبه فى قلبه. وهى قراءة ابن مُحیصن . وعلى ذلك المعنی تأوله ابن عباس، وقد ذ کرنا الرواية عنه بذلك فما مضی فی حدیث أبی کریب ، عن يونس بن بکیر ، عن محمد بن إسحق ، الذى ذكرناه آنفاً . (١) والذى نختار فى ذلك من قول القرأة، قراءة من قرأ: (ويشهد الله على ما فى قلبه))، بمعنى : يستشهد اللّه على ما فى قلبه، لإجماع الحجة من القرأة عليه. (١) انظر رقم : ٣٩٦٢. ٢٣٥ تفسير سورة البقرة : ٢٠٤ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ قال أبو جعفر: ((الألد)) من الرجال: الشديد الخصومة، يقال: فى ((فعلت)) منه: ((قد لَدَدْتَ يا هذا، ولم تكن ألدَّ، فأنت تلُدُّ لَدَداً ولَدَدَاةً)).(١) فأما إذا غلب من خاصمه فإنما يقال فيه: ((لدَدْت يا فلانُ فلاناً فأنت تَلُدُّه لَدَّ))، ومنه قول الشاعر : ٣٤(٢) اللد ثَلُّ أقْرَانَ الخُصُومِ ثُمَّ أَرَدِّى بِهِمُ من تُرْدِى ٠٠ ٠ قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم : تأويله : أنه ذو جدال. * ذكر من قال ذلك : ٣٩٧٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحق قال ، حدثی محمد بن أبى محمد قال ، حدثنى سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس: ((وهو ألد الخصام))، أى: ذو جدال، إذا كلمك وراجعك. (٣) ٣٩٧٤ - حدثنا بشرقال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وهو ألد الخصام))، يقول: شديد القسوة فى معصية الله، جدلٌ بالباطل، (١) قوله: ((لدادة)) مصدر لم أجده فى كتب اللغة التى بين يدى. (٢) لم أعرف قائله. والبيت الثانى فى اللسان (لدد) روايته ((ألد أقران)). والبيتان جميعاً فى معانى القرآن للفراء ١ : ١٢٣، بتقديم البيت الثانى على الأول، وروايته : ((اللَّهُ أقران الرجال اللَّهُ)) وكأنه تصحيف وخطأ، وصوابه ((ألد)) كما فى اللسان. وكان فى الطبرى (( ثم أردى وبهم .. )) بزيادة واو، والصواب ما فى معانى القرآن . (٣) هو بعض الأثر السالف رقم: ٣٩٦٢. ٢٣٦ تفسير سورة البقرة : ٢٠٤ وإذا شئتَ رأيته عالم اللسان جاهل العمل ، يتكلم بالحكمة ، ويعمل بالخطيئة . ٣٩٧٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((وهو ألد الخصام))، قال: جَدِلٌ بالباطل. وقال آخرون : معنى ذلك : أنه غير مستقيم الخصومة ، ولكنه معوَجُّها . • ذكر من قال ذلك : ٣٩٧٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وهو ألد الخصام))، قال: ظالم لا يستقيم. ٣٩٧٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال، أخبرنى عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: ((الألدُّ الخصام))، الذى لا يستقيم على خصومة . ٣٩٧٨ ۔۔ حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ألد الخصام))، أعوجُ الخصام. (١) . . . قال أبو جعفر : وكلا هذين القولين متقاربُ المعنى . لأن الاعوجاجَ فى الخصومة من الجدال واللدد . وقال آخرون : معنى ذلك : وهو كاذبٌ فى قوله . • ذكر من قال ذلك : ٣٩٧٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع ، عن بعض أصحابه، عن الحسن قال: ((الألد الخصام))، الكاذب القول. وهذا القول يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأولين ، إن كان أراد به (١) هو بعض الأثر السالف رقم : ٣٩٦١. تفسير سورة البقرة : ٢٠٥،٢٠٤ ٢٣٧ قائله أنه يخاصم. باطل من القولى والكذب منه، جدلا واعوجاجاً عن الحق . وأما والخصر فهو مصدر عن قول القائل: ((خاصمت فلاناً خصاماً ومخاصمة)). ٠ ١٨٤/٢ وهذا خبر من الله تبارك وتعالى عن المنافق الذى أخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يُعجبه إذا تكلم قِيلُه ومنطقه، ويستشهد الله على أنه محقّ فى قيله ذلك، لشدة خصومته وجداله بالباطل والزور من القول . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَ إِذَا تَوَلَى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُّفْسِدَ رقان يقاط فِيهَا) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وإذا تولى))، وإذا أدبر هذا المنافق من عندك يا محمد منصرفاً عنك ،(١) كما :- ٣٩٨٠ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنى محمد بن إسحق قال ، حدثی محمد بن أبى محمد قال ، حدثی سعید بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس: ((وإذا تولى))، قال: يعنى: وإذا خرج من عندك، ((سعى)). (٣) ٠٠ ٠ وقال بعضهمشوإذا غضب . • ذكر من قال ذلك : ٣٩٨١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ، (١) انظر معنى ((التولى)) فيما يبلغ ٢: ١٦٢ - ١٦٣، ٢٩٨، ٥٣٥ / ٣: ١١٥، ١٢١. (٢) الأثر: ٣٩٨٠°- هو ينفى الأثر النالف رقم : ٣٩٦٢. ٢٣٨ تفسير سورة البقرة : ٢٠٥ قال ابن جريج فى قوله: ((وإذا تولى))، قال : إذا غضب . ٠٠٠ فمعنى الآية : وإذا خرَج هذا المنافق من عندك يا محمد غضْبان ، عَمل فى الأرض بما حرَّم اللّه عليه، وحاول فيها معصيةَ اللّه وقطعَ الطريق وإفسادَ السبيل على عباد الله، كما قد ذكرنا آنفاً من فعل الأخنس بن شريق الثقفى ، الذى ذكر السدى أن فيه نزلت هذه الآية، من إحراقه زرع المسلمين وقتله حُرهم.