النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ ابن المبارك ، عن سفيان ، عن السدى ، عن أبى مالك قال: کان بین حییین من الأنصار قتالٌ، كان لأحدهما على الآخر الطَّوَّل، (١) فكأنهم طلبوا الفضْل . فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية: ((الحرُّبالحرِّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى))، فجعل النبى صلى الله عليه وسلم الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى . ٢٥٦٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصرقال ، أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبى بشر قال: سمعت الشعبى يقول فى هذه الآية: ((كتب عليكم القصاص فى القتلى))، قال: نزلت فى قتال مُمية . قال شعبة : كأنه فى صلح . قال : اصطلحوا على هذا . ٢٥٦٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة عن أبى بشر قال : سمعت الشعبى يقول فى هذه الآية: (( كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى))، قال : نزلت فى قتال ◌ُمية))، (٢) قال: كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ... وقال آخرون : بل ذلك أمرٌ من الله تعالى ذكره بمقاصَّة دية الحرّ ودية العبد ، ودية الذكر ودية الأنثى، فى قتل العمد - إن اقتُصَّ للقتيل من القاتل، والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتى القتيل والمقتص منه . · ذکر من قال ذلك : ٢٥٦٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى))، قال: ◌ُحُدَّثنا عن على بن أبى طالب أنه (١) الطول: الفضل والعلو. (٢) سلف شرح ((عمية)) فى ص: ٣٥٩، تعليق: ١. ٣٦٢ تفسير سورة ببر- ٠ ٠٠٠٠ كان يقول: أيما ◌ُحُرّ قتل عبداً فهو قَوَدٌ به، فإن شاء موالى العبد أن يقتلوا الحر قتلوه وقاصُوهم بثمن العبد من دية الحرّ، وأدّوا إلى أولياء الحرّ بقية ديته. وإن عبدٌ" قتل حرًّاً فهو به قودٌ، فإنشاء أولياء الحرّ قتلوا العبد وقاصُّوهم بثمن العبد ، وأخذوا بقية دية الحرّ، وإن شاؤا أخذوا الدية كلها واستحيَوا العبد. وأىُّ ◌ُحُرّ قتل امرأة فهو بها "قَوَدٌ"، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدّوا نصفَ الدية إلى أولياء الحرّ. وإن امرأة قتلتْ ◌ُحُرًّاً فهى به "قَوَدٌ، فإن شاء أولياء الحر قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاؤوا أخذوا الدية كلها واستحيوها ، وإن شاؤوا عفوًا . ٢٥٦٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هشام بن عبد الملك قال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة، عن الحسن: أن علیًا قال فى رجل قتل امرأته، قال: إن شاؤوا قتلوه وَغرِموا نصف الدية. ٢٥٧٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا یحی، عن سعيد ، عن عوف ، عن الحسن قال : لا يُقتل الرجل بالمرأة ، حتى يُعطوا نصف الدية. ٢٥٧١ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن سماك ، عن الشعبى، قال، فى رجل قتل امرأته عمداً، فأتوا به عليًّا فقال: إن شئتم فاقتلوه، ورُدُّوا فضل دية الرجل على دية المرأة . ٠ ٠٠ وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية فى حال ما نزلت ، والقومُ لا يقتلون الرجل بالمرأة ، ولكنهم كانوا يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة ، حتى سوَّى اللّه بين حكم جميعهم بقوله: ﴿وَكَتَبْنَاَ عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة : ٤٥] ، فجعل جميعهم قَوَدَ بعضهم ببعض. • ذكر من قال ذلك : ٢٥٧٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((والأنثى بالأنثى)) ، ٦٢/٢ ": ٣٦٣ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة ، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة ، فأنزل الله تعالى: ((النفس بالنفس))، فجعل الأحرار فى القصاص سواءً فيما بينهم ، فى العمد رجالهم ونساؤهم ، فى النفس وما دون النفس. وجعل العبيد مستوين فيما بينهم فى العمد ، فى النفس وما دون النفس ، رجالهم ونساؤُهم . قال أبو جعفر: (١) فإذا كان مختلفاً الاختلافُ الذى وصفتُ ، فيما نزلت فيه هذه الآية ، فالواجب علينا استعمالها ، فيما دلت عليه من الحكم ، بالخبر القاطع العذرَ . وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل العامّ: أن نفس الرجل الحر قوَدٌ قصاصاً بنفس المرأة الحرة. فإذ كان ذلك كذلك ، وكانت الأمَّة مختلفة فى التراجع بفضل ما بين دية الرجل والمرأة - على ما قد بَيِّنًا من قول علىّ وغيره- كان واضحاً (٢) فسادُ قول من قال بالقصاص فى ذلك. والتراجع بفضل ما بين الديتين، بإجماع جميع أهل الإسلام: على أن حراماً على الرجل أن يتلف من جسده عضواً بعوض يأخذه على إتلافه، فدع جميعته = وعلى أن حراماً على غيره إتلاف شىء منه - مثل الذى ◌ُحُرِّم من ذلك - بعوض يُعطيه