النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
تفسير سورة البقرة : ١٩٠٤١٨٩
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : واتقوا الله أيها الناس ، فاحذروه
وارهبوه ، بطاعته فيما أمركم به من فرائضه ، واجتناب ما نها كم عنه ، لتفلحوا
فتنجحوا فى طلباتكم لديه، وتدركوا به البقاءَ فى جَنَّاته، والخلودّ فى نعيمه.
٠٠٠
وقد بينا معنى (( الفلاح )) فيما مضى قبلُ بما يدل عليه. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقَتْلُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ
◌ُقْلُوَنَكُمْ وَلاَ تَعْدُوْاْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (١٠)
قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل فى تأويل هذه الآية.
فقال بعضهم : هذه الآية هى أول آية نزلت فى أمر المسلمين بقتال أهل
الشرك . وقالوا : أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين ، والكف عمن
كفّ عنهم، ثم نسخت بـ ((براءة)).
ذكر من قال ذلك :
٣٠٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن
أبى جعفر، عن أبى جعفر، عن الربيع فى قوله: ((وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم
ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين))، قال: هذه أوّل آية نزلت فى القتال
(١) انظر ما سلف ١ : ٢٤٩ - ٢٥٠.
ج ٣ (٣٦) .

٥٦٢
تفسير سورة البقرة : ١٩٠
بالمدينة . فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من بقاتله ،
ويكفُّ عمن كفّ عنه، حتى نزلت ((براءة)) - ولم يذكر عبد الرحمن: ((المدينة)).
٣٠٩٠ - حدثی یونس قال: أخبرنا ابن وهبقال، قال ابن زيد فى قوله:
((وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم)) إلى آخر الآية، قال: قد نسخ هذا ! وقرأ
قول الله: ﴿وَقَتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةٌ كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَةٌ﴾ [سورة التوبة: ٣٦]،
وهذه الناسخة، وقرأ: ﴿برَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾، حتى بلغ (فَإِذَا انْسَلَخَ
اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى ﴿ إِنّ اللهَ غَفُورٌ"
رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١ - ٥]
٠
وقال آخرون : بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار ،
لم ينسخ. وإنما الاعتداءُ الذى نهاهم اللّه عنه، هو نهيه عن قتل النساء والذّرارىّ.
قالوا : والنهى عن قتلهم ثابتٌ حكمه اليوم. قالوا: فلا شىء نُسخ من حكم
هذه الآية .
· ذکر من قال ذلك :
٣٠٩١ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي ، عن صَدقة الدمشفى،
عن يحيى بن يحيى الغسانى قال : كتبتُ إلى عمر بن العزيز أسألهُ عن قوله :
(((وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحب المعتدين))،
قال: فكتب إلىّ: ((إنّ ذلك فى النساء والذريّة ومن لم ينصِبْ لك الحرب منهم)).
٣٠٩٢ ۔۔ حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((وقاتلوا فى سبيل الله
الذين يقاتلونكم))، لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بقتال الكفار.
٣٠٩٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .

٠٦٣
تفسير سورة البقرة : ١٩٠
٣٠٩٤ - حدثنى على بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية،
عن على، عن ابن عباس: ((وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن"
الله لا يحب المعتدين))، يقول: لا تقتلوا النساء، ولا الصُّبيان، ولا الشيخ الكبير،
"وَلا مِنْ ألفى إليكم السَّمَ وكفَّ يده . فإن فعلتم هذا فقد اعتدیم.
١١١/٢
٣٠٩٥ - حدثنی ابن البرقى قال، حدثنا عمرو بن أبى سلمة ، عن سعيد
ابن عبد العزيز قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدىٌ بن أرطاة: ((إنى وجدتُ
آية فى كتاب الله: ((وقاتلوا فى سبيل اللّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب
المعتدين))، أى: لا تقاتل من لا يقاتلك، يعنى: النساء والصبيان والرُّهبان)).
٠٠
قال أبو جعفر : وأولى هذين القولين بالصواب ، القولُ الذى قاله عمر بن
عبد العزيز. لأن دعوى المدَّعى نَسْخَ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة، بغير
دلالة على صحة دعواه ، تحكم . والتحكم لا يعجز عنه أحد .
وقد دلنا على معنى ((النسخ))، والمعنى الذى من قبله يثبت صحة النسخ ،
بما قد أغنى عن إعادته فى هذا الموضع (١).
٥
٠
فتأويل الآية - إذا كان الأمر على ما وصفنا -: وقاتلوا أيها المؤمنون فى سبيل اللّه =
وسبيلُه : طريقه الذى أوضحه ، ودينه الذى شرعه لعباده = يقول لهم تعالى ذكره :
قاتلوا فى طاعتى وَعلى ما شرعت لكم من دينى، وادعوا إليه من وَلَّى عنه واستكبر
بالأيدى والألسن ، حتى يُنيبوا إلى طاعتى ، أو يعطوكم الجزية صغاراً إن كانوا
أهل كتاب. وأمرهم تعالى ذكره بقتال من" كان منه قتال من مُقاتِلة أهل الكفر،
دون من لم يكن منه قتال ، (٢) من نسائهم وذراريهم، فإنهم أموال وَخوّلٌ لهم،
إذا ◌ُغلب المقاتلون منهم فقُهروا. فذلك معنى قوله: ((قاتلوا فى سبيل اللّه الذين
(١) انظر ما سلف ٢: ٤٧١ - ٤٨٣، وهذا الجزء ٣: ٣٨٥
(٢) فى المطبوعة فى الموضعين: ((فيه قتال))، وهو خطأ.

