النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
ولذكر اللازم لهم من الأعمال فى عمرتهم التى اعتمروها عام الحديبية ، (١) وما يلزمهم
فيها بعد ذلك فى عمرتهم وحجهم، افتتح بقوله: ((يسألونك عن الأهلية قُل هىّ
مَواقِيتُ الناسِ والحج)).
وقد دللنا فيما مضى على معنى ((الحج)) ((والعمرة))، بشواهد ، فكرهنا تطويل
الکتاب بإعادته . (٢)
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْ تُمْ فَمَا اسْقَيْمَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى ((الإحصار)) الذى جعل الله على
من ابتُلى به فى حجته وُمرته ، ما استيسر من الهدى .
١٢٤/٢
٠
٠
فقال بعضهم: هو كل مانع أو حابسٍ مَنع المحرم وَحبسه عن العمل الذى
فرضه الله عليه فى إحرامه ووُصوله إلى البيت الحرام .
ذكر من قال ذلك :
٣٢٢٧ - حدثی محمد بنعمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عیسى ،
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه كان يقول: ((الحصر)) الحبسُ كله. يقول :
أيُّما رجل اعتُرِض له فى حَجّته أو عمرته، فإنه يبعث بهَدْ به من حيثُ يُحْبَس- قال:
وقال مجاهد فى قوله: (فإن أحْصِرتم))، فإن أحْصِرتم: يمرض إنسانٌ، أو يُكْسر،
أو يحبسه أمرٌ، فغلبه كائناً ما كان، فليرسل بما استيسر من الحَدْى، ولا يحلقٍ
(أُسَه ، ولا يحل ، حتى يوم النحر.
(١) فى المطبوعة: ((وبذكر اللازم ... »، وكأن الصواب ما أثبت حتى يستقيم الكلام.
(٢) انظر ما سلف ٣: ٢٢٨ - ٢٢٩

٢٢
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣٢٢٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٣٢٢٩ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن ابن
جريج ، عن عطاء قال : الإحصار كل شىء يحبسه .
٣٢٣٠ - وحدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن سعيد ،
عن قتادة: أنه قال فى المحصَر: هو الخوفُ والمرض والحابسُ. إذا أصابه ذلك
بَعَث بِهَدْيِه ، فإذا بلغ الهدى محِله حَلّ .
٣٢٣١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد، عن سعيد ، عن قتادة قوله :
, فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى) ، قال : هذا رجل أصابه خوف أو مرض
أو حابس حَبَسه عن البيت ، يبعث بهديه، فإذا بلغ محله صار حلالاً .
٣٢٣٢ - حدثی المتى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا أبو معاوية ، عن
هشام بن عروة ، عن أبيه قال : كل شىء حَبَّس المحرم فهو إحصارٌ .
٣٢٣٣ - حدثنى المثی قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
إبراهيم - قال أبو جعفر: أحسبه عن شريك ، عن إبراهيم بن المهاجر ، عن
إبراهيم -: ((فإن أحصِرْثم))، قال: مرض أو كسر أو خوفٌ.
٣٢٣٤-حدثی المثی قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثی معاوية ، عن
على، عن ابن عباس قوله: ((فإن أحصرُ تم فما استيسر من الهدى))، يقول : من
أحرم بحج أو بعمرة ، ثم ◌ُحبس عن البيت بمرض يُجْهده أو عذر يحبسه،
فعليه قضائها .
قال أبو جعفر: وعلة من قال بهذه المقالة: أن ((الإحصار)) معناه فى كلام
العرب: مَنْع العلة من المرض وأشباهه، غيرِ القهرِ والغلبة من قاهر أو غالبٍ،
إلا غلبة علة من مرض أو لدغ أو جراحة أو ذهاب نفقة أو كسر راحلة . فأما

٢٣
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
منعُ العدوّ، وحبس حابس فى سجن ، وغلبة غالبٍ حائل بين المحرم والوصول إلى
البيت من ◌ُسلطان أو إنسان قاهرٍ مانع، فإن ذلك إنما تسميه العرب (( حصراً))
لا «،حصارًا)).
قالوا: ومما يدل على ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلْنَاَ جََّ لِلِكَ فِرِينَ
حَصِيراً) [سورة الإسراء: ٨]، يعنى به: حاصراً، أى حابساً .
قالوا : ولو كان حبس القاهر الغالب من غير العلل التى وصفنا، يسمى
((إحصارًا))، لوجب أن يقال: ((قد أُحْصرَ العدوُّ)).
قالوا: وفى اجتماع لغات العرب على ((حُوصر العدو، والعدوّ محاصر)) دون ((أحصر
العدو وهمُ مُحْصَرون))، و((أحْصِير الرجل)) بالعلة من المرض والخوف- أكبر الدلالة
على أنّ الله جل ثناؤه إنماعنى بقوله: ((فإنْ أخْصِرْ تم))، بمرض أو خوف أو علة مانعة.
قالوا: وإنما جعلنا حبسَ العدو ومنعه المحرمَ من الوصول إلى البيت بمعنى
((حَصْرَ المرض))، قياساً على ما جعل الله جل ثناؤه من ذلك للمريض الذى
مَنَعه المرض من الوصول إلى البيت، لا بدلالة ظاهرٍ قوله: ((فإن أحصرتم فما
استَيْسرّ من الهدى))، إذ كان حبس العدوّ والسلطان والقاهر، علّة مانعةً، نظيرة
العلة المانعة من المرض والكسر .
٠
وقال آخرون معنى قوله: ((فإن أحصرتم فما استَيْسر من الهدى))، فإن حبسكم
عدوّ عن الوصول إلى البيت، أو حابسّ قاهر من بنى آدم. قالوا: فأما العلل
العارضة فى الأبدان كالمرض والجراح وما أشبهها ، فإن ذلك غير داخل فى قوله :
((فإن أحْصِرْ تم)).
• ذكر من قال ذلك
٣٢٣٥ - حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس أنه قال: ((الحصْرُ))

٢٤
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
حصرُ العدو ، فيبعثُ الرجل بهديّتِه. فإن كان لا يستطيع أن يَصِل إلى البيت من
العدو، فإن وجدَ من يبلغها عنه إلى مكة، فإنه يبعث بها وُيُحْرِم = قال محمد
ابن عمرو، قال أبو عاصم: لا ندرى قال: يُحرِم، أو: يحيل = من يومٍ يواعد
فيه صاحبَ الهدى إذا اشترى . فإذا أمن، فعليه أن يحجَّ أو يعتمر . فإذا أصابه
مَرَض يحبسه وليس معه هدى، فإنه يَحِل حيث يُحبّس. فإن كان معه هدى،
فلا يحل حتى يبلغ الهدى محله . فإذا بعث به ، فليس عليه أن يحج قابلاً ولا
يعتمر، إلاَّ أن يشاء .
٣٢٣٦ - حدثت عن أبى عبيد القاسم بن سلام قال ، حدثنى يحيى بن
سعيد ، عن ابن جريج، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال :
لا حصر إلا من حَبْس عدوّ .
٣٢٣٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
١٢٥/٢ ابن أبى نجیح ، عن مجاهد وعطاء ، عن ابن عباس ، مثل حديث محمد بن عمرو
عن أبی عاصم = إلا أنه قال : فإنه يبعث بها ويحرم من يوم واعد فيه صاحب
الهدية إذا اشترى . ثم ذكر سائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو، عن
أبی عاصم .
٠
وقال مالك بن أنس: بلغنى أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم "حَلَّ وأصحابه
بالحديبية، فنحروا الهدى وحلقوا رؤوسهم ، وَحَلّوا من كل شىء قبل أن يطوفوا
بالبيت، وقبل أن يَصِل إليه الهدى. ثم لم نَعْلم أنّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم أمرّ أحداً من أصحابه ، ولا ممن كان معه ، أن يقضوا شيئاً ، ولا أن يعودوا
لشیء .(١)
٣٢٨٧
(١) نص كلام مالك فى الموطأ: ٣٦٠، وسیاتی برقم

٢٥
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣٢٣٨ - حدثنى بذلك يونس قال أخبرنا ابن وهب عنه = قال: وسئل مالك
عمن أحصر بعدوّ وحيل بينه وبين البيت، فقال: يحلّ من كل شىء، ويَنْحر
هديه، ويحلق رأسه حيث يحبس، وليس عليه قضاء، (١) إلا أن يكون لم يحج
قط ، فعليه أن يحج حجة الإسلام .
قال: والأمر عندنا فيمن أحصِر بغير عدو، بمرض أو ما أشبهه أنْ يتداوى
بما لا بد منه، ويقتدى، (٢) ثم يجعلها مُمرة، ويحج عاماً قابلاً وُيهدِى.
٠
٠
قال أبو جعفر : وعلة من قال هذه المقالة - أعنى: من قال قولَ مالك -
أنّ هذه الآية نزلت فى حصْرِ المشركين رَسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن
البيت ، فأمر الله نبيّه ومن معه بنحبْر هداياهم والإحلال.
قالوا: فإنما أنزل الله هذه الآية فى حَصْر العدو، فلا يجوز أن يصرف حكمها
إلى غير المعنى الذى نزلتْ فيه .
قالوا: وأما المريض، فإنه إذا لم يُطِق لمرضه السَّير حتى فاتته عرفة، فإنما
هو رجلٌ فاته الحج، عليه الخروج من إحرامه بما يخرُج به من فاته الحج - وليس
من معنى ((المحصر)) الذى نزلت هذه الآية فى شأنه.
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب فى قوله :: ((فإن أحْصرتم))،
تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحْصَرَ كم خوفُ عَدوُّ أو مرضٌ أو علةٌ عن الوصول
إلى البيت أى : صيّركم خوفكم أو مرضكم تحصُرون أنفسكم فتحبسونها عن النفوذ
لما أوجبتُموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة. فلذا قيل: ((أحصري))، لَّا
أسقط ذكر الخوف والمرض. يقال منه: ((أحصرفى خوفى من فلان عن لقائك ،
(١) إلى هنا نص ما فى الموطأ: ٣٦٠، وما بعده زيادة ليست هناك. وسيأتى فى آخر رقم:
٣٢٨٨ .
(٢) فى المطبوعة: ((أن يبدأ بما لابد منه))، والصواب ما أثبته، عن الموطأ: ٣٦٢، فراجعه
هناك. وانظر أيضاً ما سيأتى رقم : ٣٢٨٩.

