النص المفهرس

صفحات 1-20

تراث الإسلام
تفسير الطبرى
جَامِعُ البيان عن تأويل آَى القرآن
لأبو جعفر محمد بن جرير الطبرىّ
٢٢٤ - ٣١٠ هـ
٤
حَقْقَه وَعَلَّق حواشيه
محمود محمد شاكر
راجَعَهُ وخرّجَ أحاديثَه
أحمد محمد شاكر
الطبعة الثانية
الناشر
مكتبة ابن تيمية
القاهرة ت ٨٦٤٢٤٠

تفسير الطبرى
ـريم

فيه
تفسير سورة البقرة
من ١٩٦ - ٢٣٠
والآثار من ٣١٨٥ - ٤٩٠٨

الحمدُ لله الذى أرسل رسوله بالهُدَى ودينِ الحقِّ، وأَنزلَ معه الكتابَ
والميزان ليقوم الناسُ بالقِسْط، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريكَ
له ، وأن محمداً عبدُه ورسولُه، بَلَّغَ رسالةَ ربِّه ، ودعا إلى الحقِّ بإذنِه ،
وكان رحمةً مُهْداةً للعالمين، صَلَّى الله عليه وسَلَّم، وعلى الطيبين الطَّاهرين
من آله وصحبه .
٠
ثم أحمدُه حمدًا لا يشوبُه زهْوُ ، عَلى ما مَنَّ به من تمام الجزء الرابع من
تفسير أبى جعفر الطبرى ، وعلى ما فَتحَ لى فيهِ من أبوابِ الصَّوَابِ، وأَستَقِيلُه
سبحانَه من عَثَرَاتِ الأَوهام فيما أَخطأُتُ فيه .
وبعد ، فقد تبيَّنَ لى فى مراجعةِ هذا الجزء على المخطوطة ، أَن
ناسخَها قد طَالَ عَليه ما نَسَخ، وعجِل فى نَسْخ الكتاب عجلةً أُدخلت
على خطّه كثيرًا من التصحيف والتحريفِ والسقط والبياضٍ، كما بيَّنتُ فى
تعليقاتى على ذلك فى مواضعه . فاجتمع هذا وقلة نقل الناقلين عن أبى جعفر ،
كما قلت فى تصدير الجزء الثالث، فازدادَت المشقّة، ولم ينفعنا إلاَّ توفيقُ الله
إلى الصواب فيما غمض والتبس .
هذا ، وقد شاركت أَخى أيّده الله فى بيان حال بعض رجال أسانيد الآثار
دون الأحاديث ، والفرقُ بين ما كتبته وبين ما يكتبُه لا يحتاجُ إلى إشارة

وتوضيح ، فهو فرقُ ما بين الذى يكتبه المتمكِّن الراسخ، وما يكتبه الشادِى
المشارك فيما لا قَدَمَ له فيه. فأَغنى ذلك عن النصِّ على ما كتبتُ . وأَسأَّل الله
أن يغفر لى زلَّتِى، وأَن يمهّد لى طريق الصوابِ . وأن يعيننى بحوله وقوَّته ،
فقد برئت إليه سبحانه من كُلّ حولٍ وقوةٍ ، وهو وحده المستعانُ ، وله الحمدُ
والمنَّة، ومنه الجزاءُ والثوابُ ، وإليه المرجع والمآب .
محمود محمد شاكر

◌ِهُ الرَِّ الرََّْمِ
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَأَتِيُّواْ أَلَجَّ وَالْرَةَ لِلِهِ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك :
فقال بعضهم : معنى ذلك: أتِمّوا الحج بمناسكه وسُننِهِ، وأتموا العُمْرة
بحدودها وسُنْنِها .
• ذكر من قال ذلك :
٣١٨٥ - حدثنى عبيد بن إسماعيل الهبّارى قال، حدثنا عبد الله بن نمير،
عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: ((وأتموا الحجّ والعمرة لله))، قال: هو
فى قراءة عبد اللّه: ((وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَاُلْعُمْرَةَ إِلى اَلْبَيْتِ))، قال: لا تجاوزُوا بالعمرة
البيتَ = قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: کذلك قال ابن عباس .
٣١٨٦ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدی قال، حدثنا
سفيان، عن منصور، عن إبراهيم أنه قرأ: ((وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت)).
٣١٨٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: ((وأقيموا الحجّ والعمرة إلى البيتِ)).
٣١٨٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية ، عن
على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((وأتموا الحج والعمرة"الله))، يقول: من أحرم
بحجّ أو بعُمْرة ، فليس له أن يحلّحتى يتمَّها. تمامُ الحَجِّ يوم النَّحر، إذا رَمَى
جمرة العقبة وزار البيت فقدحَلّ من إحرامه كُلّه. وتمامُ العمرة، إذا طاف بالبيت
وبالصَّفا والمروة ، فقد حَلّ .
٧