٥٦٤
تفسير سورة البقرة : ١٩١،١٩٠
يقاتلونكم )). لأنه أباح الكف عمن كف فلم يُقاتل من مشركى أهل الأوثان،
والكافين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صغاراً.
فمعنى قوله: ((ولا تعتدوا)): لا تقتلوا وليداً ولا امرأةً ، ولا من أعطاكم
الجزية من أهل الكتابَين والمجوس، ((إنّ اللّه لا يحب المعتدين))، الذين يجاوزون
حدوده ، فيستحلُّون ما حرّمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حَرَّم قتلهم
من نساء المشركين وذراريهم. (١)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى (وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفْتُهُمْ
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَبُوكُمْ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم
من المشركين حيث أصبتم مقاتلهم وأمكنكم قتلهم . وذلك هو معنى قوله :
٠٠
۵
(( حيث ثقتموهم )).
ومعنى ((الثَّقْفَة)) بالأمر (٢): الحذق به والبصر، يقال: ((إنه لثّقِف لقف»،
إذا كان جيد الحذر فى القتال، بصيراً بمواقع القتل. وأما ((التَّثْقيف))، فمعنى غير
هذا ، وهو التقويم.
٠
٠٠
فعی: « واقتلوهم حيث ثقفتموهم ،، اقتلوهم فی أی مکان تمکنتم من قطهم،
وأبصرتم مقاتلهم.
(١) انظر تفسير ((الاعتداء)) فيما سلف ٢: ٣٠٧، وهذا الجزء ٣: ٣٧٦°م: ٥٧٣
(٢) هذا مصدر لم أجده فى كتب اللغة، وكأنه كما ضبطته بكسر الثاء على وزن (حكمة
ونشدة)). والذى ذكروه: ((ثقف الشىء ثقفاً وثقافاً وثقوفة)).

٥٦٥
تفسير سورة البقرة : ١٩١
وأما قوله: ((وأخرجوهم من حيث أخرجوكم)) ، فإنه يُعنى بذلك المهاجرين
الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة، فقال لهم تعالى ذكره : أخرجوا هؤلاء الذين
يقاتلونكم - وقد أخرجوكم من دياركم - من مساكنهم وديارهم كما أخرجوكم منها.
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((والفتنة أشد من القتل))، والشرك
باللّه أشدّ من القتل .
٠
وقد بينت فيما مضى أن أصل ((الفتنة))، الابتلاءُ والاختبار. (١)
٠
٠٠
فتأويل الكلام : وابتلاءُ المؤمن فى دينه حتى يرجعَ عنه فيصير مشركاً بالله
من بعد إسلامه ، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتل مقيماً على دينه، متمسكاً عليه ،
◌ُحقًّا فيه ، کما :-
٣٠٩٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((والفتنة أشدُّ من القتل))، قال :
ارتداد المؤمن إلى الوَئن أشدُّ عليه من القتل.
٣٠٩٧ - حدثنی المثی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله.
٣٠٩٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: (( والفتنة أشدُّ من القتل))، يقول: الشرك أشدُّ من القتل.
(١) انظر ما سلف ٢ : ٤٤٤.