عليه. (٣) فالواجب أن تكون نفسُ الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قوّداً. وإذا كان ذلك كذلك، كان بيتاً بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره: «الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى)» أن لا يقادَ العبدُ بالحرّ، وأن لا تُقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى. وإذا كان ذلك كذلك ، كان بيِّناً أن الآية معنیّ بها أحد المعنيين الآخرين . لمّما قولنا: من أنْ لا يُتَعدَّى بالقصاص إلى غير القاتل والجانى، فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر. وإمّا القول الآخر : وهو أن تكون (١) قوله: (فإذا كان مختلف)) هو تمام قوله فى رد السؤال فى ص: ٣٥٨ س: ١١ .: (قيل : اختلف أهل التأويل فى ذلك ... » (٢) فى المطبوعة: ((وكان واضحاً»، والصواب حذف الواو. (٣) سياق العبارة: ((كان واضحاً فساد من قال بالقصاص ... بإجماع جميع أهل الإسلام على أن حراماً على الرجل ... وعلى أن حراماً على غيره ... )). ٣٦٤ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ الآية نزلت فى قوم بأعيانهم خاصة أمير النبى صلى الله عليه وسلم أن يجعل ديات قتلاهم قصاصاً بعضها من بعض ، کما قاله السدی ومن ذ کرنا قوله . وقد أجمع الجميع - لا خلاف بينهم - على أن المقاصّة فى الحقوق غير واجبة،. وأجمعوا على أن اللّه لم يقض فى ذلك قضاء ثم نسخه . وإذا كان كذلك ، وكان قوله تعالى ذكره: ((كُتب عليكم القصاص)) يتبئء عن أنه فرضٌ ، كان معلوماً أن القول خلافُ ما قاله قائل هذه المقالة . لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه ، فلا خيارَ لهم فيه. والجميع مجمعون على أنّ لأهل الحقوق الخيار فى مقاصّهم حقوقهم بعضها من بعض . فإذْ تبيَّنَ فسادُ هذا الوجه الذى ذكرنا، فالصحيح من القول فى ذلك هو ما قلنا. فإن قال قائل : = إذْ ذكرتَ أن معنى قوله: ((كتب عليكم القصاص)» - بمعنى: فُرض عليكم القصاص =: لا يعرف (١) لقول القائل: ((كتب)) معنى إلا معنى: خط ذلك، فرسم خطًّا وكتاباً، فما برهانك على أن معنى قوله: ((كتب )) نُرِض ؟ قيل : إن ذلك فى كلام العرب موجودٌ ، وفى أشعارهم مستفيض ، ومنه قول الشاعر : (٢) كُتِبَ القَتْلُ وَالفِتَلُ عَلَيْنَاَ وَعَلَى المُحْصَنَتِ جَرُّ الدُّيُولِ (٢) (١) فى المطبوعة: ((ولا يعرف ... )) والصواب حذف الواو. والسياق: فإن قال قائل .. - لا يعرف)) وما بينهما فصل. والذى ذكره فى معنى ((كتب)) قد سلف فى ص: ٣٥٧. (٢) هو عمر بن أبى ربيعة، أو عبد الله بن الزبير الأسدى. .(٣) ديوان عمر: ٤٢١، والبيان والتبيين ٢: ٢٣٦، والكامل ٢: ١٥٤، وتاريخ الطبرى ٧ : ١٥٨، وأنساب الأشراف ٥: ٢٦٤، والأغانى ٩: ٢٢٩. ولهذا الشعر خبر. وذلك أن مصعب بن الزبير، لما خرج إلى المختار بن أبى عبيد الثقفى المتنبى" فظفر به وقتله، كان فيمن أخذ امرأته عمرة بنت النعمان. ابن بشير، فلما سألها عن قالت : رحمة الله عليه، إن كان عبداً من عباد الله الصالحين: فكتب مصعب إلى أخيه عبد اللّه إنها تزعم أنه نبى ! فأمر بقتلها . وقتلها الذى تولى قتلها قتلا فظيماً ، فاستنكره الناس، وقالوا فيه ، ومن قال عمر : ٣٦٥ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ وقولُ تَابغةَ بنى جعدة : عَنْكُمْ ، فَهَلْ أَمْتَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلَا!(١) يَا بِنْتَ عَّى، كِتَبُ اللهِ أَخْرَجَنِى وذلك أکثر فى أشعارهم و کلامهم من أن يحصى. غير أن ذلك ، وإن كان بمعنى: فُرض، فإنه عندى مأخوذ من ((الكتاب)) الذى هو رسمٌ وَخط. وذلك أن اللّه تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وماهم عاملوه فى اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره فى القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ يَجِيدٌ. فِى لَوْحِ مَحْفُوظٍ﴾ [سورة البروج: ٢١: ٢٢]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْ آنٌ كَرِيمٌ . فِى كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [سورة الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا، ففى اللوح المحفوظ مكتوبٌ . فمعنى قوله : - إذا كان ذلك كذلك - ((كُتُب عليكم القصاص))، كتب عليكم فى اللوح المحفوط القصَاصُ فى القتلى، فَرضًا، أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله . ٠ ٠ ٠ وأما ((القصاص)) فإنه من قول القائل: ((قاصصتُ فلاناً حقی قِبَلَهُ من حقه قبلى، قصاصاً وُمُقاصَّة)). فقتل القاتل بالذى قتله ((قصاص))، لأنه مفعول به مثلُ الذى فعل بمن قتله، وإن كان أحد الفعلين عدواناً والآخر حقًّا . فهما وإن اختلفا من هذا الوجه ، فهما متفقان فى أن كل واحد قد فعل بصاحبه مثل إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ العَجَائِبِ عِنْدِى قَتْلُ بيضاءِ حُرَّةٍ عُطْبُولٍ إِنَّ ◌ِهِ دَرَّهَا مِنْ قَتِيلِ قُتِلَتْ هَكَذا عَلَى غَيْرِ جُرْم كُتِبَ القتلِ . (١) السان (كتب) وأساس البلاغة (كتب)، والمقاييس ٥: ١٥٩، ويروى ((يا ابنة حمى))، وفى الأساس: ((أخرنى))، فأخشى أن تكون خطأ من ناسخ. ٦٣/٢ ٣٦٦ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ الذى فعل صاحبه به . وجعل فعل ولىّ القتيل الأوّل إذا قتل قاتل وليه - قصاصاً ، إذا كان بسبب قتله استحق قتلَ من قتله ، فكأن وليه المقتول هو الذى ولى قتل قاتله ، فاقتص منه . ٠ وأما ((القتلى)) فإنها جمع ((قتيل)) كما ((الصرعى)) جمع ((صريع))، والجرحى جمع ((جريح)). وإنما يجمع ((الفعيل)) على ((الفعلى)) إذا كان صفة للموصوف به، بمعنى الزمانة والضرر الذى لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه ومصرعه ، (١) نحو القتلى فى معاركهم ، والصرعى فى مواضعهم ، والجرحى ، وما أشبه ذلك . . ٠ ٠ فتأويل الكلام إذاً: فرض عليكم، أيها المؤمنون، القصاصُ فى القتلى: أن يُقتص الحر بالحرّ، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. ثم ترك ذكر ((أن يقتص)) اكتفاءً بدلالة قوله: ((كُتب عليكم القصاص ) = عليه . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ فَمَنْ عُنِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء فَأَتَّبَاعٌ بِاَلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءَ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ) قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم : تأويله : فمن ◌ُتُرك له من القتل ظلماً ، من الواجب كان لأخيه عليه من القصَاص - وهو الشىء الذى قال الله: ((فمن عفى له من أخيه شىء)) - فاتباعٌ من العافى للقاقل بالواجب له قبله من الدية، وأداءٌ من المعفوّ عنه ذلك إليه بإحسان . • ذكر من قال ذلك : (١) انظر ما سلف فى تفسير ((أسرى)) ٢: ٣١١. ٣٦٧ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ ٢٥٧٣ - حدثنا أبو کریبوأحمد بن حماد الدولابی قالا ، حدثنا سفيان بن عينة ، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ((فمن عفى له من أخيه شىء))، فالعفو : أن يقبل الدية فى العمد . واتباع بالمعروف : أن يطلب هذا بمعروف، ویؤدِّی هذا بإحسان . ٢٥٧٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثناحجاج بن المهال قال ، حدثنا حماد ابن سلمة قال ، حدثنا عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس أنه قال فى قوله: ((فمن 'عُفى له من أخيه شىءٌ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان))، فقال: هو العمد ، يرضى أهله بالدية ، واتباع بالمعروف: أُمر به الطالب = وأداء إليه بإحسان من المطلوب . ٢٥٧٥ - حدثنا محمد بن على بن الحسن بن شقيق قال ، حدثنا أبى - - وحدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر - قالا جميعاً، أخبرنا ابن المبارك ، عن محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : الذى يقبل الدية، ذلك منه عفوٌ واتباعٌ بالمعروف، ويؤدِّى إليه الذى ◌ُفى له من أخيه بإحسان .(١) ٢٥٧٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( فمن 'ُفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان))، وهى الدية: أن يحسن الطالبُ الطلبَ = وأداء إليه بإحسان : وهو أن يحسن المطلوبُ الأداءَ . ٢٥٧٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((فمن ◌ُفى له من أخيه شىء فاتباع المعروف (١) الخبر: ٢٥٧٥ - محمد بن على بن الحسن بن شقيق، شيخ الطبرى، مضت الرواية عنه أيضاً: ١٥٩١. وسيأتى أيضاً: ٢٥٩٤. ووقع فى المطبوعة هنا ((سفيان)) بدل ((شقيق)). وهو خطأ وتصحيف. فلا يوجد فى الرواة من يسمى ((محمد بن على بن الحسن بن سفيان)) ، ولا باسم أبيه . ٣٦٨ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ وأداء إليه بإحسان))، والعَقُوُّ: الذى يعفو عن الدم ويأخذ الدية. ٢٥٧٨ -حدثنا سفيان قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((فمن عُنى له من أخيه شىء))، قال: الدية. ٢٥٧٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن يزيد ، عن إبراهيم ، عن الحسن: ((وأداء إليه بإحسان))، قال: على هذا الطالب أن يطلبَ بالمعروف، وعلى هذا المطلوب أن يؤدى بإحسان . ٢٥٨٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فمن ◌ُفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف))، والعفوّ: الذى يعفو عن الدم ، ويأخذ الدية . ٢٥٨١ - حدثنى محمد بن المفی قال،حدثنا أبو الوليد قال ، حدثنا حماد ، عن داود بن أبى هند، عن الشعبى فى قوله: ((فمن عُفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان))، قال : هو العمد ، يرضى أهله بالدية . ٢٥٨٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد، عن داود، عن الشعبى مثله . ٦٤/٢ ٢٥٨٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله:« فمن 'عنی له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان)»، يقول: "قُتل عمداً فعُفى عنه، وقبلت منه الدية. يقول: ((فاتباع بالمعروف))، فأمر المتبع أن يتبع بالمعروف، وأمرَ المؤدّى أن يؤدى بإحسان، والعمد قَوَدٌ إليه قصاص لا عقل فيه، (١) إلا أن يرضوا بالدية. فإن رضوا بالدية، فمئة خليفة.