٨
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣١٨٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى
= وحدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل = جميعاً ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((وأتموا الحجّ والعمرةَ اللّه))، قال: ما
أميروا فيهما .
٣١٩٠ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع قوله: ((وأتموا الحج والعمرة لله))، قال: قال إبراهيم، عن علقمة
ابن قيس، قال: ((الحجُّ)) مناسك الحج، و ((العمرة)) لا يجاوز بها البيت.
٣١٩١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم :
(وأتموا الحجّ والعمرة لله))، قال قال: تَقْضى مناسكَ الحجَّ: عرفة والمزدلفة
وَمَواطنَها. والعمرةُ للبيت، أنْ يطوف بالبيت وبين الصَّفا والمروة، ثم يحلّ.
٠٠
وقال آخرون: تمامُها أن تُحرِم بهما مفردين من دُوَيْرة أهلك.(١)
* ذكر من قال ذلك :
٣١٩٣ - حدثنا محمد بن المثی قال: حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن على أنه قال: جاء رَجُل إلى علىّ
فقال له فى هذه الآية: ((وأتِمّوا الحجّ والعمرة لله))، أن تحرم من دُوَيْرة أهلِك.
٣١٩٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هرون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن
شعبة ، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال : جاء رجل إلى علىّ رضوان
اللّه عليه فقال: أرأيتَ قَول اللّه عز وجل: ((وأتموا الحجّ والعمرة لله))؟ قال: أن
تحرم من دُوَيْرة أهلك .
٣١٩٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن محمد
ابن سوقة ، عن سعيد بن جبير قال : من تمام العُمرة أن تحرم من دُوَيرة أهلك.
(١) الدويرة تصغير ((الدار)): وهو كل موضع حل به قوم، فهو دارهم. هذا، وقد
سقط من الترقيم هنا رقم : ٣١٩٢، فلم أستطع أن أغير الترقيم كله ، فتركته على حاله .

تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣١٩٦ - حدثنا أبو کریب قال ، حدثنا و کیع ،عن ثور بن يزيد ، عن
سليمان بن موسى، عن طاوس قال: تمامُهما إفرادهما مُؤْتَنَفتين من أهلك. (١) ١٢١/٢
٣١٩٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سفيان ، عن ثور ، عن سليمان بن
موسى، عن طاوس: ((وأتموا الحج والعمرة لله))، قال: تفردهما مؤقتتين من أهلك،
فذلك تمامهما . (٢)
٠
وقال آخرون : تمام العمرة أن تعمل فى غير أشهر الحج، (٣) وتمامُ الحج أن
يُؤتى بمناسكه كلِّها، حتى لا يلزم عَامِلَه دمٌ بسبب قِران ولا مُتعة.
• ذكر من قال ذلك :
٣١٩٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وأتِمُوا الحجّ والعمرة لله))، قال: وتمام العمرة ما كان فى غير أشهر الحج .
ومن كان فى أشهر الحج ثم أقام حتى يَحُجّ ، (٤) فهى متعة. عليه فيها الهُدى إن
وُجد، وإلا صَام ثلاثة أيام فى الحج وسبعةً إذا رَجع.
٣١٩٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا سعيد،
عن قتادة قوله: ((وأتموا الحج والعمرة لله))، قال: ما كان فى غير أشهر الحج فهى
عمرة تامة ، وما كان فى أشهر الحج فهى مُتعة ، وعليه الهدى .
٣٢٠٠ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن ابن عون قال : سمعت
القاسم بن محمد يقول : إنّ العمرة فى أشهر الحج ليست بتامة . قال : فقيل له :
(١) انتنف الشىء انتنافاً: أخذه من أوله وابتدأه. ويعنى: أفرادهما منذ ابتداء دخوله فيهما.
وانظر الأثر الذى يليه والتعليق عليه .
(٢) هكذا جاء فى هذا الأثر ((موقتتين)) من التوقيت، وهو التحديد، والميقات: وهو
الوقت المضروب للفعل ، أو الموضع . يقال : هذا ميقات أهل الشام أو مصر ، الموضع الذى يحرمون
منه . ويعنى أن ميقاتها من عند دويرة أهله .
(٣) هكذا فى الأصل: ((أن تعمل)) ولعل الصواب ((أن تعتمر)).
(٤) فى المطبوعة: ((وما كان فى أشهر الحج))، والصواب ما أثبت.