٥٦٦
تفسير سورة البقرة : ١٩١
٣٠٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة مثله .
٣١٠٠ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن
أبيه، عن الربيع: ((والفتنة أشدُّ من القتل))، يقول : الشرك أشدُّ من القتل.
٣١٠١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((والفتنة أشدُّ من القتل))، قال: الشرك.
٣١٠٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج ، أخبرنى عبد الله بن كثير، عن مجاهد فى قوله: ((والفتنة أشدُّ
من القتل))، قال : الفتنة الشركُ.
٣١٠٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت الفضل بن خالد قال ،
حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: (( والفتنة أشدُّ من القتل))، قال: الشرك
أشدُّ من القتل .
٣١٠٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله
جل ذكره: ((والفتنة أشدُّ من القتل))، قال: فتنة الكفر.
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلاَ تُقْتِلُوهُمْ عِنْدَ اَلْسَنْجِدِ
الْحَرَامِ حَتَّى يُقْتِلُوكُمْ فِهِ فَإِنْ قَتُلُوكُمْ فَقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ
الكافرِينَ﴾ (١٦)
١١٢/٢
قال أبو جعفر : والقَرَأةُ مختلفة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامَّة قراء المدينة ومكة: ((ولا تُقاتلوهم عندَ المسجد الحرام حتى
يُقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم))، بمعنى: ولا تبتدئوا - أيها المؤمنون -

٠٦٧
تفسير سورة البقرة : ١٩١
المشركين بالقتال عند المسجد الحرام ، حتى يبدأوكم به ، فإن بدأوكم به هناك
عند المسجد الحرام فى الحرم ، فاقتلوهم ، فإن اللّه جعل ثواب الكافرين على
كفرهم وأعمالهم السيئة ، القتلُ فى الدنيا، والخزى الطويل فى الآخرة ، كما :-
٣١٠٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ))، كانوا لا يقاتاون
فيه حتى يُبدأوا بالقتال، ثم نسخ بعدُ ذلك فقال: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)»
= حتى لا يكون شركٌ = ((ويكون الدين لله)) = أن يقال: لا إله إلا الله، عليها
قاتل نُّ اللّه ، وإليها دعا .
٣١٠٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا همام ،
عن قتادة: (( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم
فاقتلوهم ))، فأمر الله نبيّه صلى اللّه عليه وسلم أن لا يقاتلهم عند المسجد الحرام إلا أن
يبدأوا فيه بقتال. ثم نسخ اللّه ذلك بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأُشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا
الُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٥]، فأمر الله نبيَّه إذا انقضى
الأجل أن يقاتلهم فى الحِلّ والحرَم وعند البيت، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله
وأنّ محمداً رسولُ الله .
٣١٠٧ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه))،
فكانوا لا يقاتلونهم فيه، ثم نسخ ذلك بعدُ فقال: ((قاتلوهم حتى لا تكون فتنة)».
٠٠٠
وقال بعضُهم : هذه آيةٌ محكمة غيرُ منسوخة .
• ذكر من قال ذلك :
٣١٠٨ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد: ((فإن قاتلوكم))، فى الحرم فاقتلوهم كذلك جزاءُ الكافرين،

٥٦٨
تفسير سورة البقرة : ١٩١
لا تقاتل أحداً فيه ، فمن عدا عليك فقاتلك ، فقاتله كما يقاتلك .
٠٠٠
وقرأ ذلك عُظْم قراء الكوفيين: ((ولا تَقْتلوهم عند المسجد الحرام حتى يَقْلوكم
فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم )) ، بمعنى : ولا تبدأوهم بقتل حتى يبدأوكم به .
• ذكر من قال ذلك :
٣١٠٩ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبى
حماد، عن أبى حماد ، عن حمزة الزيات قال: قلت للأعمش : أرأيت قراءتك:
((ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يَقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم كذلك
جزاءُ الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رَحيم))، إذا قُتلوهم كيف يقتلونهم ؟
قال: إن العرب إذا قُتل منهم رجل، قالوا: ((قُتلنا))، وإذا 'ضرب منهم رجل
قالوا: ((ضربنا)). (١)
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر: وأولى هاتين القراءتين بالصواب، قراءةُ من قرأ: ((ولا
تُقاتلوهم عند المسجد الحرام "حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم)). لأن الله
تعالى ذكره لم يأمر نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فى حالٍ - إذا قاتلهم المشركون .-
بالاستسلام لهم حتى يَقتلوا منهم قتيلاً، بعد ما أذن لَهُ ولهم بقتالهم، فتكونَ القراءة
بالإذن بقتلهم بعد أن يقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا. وإذ كان ذلك كذلك،
فمعلومٌ أنه قد كان تعالى ذكره أذن لهم بقتالهم، إذا كان ابتداء القتال من المشركين،
قبل أن يقتلوا منهم قتيلاً وبعد أن يقتلوا منهم قتيلاً .
وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة))،
(١) الخبر: ٣١٠٩ - عبد الرحمن بن أبى حماد سكين الكوفى: ترجمه ابن الجزرى فى طبقات
القراء ١: ٣٦٩ - ٣٧٠، وذكر أنه أخذ القراءة عن حمزة الزيات، ((وهو أحد الذين خلفوه
فى القيام بالقراءة)» ..
وأما شيخه - فى هذا الإسناد - (أبو حماد)): فلا ندرى من هو؟ والظن أنه زيادة خطأ من
الناسخين . وهكذا ظن أخى السيد محمود ، أيضاً .