٢٦
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
وَمَرَضى عن فلان)) ، يراد به : جعلنى أحبس نفسى عن ذلك ، فأما إذا كان
الحابس الرجلُ والإنسانُ، قيل: (( حصرنی فلان عن لقائك))، بمعنى: حبسی عنه.
فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأوَّل من قوله: ((فإن أحصِرْتم))، فإن حبسكم
حابس من العدوّ عن الوصول إلى البيت - لوجب أن يكون : فإن خُصِرْتم.
ومما ◌ُيُبَيِّن صحةَ ما قلناه، من أن تأويل الآية مرادٌ بها إحصارُ غير العدوّ،
وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو، قولُه: ((فإذا أمنتم فمن ممتع بالعُمْرة إلى الحج)).
و((الأمنُ)) إنما يكون بزوال الخوف. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الإحصار
الذى عنى الله فى هذه الآية، هو الخوف الذى يكون بزواله الأمنُ وإذ كان
ذلك كذلك، لم يكن حبسُ الحابس الذى ليس مع حَبْسه خوف على النصر
من حبسه، داخلاً فى حكم الآية بظاهرها المتْلوّ، وإن كان قد يُلحق حكمه
عندنا بحكمه من وجه القياس . من أجل أن حَبْس من لاخوف على النفس من
حبسه ، كالسلطان غير المخوفة عقوبته، والوالد، وزوج المرأة ، (١) إن كان منهم
أو من بعضِهم حبس ومنعٌ عن الشخوص لعمل الحج أو الوصول إلى البيت بعد
إيجابِ الممنوع الإحرامَ، (٢) غيرُ داخل فى ظاهر قوله: ((فإن أحصرتم))، لما وصفنا
من أن معناه : فإن أحصركم خوفُ عدوّ- بدلالة قوله: ((فإذا أمنتم فمن تمتّع
بالعمرة إلى الحج). وقد بيَّن الخبر الذى ذكرنا آنفاً عن ابن عباس أنه قال: الحصرُ
حَصْر العدوّ .
وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا، وكان ذلك منعاًمن الوصول إلى
البيت، فكل مانع عرض للمحرم فصدَّمعن الوصول إلى البيت، فهو له نظير فى الحكم.
قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل العلم فى تأويل قوله: فما اسْتَيسرّ من الهدى)).
٠٠
(١) فى المطبوعة: ((وإن كان ... )) والصواب حذف الواو .
(٢) قوله: ((غير داخل)) خبر قوله: ((من أجل أن حبس من لا خوف على النفس من حبسه)).

٢٧
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
فقال بعضهم : هو شاةً.
· ذكر من قال ذلك :
٣٢٣٩ - حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد قال، أخبرنا إسحق الأزرق،
عن يونس بن أبى إسحق السبيعى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ((ما استيسر
من الهدى)) ، شاةً .
٣٢٤٠ - حدثنا محمد بن بشارقال، حدثنا عبد الرحمن-وحدثنا عبد الحميد
قال ، أخبرنا إسحق= قال ، حدثنا سفيان ، عنحبیب، عنسعيد بن جبير ، عن
ابن عباس قال: ((ما استيسر من الهدى))، شاةً
٣٢٤١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة، عن یزید بن أبی زیاد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس مثله .
٣٢٤٢ - حدثنى ابن المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن أبى إسحق، عن النعمان بن مالك قال: تمتَّعت فسألت ابن عباس فقال :
((ما استيسر من الهدى)). قال قلت: شاة ؟ قال : شاة .
٣٢٤٣ - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، حدثنا إسحق ، عن شريك ،
عن أبى إسحق، عن النعمان بن مالك قال: سألت ابن عباس عن (ما اسْتَيسر من ٣٢٦/٢
الهدى))، قال: من الأزواج الثمانية: من الإبل والبقر والمعز والضأن .
٣٢٤٤ - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا، حدثنا هشيم قال ،
الزهرى أخبرنا - وسئل عن قول الله جل ثناؤه: ((فما استيسر من الهدى)) - قال:
كان ابن عباس يقول : من الغنم .
٣٢٤٥ - حدثناابن حميد قال ، حدثنا یحی بن واضح قال ، حدثنا يونس
ابن أبى إسحق، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ((ما استيسر من الهدى )»، من
الأزواج الثمانية .

٢٨
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣٢٤٦ - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا خالد، قال : قيل للأشعث :
ما قول الحسن: ((فما استيسر من الهدى)) ؟ قال: شاة .
٣٢٤٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة، عن قتادة: ((فما استيسر من الهدى))، قال: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة،
وأخسُّهُ شاة .
٣٢٤٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال،حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد ، عن قتادة مثله = إلا أنه كان يقال: أعلاه بدنة، وذكرسائر الحديث مثله .
٣٢٤٩ - حدثنا ابن بشارقال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا همام ،
عن قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس قال: ((فما استيسر من الهدى))، شاة.
٣٢٥٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب ،
عن أبى جمة ، عن ابن عباس مثله .
٣٢٥١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان ، عن ابن جريج، عن
عطاء: ((فما استيسر من الهدى)) ، شاة .
٣٢٥٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان قال ، حدثنا محمد بن
نفيع ، عن عطاء مثله .
٣٢٥٣ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثناعمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى قال : المحصر يبعثُ بهدى ، شاةً فما فوقها.
٣٢٥٤ - حدثنى عبيد بن إسمعيل الهبّارى قال ، حدثنا ابن نمير، عن
الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: إذا أهلَّ الرجل بالحج فأحصير ، بعث
بما استيسر من الهدى ، شاة . قال : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال : كذلك
قال ابن عباس .
٣٢٥٥ - حدثنى المتى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية

تفسير سورة البقرة : ١٩٦
ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: (( ما استيسر من الهدى))،
شاةٌ فما فوقها .
٣٢٥٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة
= وحدثنا المثنى قال، حدثنا آدم العسقلانى، عن شعبة = قال، حدثنا أبو جمرة،
عن ابن عباس قال: ((ما استيسر من الهدى))، جَزور أو بقرة أو شاة ، أو
شِرْكٌ فى دم .
٣٢٥٧ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، سمعت يحيى بن
سعيد قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن ابن عباس كان يرى أنّ الشاة ،
((ما استيسر من الهدى)).
٣٢٥٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الوهاب ، عن
خالد الحذاء ، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (( ما استيسر من الهدى»،
شاةٌ .
٣٢٥٩ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال :
((ما استيسر من الهدى))، شاة.
٣٢٦٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سهل بن يوسف قال ، حدثنا حميد،
عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال ابن عباس: الهدى شاةٌ . فقيل له :
أيكون ◌ُدُون بقرة؟ قال: فأنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تدرُون به أن الهدىّ
شاة . ما فى الظّى؟ قالوا: شاةٌ. قال: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [سورة المائدة: ٩٠].
٣٢٦١ - حدثنى المثنى قال : حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد ، عن
قيس بن سعد ، عن عطاء بن أبى رباح ، عن ابن عباس قال : شاة .
٣٢٦٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن دلهم بن صالح قال :
سألت أبا جعفر عن قوله: (( ما استيسر من الهدى)) ، فقال : شاة .
٣٢٦٣ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب : أن مالك

٣٠
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
ابن أنس حدّثه، عن جعفربن محمد ، عن أبيه : أن على بن أبى طالب رضى الله
عنه كان يقول: (( ما استيسر من الهدى))، شاة.(١)
٣٢٦٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا مطرف بن عبد الله قال ، حدثنا مالك
عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن على رضى الله عنه مثله .
٣٢٦٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، أخبرنى مالك: أنه
بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقول: ((ما استيسر من الهدى))، شاة. (٢)
٣٢٦٦ - حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب، قال مالك: وذلك أحب إلىّ. (٣)
٣٢٦٧ - حدثنى محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ((فما استيسر من الهدى))، قال:
عليه - يعنى المحُصَرَ - هدىٌ. إن كان موسراً فمن الإبل ، وإلا فمن البقر ،
وإلا فمن الغنم .
٣٢٦٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم العسقلانى قال ، حدثنا ابن أبى
ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: (( ما استيسر من الهدى))،
شاة، وما عظّمتَ شعائرَ اللّه فهو أفضل .
٣٢٦٩ - حدثنى يونس قال: أخبرنا أشهب قال، أخبرنا ابن لهيعة: أن عطاء
ابن أبى رباح حدثه: أنّ ((ما استيسر من الهدى))، شاةٌ.
...
وقال آخرون : ((ما استيسر من الهدى))، من الإبل والبقر، سِنّ دون سِنٍّ.
• ذكر من قال ذلك :
٣٢٧٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر قال ، سمعت
(١) الأثر: ٣٢٦٣ الموطأ: ٣٨٥.
(٢) الأثر: ٣٢٦٥ - الموطأ: ٣٨٥.
(٣) الأثر: ٣٢٦٦ - الموطأ: ٣٨٥ ونصه: ((وذلك أحب ما سمعت إلى فى ذلك))، ثم استدل
بآية المائدة التى استدل بها ابن عباس فى الأثر : ٣٢٦٠ .

٣١
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ((ما استيسر من الهدى))، البقرةُ ٢/ ١٢٧
دون البقرة ، والبعير دون البعير .
٣٢٧١ - حدثنا ابنبشار قال، حدثنا محمد بن بکر قال ، حدثنا سعيد،
عن قتادة ، عن أبى مجلز قال: سأل رجل ابنَ عمر: ((ما استيسر من الهدى)) ؟
قال : أترضَى شاةً ؟= كأنه لا يرضاه .
٣٢٧٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب ،
عن القاسم بن محمد ونافع، عن ابن عمر قال: ((ما استيسر من الهدى))، ناقةٌ
أو بقرةٌ. فقيل له: ((ما استيسر من الهدى))؟ قال: الناقة دون الناقة، والبقرة دون
البقرة .
٣٢٧٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة عن
يزيد بن أبى زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر أنه قال: ((فما استيسر من الهدى))،
قال: جَزورٌ أو بقرةٌ .
٣٢٧٤ - حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا ، حدثنا هشيم قال ، الزهرى
أخبرنا - وسئل عن قول الله: (( فما استيسر من الهَدْی ) - قال: قال ابن عمر ،
من الإبل والبقر.
٣٢٧٥ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا أيوب ، عن
نافع، عن ابن عمر فى قوله جل ثناؤه: ((فما استيسر من الهدى))، قال : الناقة
دون الناقة ، والبقرة دون البقرة .
٣٢٧٦ - حدثنى يعقوب قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن القاسم ،
عن ابن عمر فى قوله: ((فما استيسر من الهدى))، قال: الإبل والبقر.
٣٢٧٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن
سعيد قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : كان عبد الله بن عمر وعائشة يقولان :
(((ما استيسر من الهدى))، من الإبل والبقر.