١٠
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
العمرة فى المحرَّم؟ قال : كانوا يَرَونها تامَّةً .
...
وقال آخرون : إتمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد غيرهما .
* ذكر من قال ذلك :
٣٢٠١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى رجل ، عن
سفيان قال: هو - يعنى تمامهما - أن تخرج من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة ،
وتُهلّ من الميقات. ليس أن تخرُج لتجارة ولا لحاجةً، حتى إذا كنت قريباً
من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت! وذلك يجزىء ، ولكن التحَّام أن تخرُج
له ، لا تخرُج لغيره .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أتموا الحجّ والعمرة لله إذا دخلتم فيهما .
• ذكر من قال ذلك :
٣٢٠٢ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد : ليست
العمرة واجبة على أحد من الناس. قال فقلت له: قولُ الله تعالى: ((وأتموا الحجّ
والعمرة لله))؟ قال: ليس من الخلقِ أحدٌ ينبغى له إذا دَخَل فى أمر إلا
أن يتمَّه، فإذا دخل فيها لم يَنْبَغ له أن يهلّ يوماً أو يومين ثم يرجع، كما لو صام
يوماً ، لم ينبغ له أن يفطر فى نصف النهار .
٠
٠٠
• وكان الشعبى يقرأ ذلك رفعاً .
٣٢٠٣ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة قال ،
حدثنى سعيد بن أبى بردة : أن الشعبى وأبا بردة تذاكرًا العمرة، قال : فقال الشعبى:
تطوَّع، ((وأتموا الحجّ والعمرةُ اللّه)). وقال أبو بردة: هى واجبة: ((وأتموا الحج
والعمرة لله)).
٣٢٠٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا ابن

١١
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
عون، عن الشعبى أنه كان يقرأ: ((وأتمُّوا الحجّ والعمرةُ اللّه)).
٠
٠
وقد روى عن الشعبى خلاف هذا القول ، وإن كان المشهور
عنه من القول هو هذا ، وذلك ما : -
٣٢٠٥ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن الشعبى قال: العمرةُ واجبة" .
٥
فقراءة من قال: العمرة واجبة ــ نصبُها، بمعنى: أقيموا فرضَ الحجّ
والعمرة ، كما :-
٣٢٠٦ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، أخبرنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة قال : سمعت أبا إسمق يقول : سمعت مسروقاً يقول: أُمرتم فى كتاب اللّه
بأربع : بإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، والعمرة . قال : ثم تلا هذه
الآية: ﴿وَلِهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: ٩٧]، ((وأتموا الحجّوالعُمْرة"
للّه إلى البيت)» .
٣٢٠٧ - حدثنى أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس قال : سمعت ليثاً
يروى، عن الحسن ، عن مسروق قال: أمرنا بإقامة أربعة : الصلاة والزكاةٍ ،
والعمرة والحجّ ، فنُزِّلت العُمْرة من الحج منزلةَ الزكاة من الصلاة .
٣٢٠٨ - حدثنا ابن بشار قال، أنبأنا محمد بن بكر قال ، حدثنا ابن جريج
قال ، قال على بن حسين وسعيد بن جبير - وُسئلا: أواجبةٌ العمرة على الناس؟
فكلاهما قال: ما نعلمها إلاّ واجبة، كما قال الله: ((وأتموا الحجّ والعمرة لله)).
٣٢٠٩ - حدثنا سوَّار بن عبد الله قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن
عبد الملك بن أبى سليمان قال : سأل رجل سعيد بن جبير عن العمرة: فريضَةٌ هى
أم تطوعٌ؟ قال: فريضةٌ. قال: فإن الشعبى يقول: هى تطوع! قال: كَذَب

١٢
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
الشعبى، وقرأ: ((وأتموا الحجّ والعمرةَ اللّه)).(١)
٣٢١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة، عمن سمع عطاء يقول فى قوله: ((وأتمُّوا الحجّ والعمرةَ اللّه))،
قال : هما وَاجبان ، الحج والعمرة.
٠
قال أبو جعفر: فتأويل هؤلاء فى قوله تبارك وتعالى: ((وأتمُّوا الحجّ والعمرة
قه) أنهما فرضَان واجبان أمرَ الله تبارك وتعالى بإقامتهما، (٢) كما أمر بإقامة الصلاة،
وأنهما فريضتان، وأوجب العمرة وجوب الحج . وهم عدد كثير من الصحابة والتابعين
ومن بعدهم من الخالفين، (٣) كرهنا تطويل الكتاب بذكرهم وذكر الرويات عنهم .
وقالوا: معنى قوله: ((وأتموا الحج والعمرة لله))، وأقيموا الحج والعمرة.
ذكر بعض من قال ذلك :
٣٢١١ - حدثنا موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
١٢٢/٣٠ أسباط، عن السدى قوله: ((وأتموا الحج والعمرة" اللّه))، يقول: أقيموا الحج والعمرة.
٣٢١٢ - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا إسرائيل ،
عن ثُوير، عن أبيه، عن على: ((وأقيموا الحج والعمرة للبيت))، ثم هى واجبةٌ
مثل الحج . (٤)
(١) قوله: ((كذب الشعبى))، أى أخطأ. وهو كثير جداً فى الأخبار والأحاديث وأشعار
العرب ، بمعنى الخطأ، لا بمعنى الكذب الذى هو نقيض الصدق . ويعنى: أخطأ الشعبى فى اجتهاده.
(٢) فى المطبوعة: ((فى أنهما)) بزيادة ((فى)) وهو خطأ، ثم فيها ((فرضان واجبان من اللّه))،
والصواب ما أثبت .
(٣) يقال: خلف قوم بعد قوم، وسلطان بعد سلطان، يخلفون خلفاً. فهم خالفون.
تقول : أنا خالفه وخالفته : أى جئت بعده .
(٤) الخبر: ٣٢١٢ - أحمد بن حازم بن محمد بن يونس بن قيس بن أبى غرزة الغفارى، شيخ
الطبرى: مضت الرواية عنه فى: ٤٤، ١٦٤. ترجمه ابن أبى حاتم ١ / ١ / ٤٨، وذكر أنه كتب
إليه .
ثوير بن أبى فاختة: ضعيف جداً، روى البخارى فى الكبير ١ / ١٨٣/٢، والصغير:
١٢٨، عن الثورى، قال: ((كان ثوير من أركان الكذب))، وهو بضم الثاء المثلثة مصغراً.