(٢) فإن قالوا : لا نرضى إلا بكذا وكذا . فذاك لهم . (١) العقل: الدية، سميت عقلا، لأن الدية كانت عند العرب فى الجاهلية إيلا، لأنها كانت أموالهم. فكان القاتل يسوق الدية إلى فناء ورثة المقتول ، فيعقلها بالعقل ويسلمها إلى أوليائه . (٢) الخلفة ( بفتح الخاء وكسر اللام): الحامل من النوق. وليس لها جمع من لفظها، بل يقال هى ((نجاض))، كما يقال: امرأة ونساء. ٣٦٩ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ ٢٥٨٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة فى قوله: ((فاتباعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان))، قال: يتبع به الطالبُ بالمعروف ، ويؤدى المطلوب بإحسان . ٢٥٨٥ -حدثتعن عمار قال، حدثنا ابن أبىجعفر ، عن أبيه، عن الربيع، فى قوله: ((فمن عُفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان))، يقول: فمن قتل عمداً فعنى عنه، وأخذت منه الدية، يقول: ((فاتباع بالمعروف)) ، أمير صاحبُ الدية التى يأخذها أن يتبع بالمعروف، وأمير المؤدّى أن يؤدى بإحسان. ٢٥٨٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله: ((فمن عُفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان))، قال: ذلك إذا أخذ الدية ، فهو عفوٌ. ٢٥٨٧ - حدثنا الحسن قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرنى القاسم بن أبى بزة ، عن مجاهد قال : إذا قبل الدية فقد عفا عن القصاص، فذلك قوله: ((فمن عُفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان))، قال ابن جريج : وأخبرنى الأعرج ، عن مجاهد مثل ذلك ، وزاد فيه : - فإذا قبل الدية ، فإن عليه أن يتبع بالمعروف ، وعلى الذی عنی عنه أن يُؤدی بإحسان. ٢٥٨٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو عقيل قال ، قال الحسن : أخذ الدية عفوٌ حَسن . ٢٥٨٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((وأداء إليه بإحسان ))، قال: أنتَ أيها المعفوُّ عنه . ٢٥٩٠ -حدثی محمد بنسعد، قال حدثی أبی قال ، حدثی عمى قال ، حدثی أبی ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (( فمن عنی له من أخيه شىء فاتباع ج ٣ (٢٤) ٣٧٠ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ بالمعروف وأداء إليه بإحسان))، وهو الدية، أن يحسن الطالب= وأداء إليه بإحسان: هو أن يُحسن المطلوب الأداء . وقال آخرون معنى قوله: ((فمن ◌ُعفى))، فمن فَضَل له فضل، وبقيتْ له بقية . وقالوا : معنى قوله : «من أخيه شىء » : من دية أخيه شىء، أو من أرْش جراحته ، (١) فاتباع منه القاتلَ أو الجارحَ الذى بَقى ذلك قبله - بمعروف، وأداء = من القاتل أو الجارح= إليه ما بقى قبله له من ذلك بإحسان . وهذا قول من زعم أن الآية نزلت- أعنى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى)) - فى الذين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصلح بينهم، فيقاصً ديات بعضهم من بعض ، وُيُردّ بعضُهم على بعض بفضل إن بَقى لهم قبل الآخرين . وأحسب أن قائلى هذا القول وَجَّهوا تأويل ((العفو)) - فى هذا الموضع - إلى: الكثرة من قول الله تعالى ذكره: (حَتَّى عَفَوْا﴾ [سورة الأعراف: ٩٥]. فكأن" معنى الكلام عندهم : فمن كثر له قبَل أخيه القاتل . • ذكر من قال ذلك : ٢٥٩١ - حدثیموسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد ، قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((فنّ ◌ُعُفى له من أخيه شىء))، يقول : بقى له من دية أخيه "شىءٌ أو من أرش جراحته، فليتبع بمعروف، وليؤدُ الآخرُ إليه بإحسان . ٠٠٠ والواجب على تأويل القول الذى روينا عن على والحسن - فى قوله: ((كُتُب عليكم القصاص)، أنه بمعنى: مُقاصّة دية النفس الذكر من دية نفس الأنثى، والعبد من الحر ، والتراجع بفضل ما بين دَيّ أنفسهما - أن يكون معنى قوله : (١) الأرش: دية الجنايات والجراحات كالشجة ونحوها. ٣٧١ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ ((فمنْ ◌ُعُفى له من أخيه شىء))، فمن ◌ُفى له من الواجب لأخيه عليه - من قصّاص دية أحدهما بدية نفس الآخر ، إلى الرُّضى بدية نفس المقتول ، فاتباع من الولىّ بالمعروف ، وأداء من القاتل إليه ذلك بإحسان . ٠ قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندی بالصواب فى قوله: ( فمن 'ُفی له من أخيه شىء )): فمن صُفح له - من الواجب كان لأخيه عليه من القود - عن شىء من الواجب ، على دية يأخذها منه ، فاتباعٌ بالمعروف = من العافى عن الدم ، الراضى بالدية من دم وليه = وأداء إليه - من القاتل - ذلك بإحسان . لما قد بينا من العلل فيما مضى قبل: من أنّ معنى قول الله تعالى ذكره: ((كُتُب عليكم القصاص))، إنما هو القصّاص من النفوس القاتلة أو الجارحة أو الشاجَّة عمداً. كذلك (( العفو)) أيضاً عن ذلك . وأما معنى قوله: ((فاتباع بالمعروف))، فإنه يعنى: فاتباع على ما أوجبه اللّه لهُ من الحقّ قبَل قائل وليه، من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه - فى أسنان الفرائض أو غير ذلك(١) - أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه ، کما : - ٢٥٩٢ - حدثی بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : بلغنا عن نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: من زاد أو ازداد بعيراً - يعنى فى إبل الدبات وفرائضها - فمن أمر الجاهلية. (٢) ٦٥/٢ ٠٠٠ وأما إحسان الآخر فى الأداء ، فهو أداءُ ما لَزِمه بقتله لولى القتيل ، على (١) الفرائض جمع فريضة: وهو البعير المأخود فى الزكاة، سمى فريضة لأنه فرض واجب على رب المال ، ثم اتسع فيه حتى سمى البعير فريضة فى غير الزكاة . (٢) الحديث: ٢٥٩٢ - هذا حديث مرسل، إذ يرويه ((قتادة))، وهو تابعى. ولم أجده فى مكان آخر ولا ذكره السيوطى . ٣٧٢ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ ما ألزمه الله وأوجبه عليه ، من غير أن يبخسه حقًّا له قبله بسبب ذلك ، أو يحوجه إلى اقتضاءٍ ومطالبة . ٠ فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: ((فاتباعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان)»، ولم يَقل فاتباعاً بالمعروف وأداءَ إليه بإحسان، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرُّقَبِ﴾ [سورة محمد: ٤]؟ قيل : لو كان التنزيل جاء بالنصب ، وكان : فاتباعاً بالمعروف وأداءً إليه بإحسان - كان جائزاً فى العربية صحيحاً ، على وجْه الأمر ، كما يقال: ((ضرباً ضرباً = وإذا لقيت فلاناً فتبجيلاً وتعظيماً))، غير أنه جاءَ رفعاً ، وهو أفصح فى كلام العرب من نصبه . وكذلك ذلك فى كل ما كان نظيراً له، مما يكون فرضاً عامًا - فيمن قد فعل ، وفيمن لم يفعل إذا فعل - لا ندباً وحثًّا . ورفعه على معنى: فمن عفى له من أخيه شىء، فالأمر فيه: اتباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان، أو فالقضاء والحكم فيه: اتباع بالمعروف . وقد قال بعض أهل العربية : رفع ذلك على معنى : فمن عفى له من أخيه شىء، فعليه اتباعٌ بالمعروف . وهذا مذهب، والأول الذى قلناه هو وجه الكلام . وكذلك كلّ ما كان من نظائر ذلك فى القرآن، فإن رفعه على الوجه الذى قُلناه. وذلك مثل قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [سورة المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿فإِمْتَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩]. وأما قوله: ﴿فَضَرْبَ الرَّقَابِ) ، فإن الصواب فيه النصب ، وهو وجه الكلام، لأنه على وجه الحثّ من الله تعالى ذكره عبادَه على القتل عند لقاء العدو، كما يقال: ((إذا لقيتم العدو فتكبيراً وتهليلاً))، على وجه الحضّ على التكبير ، لا على وجه الإيجاب والإلزام. (١) ٠٠٠ (١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ١٠٩ - ١١٠. ٣٧٣ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّنِ رَّبُكُمْ وَرَْحَةٌ) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ذلك))، هذا(١) الذى حكمت :به وسنته لكم ، من إباحتى لكم - أيتها الأمة - العفو عن القصاص من قاتل قتيلكم ، على دية تأخذونها فتملكونها ملككم سائر أموالكم التى كنت منعتها "مَن قبلكم من الأمم السالفة = ((تخفيف من ربكم ))، يقول: تخفيف منى لكم مما كنت تقَّته على غيركم، بتحريم ذلك عليهم = ((ورحمة)»، منى لكم، كما :- ٢٥٩٣ - حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابی قالا، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس قال : كان فى بنى إسرائيل القصاصُ ولم تكن فيهم الدية، فقال الله فى هذه الآية: ((كُتُب عليكم القصاصُ فى القتلى الحر بالحر)) إلى قوله ((فمن ◌ُفى له من أخيه شىء))، فالعفو : أن يقبل الدية فى العمد = ((ذلك تخفيف من ربكم)). يقول : خفف عنكم ما كان على على مَنْ كان قبلكم: أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدى هذا بإحسان . (٢) (١) انظر ((ذلك)) بمعنى ((هذا)) ١: ٢٣٥ - ٢٣٧ / ثم هذا الجزء٣: ٣٣٥ (٢) الحديث: ٢٥٩٣ - أحمد بن حماد بن سعيد بن مسلم الأنصارى الرازى الدولابى: هو والد ((أبى بشر محمد بن أحمد الدولابى)) صاحب كتاب الكنى والأسماء . وقد رفعنا نسبه نقلا عن تذكرة الحفاظ ٢: ٢٩١ فى ترجمة