٣٢
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣٢٧٨ - حدثی یعقوب قال، حدثنا ابنعلية قال ، حدثنا الوليد بن أبى
هشام، عن زياد بن جبير، عن أخيه عبد اللّه أو عبيد الله بن جبير قال: سألت
ابن عمر عن المتعة فى الهدى فقال: ناقة . قلت : ما تقول فى الشاة ؟ قال :
أكلكم شاة ؟ أكلكم شاة ؟ (١)
٣٢٧٩ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية، عن ليث ، عن مجاهد
وطاوس قالا: ((ما استيسر من الهدى))، بقرة .
٣٢٨٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية
ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة: ((فما استيسر من الهدى))، قال : فى قول
ابن عمر : بقرة فما فوقها .
٣٢٨١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى أبو معشر
عن نافع، عن ابن عمرقال: ((ما استيسر من الهدى))، قال : بدنة أو بقرة ،
فأما شاةٌ فإنما هى نُسُك.
٣٢٨٢ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن هشام
ابن عروة ، عن أبيه قال : البدنة 'دون البدنة، والبقرة دون البقرة، وإنما الشاة
نُسُك . قال : تكون البقرة بأربعين وبخمسين .
٣٢٨٣ - حدثنا الربيع قال، حدثنا ابن وهب قال ، حدثنى أسامة ، عن
نافع، عن ابن عمر كان يقول: ((ما استَيْسر من الهدى))، بقرة .
٣٢٨٤ - وحدثنا الربيع قال ، حدثنا ابن وهب قال، حدثنى أسامة بن
زید:أن سعیداً حدثه قال: رأيت ابن عمر وأهل اليمن يأتونه فيسألونه عن ((ما استيسر
(١) الخبر: ٣٢٧٨ - الوليد بن أبى هشام زياد، مولى عثمان: ثقة جداً، كما قال الإمام أحمد.
زياد بن جبير بن حية بن مسعود الثقفى: تابعى ثقة. مترجم فى التهذيب. والكبير ٢ /١ /٣٢١٧.
وابن أبى حاتم ١ / ٢ / ٥٢٦ - ٥٢٧. وله أخوان تابعيان ثقتان: عبد الله، وعبيد الله . متر جمان
عند ابن أبى حاتم ٢ /٢٧/٢، ٣١٠. وقال: ((عبيد اللّه بن جبير بن حية، أخو زياد وعبيد الله
ابنى جبير بن حية الثقفى. وكانوا إخوة ثلاثة).

٣٣
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
من الهدى)) ويقولون: الشاة! الشاة! قال: فيرد عليهم: ((الشاةَ! الشاةَ!))
يحضّهم - إلا أن الجَزور دون الجزور، والبقرةَ دون البقرة، ولكن
ما (استيسر من الهدى))، بقرة .
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب قول من قال: ((ما استيسر من
الهدى)) شاة . لأن الله جل ثناؤه إنما أوجب ما استيسر من الهدى . وذلك على
کل ما تيسّر للمهدی ان يهدیه، كائناً ما كان ذلك الذی یُهدى، إلا أن يكون
الله جل ثناؤه خصَّ من ذلك شيئاً ، فيكون ما خصَّ من ذلك خارجاً من جملة
ما احتمله ظاهرُ التنزيل، ويكون سائر الأشياء غيرُه مجزئاً إذا أهداه المهدى ،
بعد أن يستحق اسم (( هدى)).
فإن قال قائل : فإنّ الذين أبوا أن تكون الشاة مما استيسر من الهدى ، بأنه
لا يستحق اسم ((هدى))، كما أنه لو أهدى دجاجة أو بيضة، لم يكن مُهدياً
هَدْيًا مجزئاً.
قيل: لو كان فى المهدى الدجاجة والبيضة من الاختلاف، نحو الذی فی
المُهْدِى الشاة، لكان سبيلهما واحدة: فى أن كلّ واحدمنهما قد أدَّى ما عليه
بظاهر التنزيل ، إذ لم يكن أحد الهديين مُخرجه من أن يكون مؤدياً (١) - بإهدائه
ما أهدى من ذلك. مما أوجبه اللهُ عليه فى إحصاره. ولكن لما أُخرج المهدى
ما دون الجذع من الضأن، والثُّنْى من المعر والإبل والبقر فصاعداً من الأسنان ..
من أن يكون مهدياً ما أوجبه اللّه عليه فى إحصاره أو متعته- بالحجة القاطعة العذر
نقلاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم وراثةً، كان ذلك خارجاً من أن يكون مراداً
بقوله: ((فما استيسر من الهدى))، وإن كان مما استيسر لنا من الهدايا .
(١) فى المطبوعة ((إذا لم يكن أحد المهديين يخرجه ... ))، والصواب ما أثبت.
ج : (٣)

٣.٤
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
ولما اختُلِف فى الجذع من الضّأن والثّنى من المعز، كان مجزئاً ذلك عن
مُهديه ، لظاهر التنزيل ، لأنه مما استيسر من الهدى .
٠٠٠
فإن قال قائل: فما محلّ ((ما)) التى فى قوله جل وعز: ((فما استيسر من الهدى))؟
قيل : رفعٌ .
فإن قال: بماذا ؟
قيل: بمتروك. وذلك ((فعَلَيْه)). لأن تأويل الكلام: وأتموا الحج والعمرة،
٢/ ١٢٨ أيها المؤمنون، لله، فإن حبسكمعن إتمام ذلك حابسٌ من مرض أو كسرٍ أو خوف
عدوّ ، فعليكم - لإحلالكم، إن أردتم الإحلال من إحرامكم - ما استيسر من
الهدى . وإنما اخترنا الرفع فى ذلك ، لأن أكثر القرآن جاء برفع نظائره ، وذلك
كقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذَى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدِيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾
وكقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَمُ ثَلاَثَةٍ أَيَّامٍ﴾، وما أشبه ذلك، مما يطول بإحصائه
الکتاب ، تر کنا ذ کره استغناء بما ذكرنا عنه .
ولو قيل: موضع ((ما)) نصبٌ، بمعنى: فإن أحصرتم فأهدُوا ما استيسر
من الهدى ، لكان غير مخطئ قائلُه .(١)
وأما ((الهدى))، فإنه جمع، واحدها ((هديّة))، على تقديره جديَّة السرج))
والجمع ((الجَدّى)) مخفف.(٢)
٣٢٨٥ - حدثت عن أبى عبيدة معمر بن المثنى، عن يونس قال : كان
أبو عمرو بن العلاء يقول: لا أعلمُ فى الكلام حرفاً يشبهه. (٣)
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ١١٨
(٢) ((هدية)) و((جدية)) بتشديد الياء، وقد ضبطها داشر مجاز القرآن لأنى عبيدة بفتح
فسكون، وهو خطأ. والجدية: قطعة من الكساء، محشوة تكون تحت دفى السرج وظلفة الرحل ،
وهما جديتان .
(٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة : ٦٩.