١٣
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣٢١٣ - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا إسرائيل
قال، حدثنا ثوير، عن أبيه، عن عبد الله: ((وأقِيمُوا الحجّ والعمرةَ إلى البيت))،
ثم قال عبد الله: والله لولا التحرُّجُ، وأنىّ لم أسمع من رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم فيها شيئاً لقلت : إنّ العمرة واجبة مثل الحج. (١)
٠٠٠
قال أبو جعفر: وكأنهم عنوا بقولهم: ((أقيمُوا الحج والعمرة)): ائتوا بهما ،
بحدودهما وأحكامهما ، على ما فُرِض عليكم
٠
وقال آخرون ممن قرأ قراءة هؤلاء بنصب ((العُمْرة)): العمرة تطوعٌ = ورأوا
أنه لا دلالة على وجوبها فى نَصْبهم ((العمرة)» فى القراءة، إذا كان من الأعمال
ما قد يلزم العبدَ عمله وإتمامُهُ بدخوله فيه، ولم يكن ابتداءُ الدخول فيه فرضاً
عليه . وذلك كالحج التطوُّع، لا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أنّ عليه
المضىّ فيه وإتمامه ، ولم يكن فرضاً عليه ابتداء الدخولُ فيه . قالوا: فكذلك العمرة
غيرُ فرضٍ واجب الدخولُ فيها ابتداءً، غير أن على من دخل فيها وأوجبتها على
نفسه إتمامتها بعد الدخول فيها . قالوا: فليس فى أمر الله بإتمام الحج والعمرة، دلالةٌ
على وجوب فرضها . قالوا : وإنما أوَجبنا فرضَ الحجّ بقوله عز وجل: ﴿وَلِلْهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [سورة آل عمران: ٩٧].
وممن قال ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين .
ذكر بعض من قال ذلك :
أبوه، أبو فاختة: اسمه سعيد بن علاقة، وهو مولى أم هانى بنت أبى طالب . وهو تابعى ثقة ،
يروى عن على ، وعن ابن مسعود ، وغيرهما .
(١) الخبر: ٣٢١٣ - هو فى معنى الذى قبله، بالإسناد نفسه. وزاد فى هذا نسبة القراءة
لابن مسعود . وهى من القراءات الشاذة المخالفة لرسم المصحف .
ورواه البيهقى فى السنن الكبرى ٤: ٣٥١، من طريق عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل ، به.
والإسناد فى الخبرين ضعيف ، كما بينا آنفاً .

١٤
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣٢١٤ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا، حدثنا ابن إدريس قال ،
سمعت سعيد بن أبى عروبة، عن أبى معشر ، عن إبراهيم قال : قال عبد الله:
الحجُّ فريضة ، والعمرةُ تطوّع .
٣٢١٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن ابن أبى
عروبة ، عن أبى معشر ، عن النخعى ، عن ابن مسعود مثله .
٣٢١٦ - وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن عثمة قال ، حدثنا سعيد بن
بشير ، عن قتادة ، عن سعيد بن جبير قال : العمرة ليست بواجبة .
٣٢١٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن سماك قال :
سألت إبراهيم عن العمرة فقال : سنة حسنة .
٣٢١٨ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم مثله .
٣٢١٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حجاج قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن
المغيرة ، عن إبراهيم مثله .
٣٢٢٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن المغيرة ، عن إبراهيم مثله .
٣٢٢١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، قال ،
حدثنا عبد الله بن عون ، عن الشعبى قال : العمرة تطوع .
٠
قال أبو جعفر: فأما الذين قرأوا ذلك برفع ((العمرة))، فإنهم قالوا: لا وجه
لنَصْبها . فالعمرة إنما هى زيارة البيت، ولا يكون مستحقاً اسم معتمرٍ إلا وهو له
زائر. قالوا : وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته = وهو متى بلغه فطاف
به وبالصفا والمروة، فلا عمل يَبقى بعده يؤمَر بإتمامه بعد ذلك، كما يؤمر بإتمامه
الحاجُّ بعد بلوغِه والطوافِ به وبالصفا والمروة، بإتيان عَرَفة والمزدلفة والوقوف بالمواضع
التى أمر بالوقوف بها ، وعمل سائرٍ أعمال الحج الذى هو من تمامه بعد إتيان البيت

١٥
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
=(١) لم يكن لقول القائل للمعتمر: ((أتمّ عمرتك)) وجهٌ مفهوم. وإذا لم يكن له
وجهٌ مفهوم، فالصواب من القراءة فى ((العمرة)) الرفعُ، على أنه من أعمال البرَّ
لله، فتكون مرفوعة بخبرها الذى بعدها، وهو قوله: ((للّه)).
٠٠٠
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك عندنا ، قراءة من قرأ
بنصب ((العمرة))، على العطف بها على ((الحجّ))، بمعنى الأمر بإتمامهما له.
ولا معنى لاعتلال من اعتَّلّ فى رفعها بأن ((العمرة)) زيارة البيت. فإن المعتمر متى
بلغه، فلاعمل بقی علیه یؤمر بإتمامه . وذلك أنه إذا بلغ البيت فقد انقضت زيارته،
ويبقى عليه تمامُ العمل الذى أمره الله به فى اعتماره وزيارته البيت ، وذلك هو الطواف
بالبيت ، والسعى بين الصفا والمروة، وتجنبُ ما أمر اللّه بتجنبه إلى إتمامه ذلك .
وذلك عملٌ - وإن كان مما لزمه بإيجاب الزيارة على نفسه - غيرُ الزيارة. هذا، مع
إجماع الحجة على قراءة ((العمرة)) بالنصب، ومخالفة جميع قرأة الأمصار قراءةً من
قرأ ذلك رفعاً. ففى ذلك مستغنى عن الاستشهاد على خطأ من قرأ ذلك رفعاً. (٢)
وأما أولى القولين اللذين ذكرنا بالصواب فى تأويل قوله: ((والعمرةَ اللّه))، على
قراءة من قرأ ذلك نصباً، فقولُ عبد الله بن مسعود ومن قال بقوله، من أنّ معنى
ذلك: وأتموا الحج والعمرة لله إلى البيت، بعد إيجابكم إياهما = لا أنَّ ذلك أمرٌ من
الله عز وجل- بابتداء عَمَلهما والدخول فيهما، وأداء عملهما بتمامه- بهذه الآية.(٣)
وذلك أن الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفْنا: من أن يكون أمراً من اللهعز وجل
بإقامتهما ابتداءً وإيجاباً منه على العباد فرضَهما، وأن يكون أمراً منه بإتمامهما بعد
(١) سياق العبارة: ((وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته ... لم يكن لقول القائل
وما بينهما فصل طويل .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ١١٧، ومجاز القرآن لأبى عبيدة: ٦٨، ٦٩.
(٣) سياق العبارة: ((لا أن ذلك أمر من الله عز وجل ... بهذه الآية)).
.. »،

١٦
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
١٢٢/٢ الدخول فيهما، وبعد إيجاب موجبهما على نفسه . فإذا كانت الآية محتملة للمعنيين
اللذين وصفنا، فلا حجة فيها لأحد الفريقين على الآخر ، إلاّ وللآخر عليه فيها
مثلها . وإذا كان كذلك - ولم يكن بإيجاب فرض العمرة خبرٌ عن الحجة للعذرِ
قاطعاً، وكانت الأمة فى وجوبها متنازعة - لم يكن لقول قائلٍ: ((هى فرضٌ)، بغير
برهان دال" على صحة قوله، معنى. (١) إذا كانت الفرُوض لا تلزم العبادَ إلا بدلالة
على لزومها إياهم واضحةٍ .
فإن ظن ظانٌّ أنها واجبة وجوبَ الحج، وأنّ تأويلَ من تأوّلَ قوله: ((وأتمّوا
الحج والعمرة"لله))، بمعنى: أقيموا حدُودَهما وفروضهما، أوْلى من تأويلنا، (٢) بما :-
٣٢٢٢ - حدثنى به حاتم بن بكير الضبى قال : حدثنا أشهل بن حاتم
الأرطبائی قال ، حدثنا ابن عون ، عن محمد بن جحادة ، عن رجل ، عن زميل
له ، عن أبيه - وكان أبوه يكنى أبا المُنْتَفِقِ- قال: أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم
بعرفة ، فدنوتُ منه حتى اختلفتْ عُنق راحلى وُعُنُق راحلته ، فقلت : يا رسول
اللّه، أنبثنى بعمل ينجينى من عذاب الله وُيدخلُنى جَنتَهِ. قال: اعبد الله ولا تشرك
به شيئاً، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدّ الزكاة المفروضة، وُحجّ واعتَمِر = قال
أشهل : وأظنه قال : وُصُمْ رمضان = وانظر ماذا تحبُّ من الناس أن يأتوه إليك
فافعله بهم ، وما تكرهُ من الناس أن يأتوه إليك فذَرْهم منه. (٣)
(١) السياق: ((لم يكن لقول قائل ... معنى)).
(٢) سياق المعنى ... ((وأن تأويل من تأول .... أولى من تأويلنا)).
(٣) الحديث: ٣٢٢٢ - هذا إسناد ضعيف، لإيهام بعض رواته الذين لم يسموا.
حاتم بن بكير الضبى ، شيخ الطبرى : هو أيضاً من شيوخ ابن ماجة وابن خزيمة . مترجم فى
التهذيب والخلاصة، دون بيان حاله، وفى التقريب: ((مقبول)). وثبت اسم أبيه ((بكير)) بالتصغير -
هنا وفى الخلاصة. وثبت بالتكبير: ((بكر)) - فى التهذيب والخلاصة. ولم أجده فى مصدر آخر حتى
أستطيع الترجيح بينهما .
أشهل - بالشين المعجمة - بن حاتم ، أبو حاتم البصرى الجمحى : مختلف فيه ، فضعفه ابن معين.
وقال أبو زرعة: ((محله الصدق، وليس بالقوى، رأيته يسند عن ابن عون حديثاً، الناس يوقفونه)).

١٧
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
وما : -
٣٢٢٣ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى
ومحمد بن أبى عدى ، عن شعبة ، عن النعمان بن سالم ، عن عمرو بن
أوس، عن أبى رزين العقيلى ؛ رجل من بنى عامر، قال : قلت : يا رسول الله ،
إنّ أبى شيخٌ كبير لا يستطيع الحجّ ولا العمرة ولا الظَّعْن، وقد أدركه
وترجمه البخارى فى الكبير ١ / ٢ / ٦٩ فلم يذكر فيه جرحاً . ثم هو قد روى له فى الصحيح حديثاً
متصلا وآخر معلقاً. انظر مقدمة الفتح، ص : ٣٨٩.
وأما نسبته هنا ((الأرطبائى)) - فلا أدرى ما هى؟ ولا أعرف لها توجيهاً. إلا أن يكون من أكثر
الرواية عن شيخه ((ابن عون)) - وهو ((عبد الله بن عون بن أرطبان)) بالنون فى آخره - فنسب إلى
((أرطبان)) لذلك، ثم حرفت ((الأرطبانى)) إلى ((الأرطبائى)). وما وجدت ما يدل على ذلك، ولا ما يشير
إلى أنه يكثر الرواية عن ابن عون - وإنما هو ظن ظننته.
محمد بن جحادة : مضت ترجمته : ٣٤.
أبو المنتفق - ويقال ابن المنتفق -: ترجمه ابن الأثير فى أسد الغابة ٥ : ٣٠٦ - وروى هذا
الحديث، بإسناده إلى معاذ بن معاذ، عن ابن عون، بهذا الإسناد. ووقع فيه ((ابن عوف))، وهو خطأ
مطبعى ظاهر .
وترجمه الحافظ فى الإصابة ٧ : ١٨١، وذكر له هذا الحديث من رواية الطبرانى ، ولكن فيه
((محمد بن جحادة))، عن زميل له - بحذف ((عن رجل)) من بينهما.
وترجمه ابن أبى حاتم ٣٢٧/٢/٤، باسم ((ابن المنتفق))، هكذا: ((أنه وصف صفة
النبى صلى الله عليه وسلم، فيما روى محمد بن جحادة، عن المغيرة بن عبد الله البشكرى، عن أبيه ،
عنه )» .
والحديث ذكره الهيشى فى مجمع الزوائد ١: ٤٣ - ٤٤، من غير هذا الوجه، قال: ((وعن
حجير، عن أبيه، وكان يكنى أبا المنتفق))، فذكر نحوه، وفيه - كما هنا - ((وحج واعتمر)).
وذكره قبل ذلك ١ : ٤٣، من وجهين آخرين، ليس فيهما هذا اللفظ.
وقال الحافظ فى الإصابة - بعد أن أشار إلى رواية الطبرانى من طريق ابن عون: ((قال الطبرانى:
اضطرب ابن عون فى إسناده، ولم يضبطه عن محمد بن جحادة، وضبطه همام . ثم أخرجه من طريق
همام، عن محمد بن جحادة، عن المغيرة بن عبد اللّه اليشكرى، عن أبيه، قال: قدمت الكوفة ،
فدخلت المسجد فإذا رجل من قيس، يقال له ابن المنتفق، فسمعته يقول)) ... وهذه الرواية هى
التى ذكرها صاحب الزوائد أولا .
وطرق الحديث من أوجه، منها رواية همام، التى ذكرها الحافظ -: فى المسند: ١٥٩٤٨-١٥٩٥٠
(٣: ٤٧٢ - ٤٧٣ حلى)، و: ١٦٧٧٤ (٤: ٧٦ - ٧٧ حلى)، و (٥ : ٣٧٢ -
٣٧٣، و٦ : ٣٨٣ - ٣٨٤ حلبى). ولم أجد فى روايات المسند هذه، ذكراً العمرة .
ج : (٢)