٥٦٩
تفسير سورة البقرة : ١٩١ ، ١٩٢
وقوله: ﴿فَقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٥] ونحو ذلك من الآيات.
...
وقد ذ کرنا بعض قول من قال هی منسوخة ، وسنذ کر قول من حضرنا ذکرُه
ممن لم يُذكر .
٣١١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((ولا تُقاتلوهم عندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه))،
قال: نسخها قوله: ﴿ فَقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْتُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾
٣١١١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يُقاتلوكم فيه))، قال : حتى يبدأوكم ،
كان هذا قد ◌ُحُرِّم فأحل الله ذلك له، فلم يزل ثابتاً حتى أمره الله بقتالهم بعدُ .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ) ١
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك : فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم
عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا، ((فإن الله غفورٌ)) لذنوب من آمن
منهم وتاب من شر که،وأنابإلى الله من معاصیه التی سلفت منه،وأيامه التى مضت
=(رحيم)) به فى آخرته، بفضله عليه، وإعطائه ما يعطى أهل طاعته من الثواب ، بإنابته
إلی محبته من معصيته ، کما : -
٣١١٢ - حدثنا المثی قال،حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
أبي نجيح، عن مجاهد: ((فإن انتهوا)) = فإن تابوا = ((فإن الله غفورٌ رَحيم)).
٠

٥٧٠
تفسير سورة البقرة : ١٩٣
القول فى تأويل قوله تعالى (وَقْلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فَِّةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ لِهِ﴾
١١٣/٢
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقاتلوا
المشركين الذين يقاتلونكم حتى لا تكون فتنة = يعنى: حتى لا يكون شركٌ باللّه،
وحتى لا يُعبد دونه أحدٌ، وتضمحلّ عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون
العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان ، كما قال قتادة فيما : -
٣١١٣ - حدثنا بشر بنمعاذ قال،حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة )»، قال : حتى لا يكون شرك .
٣١١٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة))، قال : حتى لا
یکون شرك .
٣١١٥ - حدثنى محمد بنعمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة )) ،
قال: الشرك، ((ويكون الدِّين اللّه)).
٣١١٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٣١١٧ - حدثی موسی بن هرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة))، قال : أما الفتنة فالشرك .
٣١١٨ - حدثی محمد بن سعد قال،حدثی ابی قال ، حدثی عمی قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة))،
يقول : قاتلوا حتى لا يكون شرك .

٥٧١
تفسير سورة البقرة : ١٩٣
٣١١٩ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة))، أى شركٌ
٣١٢٠ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زید فی
قوله: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ))، قال: حتى لا يكون كفر، وقرأ (تَقَاتِلُونَهُمْ
أَوْ يُسْلُونَ﴾ [سورة الفتح: ١٦].
٣١٢١ - حدثنى على بن داود قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس : (( وقاتلوهم حتى لا تكون
فتنة ))، يقول : شرك" .
وأما ((الدين))، الذى ذكره الله فى هذا الموضع، (١) فهو العبادة والطاعة الله
فى أمره ونهيه ، من ذلك قول الأعشى :
هُوَّدَانَ الرَّبَبَ، إِذْكَرِهُوا الدَّيِ نَ، دِرَاكَاً بِغَزْوَةٍ وَصِيَالٍ (٢)
يعنى بقوله: ((إذكرهوا الدين))، إذكرهوا الطاعة وأبوْها .
٠
٥
(١) انظر معنى ((الدين)) فيما سلف ١: ١٥٥، ٢٢١.
(٢) ديوانه: ١٢ وسيأتى فى التفسير ٣: ١٤١ (بولاق)، قالها فى مدح الأسود بن المنذر
الخمى ، أخى النعمان بن المنذر لأمه ، وأم الأسود من قيم الرباب . هذا قول أبى عبيدة ، والصواب ما
قال غيره: أنه قالها فى ملح المنذر بن الأسود ، وكان غزا الحليفين أسداً وذبيان ، ثم أغار على الطف ،
فأصاب نعماً وأسرى وسبباً من رهط الأعشى بنى سعد بن ضبيعة بن ثعلبة، والأعشى غائب . فلما قدم
وجد الحى مباحاً . فأتاه فأنشده، وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم ، ففعل .
والرباب (بكسر الراء) هم بنو عبد مناة بن أد : تيم وعدى وعوف وثور ، اجتمعوا فتحالفوا
مع بنى عمهم ضبة بن أد، على بنى عمهم تميم بن أد . فجاؤوا برب (تمر مطبوخ) فغموا فيه
أيديهم، فسموا ((الرباب))، ثم خرجت ضبة عنهم، واكتفت بعددها.
وقوله: ((دان الرباب)) أى أذهم واستعبدهم وحلهم على الطاعة. وقوله: ((دراكاً))،
متابعاً يدرك بعضه بعضاً . والصيال: السطوة . صال على عدوه: وثب عليه وسطا . يقول تابع غزوهم
والسطو عليهم حتى دانو بالطاعة.