٣٥
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
وبتخفيف ((الياء)) وتسكين ((الدال)) من ((الهدى)) قرأه القَرَّأة فى كل
مصر، إلا ما ذُكر عن الأعرج، فإنّ :-
٣٢٨٦ - أبا هشام الرفاعى حدثنا قال، حدثنا يعقوب، عن بشار ، عن
أسد، عن الأعرج أنه قرأ: ﴿هَدِيًّا بَالِغَ الكَغْبَةِ﴾ [سورة المائدة: ٩٥]
بكسر ((الدال)) مثقّلاً، وقرأ ((حتى يبلُغ الهدِىُّ محلّه))، بكسر ((الدال))
مثقلة . واختلف فى ذلك عن عاصم ، فروى عنه موافقةُ الأعرج ، ومخالفته
إلى قراءة سائر القرأة .
و((الهدى)) عندى إنما سمى (( هدياً)) لأنه تقرّب به إلى الله جلوعز مهدیه،
بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقرباً بها إليه. يقال منه: ((أهديتُ الهدى إلى
بيت الله، فأنا أهديه إهداء)). كما يقال فى الهدية يهديها الرجل إلى غيره :
((أهديتُ إلى فلان هَديّةً وأنا أهديها .))، ويقال للبد نة («هدیة))، ومنه قول زهير
ابن أبى سلمی ، یذ کر رجلا أسر، يشبّهه فى 'حرمته بالبدنة التى نُهْدی :
فَ أَرَ مَعْشَرًا أَسَرُوا هَدِيًّا وَلَمْ أَرَ جَارَ بَيْتٍ يُسْقَبَهَ!(١)
٠
(١) ديوانه: ٧٩، من قصيدة كريمة، قالها فى ذم بنى عليم بن جناب من كلب. وكان
رجل من بنى عبد الله بن غطفان قد أتاهم فأكرموه وأحسنوا جواره، بيد أنه كان مولعاً بالقمار فنهوه عنه،
فأبى إلا المقامرة . فقمر مرة فردوا عليه، ثم قمر أخرى فردوا عليه، ثم قمر الثالثة فلم يردوا عليه ، وأخذت
منه امرأته فى قماره . والهدى: الرجل ذو الحرمة المستجير بالقوم ، فسموه كما قال الطبرى بما يهدى
إلى البيت، فهو لا يرد عن البيت ولا يصاب، وقوله: ((فستباء)) أى تؤخذ امرأته وتنكح، ثم قاا،
لهم بعد البيت :
وَجَارُ البَيْتِ وَالرَّجُلُ المُنَادِى أَمَامَ الحَيِّ، عَهْدُهُمَا سَوَاء
والمنادى : المجالس فى النادى أمام بيوت الحى.

٣٦
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُوا رُوَسَكُمْ حَّى يَبْلُغَ
اٌلْهَدْىُ مَِلَهُ﴾
قال أبوجعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : فإن أحصرتم ، فأردتم الإحلال من
إحرامکم ، فعلیکم ما استیسر من الهدى. ولا تُحِلوا من إحرامكم إذا أحصرتم حتى
يَبلُغَ الهدى= الذى أوجبتُه عليكم لإحلالكم من إحرامكم الذى أحصرتم فيه ،
قبل تمامه وانقضاء مشاعره ومناسكه- مَحلّه.(١) وذلك أنّ حَلْق الرأس إحلال من
الإحرام الذى كان المحرم قد أوجبه على نفسه . فنهاه اللّه عن الإحلال من إحرامه
بحلاقه، (٢) حتى يبلغ الهدى-الذى أباحَ الله جل ثناؤه له الإحلال بإهدائه. محلّه.
٠٠ ٠
ثم اختلف أهل العلم فى ((مَحِلّ)) الهدى الذى عناه الله جل اسمه، الذى متى
بلغه كان للمحصر الإحلالُ من إحرامه الذى أحصر فيه .
فقال بعضهم: محلّ هدى المحصر الذى يحلّ به ويجوز له ببلوغه إياه حلقُ
رأسه = إذا كان إحصارُه من خوف عدوّ منعه ذَبْحَه، إنْ كان ممايُذْ بَح، أو
نحرّه إن كان مما يُنْحَر، فى الحل ذبح أونحر أو فى الحرم= [ حيث حبس]. (٣)
(١) قال ابن كثير فى تفسيره ١: ٤٤٦ ((وقوله: ((ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى
محله)) معطوف على قوله: ((وأتموا الحج والعمرة لله))، وليس معطوفاً على قوله: ((فإن أحصرتم فا استيسر
من الهدى)) كما زعمه ابن جرير رحمه الله. لأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية، لما حصرهم
كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم . فأما فى حال الأمن والوصول
إلى الحرم، فلا يجوز الحلق ((حتى يبلغ الهدى محله))، ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة - وإن
كان قارناً - أو من فعل أحدهما، إن كان مفرداً أو متمتعاً ، كما ثبت فى الصحيحين عن حفصة أنها
قالت : يا رسول اللّه، ما شأن الناس؟ حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك! فقال: إنى لبدت
رأسى وقلدت هدى، فلا أحل حتى أنحر)).
وفى تخطئة ابن كثير لأبى جعفر ، نظر وتفصيل ليس هذا موضعه لأنه يطول.
(٢) الحلاق مصدر كالحلق والتحلاق، يقال: رأس جيد الحلاق (بكسر الحاء)، وقد أكثر
مالك من استعمال هذا المصدر فى الموطأ (انظر: ٣٩٥، ٣٩٦).
(١) الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام.