ابنه الحافظ. وأحمد بن حماد هذا: ثقة، ترجمه ابن أبى حاتم ١/ ٤٩/١، فلم يذكر فيه جرحاً ، وذكر أن أباه أبا حاتم سمع منه . سفيان : هو ابن عيينة . والحديث رواه عبد الرزاق فى تفسيره، ص : ١٦، بنحوه. بإسنادين: عن معمر، عن أبى نجيح، عن مجاهد . وعن ابن عيينة - كالإسناد هنا إلى مجاهد - عن ابن عباس. ورواه البخارى ١٢ : ١٨٣ (فتح) ، عن قتيبة بن سعيد ، عن سفيان . بهذا الإسناد . وذكره السيوطى ١ : ١٧٣، وزاد نسبته لسعيد بن منصور، وابن أبى شيبة ، والنسائى ، وابن أبى حاتم ، وابن حبان ، وغيرهم . وذكره ابن كثير ١ : ٣٩٤، من رواية سعيد بن منصور، عن سفيان. ثم قال: «وقد رواه غير واحد عن عمرو. وأخرجه ابن حبان فى صحيحه عن عمرو بن دينار)». فقد منها - رحمه الله - عن أن البخارى رواه فى صحيحه، فنسبه لصحيح ابن حبان، ولم يذكر البخارى. ٣٧٤ تفسير سورة البشره : ١٧٨ ٢٥٩٤ - حدثنا محمد بن على بن الحسن بن شقيق قال، حدثنا أبى قال ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : كان مَنْ قبلكم يقتلون القاتل بالقتيل ، لا تقبل منهم الدّية ، فأنزل الله: ((ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر)) إلى آخر الآیة، « ذلك تخفیف من ربكم ))، یقول: خففعنکم، وکان على مَنْ قبلكم أنّ الدية لم تكن تقبل، فالذى يقبل الدية ذلك منه عفوٌ". ٢٥٩٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد ابن سلمة قال ، أخبرنا عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس : ((ذلك تخفيف من ربكم ورحمة)) - مما كان على بنى إسرائيل ، يعنى : من تحريم الدية عليهم . ٢٥٩٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : کان علی بنی إسرائیل قصاص فى القتل، ليس بينهم دية فى نفس ولا جَرْح، وذلك قول الله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهاَ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ الآية كلها [ سورة المائدة: ٤٥]، وخفف اللّه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقبل منهم الدية فى النفس وفى الجراحة، وذلك قوله تعالى: « ذلك تخفیفٌ من ربكم )» بينكم. ٢٥٩٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((ذلك تخفيف من ربكم ورحمة))، وإنما هى رحمة رحم الله بها هذه الأمة، أطعمهم الدية وأحلَّها لهم، ولم تحلّ لأحد قبلهم. فكان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو، وليس بينهما أرْش ، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفوٌ، أمروا به . فجعل الله لهذه الأمة القوّد والعفو والدية إن شاؤوا ، أحلها لهم ، ولم تكن لأمة قبلهم . ٢٥٩٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن ٣٧٥ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ أبيه ، عن الربيع بمثله سواء، غير أنه قال : ليس بينهما شىء . ٢٥٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((كتب عليكم القصاص فى القتلى))، قال : لم يكن لمن قبلنا دية ، إنما هو القتل، أو العفو إلى أهله . فنزلت هذه الآية فى قوم كانوا ٦٦/٢ أكثر من غيرهم . ٢٦٠٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال ، وأخبرنى عمروبن دينار، عن ابن عباس قال: إنّ بنى إسرائيل كان كتب عليهم القصاص ، وخفف عن هذه الأمة - وتلا عمرو بن دينار : ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة)» . وأما على قول من قال: القصاص فى هذه الآية معناه: قصاصُ الديات بعضها من بعض ، على ما قاله السدى ، فإنه ينبغى أن يكون تأويله : هذا الذى فعلتُ بكم أيها المؤمنون = من قصاص ديات قتلى بعضكم بديات بعض، وترك إيجاب القوّد على الباقين منكم بقتيله الذى قتله وأخذه بديته = تخفيفٌ منّى عنكم ثِقْلَ ما كان عليكُم من حكمى عليكم بالقوّد أو الدية ، ورحمة منى لكم. القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (4) قال أبو جعفر : یعنی تعالی ذکره بقوله: (( فمن اعتدى بعد ذلك ))، فمن تجاوز ما جعله الله له بعد أخذه الدّية، اعتداءً وظلماً إلى ما لم يُجعل له من قتل قاتيل وليه وسفك دمه، فله بفعله ذلك وتعدّيه إلى ما قد حرمته عليه، عذابٌ أليم . ٣٧٦ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ وقد بينت معنى ((الاعتداء)) فيما مضى بما أغنى عن إعادته . (١) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٢٦٠١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجبح، عن مجاهد: ((فمن اعتدى بعد ذلك))، فقتل، ((فله عذابٌ أليم)) . ٢٦٠٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فمن اعتدى))، بعد أخذ الدية، ((فله عذاب أليم)). ٢٦٠٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله: (( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم)) ، يقول : فمن اعتدى بعد أخذه الدية فقتل، فله عذاب أليم . قال: وذُكِرِ لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: لا أعافى رجلاً قتل بعد أخذه الدية.