(١) ٠٠٠ و((السعى)) فى كلام العرب: العمل، يقال منه: ((فلان يسعى على أهله))، يعنى به : يعمل فيما يعود عليهم نفعه ، ومنه قول الأعشى: وَسَّعَى ◌ِلِكِنْدَةَ سَعْىَ غَيْرِ مُوَاكِلٍ قَيْرٌ، فَضَرَّ عَدُوَّهَا وَبَنِى لَهَا (٢) يعنى بذلك : عمل لهم فى المكارم. ... وکالذی قلنا فى ذلك کان مجاهد يقول : ٣٩٨٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وإذا تولى سعى))، قال : عمل . واختلف أهل التأويل فى معنى ((الإفساد)) الذى أضافه اللّه عز وجل إلى هذا المنافق . فقال بعضهم : تأويله ما قلنا فيه : من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما قد ذكرنا قبل من فعل الأخنس بن شریق. (١) (١) انظر الأثر رقم: ٣٩٦١ السالف. (٢) ديوانه: ٢٥، وكان فى المطبوعة ((ونبالها))، وهو خطأ. وقيس هو قيس بن معديكرب الكندى ، كان يكثر مدحه والثناء عليه . ٢٣٩ تفسير سورة البقرة : ٢٠٥ وقال بعضهم : بل معنى ذلك : قطع الرحم وسفك دماء المسلمين . • ذكر من قال ذلك : ٣٩٨٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج فى قوله: ((سعتى فى الأرض ليفسد فيها))، قطع الرحم، وسفك الدماء دماء المسلمين . فإذا قيل: لمَ تفعل كذا وكذا ! قال : أتقرب به إلى الله عز وجل. ٠٠ قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إنّ الله تبارك وتعالى وَصَف هذا المنافقَ بأنه إذا تولى مدبراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحميل فى أرض الله بالفساد. وقد يدخل فى ((الإفساد)) جميع المعاصى.(١) وذلك أن العمل بالمعاصى إفسادٌ فى الأرض، فلم يخصص الله وصفه ببعض معانى (( الإفساد)) دون بعض . وجائزٌ أن يكون ذلك الإفساد منه كان بمعنى قطع الطريق ، وجائز أن يكون غير ذلك . وأىّ ذلك كان منه ، فقد كان إفساداً فى الأرض ، لأن ذلك منه الله عز وجل معصية . غير أن الأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل. لأن الله تعالى ذكره وصفه فى سياق الآية بأنه ((سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل))، وذلك بفعل مخيف السبيل، أشبهُ منه بفعل قَطَّاع الرحم . القول فى تأويل قوله تعالى (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى وجه ((إهلاك)) هذا المنافق الذى الذى وصفه اللّه بما وصفه به من صفة ((إهلاك الحرث والنسل)). (١) انظر معنى ((الإفساد فى الأرض)) فيما سلف ١: ٢٨٧ - ٢٩٠، ٤١٦، ثم معنى، (( الفساد )) فيما سيأتى: ٢٤٣، ٢٤٤ ٢٤٠ تفسير سورة البقرة : ٢٠٥ فقال بعضهم: كان ذلك منه إحراقاً لزرع قوممن المسلمين، وعقراً لحمُرهم. ٣٩٨٤ - حدثنى بذلك موسى بن هرون قال، حدثنى عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدی. (١) وقال آخرون ، بما : - ٥ ٣٩٨٥ - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثام قال، حدثنا النضر بن عربى، عن مجاهد: ((وإذا تولى سعى فى الأرض ليُفسد فيها و يُهلك الحرث والنسل)) الآية. قال: إذا تولى سعى فى الأرض بالعدوان والظلم، فيحبس الله بذلك القطرَ، فيُهلك الحرثَ والنسلَ والله لا يحب الفساد. قال: ثم قرأ مجاهد : ﴿ظَهَرَالفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِىِ عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم ٤١]، قال: ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماءٍ جارٍ فهو ((بحر)) (٢) ٠ ٥٠ والذى قاله مجاهد ، وإن كان مذهباً من التأويل تحتمله الآية ، فإن الذى هو أشبهُ بظاهر التنزيل من التأويل ، ما ذكرنا عن السدى ، فلذلك اخترناه . ٠٠ ٠ وأما ((الحرث)) فإنه الزرع، ((والنسل)) العقب والولد. ٠ ٠ (( وإهلا که الزرع» إحراقه. وقد يجوز أن یکون کان کما قال مجاهد، باحتباس القطر من أجل معصيته ربّه وَسعيه بالإفساد فى الأرض. وقد يحتمل أن يكون كان بقتله القُوَّام به والمتعاهدين له حتى فسد فهلك. وكذلك جائز فى معنى: ((إهلاكه النسل )): أن يكون كانَ بقتله أمهاته أو آباءه التى منها يكون النسل ، فيكون فى ١٨٥/٢ (١) يعنى الأثر السالف رقم ٣٩٦١ (٢) الأثر ٣٩٨٥ - سيأتى هذا الأثر و تفسير الآيه من سورة الروم ج: ٢١ ٣٢ ( بولاق )