٣٧
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
وإن كان من غير خوف عدوّ ، فلا يحلّ حتى يطوف بالبيت ويسعى بين
الصّفا والمروة . وهذا قول من قال : الإحصار إحصارُ العدوّ دون غيره .
ذكر من قال ذلك
٠
٣٢٨٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى مالك بن
أنس: أنه بلغه أن رَسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم حَلَّ هو وأصحابُه بالحديبية،
فنحروا الهدىَ وحلقوا رؤوسهم وَحَلّوا من كل شى ءقبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل
أن يَصِل إليه الهدى. ثم لم تعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحداً من
أصحابه ولا ممن كان معه ، أن يقضُوا شيئاً ولا أن يعودوا لشىء.(١)
٣٢٨٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى مالك ، عن
نافع: أن عبد الله بن عمر خرج إلى مكة معتمراً فى الفتنة فقال: إن 'صددت
عن البيت صنعنا كما صنعْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأهل" بعمرة من
أجل أن النبىّ كان أهَلّ بعمرة عامَ الحديبية. ثم إن عبد الله بن عمر نظر فى أمره
فقال : ما أمرهما إلا واحد . قال : فالتفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد ،
أشهدكم أنى قد أوجبتُ الحج مع العمرة . قال : ثم طافَ طوافاً واحداً ، ورأى
أنّ ذلك مجزٍ عنه وأهدى = قال يونس قال ، ابن وهب قال ، مالك : وعلى هذا
الأمرُ عندنا فيمن أحصر بعدوّ ، كما أحصر نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه.
فأما من أحْصر بغير عدو ، فإنه لا يحل دون البيت .
قال: وسئل مالك عمن أحصر بعدوّ وحيل بينه وبين البيت، فقال: يحل
من كل شىء وينحر هديه ويحلق رأسه حيث ◌ُحبس، وليس عليه قضاء ، إلا
أن يكون لم يحجَّ قط ، فعليه أن يحجَّ حجة الإسلام .(٢)
(١) الأثر : ٣٢٨٧ - مضى فى ص: ٢٤، بغير إسناد.
(٢) الأثر: ٣٢٨٨ - فى الموطأ: ٣٦٠ - ٣٦١ ، مع خلاف يسير فى بعض لفظه. ومن
أولى قوله: ((قال: وسئل مالك))، فى آخر هذا الأثر، قد مضى برقم: ٣٢٣٨، وهو فى الموطأ:
٣٦٠، قبل النص السالف .
.. "

٣٨
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣٢٨٩ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنا مالك قال ،
حدثنى يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار: أن عبد الله بن عمر ومروان بن
الحكم وعبدالله بن الزبير أفتوا ابن حُزَابة المخزومى، (١) وصُرع فى الحج ببعض
الطريق: أن يَتَداوَى بما لا بد منه، (٢) ويفتدى، ثم يجعلَها عمرة ويحج عاماً
قابلاً، وُهدِى .
١٢٩/٢
قال يونس قال : ابن وهب قال ، مالك : وذلك الأمر عندنا فيمن أحصر
بغير عدوّ" . (٣)
قال: وقال مالك: وكل مَنُْحبس عَن الحجّ بعد ما يُحرِم، إما بمرض،
أو خطأ فى العَدد ، أوخفى عليه الهلال ، فهو مُحَصَرٌ ، عليه ما على المحصر -
يعنى : من المُقَام على إحرامه حتى يطوف أو يسعى، ثم الحجّ من قابلٍ ، والهدى.
٣٢٩٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، سمعت يحيى بن
سعيد يقول ، أخبرنى أيوب بن موسى: أنّ داود بن أبى عاصم أخبره: أنه حج
مرة فاشتكى ، فرجع إلى الطائف ولم يطف بين الصفا والمروة . فكتب إلى عطاء
ابن أبى رباح يسأله عن ذلك ، وأن عطاء كتب إليه : أنْ أهْرِقْ دَماً.
٠٠٠
وعلة من قال بقول مالك : فى أنّ محلّ الهدى فى الإحصار بالعدو، نحزه
حیثُحیس صاحبه ، ما : -
٣٢٩١ - حدثنا به أبو كريب ومحمد بن عمارة الأسدى قالا، حدثنا عبيد الله
ابن موسى قال ، أخبرنا موسى بن عبيدة قال ، أخبرنى أبو ◌ُمُرّة مولى أم هانئ ،
عن ابن عمر قال : لما كان الهدى ◌ُدُون الجبال التى تطلع على وادى الثَّنِية،
(١) فى الموطأ: ((سعيد بن حزابة المخزومى)).
(٢) فى المطبوعة: ((أن يبدأ بما لا بد منه))، والصواب من الموطأ، وقد مضى ذلك كذلك أيضاً
فى ص : ٢٥، وانظر تعليق رقم: ٢.
(٣) الموطأ: ٣٦٢، ومغنى بعض ذلك فى ص: ٢٥.

٣٩
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
عرض له المشركون فردّوا وجهه، قال: فنحر النبى صلى الله عليه وسلم الهدىّ حيث
حبسوه - وهى الحديبية - وحلق، وتأسى به أناس فحلقوا حين رأوه حلق، وتربّص
آخرون فقالوا : لعلنا تطوف بالبيت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
رَحم اللّه المحلُّقين! قيل: والمقصرين! قال: رحم الله المحلّقين! قيل: والمقَصِّرين!
قال: والمقصّرِين !(١)
٣٢٩٢ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان
قال ، حدثنا عبد الله بن المبارك قال، أخبرنا معمر ، عن الزهرى ، عن عروة ،
عن المسور بن مخرمة ومروان ابن الحكم قالا: لما كتب رسول الله صلى الله عليه
وسلم القضية بينه وبين مشركى قريش - وذلك بالحديبية ، عام الحديبية - قال
لأصحابه : قوموا فانحروا واحلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قالَ ذلك
ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر ذلك لها ،
فقالت أم سلمة : يا نبيَّ اللّه، اخرُج، ثم لاتكلمْ أحداً منهم بكلمة حتى تنحر
بَدَنك، وتدعو حلاًّقك فتَحلِقِ. فقام، فخرج، فلم يكلم منهم أحداً حتى فعل
ذلك . فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضُهم
يقتُل بعضاً غَمَّا (٢).
(١) الحديث: ٣٢٩١ - إسناده ضعيف جداً، من أجل ((موسى بن عبيدة)). وقد مضى بيان
حاله : ١٨٧٥ ، ١٨٧٦.
أبو مرة مولى أم هانئ': اسمه ((يزيد))، ويقال له أيضاً ((مولى عقيل بن أبى طالب))، واشتهر
بكنيته . وهو تابعى ثقة معروف ، أخرج له أصحاب الكتب الستة .
ومعنى الحديث ثابت معروف من أوجه كثيرة ، فى دواوين الحديث وكتب السيرة . بل إن نحو
هذا المعنى ثابت عن ابن عمر بإسناد صحيح ، فى المسند : ٦٠٦٧، والبخارى ٥ : ٢٢٤، و٧ :
٣٩١ (من الفتح). والدعاء المحلقين والمقصرين ثابت من حديثه أيضاً، صحيح، فى المسند :
٤٦٥٧، والموطأ والصحيحين ، كما بينا هناك .
(٢) الحديث: ٣٢٩٢ - هو جزء من حديث طويل، فى شأن صلح الحديبية، وهو معروف
مشهور .

٤٠
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
قالوا: فنحر النبى صلى الله عليه وسلم هديه حين صده المشركون عن البيت
بالحديبية، وحَلّ هو وأصحابه. قالوا: والحديبية ليست من الحرم. قالوا: ففى مثل
ذلك دليل واضح على أن معنى قوله: ((حتی یبلغ الهدى محله))،حتى يبلغ بالذبح
أو النحر محل أكله والانتفاع به فى محل ذبحه ونحره .
٣٢٩٣ - كما روى عن نبى الله عليه السلام فى نظيره، إذا أتى بلحم-أنته بَرِيرةُ -
من صدقة كان تُصُدّق به عليها ، فقال: قرّبوه، فقد بلغ محله .(١)
٠٠٠
يعنى فقد بلغ محلّ طيبه وحلاله له بالهدية إليه ، بعد أن كان صَدقة على
بريرة .
رواه أحمد فى المسند ٤: ٣٢٨ - ٢٣١ (حلبى)، عن عبد الرزاق، عن معمر، بهذا الإسناد.
ثم رواه عقب ذلك ، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الله بن المبارك. عن معمر، ولم يذكر لفظه،
إحالة على الرواية قبله . وقد رواه الطبرى هنا، من طريق يحيى القطان .
ورواه البخارى ٥: ٢٤١-٢٦٠ ( فتح البارى)، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق،
كرواية المسند . وروى منه قطعة موجزة ٣ : ٤٣٣، من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمر.
(١) الحديث: ٣٢٩٣ - هذه إشارة من الطبرى إلى حديث مشهور معروف. وهو قصة
((بريرة)) التى اشترتها عائشة من مواليها الذين كاتبوها، وأعتقتها فكانت مولاتها ، وهى فى الصحيحين
وغيرهما . واللفظ الثابت فى الصحيحين ، فى شأن اللحم الذى تصدق به على بريرة ، وأهدته هى لعائشة،
وأن النبى صلى الله عليه وسلم أكل منه -: أنه قال: ((هو لها صدقة، ولنا هدية))، أو نحو هذا،
من حديث عائشة، ومن حديث أنس. ولم أجد لفظ ((فقد بلغ محله))، الذى حكاه الطبرى فى قصة
بريرة . ولعله وقع إليه من رواية خفيت علينا .
نعم ، جاء نحو هذا اللفظ ، فى قصتين أخريين فى هذا المعنى :
إحداهما : من حديث أم عطية الأنصارية، أنها بعثت إلى عائشة من لحم جامها من الصدقة ،
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عن طعام، فأخبروه بذلك - لأن الصدقة لا تحل له -
فقال صلى الله عليه وسلم: ((إنها قد بلغت محلها)). رواه أحمد فى المسند ٦: ٤٠٧ - ٤٠٨ (حلبي):
والبخارى ٣: ٢٤٥، ٢٨١ - ٢٨٢، و٥: ١٤٩ - ١٥٠ (فتح)، ومسلم ١: ٢٩٧.
والأخرى : من حديث جويرية بنت الحارث أم المؤمنين، قالت: ((دخل على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ذات يوم ، فقال : هل من طعام ؟ قلت : لا ، إلا أعظماً أعطيته مولاة لنا من الصدقة .
قال صلى الله عليه وسلم: فقربيه، فقد بلغت محلها)). رواه أحمد فى المسند ٦: ٤٢٩ (حلبى).
ومسلم ١ : ٢٩٦.