٥٧٢
تفسير سورة البقرة : ١٩٣
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٣١٢٢ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع: ((ويكونَ الدِّينُ اللّه))، يقول: حتى لا يعبد إلا الله، وذلك
(( لا إله إلا اللّه))، عليه قاتل النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم وإليه دعا، فقال النبى
صلى الله عليه وسلم: ((إنّ أمرتُ أن أقاتِل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا
الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا
بحقِّها، وحسابهم على الله)).
٣١٢٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((ويكون الدِّينُ اللّه)) = أن يقال: ((لا إله إلا الله))، ذكير لنا أن نبيَّ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: ((إنّ الله أمرنى أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا
لا إله إلاّ اللّه))، ثم ذكر مثل حديث الربيع.
. ..
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَلَاَ عُدْوَنَ إِلَّ عَلَى
اٌلَّقَّلِمِينَ﴾ (
١٩٣
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فإن انتهوا ))، فإن انتهى الذين
يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم ، ودخلوا فى ملتكم ، وأقرُّوا بما ألزمكم الله من
فرائضه ، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان ، فدعوا الاعتداء عليهم وقتالَهم
وجهاد هم ، فإنه لا ينبغى أن يُعتدى إلا على الظالمين - وهم المشركون بالله،
والذين تركوا عبادته وعبدوا غيرَ خالقهم .

٥٧٣
تفسير سورة البقرة : ١٩٣
فإن قال قائل: وهل يجوز الاعتداء على الظالم فيقال: ((فَلا عدوان إلاّ
على الظالمين )) ؟ (١)
قيل: إن المعنى فى ذلك على غير الوجه الذى إليه ذهبتَ. وإنما ذلك على وجه
المجازاة ، لما كان من المشركين من الاعتداء . يقول : افعلوا بهم مثل الذى فعلوا
بكم، كما يقال: ((إن تعاطيتَ منّى ظلماً تعاطيته منك))، والثانى ليس بظلم ،
كما قال عمرو بن شأس الأسدىّ:
جَزَيْاَ ذَوِى الْعُدْوَانِ بِالْأَمْسِ قَرْضَهُمْ قِصَاصَ، سَواءِ حَذْوَكَ الَّعْلَ بِالنَّعْلِ (٣)
وإنما كان ذلك نظير قوله: ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [سورة البقرة: ١٥]،
وَ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٧٩]، وقد بينا وجه ذلك
ونظائره فيما مضى قبلُ (٣) .
وبالذى قلنا فى ذلك من التأويل قال جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٣١٢٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((فلاعدوان إلا على الظالمين))، والظالم الذى أبى أن يقول :
((( لا إله إلا الله)).
٣١٢٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع: ((فلا عُدوان إلاّ على الظالمين))، قال: هم المشركون .
٣١٢٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عثمان بن
غياث قال، سمعت عكرمة فى هذه الآية: ((فلا عدوان إلاّ على الظالمين»،
١١٤/٢
(١) انظر معنى (العدوان)) فيما سلف ٢: ٣٠٧، وهذا الجزء ٣ : ٣٧٦، ٥٦٤
(٢) لم أجد البيت، وشعر عمرو بن شأس على كثرته وجودته، قد ضاع أكثره .
(٣) انظر ما سلف ١ : ٣٠١ - ٣٠٦.

٥٧٤
تفسير سورة البقرة : ١٩٣
قال: 'هم من أبى أن يقول: ((لا إله إلاّ اللّه)).
٠٠٠
وقال آخرون معنى قوله: ((فلا عدوان إلاّ على الظالمين))، فلا تقاتل إلا
من قاتل .
• ذكر من قال ذلك :
٣١٢٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فإن انتهوا فلا عدوان إلاّ على الظالمين))،
يقول: لا تقاتلوا إلاّ من قاتلكم .
٣١٢٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٣١٢٩ ۔۔ حدثنی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط،
عن السدى قال: ((فإن انتهوا فلا 'عدوان إلاّ على الظالمين))، فإنّ اللّه لا يحب
العُدوان على الظالمين ولا على غيرهم، ولكن يقول: اعتدُوا عليهم بمثل ما اعتدوا
عليكم .
٠٠٠
قال أبو جعفر : فكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول فى قوله :
((فإن انتهوا فلاُ عدوان إلا على الظالمين))، لا يجوز أن يقول: ((فإن انتهوا)) إلاّ وقد
علم أنهم لا يَنتهون إلاّ بعضهم ، فكأنه قال : فإن انتهى بعضُهم ، فلا عدوان
إلاّ على الظالمين منهم. فأضمر، كما قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ
فَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الَهَدْىِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]، يريد: فعليه ما استيسر من الهدى،
وكما يقول: ((إلى من تقصد أقصد )) ، يعنى : إليه .
وكان بعضهم ينكر الإضمار فى ذلك ، ويتأوله : فإن انتهوا فإن الله غفورٌ
رحيم لمن انتهى ، ولا عدوان إلاّ على الظالمين الذين لا ينتهون .

٥٧٥
تفسير سورة البقرة : ١٩٤
القول فى تأويل قوله تعالى (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَّتُ
قِصَاصُ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (( الشهر الحرام بالشهر الحرام))،
ذا القعدة، وهو الشهر الذى كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم اعتمر فيه مُمرة
الحديبية، فصدّه مشركو أهل مكة عن البيت ودخول مكة ، سنة ست من هجرته .
وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين فى تلك السنة، على أن يعود من العام
المقبل فيدخل مكة ويقيم ثلاثاً . فلما كان العامُ المقبل ، وذلك سنة سبع من
هجرته ، خرج معتمراً وأصحابه فى ذى القعدة - وهو الشهر الذى كان المشركون
صدُّوه عن البيت فيه فى سنة ست - وأخلى له أهل مكة البلد حتى دخلها رسولُ
اللّه صلى الله عليه وسلم، فقضى حاجته منها، وأتم عمته، وأقام بها ثلاثاً - ثم
خرج منها منصرفاً إلى المدينة. فقال الله جل ثناؤه لنبيه صلى اللّه عيله وسلم وللمسلمين
مَعه ((الشهرُ الحرام)) == يعنى ذا القَعدة، الذى أوصلكم الله فيه إلى حرمه وبيته،
على كراهة مشرکی قریشی نلك، حتى قضیتم منه وطرکم= (( بالشهر الحرام )»،
الذى صدكم مشركو قريش العام الماضىّ قبله فيه حتى انصرفتم عن كره منكم
عن الحرم ، فلم تدخلوه، ولم تصلوا إلى بيت الله، فأقصّكم الله أيها المؤمنون من
المشركين بإدخالكم الحرم فى الشهر الحرام على كره منهم لذلك ، بما كان منهم
إليكم فى الشهر الحرام من الصدّ والمنع من الوصول إلى البيت ، كما : -
٣١٣٠ - حدثنى محمد بن عبد الله بن بزیع قال، حدثنا يوسف - یعنی :
ابن خالد السَّمتى - قال، حدثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس
فى قوله: (( والحرمات قصاص))، قال: هم المشركون، حبسوا محمداً صلى الله عليه وسلم

٥٧٦
تفسير سورة البقرة : ١٩٤
فى ذى القعدة، فرَجَعه الله فى ذى القعدة فأدخله البيت الحرام، فاقتص له منهم. (١)
٣١٣١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله جل ثناؤه: ((الشهرُ الحرامُ بالشهر
الحرام والحرُمَاتُ قِصَاص»، قال: فخرت قريش بردُّها رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم
يوم الحُديبية محرماً فى ذى القعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة فى العام المقبل
من ذى القعدة ، فقضى ◌ُمرته ، وأقصَّه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية .
٣١٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثى أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٣١٣٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحرمات قِصَاص))، أقبل نبيّ اللّه
صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاعتمروا فى ذى القعدة ومعهم الهدى، حتى إذا كانوا
بالحديبية صدّهم المشركون . فصالحهم نبيَّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن يرجع
من عامه ذلك ، حتى يرجع من العام المقبل فيكون بمكة ثلاثة أيام ولا يدخلها
إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحدٍ من أهل مكة، فنحروا الهدى بالحديبية،
وحلَّقوا وَقصَّروا . حتى إذا كان من العام المقبل ، أقبل نبىُّ اللّه وأصحابه حتى دخلوا
مكة ، فاعتمروا فى ذى القعدة ، فأقاموا بها ثلاث ليال . فكان المشركون قد
فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية ، فأقصَّه اللّه منهم ، فأدخله مكة فى ذلك
الشهر الذى كانوا ردُّوه فيه فى ذى القعدة. فقال الله: ((الشهرُ الحرامُ بالشهر
الحرام والحُرُمَات قِصَاص ».
١١
(١) الخبر: ٣١٣٠ - محمد بن عبد الله بن بزيع - بفتح الباء الموحدة وكسر الزاى -
شيخ الطبرى: ثقة ، وثقه أبو حاتم وغيره، وروى عنه مسلم فى صحيحه . وقد مضى مثل هذا الإسناد ،
ولكن حرف فيه اسم جده إن ((زريع»، وذكرنا أنه غير معروف، واحتمال أن يكون صوابه
((بن بزيع)) فى: ٢٤٥١ - فقد تبين الصواب هنا .
يوسف بن خالد الستى: ضعيف جداً كذاب ، كما ذكرنا فى ذاك الإسناد، ووقع فى المطبوعة
هنا ((السيسى))، بدل ((السمتى)). وهو خطأ.

٥٧٧
تفسير سورة البقرة : ١٩٤
٣١٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة وعن عثمان، عن مقسم فى قوله: ((الشهرُ الجرام بالشهر الحرام
والحُرُّمات قصَاص)). قالا: كان هذا فى سفر الحديبية، صدَّ المشركون النبى صلى
الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت فى الشهر الحرام، فقاضوا المشركين يومئذ قضية: (١)
أنّ لكم أن تعتمروا فى العام المقبل - فى هذا الشهر الذى صدُّوهم فيه. فجعل الله
تعالى ذكره لهم شهراً حراماً يعتمرون فيه، مكانَ شهرهم الذى صُدُّوا، فلذلك قال:
(والحُرُّمات قصاص)».
٣١٣٥ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصّاص))، قال :
لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مُمرة الحديبية فى ذى القعدة سنة ستٍّ من
مُهاجَرَه، صدَّه المشركون وأبوا أن يتركوه . ثم إنهم صالحوه فى صُلحهم على أن
يخلوا له مكة من عام قابل ثلاثة أيام، يخرجون ويتركونه فيها. فأتاهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر من السنة السابعة، فخَلَّوْا له مكة ثلاثة أيام،
فنكح فى مُمرته تلك ميمونة بنت الحارث الهلالية .
٣١٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((الشهرُ الحَرَام بالشهر والحرماتُ قِصاص )»،
أحصَرُوا النبى صلى الله عليه وسلم فى ذى القعدة عن البيت الحرام، (٢) فأدخله
اللّه البيت الحرامَ العام المقبلَ، واقتصَّ له منهم، فقال: ((الشهرُ الحرامُ
بالشهر الحرام والحرمات قصاص)).
٣١٣٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
(١) قاضى الرجل يقاضيه قضاء وقضية. حاكمه فى مخاصمة، وانتهى معه إلى قضاء فصل وحكم
يتراضيانه. وفى صدر صلح الحديبية: ((هذا ما قاضى عليه محمد)) أى صالح. وبذلك سميت عمرة
الحديبية هذه ((عمرة القضية))، و((عمرة الصلح)).
(٢) أخصره المرض وغيره: منعه وحبسه.
ج٢ (٣٧)

٥٧٨
تفسير سورة البقرة : ١٩٤
عن أبيه ، عن الربيع قال : أقبل نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فأحرموا
بالعمرة فى ذى القعدة ، ومعهم الهدى، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون،
فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع ذلك العام حتى يرجع العام المقبل،
فيقيم بمكة ثلاثة أيام ولا يخرج معه بأحد من أهل مكة . فنحروا الهدى بالحديبية
وحلَّقُوا وقصَّروا . حتى إذا كانوا من العام المقبل، أقبل النبى صلى الله عليه وسلم
وأصحابه حتى دخلوا مكة ؛ فاعتمروا فى ذى القعدة ، وأقاموا بها ثلاثة أيام . وكان
المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فقاصَ اللّه له منهم ، وأدخله
مكة فى ذلك الشهر الذى كانوا ردُّوه فيه فى ذى القعدة . قال الله جل ثناؤه:
((الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص)).
٣١٣٨ - حدثی محمد بنسعد قال،حدثی ابیقال،حدثی عمی قال،حدثنی
أبی، عن أبيه،عن ابن عباس قوله: (( والحرمات قصاص ))، فهم المشركون، كانوا
حبسوا محمداً صلى الله عليه وسلم فى ذى القعدة عن البيت ، ففخروا عليه بذلك ،
فرجعه الله فى ذى القعدة، فأدخله الله البيت الحرام، واقتصَّ له منهم .
٣١٣٩ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
((الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام))، حتى فرغ من الآية، قال: هذا كله قد
نُسخ ، أمرَه أن يجاهد المشركين، وقرأ: ﴿قَاتِلُوا لِلُشْرِكِينَ كَانَّةٌ كَمَا
يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾ [سورة التوبة: ٣٦]، وقرأ: ﴿قَتِلُوا الَّذِينَ يَلُوْنَكُمْ مِنَ
الكُفَّارِ﴾ [سورة التوبة: ١٢٣]، العرب. فلما فرغ منهم قال الله جل ثناؤه:
(قَتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ
وَرَسُولُهُ﴾ حتى بلغ قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة: ٢٩]، قال: وهم
الروم . قال فوَجَّه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٣١٤٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفى قال ، حدثنا
أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فى هذه الآية: ((الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام

٥٧٩
تفسير سورة البقرة : ١٩٤
والحرماتُ قصاص))، قال: أمركم الله بالقصاص، [ويأخذ] منكم العدوان. (١)
٣١٤١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج قال، قلت لعطاء، وسألته عن قوله: ((الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات
قصاص))، قال: نزلت فى الحديبية، مُنعوا فى الشهر الحرام فنزلت: ((الشهر
الحرام بالشهر الحرام )» : عمرة فى شهر حرام، بعمرة فى شهر حرام .
...
قال أبو جعفر: وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القَعدة ((الشهر الحرام))، لأن
العرب فى الجاهلية كانت تحرِّم فيه القتال والقتل ، وتضع فيه السلاح ، ولا يقتل
فيه أحدٌ أحداً، ولو لقى الرجل فيه قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه (( ذا القَعدة))
لقعودهم فيه عن المغازى والحروب، فسماه الله بالاسم الذى كانت العرب ◌ُسمِيُّه به.
...
وأما ((الحرمات)) فإنها جمع ((حُرْمة))، ((كالظلمات)) جمع ((ظلمة)) ((والحجرات))
جمع ((حجرة))، وإنما قال جل ثناؤه: ((والحرمات قصاص)) فجمع، لأنه
أراد : الشهرَ الحرام ، والبلد الحرام ، وحُرمة الإحرام.
٠
فقال جل ثناؤه لنبيه محمد والمؤمنين معه : دخولكم الحرّم ، بإحرامكم هذا ،
فى شهركم هذا الحرام ، قصاصُ مما مُنعتم من مثله عامكم الماضى . وذلك هو
((الحرمات)) التى جعلها اللّه قصاصاً.
٠
وقد بينا أن ((القصاص)) هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البدن، وهو ١١٦/٢
فى هذا الموضع من جهة الفعل. (٢)
٥
٥
(١) ما بين القوسين هكذا فى الأصل. ولم أجد الخبر فى مكان. وهو خطأ لا شك فيه ،
أو بين الكلامين خرم لم أتبيته . والمعنى على كل حال: أمركم الله بالقصاص، وكره منكم العدوان ،
أى أمرهم أن يقتصوا ولا يعتدوا . هذا ما أرجحه إن شاء الله .
(٢) انظرما سلف فى هذا الجزء ٣ : ٣٥٧ - ٣٦٦.

٥٨٠
تفسير سورة البقرة : ١٩٤
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدَىُ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ
بِثْلِ مَا أَعْتَدَىُ عَلَيْكُمْ ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيما نزل فيه قوله: ((فمن اعتدى عليكم
فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)).
فقال بعضهم : بما : -
٣١٤٢ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((فمن اعتدى
عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم )) ، فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون
يومئذ قليل ، وليس لهم سلطانٌ يقهرُ المشركين . وكان المشركون يتعاطونهم بالشّم
والأذى ، فأمر الله المسلمين، مَنْ يجازى منهم أن يجازىّ بمثل ما أتى إليه ، أو
يصبر، أو يعفوَ فهو أمثل. فلما هاجرَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى
المدينة ، وأعزّ اللّه سلطانه، أمر المسلمين أن ينتهوا فى مظالمهم إلى سُلطانهم ، وأن
لا يعدوّ بعضهم على بعض كأهل الجاهلية .
٠٠٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين ،
فقاتلوهم كما قاتلوكم . وقالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالمدينة ، وبعد مُمرة القضيّة .
* ذكر من قال ذلك :
٣١٤٣ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قال مجاهد: ((فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى
عليكم))، فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم .
...
قال أبو جعفر: وأشبه التأويلين بما دلّ عليه ظاهر الآية ، الذى حكى عن