١٨
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
الإسلام، أفأحج عنه؟ قال: ◌ُحُج عن أبيك واعتمر. (١)
= وما : -
٣٢٢٤ - حدثنى به يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن أبى
قلابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : اعبدوا الله ولا تشركوا به
شيئاً، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحُجُّوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم.(٢)
٠٠٠
=وما أشبه ذلك من الأخبار، فإن هذه أخبار لا يثبت بمثلها فى الدين حجة
لِوَهْى أسانيدها، وأنها - معَ وَهْى أسانيدها - لها فى الأخبار أشكالٌ تنبئ عن
أنّ العمرة تطوعٌ لا فرض واجب ، وهو ما : -
(١) الحديث: ٣٢٢٣ - يعقوب بن إبراهيم: هو الدورق الحافظ، مضى فى: ٢٣٧، ٣٣٥.
وهو يروى عن عبد الرحمن بن مهدى. ووقع فى المطبوعة هنا بينهما زيادة ((قال حدثنا ابن إبراهيم))،
وهى زيادة خطأ من ناسخ أو طابع ، لا معنى لها ، فحذفناها .
النعمان بن سالم الطائفى: ثقة، وثقه ابن معين وغيره ، وأخرج له مسلم فى الصحيح .
عمرو بن أوس بن أبى أوسن الثقفى الطائفى: تابعى ثقة. أخرج له أصحاب الكتب الستة .
أبو رزين العقيلى : هو لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر، وهو صحابى معروف ، وغلط من
جعله و((لقيط بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق)) - واحداً . بل هما صحابيان، وقد فصل بينهما
ابن سعد ه : ٣٧٩ ، ٣٤٠.
وهذا الحديث صحيح، خلافاً لما قاله الطبرى فيما سيأتى بعد أسطر ، إذ ضعف هذه الأحاديث كلها ،
وفيها هذا الحديث .
وقد رواه الطيالسى: ١٠٩١، عن شعبة. ورواه أحمد فى المسند : ١٦٢٥٣، عن وكيع.
و ١٦٢٥٩، عن عفان، و١٦٢٦٨، عن بهز وعفان، و ١٦٢٧٢، عن يزيد بن هرون - كلهم
عن شعبة، بهذا الإسناد (ج ٤ ص ١٠، ١١، ١٢ حلبى).
ورواه أبو داود: ١٨١٠، عن حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم - كلاهما عن شعبة . وقال
المنذرى: ١٧٣٦، ((وأخرجه الترمذى، والنسائى، وابن ماجة. وقال الترمذى: حسن صحيح. وقال
الإمام أخد: لا أعلم فى إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا، ولا أصح منه)).
ورواه البيهقى ٤: ٣٥٠، من طريق أبي داود. ثم روى كلمة أحمد بن حنبل فى تصحيحه.
(٢) الحديث: ٣٢٢٤ - أبو قلابة - بكسر القاف وتخفيف اللام: هو عبد الله بن زيد
الجرى ، أحد الأعلام ، من التابعين .
فهذا الحديث مرسل ، لا تقوم به حجة . ولم أجده إلا هنا .

١٩
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
٣٢٢٥ - حدثنا به محمد بن حميد ومحمد بن عيسى الدامغانی قالا ، حدثنا
عبد الله بن المبارك ، عن الحجاج بن أرطأة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر
ابن عبد الله، عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن العمرة: أواجبة هى ؟
فقال : لا ، وأن تعتمروا خيرٌ لكم.(١)
٣٢٢٦ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير = وحدثنى يحيى بن طلحة
اليربوعى قال ، حدثنا شريك =، عن معاوية بن إسحق، عن أبى صالح الحنفى قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحجُّ جهادٌ، والعمرة تطوع. (٢)
#
(١) الحديث : ٣٢٢٥ - محمد بن عيسى الدامغانى، شيخ الطبرى: روى عنه أبو حاتم،
وقال: ((يكتب حديثه)). وروى عنه أيضاً النسائى، وابن خزيمة ، وغيرهم .
والحديث رواه أحمد : ١٤٤٤٩ (٣: ٣١٦ حلى)، عن أبى معاوية، عن الحجاج بن أرطاة،
بهذا الإسناد ، نحوه .
ورواه أيضاً الترمذى ٢: ١١٣، من طريق عمر بن على، والبيهقى ٤: ٣٤٩، من طريق
عبد الواحد بن زياد - كلاهما عن الحجاج ، به ، نحوه .
وقال الترمذى: ((هذا حديث حسن صحيح)). ورجح البيهقى أن المحفوظ روايته موقوفاً ، من كلام
جابر، وقد أطال الحافظ ابن حجر، فى التلخيص، ص: ٢٠٤، فى إعلال المرفوع وترجيح الموقوف .
(٢) الحديث: ٣٢٢٦ - شريك: هو ابن عبد الله النخعى، مضت ترجمته : ٢٥٢٧.
معاوية بن إسحق بن طلحة بن عبيد الله التيمى: تابعى ثقة .
أبو صالح الحنفى : هو عبد الرحمن بن قيس الكوفى ، وهو تابعى ثقة . وأخطأ بعضهم فسماه
((ماهان))، والصواب أن كنية ((ماهان)): ((أبو سالم الحثى)). انظر الترجمتين فى التهذيب. وعلى
الرغم من أن الحافظ ابن حجر حقق ذلك فى الموضعين من التهذيب - فإنه سها فى التلخيص، ص: ٢٠٤،
فقال: ((وأبو صالح: ليس هو ذكوان السمان، بل هو أبو صالح ماهان الحنف))!
وهذا الحديث مرسل. ورواه الشافعى فى الأم ٢: ١١٣، قال: ((فاختلف الناس فى العمرة،
فقال بعض المشرقيين: العمرة تطوع. وقال سعيد بن سالم، (هو القداح، شيخ الشافعى). واحتج
بأن سفيان الثورى أخبره عن معاوية بن إسحق ، عن أبى صالح الحنفى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : الحج جهاد، والعمرة تطوع. فقلت له : أتثبت مثل هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم؟ فقال:
هو منقطع)). ثم ذهب الشافعى يقيم عليه الحجة - إلى أن قال: ((والذى هو أشبه بظاهر القرآن،
وأولى بأهل العلم عندى - وأسأل الله التوفيق - أن تكون العمرة واجبة)). إلى آخر ما قال.
وقد روى ايبقى ٤: ٣٤٨ هذا الحديث المرسل، من طريق الشافعى ، ثم نقل عنه بعض ما نقلنا.

٢٠
تفسير سورة البقرة : ١٩٦
قال أبو جعفر: وقد زعم بعض أهل الغباء أنه قد صحَّ عنده أن العمرة واجبةٌ،
بأنه لم يجد تطوعاً ، إلا وله إمامٌ من المكتوبة. فلما صح أنّ العمرة تطوّع،
وجب أن يكون لها فَرْضٌ ، لأن الفرض إمام التطوع فى جميع الأعمال .
٠
فيقال لقائل ذلك : فقد جعل الاعتكاف تطوُّعاً، فما الفرض منه الذى هو
إمامٌ مُتطوَّعه؟
ثم يسئل عن الاعتكاف : أواجب هو أم غير واجب ؟
فإن قال: (( واجبٌ))، خرج من قول جميع الأمة .
وإن قال : تطوع .
قيل : فما الذى أوجب أن يكون الاعتكاف تطوعاً والعمرةُ فرضاً ، من الوجه
الذى يجب التسليم له ؟
فلن يقول فى أحدهما شيئاً إلا ألزم فى الآخر مثله .
...
= وبما استشهدنا من الأدلة، فإن أولى القراءتين بالصواب فى ((العمرة))
قراءةُ من قرأها نصباً - وأنّ أولى التأويلين فى قوله: ((وأتموا الحج والعمرة لله))،
تأويلُ ابن عباس الذى ذكرنا عنه من رواية على بن أبى طلحة عنه : من أنه
أمرٌ من الله بإتمام أعمالهما بعد الدُّخول فيهما، وإيجابهما ، على ما أمر به من
حدودهما وسنّنِهما - وأنّ أولى القولين فى ((العمرة)) بالصواب، قول من قال:
(هى تطوّع لا فرض)) - وأن معنى الآية: وأتموا أيها المؤمنون الحجّ والعمرة لله بعد
دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم، على ما أمركم الله من حدودهما .
٥
وإنما أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية على نبيه عليه السلام فى عمرة الحديبية
التى صُدَّ فيها عن البيت، معرّفَهُ والمؤمنين فيها ما عليهم فى إحرامهم إن خُلِّى بينهم
وبين البيت ، ومبيِّناً لهم فيهاما المُخْرِج لهم من إحرامهم إن أحرموا فصُدوا عن البيت.