(٢) (١) انظر ما سلف ٢ : ٣٠٧. (٢) الحديث: ٢٦٠٣ - وهذا رواه أيضاً قتادة - التابعى - مرفوعاً، فهو مرسل. وكذلك ذكره السيوطى ١ : ١٧٣، عن قتادة، ونسبه للطبرى وابن المنذر فقط . وقد روى المرفوع منه - عبد الرزاق فى تفسيره ، ص: ١٦، عن معمر ، عن قتادة مرسلا أيضاً . ثم ذكر السيوطى اللفظ المرفوع، ونسبه لسمويه فى فوائده، عن سمره . وقد قصر فيه جداً ، كما قصر فى الجامع الصغير : ٩٧٠١، إذ ذكره أيضاً ، ونسبه الطيالسى - فقط - عن جابر ، يعنى جابر ابن عبد الله . وحديث الطيالسى - عن جابر - : هو فى مسنده : ١٧٦٣، عن حماد بن سلمة ، عن مطر الوراق ، عن رجل ، عن جابر ، فذكره مرفوعاً . وقد رواه أحمد فى المسند : ١٤٩٦٨، عن عفان، عن حماد بن سلمة: ((أخبرنا مطر، عن رجل ، أحسبه الحسن، عن جابر بن عبد الله)). وكذلك رواه أبو داود فى السنن: ٤٥٠٧، عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد بن سلمة ، به . فتقصير السيوطى: أن نسبه الطيالسى وحده ، وهو فى أحد الكتب الستة ومسند أحمد . وعلى كل حال ، فحديث جابر ضعيف ، لأن إسناده رجلا مبهماً، أو رجل شك فيه مطر الوراق . وحديث الحسن عن سمرة، ذكره أيضاً ابن كثير ١: ٣٩٥، قال: (( وقال سعيد بن أبى عروبة ، ٣٧٧ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ ٢٦٠٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: (( فمن اعتدى بعد ذلك))، قال : هو القتل بعد أخذ الدية. يقول: من قتل بعد أنْ يأخذ الدية فعليه القتلُ، لا تُقبلُ منه الدية. (١) ٢٦٠٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ((فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم)) ، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الدية ، فله عذاب أليم . ٢٦٠٦ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنى أبى، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن قال : كان الرجل إذا قتل قتيلاً فى الجاهلية فرَّ إلى قومه ، فيجىء قومه فيصالحون عنه بالدية ، قال: فيخرج الفارُّ وقد أمن على نفسه ، قال: فيُقتل ثم يُرْمى إليه بالدية، فذلك ((الاعتداء)). ٢٦٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو عقيل ، قال: سمعت الحسن فى هذه الآية: ((فمن ◌ُفى لهُ من أخيه شىء))، قال: القائلُ إذا طلب فلم يقدر عليه، وأُخِذ من أوليائه الدية، ثم أمن، فأخذ فقُتِل. قال الحسن: ما أكل عُدوانٌ. ٢٦٠٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا مسلم قال ، حدثنا القاسم قال ، حدثنا هرون بن سليمان قال ، قلت لعكرمة: من قتل بعد أخذه الدية ؟ قال : إذاً يُقتل! أما سمعت الله يقول: ((فمن اعتدى بعدَ ذلك فله عذابٌ أليم)» ؟ ٢٦٠٩ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ... ))، فذكره مرفوعاً . فهذا إسناد يمكن أن يكون صحيحاً، لو علمنا إسناده إلى سعيد بن أبى عروبة ، ومن الذى رواه من طريقه؟ إذ لم أجده بعد طول البحث. ولو وجدناه لكان وصلا لهذا المرسل الذى رواه الطبرى من طريق سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة . (١) الخبر: ٢٦٠٤ - رواه الطبرى من طريق عبد الرزاق، وهو فى تفسيره، ص ١٦، بهذا الإسناد . ٣٧٨ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ عن السدى: (( فمن اعتدى بعد ذلك))، بعد ما يأخذ الدية، فيقتل ((فله عذاب أليم)). ٢٦١٠ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال، حدثی عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((فمن اعتدى بعد ذلك))، يقول : فمن اعتدى بعد أخذه الدية ، فله عذاب أليم . ٢٦١١ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : ((فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم))، قال: أخذ العَقْل، ثم قتل بعد أخذ العقل قاتل قتيله ، فله عذاب أليم . ٠ واختلفوا فى معنى ((العذاب الأليم)) الذى جعله الله لمن اعتدى بعد أخذه الدية من قائل وليِّه . فقال بعضهم: ذلك ((العذابُ) هو القتلُ بمن قتله بعد أخذ الدية منه، وعفوه عن القصاص منه بدم وليّه . • ذكر من قال ذلك : ٢٦١٢ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم الدورقى قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم))، قال : يقتل ، وهو العذاب الأليم - يقول : العذاب الموجع. ٢٦١٣ - حدثنى يعقوب قال، حدثنى هشيم قال، حدثنا أبو إسحق ، عن سعيد بن جبير أنه قال ذلك . ٢٦١٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا القاسم قال، حدثنا هرون بن سليمان، عن عكرمة: ((فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم))، قال : القتلُ . ٥ وقال بعضهم: ذلك ((العذابُ)) عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يرى من عقوبته. ٠٠ ٣٧٩ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ . ذکر من قال ذلك : ٢٦١٥ - حدثی القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرنى إسماعيل بن أمية، عن الليث = غير أنه لم ينسبه، وقال: ثقة =: أن النبى صلى الله عليه وسلم أوجب بقسمٍ أو غيره أن لاُ يُعنى عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ، ثم عَدا فقتل ، قال ابن جريج ، وأخبرنى عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: فى كتاب لعمرَ عن النبى صلى الله عليه وسلم ، قال: و ((الاعتداء)» الذى ذكر الله: أنّ الرجل يأخذ العقل" أو يقتصُّ أو يقضى السلطان فيما بين الجراح ، ثم يعتدى بعضُهم من بعد أن يستوعبَ حقه . فمن فعل ذلك فقد اعتدى ، والحكم فيه إلى السلطان بالذى يرى فيه من العقوبة قال : ولو عفا عنه ، لم يكن لأحد من طلبة الحق أن [ يعفو](١)، لأن هذا من الأمر الذى أنزل الله فيه قوله: ﴿فَإِنْ تَنَزَ عْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ وَإِلَى أُولِ الأُمْرِ مِنْكَّمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩].(٢) ٢٦١٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، (١) الذى بين القوسين، هكذا فى الأصل. وصوابه فيما أرجح ((أن يقتله)). ولم أجد الخبر، ولا كتاب عمر الذى ذكره . (٢) الحديث: ٢٦١٥ - هو فى الحقيقة حديثان، رواهما ابن جريج، ولم أجدهما فى مكان آخر . ولكنى لا أسيغ لفظهما أن يكون من ألفاظ النبوة ، ولا عليه شىء من نورها . وهو بألفاظ الفقهاء أشبه ! فأولها: رواه ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل اسمه ((اليث)): ((غير أنه لم ينسبه)) - فلا أعرف من ((الليث)) هذا؟ وأما إسماعيل بن أمية: فإنه ثقة، يروى عن التابعين. مترجم فى التهذيب. والكبير ٣٤/٥١/١، وابن أبى حاتم ١٥٩/١/١، ونسب قريش: ١٨٢، وجهرة الأنساب لابن حزم : ٧٤ . وثانيهما : رواه ابن جريج، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن (( كتاب لعمر عن النبى صلى الله عليه وسلم)). والظاهر أنه يريد كتاباً لعمر بن عبد العزيز. ومن المحتمل أن يكون كتاباً لعمر بن الخطاب . وعبد العزيز بن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: ثقة ، وثقه ابن معين وغيره . مترجم فى التهذيب . وابن أبى حاتم ٣٨٩/٢/٢. ٦٧/٢ ٣٨٠ تفسير سورة البقرة : ١٧٨ عن الحسن : فى رجل قُتل فأخذت منه الدية، ثم إن وليَّه قتل به القائل . قال الحسن : تؤخذ منه الدية التى أخذ ، ولا يُقتل به.(١) قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بقوله: (( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم)»، تأويلُ من قال: فمن اعتدى بعد أخذه الدية فقتلَ قاتل وليه، فله عذاب أليم فى عاجل الدنيا، وهو القتل. لأن الله تعالى جعل لكل ولىّ قتيلٍ قُتل ظلماً، سلطاناً على قاتل وليه، فقال تعالى ذكره ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومَاً فَقَدْ جَعَلْنَاَ لِوَلِيَّةٍ سُلْطَانَا فَلاَ يُسْرِفْ فِىِ القَتْلِ﴾ [سورة الإسراء: ٣٣]. فإذا كان ذلك كذلك: وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قتل قاتلَ وليه بعد عفوه عنه وأخذه منه دية قتيله، أنه بقتله إياه له ظالم فى قتله - كان بَيِّناً أن لا يولّى من قتله ظلماً كذلك، السلطانَ عليه فى القصاص والعفو وأخذ الدية، أىّ ذلك شاء. (٢) وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماً أن ذلك عذابُه . لأن من أقيم علیه حدُّه فى الدنيا ، كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم یکن به متبعاً فى الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٣) (١) الخبر: ٢٦١٦ - بشر بن معاذ، شيخ الطبرى، مضى فى: ٣٥٢. ونزيد هنا أنه ثقة معروف ، مترجم فى التهذيب ، وابن أبى حاتم ٣٦٨/١/١، وذكر أن أباه كتب عنه ، وأنه سئل عنه، فقال: ((صالح الحديث صدوق)). وهو يروى عن قدماء الشيوخ، مثل ((حماد بن زيد)) المتوفى سنة ١٧٩، وعبد الواحد بن زياد، شيخه هنا، المتوفى تلك السنة . عبد الواحد بن زياد العبدى البصرى: أحد الأعلام الثقات . مترجم فى التهذيب ، والصغير البخارى : ٢٠٢، وذكر أنه مات سنة ١٧٩، وابن أبى حاتم ٢٠/١/٣ - ٢١، وابن سعد ٤٤/٢/٧. يونس: هو ابن عبيد بن دينار العبدى، وهو ثقة، من أوثق أصحاب الحسن وأثبتهم . مترجم فى التهذيب. والكبير ٤ /٤٠٢/٢، والصغير: ١٦٠، وابن سعد ٢٣/٢/٧ - ٢٤، وابن أبى حاتم ٢٤٢/٢/٤. (٢) فى هذه العبارة غموض، وأخشى أن يكون قد سقط من الكلام شىء، ولكن المعنى العام ظاهر. (٣) كالذى رواه البخارى من حديث عبادة بن الصامت قال: ((بايعت رسول الله صلى الله عليه وسهم فى رهط فقال : أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا