النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
تفسير سورة البقرة : ١٦٨
كلام العرب: ((هو لك حِلٌّ))، أى: طِلْق.(١)
٠٠
وأما قوله: ((طيباً))، فإنه يعنى به: طاهرًا غير آنجس ولا محرَّم.
٠ ٠٠
وأما ((الخطوات)) فإنه جمع ((ُخطوة))، و((الخطوة)) بعد ما بين قدمى الماشى.
و((الخطوة)) بفتح ((الخاء)) ((الفعلة)) الواحدة من قول القائل: (("خطوت خطوة
واحدةً)). وقد تجمع ((الخُطْوة)) ((خُطاً)) و((والخطوة)) تجمع (( خطوات))،
((وخطاء)).
٠
٠
والمعنى فى النهى عن اتباع خطواته، النهى عن طريقه وأثره فيما دعا إليه ،
مما هو خلاف طاعة الله تعالى ذكره .
٠٠٠
واختلف أهل التأويل فى معنى ((الخطوات)). فقال بعضهم: خُطُوات
الشيطان : عمله .
• ذكر من قال ذلك .
٢٤٣٨ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ،
حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله :
((خطوات الشيطان))، يقول: عمله . .
٠٠٠
وقال بعضهم: ((خطوات الشيطان)) ، خطاياه .
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٣٩ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عیسى
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: (( خُطُوات الشيطان))، قال: خطيئته .
٢٤٤٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد قال : خطاياه
(١). فى المطبوعة: ((من كلام العرب ... ))، وأثبت الواو، وحذفها جيد أيضاً.

٣٠٢٠
تفسير سورة البقرة : ١٦٨
٢٤٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((ولا تتبعوا خطوات الشيطان))، قال: خطاياه.
٢٤٤٢ - حدثی یحی بن أبى طالب قال، حدثنا یزید قال ، أخبرنا جويبر ،
عن الضحاك قوله: ((خطوات الشيطان))، قال: خطايا الشيطان التى يأمرُ بها.
وقال آخرون: ((خطوات الشيطان))، طاعته .
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٤٣ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((ولا تتبعوا خطوات الشيطان))، يقول: طاعته.
وقال آخرون: ((خطوات الشيطان »، النذورُ فى المعاصى.
• ذكر من قال ذلك .
٢٤٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن سليمان ، عن أبى مجلز
فى قوله: ((ولا تتبعوا خطوات الشيطان))، قال: هى النذور فى المعاصى.
٠٠٠
قال أبو جعفر : وهذه الأقوال الی ذکرناها عمن ذكرناها عنه فى تأويل قوله :
((خطوات الشيطان))، قريبٌ معنى بعضها من بعض. لأن كل قائلٍ منهم قولاً فى
ذلك ، فإنه أشار إلى تهى اتباع الشيطان فى آثاره وأعماله . غيرَ أن حقيقة تأويل
الكلمة هو ما بينت، من أنها (( بعد ما بين قدميه))، ثم تستعمل فى جميع آثاره
وطرقه ، على ما قد بينت .

٣٠٣
تفسير سورة البقرة : ١٦٩
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّا يَأْمُرُ كُمْ بِالشّوءِ وَاَلْفَحْشَآءُ
وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى أَللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (®
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((إنما يأمرُكم))، الشيطانَ، ((بالسوء
والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)).
((والسوء)» الإثم، مثل ((الضُّرّ))، من قول القائل: ((ساءك هذا الأمر يسوءك
سُوءًا))، وهو ما يَسوء الفاعل.
٠
وأما ((الفحشاء))، فهى مصدر مثل ((السراء والضراء))، (١) وهى كل ما
استُفحش ذکرُه ، وَقَبُح مسموعه .
وقيل: إن ((السوء)) الذى ذكره الله، هو معاصى الله. فإن كان ذلك كذلك،
فإنما سمّاها اللّه (سوءاً)) لأنها تسوء صاحبها بسوء عاقبتها له عند اللّه. وقيل: إن
((الفحشاء))، الزنا: فإن كان ذلك كذلك، فإنما يُسمى [ كذلك]، (٢) لقبح
مسموعه، ومکرُوه ما يُذْكَر به فاعله .
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٤٥ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((إنما يأمركم بالسوء والفحشاء))، أمّا ((السوء))، فالمعصية، وأما
(الفحشاء))، فالزنا .
...
وأما قوله: ((وأنْ تقولوا على الله ما لا تعلمون))، فهو ما كانوا يحرِّمون من
البحائر والسوائب والوَصائل والحوامى، ويزعمون أن اللّه حرَّم ذلك. فقال تعالى
(١) لعلى الصواب، ((فهى اسم مصدر)).
(٢) ما بين القوسين زيادة يستقيم بها الكلام.

٣٠٤
تفسير سورة البقرة : ١٧٠،١٦٩
ذكره لهم: ﴿ مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ ولاَ حَامٍ وَلْكِنَّ
الّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾
[ سورة المائدة: ١٠٣]
فأخبرهم تعالى ذكره فى هذه الآية، (١) أنّ قيلهم: ((إنّ الله حرم هذا!))من
الكذب الذى يأمرهم به الشيطان، وأنه قد أحلّه لهم وطيّبه، ولم يحرم أكله عليهم ،
ولكنهم يقولون على الله ما لا يعلمون حقيقته، طاعةً منهم للشيطان ، واتباعاً منهم
خطواته ، واقتفاء منهم آثارَ أسلافهم الضَّلال وآبائهم الجهال، الذين كانوا باللّه وبما
أنزل على رسوله جهالاً، وعن الحق ومنهاجه ضُلالاً - وإسرافاً منهم، كما أنزل
الله فى كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ذكره: ((وإذا قيلَ لهُ
اتبعوا ما أنزل اللهُ قالوا بَلْ تتبع "ما ألفينا عليه آبائنا)).
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَ إِذَا قِيلَ لَمُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ
اللهُ قالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَّا أَلْفَيْنَ عَلَيْهِ ، اَبَآءَ نَآ أَوْ لَوْ كَانَ، اجَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) (١)
قال أبو جعفر : وفى هذه الآية وجهان من التأويل .
أحدهما: أن تكون((الهاء والميم)) من قوله: ((وإذا قيل لهم)) عائدة على ((من)) فى
قوله: ((ومنَ الناس مَنْ يَتخذُ من دون الله أنداداً))، فيكون معنى الكلام:
ومن الناس مَنْ يَتخذُ من ◌ُدُون الله أنداداً، وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله.
قالوا : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا .
٤٨/٢
والآخر: أن تكون «الهاء والميم)) اللتان فى قوله: ( وإذا قيل لهم »، من ذ کر
((الناس)) الذين فى قوله: ((يا أيها الناسُ كلوا مما فى الأرض حلالاً طيباً))، فيكون
(١) فى المطبوعة، ((وأخبرهم) بالواو، والصواب الجيد ما أثبت.

٢٠٠
تفسير سورة البقرة : ١٧٠
ذلك انصرافاً من الخطاب إلى الخبر عن الغائب ، كما فى قوله تعالى ذكره :
﴿حَتَى إِذَا كُنْتُمْ فِ الفُلكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِ محِ مَيَِّةٍ﴾ [سورة يونس: ٢٢]
٠
قال أبو جعفر : وأشبه عندى بالصواب وأولى بتأويل الآية (١): أن تكون
((الهاء والميم)) فى قوله: (لهم))، من ذكر ((الناس))، وأن يكون ذلك رجوعاً من
الخطاب إلى الخبر عن الغائب . لأن ذلك عقيب قوله: (( يا أيها الناس كلوا مما
فى الأرض )). فلأنْ يكون خبراً عنهم، أولى من أن يكون خبراً عن الذين أخبر أنّ
منهم ((مَنْ يَتخذ من ◌ُدُون اللّه أنداداً))، مع ما بينهما من الآيات، وانقطاع
قَصّصهم بقصة مستأنفة غيرها = وأنها نزلت فى قوم من اليهود قالوا ذلك، (٢) إذ
دعوا إلى الإسلام ، كما : -
٢٤٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن
إسحق ، عن محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام
وَرَغَّبهم فيه، وحذرهم عقاب الله ونقمته، فقال له رافع بن خارجة ، ومالك بن
عوف : بل نتبع ما ألفينا عليه آبائنا ، فإنهم كانوا أعلم وخيراً منا! فأنزل الله فى
ذلك من قولهما(٣): ((وإذا قيلَ لهم اتبعوا ما أنزل اللّهُ قالوا بل نتَّبع ما ألفينا عليه
(١) فى المطبوعة: ((وأشبه عندى وأولى بالآية))، وهو كلام مختل، ورددته إلى عبارة الطبرى
فى تأويل أكثر الآيات السالفة.
(٢) فى المطبوعة: ((وإنما نزلت فى قوم من اليهود)، وهو خطأ ناطق، واضطراب مفسد الكلام.
والصواب ما أثبت . يقول أبو جعفر إن أولى الأقوال بالصواب أن تكون الآية نزلت فى ذكر عرب الجاهلية
الذين حرموا ما حرموا على أنفسهم، كما ذكر فى تفسير الآيتين السالفتين ( ١٦٨، ١٦٩)،
ويستبعد أن يكون المعنى بها من ورد ذكرهم فى الآية (١٦٥١)، كما يستبعد قول من قال إنها نزلت فى
اليهود، فى الخبر الذى سيرويه بعد. فقوله: ((وأنها نزلت)) عطف على قوله ((خبراً)) فى قوله: ((أولى
من أن يكون خبراً عن الذين أخبر أن منهم من يتخذ ... ))
(٣) فى المطبوعة: ((فأنزل الله من قولهم ذلك)). وهو خطأ محض، ورددتها إلى نصها فى
سيرة ابن هشام ، كما سيأتى مرجعه .
ج٢ (٢٠)

٢٠٦
تفسير سورة البقرة : ١٧٠
آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يبتدون)).(١)
٢٤٤٧ - حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونسبن بکیر قال ، حدثنا محمد
ابن إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبی محمد میلی زید بن ثابت قال ، حدثی سعید
ابن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس مثله - إلاّ أنه قال : فقال له أبو رافع
ابن خارجة ، ومالك بن عوف . (٢)
وأما تأويل قوله: ((اتبعوا ما أنزلَ الله))، فإنه: اعملوا بما أنزل الله فى
كتابه على رسوله ، فأحِلُّوا حلاله، وحرَّموا حرامه، واجعلوه لكم إماماً تأتمون به،
وقائداً تتبعون أحكامه .
٠
وقوله: ((ألفينا عليه آباءنا))، يعنى: وجدنا، كما قال الشاعر: (٣)
وَلَا ذَاكِرِ اللّهَ إِلَّا قَلِيلَا(٤)
فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُنْتَغِبٍ
(١) الأثر رقم: ٢٤٤٦ - فى سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٠ - ٢٠١، مع اختلاف يسير فى لفظه
(٢) الأثر رقم : ٢٤٤٧ - انظر الأثر : ٢٤٤٦.
(٣) هو أبو الأسود الدولى.
(٤) ديوانه: ٤٩ (نفائس المخطوطات)، سيبويه ١: ٨٥، والأغانى ١١: ١٠٧، وأمالى
ابن الشجرى ١: ٢٨٣ والصداقة والصديق: ١٥١، والخزانة ٤: ٥٥٤، وشرح شواهد المغنى :
٣١٦، واللسان (عتب). وهو من أبيات قالها فى امرأة كان يجلس إليها بالبصرة ، وكانت برزة جميلة،
فقالت له يوماً: يا أبا الأسود، هل لك أن أتزوجك ؟ فإنى امرأة صناع الكف، حسنة التدبير ،
قائمة بالميسور . قال: نعم. فجمعت أهلها وتزوجته. ثم إنه وجدها على خلاف ما قالت ، فأسرعت
فى ماله، ومدت يدها فى خيانته، وأفشت عليه سره، فغدا على من كان حضر تزويجه، فسألهم أن يجتمعوا
عنده ، ففعلوا . فقال لهم :
أُثَنِى، فَقَالَ : اتَّخِذْنِى خليلاً
أَرَيْتَ أَمْره! كنتُ لَمْ أَبْلُهُ
فَّ أَسْتَفِدْ مِنْ لَدُنْهُ خيلاً
غَا لَلْتُ، ثُمَّ مَاقِيْتُه
كَذُوبَ الحَدِيثٍ مَرُوقًا بَخِيلاً
وَأَلِفَيْتُهُ چِينَ جَرَّبْتُهُ

٣٠٧
تفسير سورة البقرة : ١٧٠
یعنی : وجدته ، و کما : -
٢٤٤٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((قالوا بل تتبع ما ألفينا عليه آباءنا))، أى: ما وجدنا عليه آباءنا .
٢٤٤٩ - حدثنى المثى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع مثله .
قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء الكفار: كلوا مما أحل الله لكم ،
وَدَعوا خطوات الشيطان وطريقه، واعملوا بما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم
فى كتابه - استكبروا عن الإذعان للحقّ وقالوا: بل نأتم بآبائنا فتتبع ما وجدناهم
عليه ، من تحليل ما كانوا يُجلُّون ، وتحريم ما كانوا يحرّمون.
قال الله تعالی ذکره: ((أو لو كان آباؤهم» - يعلى: آباء هؤلاء الكفارالذين
مضوا على كفرهم بالله العظيم - ((لا يعقلون شيئاً)) من دين الله وفرائضه، وأمره
ونهيه، فيُتَّبعون على ما سلكوا من الطريق، ويؤثمُّ بهم فى أفعالهم - (( ولا يهتدون)»
لرشد ، فيهتدى بهم غيرهم ، ويقتدى بهم من طلب الدين ، وأراد الحق والصواب ؟
يقول تعالى ذكره لهؤلاء الكفار : فكيف أيها الناس تَتَّعون ما وجدتم عليه
عِتَابًا رَفِيقًا وَقَوْلاً جميلاً
فَذَ كَّرْتُهُ، مُمَّ عَاتِبتُهُ
وَلاَ ذَاكِرِ اللهَ إلاَّ قَلِيلاً
فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَغِبٍ
وَإِنْبَاعِ ذلِكٌ صَرْمًا طَوِيلاً؟!
أَلستُ حَقِيقًا بِتَوْدِيِهِ
قالوا: بل واقه يا أبا الأسود ! قال: تلك صاحبتكم، وقد طلقتها، وأنا أحب أن أستر ما أفكرت
من أمرها . ثم صرفها معهم .
قال ابن الشجرى: ((والذى حسن لقائل هذا البيت حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ونصب اسم
اللّه تعالى، واختيار ذلك على حذف التنوين للإضافة وجر اسم الله - أنه لو أضاف لتعرف بإضافته إلى
المعرفة، ولو فعل ذلك لم يوافق المعطوف المعطوف عليه فى التفكير ، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين ،
وأحمل اسم الفاعل)» .
واستعتب الرجل: ربع من الإساءة وطلب الرضا، فهو مستعتب.

٢٠٨
تفسير سورة البقرة : ١٧١٤١٧٠
م
آباء کم فتترکون ما یأمرُ کم به ربکم، وآبائ کم لا يعقلون من أمر الله شيئاً ، ولا
مصيبون حقًّا، ولا مدركون رشداً؟ وإنما يَتّبع المتبعُ ذا المعرفة بالشى ء المستعمل"
له فى نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه - فيما هو به جاهل - إلا من لاعقل له ولا تمييز.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ
الَّذِى يَنْقُ بِمَلاَ يَسْمَعُ إِلَّدُعَاءٍ وَنِدَّآء)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى معنى ذلك .
٠
فقال بعضهم : معنى ذلك : مثل الكافر= فى قلة فهمه عن الله ما يُتلى عليه
فى كتابه ، وُسوء قبوله لما يدعى إليه من توحيد الله ويوعظ به = مثلُ البهيمة التى
تسمع الصوتَ إذا نُعق بها ، ولا تعقلُ ما يقال لها .
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٥٠ - حدثنا هناد بن السرّى قال، حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك ،
عن عكرمة ، فى قوله: ((ومثلُ الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يَسمع إلا دعاء
ونداء ))، قال: مَثلُ البعير أو مثل الحمار ، تدعوه فيسمع الصوت ولا يفقه
ما تقول .
٢٤٥١ - حدثنى محمد بن عبد الله بن زريع قال ، حدثنا يوسف بن خالد
السمتى قال ، حدثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فى قوله :
((كمثل الذى يَنعق بما لا يَسمع))، قال: هو كمثل الشاة ونحو ذلك.(١)
(١) الخبر: ٢٤٥١ - هذا خبر منهار الإسناد. أما ((محمد بن عبد الله بن زريع)) شيخ الطبرى
فلم أجد ترجمته. والطبرى يروى عن ((محمد بن عبد الله بن بزيع))، ولا أستطيع الترجيح بأنه هو،
حرف اسم سبده .

٣٠٩
تفسير سورة البقرة : ١٧١
٢٤٥٢ -- حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ومثل الذين كفروا كمثل الذى
يَنعيق بما لا يَسمع إلا دعاء ونداءً))، كمثل البعير والحمار والشاة، إن قلت لبعضها:
((كُلْ) - لا يعلم ما تقول، غير أنه يسمع صوتك . وكذلك الكافر، إن أمرته بخير
أو نهيته عن شر أو وعظته، لم يعقل ما تقول ، غير أنه يسمع صوتك .
٤٨/٢
٢٤٥٣ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال ابن عباس: مثل الدابة ، تنادى فتسمعُ ولا تعقل ما يقال لها .
كذلك الكافر ، يسمع الصوت ولا يعقل .
٢٤٥٤ - حدثنا سفيان بن و کیع قال،حدثنا أبی ،عن سفيان، عنخصیف،
عن مجاهد: ((كمثل الذى ينعق بما لا يسمع))، قال : مثل الكافر مثل البهيمة ،
تسمح الصوت ولا تعقل .
٢٤٥٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((كمثل الذى ينعيِقِ))، مثلٌ ضربه اللّه للكافر يسمع
ما يقال له ولا يعقل ، كمثل البهيمة تسمع النعيق ولا تعقل.
٢٤٥٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلاّ دعاءً ونداء))،
يقول : مثل الكافر كمثل البعير والشاة ، يسمع الصوت ولا يعقل ولا يدرى ما
غنى به .
وأما ((يوسف بن خالد السمتى)): فهو ضعيف جداً، قال فيه ابن معين: «كذاب، زنديق ،
لا يكتب حديثه)). ولا يشتغل بمثله. مترجم فى التهذيب، والكبير ٤ /٣٨٨/٢، وابن سعد ٤٧/٢/٧،
وابن أبى حاتم ٤ /٢٢١/٢ - ٢٢٢. و((الستى)): بفتح السين وسكون الميم، نسبة إلى السمت والهيئة.
قال ابن سعد: ((وقيل له: السمتى - الحيته وهيئته وممته)) !!
نافع بن مالك : هو الأصبحى ، أبو سهيل ، وهو عم الإمام مالك بن أنس ، وهو تابعى ثقة .
مترجم فى التهذيب، والكبير ٨٦/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤٥٣/١/٤.

٣١٠
تفسير سورة البقرة : ١٧١
٢٤٥٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((كمثل الذى ينعقُ بما لا يسمع إلاّ دعاءً ونداءً ))،
قال : هو مثل ضربه الله الكافر. يقول: مثل هذا الكافر مثل هذه البهيمة التى
تسمع الصوت ولا تدرى ما يقال لها . فكذلك الكافر لا ينتفع بما يقال له .
٢٤٥٨ -حدثنی المثی قال، حدثنا إسمق قال حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع قال : هو مثل الكافر ، يسمع الصوت ولا يعقل ما يقال له .
٢٤٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج : سألت عطاء ثم قلت له : يقال : لا تعقل - يعنى البهيمة -
إلا أنها تسمع دعاء الداعى حين ينعِقُ بها، فهم كذلك لا يعقلون وهم يسمعون.
فقال: كذلك. قال: وقال مجاهد: ((الذى ينعيق))، الراعى ((بما لا يسمع))
من البهائم .
٢٤٦٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((كمثل الذى ينعق)) الراعى ((بما لا يسمع))
من البهائم .
٢٤٦١ - حدثںی موسی قال، حدثنا عمرو ، قال حدثنا أسباط ، عن السدى:
((كمثل الذی ینعِقِ بما لا يسمع إلا دعاء ونداء))، لا يعقل ما يقال له، إلاّ أن تُدعى
فتأتى، أو ينادى بها فتذهب. وأما ((الذى ينعق))، فهو الراعى الغنم، كما ينعق الراعى
بما لا يسمع ما يقال له ، إلا أن يُدعى أو ينادى. فكذلك محمد صلى الله عليه
(صُّ بَكْمٌ عٌىٌ﴾
وسلم ، يدعو من لا يسمع إلا خرير الكلام ، يقول الله:
[سورة البقرة: ١٨]
قال أبو جعفر: ومعنى قائلی هذا القول - فى تأويلهم ما تأوّلوا،على ما
حكيت عنهم -: ومثَلُ وَعْظِ الذين كفروا وواعظهم، كمثل نَعْق الناعق بغنمه

٣١١
تفسير سورة البقرة : ١٧١
ونعيقيه بها. فأضيف ((المثل)) إلى الذين كفروا، وترك ذكر ((الوعظ والواعظ))،
لدلالة الكلام على ذلك. كما يقال: ((إذا لقيت فلاناً فعظّمه تعظيم السلطان))،
يراد به: كما تعظم السلطانَ ، وكما قال الشاعر :
فَلَيْتُ سُلَّا مَا دُنْتُ حَيَّا عَلَى زَيْدٍ بِقَسْلِيمِ الأَمِير (١)
يراد به: كما يُسلَّم على الأمير .
وقد يحتمل أن يكون المعنى - على هذا التأويل الذى تأوله هؤلاء - : ومثل
الذين كفروا فى قلة فهمهم عن اللّه وعن رسوله ، كمثل المنعوق به من البهائم ، الذى
لا يفقه من الأمر والنهى غير الصوت. وذلك أنه لو قيل له: «اعتلف، أورد
الماء))، لم يدر ما يقال له غير الصوت الذى يسمعه من قائله. فكذلك الكافر، مثله
فى قلة فهمه لما يؤمر به وينهى عنه - بسوء تدبُّره إياه وقلة نظره وفكره فيه - مثلُ
هذا المنعوق به فيما أمير به ونُهيى عنه. فيكون المعنى للمنعوق به، والكلام خارجٌ على
الناعق ، كما قال نابغة بني ذبيان :
وَقَدْ خِفْتُ، حَتَّى مَا تَزِيدُ تَخَافَتِى عَلَى وَعِلٍ فِى ذِى الْطَارَة عَاقِلٍ(٢)
والمعنى: حتى مَا تزيدُ مخافة الوعل على مخافتى، وكما قال الآخر: (٣)
(١) مضى تخريج هذا البيت فى هذا الجزء: ٢٨١ تعليق: ١، وهذا القول فى تفسير الآية ذكره
الفراء فى معانى القرآن ١ : ١٠٠
(٢) ديوانه: ٩٠، وسيأتى فى التفسير ٣٠: ١٤٦ (بولاق)، ومجاز القرآن: ٦٥، ومعانى
القرآن الفراء ١: ٩٩، ومشكل القرآن: ١٥١، والإنصاف: ١٦٤، وأمالى ابن الشجرى ١: ٥٢، ٣٢٤،
وأمالى الشريف ١: ٢٠٢، ٢١٦، ومعجم ما استعجم : ١٢٣٨. وهو من قصيدة مضى منها تخريج
بيت فى هذا الجزء: ٢١٣. وقوله: ((ذى المطارة)) (بفتح الميم)، وهو اسم جبل. وعاقل: قد عقل فى
رأس الجبل، بلجأ إليه واعتصم به وامتنع . والوعل: قيس الجبل: يتحصن بوزره من الصياد. وقد
ذكر البكرى أنه رأى لابن الأعرابى أنه يعنى بذى المطارة ( بضم الميم) ناقته ، وأنها مطارة الفؤاد من النشاط
والمرح . ويعنى بذلك: ما عليها من الرحل والأداة . يقول: كأنى على رحل هذه الناقة وعلى عاقل من
الخوف والفرق .
(٣) النابغة الجمدى.

٣١٢
تفسير سورة البقرة : ١٧١:
كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ، كَمَا كَانَ الزَّنَاءِ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ(١)
والمعنى : كما كان الرجمُ فريضة الزنا ، فجعل الزنا فريضة الرجم ، لوضوح
معنى الكلام عند سامعه ، وكما قال الآخر :
إنّ سِرَاجَاً لَكَرِيمٌ مَفْخَرُ تَخْلَى بِهِ العَيْنُ إِذَا مَا تَجْهَرُ.(٣)
والمعنى : يحلى بالعين، فجعله تحلى به العين. (٣) ونظائر ذلك من كلام
العرب أكثرُ من أن تحصى، مما تُوجّهه العرب من خبر ما تخبر عنه إلى ما صاحبه،
لظهور معنى ذلك عند سامعه، فتقول: ((اعرض الحوضَ على الناقة))، وإنما
تعرض الناقة على الحوض ، وما أشبه ذلك من كلامها .(٤)
٤٩/٢
وقال آخرون : معنى ذلك : وَمثل الذين كفروا فى دعائهم آلهتهم وأوثانهم
التى لا تسمع ولا تعقل، كمثل الذى يَنعق بما لا يسمع إلاّ ◌ُدعاءً ونداء" ، وذلك
الصدى الذى يسمع صوته ولا يفهم به عنه الناعقُ شيئاً .
فتأويل الكلام على قول قائلى ذلك: ومثل الذين كفروا وآلهتهم - فى دعائهم
إياها وهى لا تفقه ولا تعقل - كمثل الناعق بما لا يسمعه الناعقُ إلاّ دعاءً ونداءً،
أى : لا يسمع منه الناعق إلا دعاءَه .
• ذكر من قال ذلك :
(١) سيأتيفى التفسير ٢: ٣٢٧،١٩٨ (بولاق)، ومعانى القرآن الفراء ١: ٩٩، ١٣١، ومشكل
القرآن: ١٥٣، والإنصاف: ١٦٥، وأمالى الشريف ١: ٢١٦، والصاحبي : ١٧٢، وسمط
اللآلى: ٣٦٨، والسان (زنا). وقال الطبرى فى ٢: ٣٢٧: ((يعنى: كما كان الرجم الواجب من حد الزنا).
(٢) سيأتى فى التفسير: (٢؛ ١٩٨ بولاق)، ومعانى القرآن الفراء ١: ٩٩، ١٣١،
وأمالى الشريف ٢١٦:١، واللسانه (حلا). يقال: ((مافى الحى أحد تجهره عينى)»، أى تأخذه حينى
فيعجبنى. وفى حديث صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على: ((لم يكن قصيراً ولا طويلا، وهو إلى
الطول أقرب. من رآه جهره)»، أى عظم فى عينه.
(٣) هذا الذى مضى أكثر من قول الفراء فى معانى القرآن ١: ٩٩.
(٤) هذا من قص كلام أبى عبيدة فى مجاز القرآن : ٦٣ - ٦٤.

٣١٣
تفسير سورة البقرة : ١٧١
٢٤٦٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((وَمَثل الذين كفروا كمثل الذى يَنعيق بما لا يَسمعُ إلا دعاءَ ونداءً)، قال: الرجل
الذى يصبح فى جوف الجبال فيجيبه فيها صوت يُراجعه يقال له ((الصَّدى)).
فمثل آلهة هؤلاء هم ، كمثل الذى يُجيبه بهذا الصوت، لا ينفعه، لا يسمع إلا
دعاء ونداء . قال : والعرب تسمى ذلك الصدى .
٥
وقد تحتمل الآية على هذا التأويل وجهاً آخر غير ذلك . وهو أن يكون معناها :
ومثل الذين كفروا فى دعائهم آلهتهم التى لا تفقه دعاءَهم ، كمثل الناعق بغنم
لهُ من حيث لا تسمعُ صوَتَه غنمُهُ ، فلا تنتفع من تعقبه بشىء ، غير أنه فى
عَناء من دعاء وُنُداء . فكذلك الكافر فى دعائه آلهته ، إنما هو فى عناء من
دعائه إياها وندائه لها ، ولا ينفعه شيء .
٠ ٠
قال أبو جعفر : وأولى التأويل عندى بالآية ، التأويل الأول الذى قاله ابن
عباس ومَن وافقه عليه . وهو أن معنى الآية : ومثل وعظ الكافر وواعظه، كمثل
الناعق بغنمه ونعيقه ، فإنه يسمع تَعقه ولا يعقل كلامه ، على ما قد بينا قبل .
فأما وجه جواز حذف ((وعظ)) اكتفاء بالمثل منه ، فقد أتينا على البيان عنه
فى قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِىِ اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [سورة البقرة: ١٧]، وفى غيره
من نظائره من الآيات ، بما فيه الكفاية من إعادته. (١)
٠
وإنما اخترنا هذا التأويل، لأن هذه الآية نزلت فى اليهود ، وإياهم عنى الله
تعالى ذكره بها ، ولم تكن اليهود أهل أوثان يعبدونها ، ولا أهل أصنام يعظمونها
ويرجون نفعها أو دفع ضرها . ولا وجه - إذا كان ذلك كذلك - لتأويل من
(١) انظر ما سلف ١: ٣١٨ - ٣٢٨، واطلب ذلك فى فهرس العربية من الأجزاء السالفة.

٣١٤
تفسير سورة البقرة : ١٧١
تأوّل ذلك أنه بمعنى : مثل الذين كفروا فى ندائهم الآلهة وُدعائهم إياها .
فإن قال قائل : وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟
قيل : دليلنا على ذلك ما قبلها من الآيات وما بعدها ، فإنهم هم المعنيون به .
فکان ما بينهما بأن یکون خبراً عنهم ، أحق وأولى من أن یکون خبراً عن غيرهم ،
حتى تأتى الأدلة واضحةً بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم . هذا ، مع ما ذكرنا
من الأخبار عمن ذكرنا عنه أنها فيهم نزلت ، والرواية التى روينا عن ابن عباس
أنّ الآية التى قبل هذه الآية نزلت فيهم. (١) وبما قُلنا من أن هذه الآية معنى بها
(١) هذا موضع مشكل فى كلام أبى جعفر رضى الله عنه ، كان ينبغى أن يبيته فضل بيان.
فإن صدر عبارته قاض بأن كل الآيات التى قبل هذه الآية نزلت فى يهود ، وليس كذلك . ثم عاد بعد
قليل يقول: «هذا مع الرواية التى رويناها عن ابن عباس أن الآية التى قبل هذه الآية نزلت فيهم)) -
يعنى فى يهود. ولو كان الأمر كما يفهم من صدر عبارته، لم يكن لنصه بعد ذلك على أن الآية التى ((قبل
هذه الآية )) نزلت فيهم ، فيما روى عن ابن عباس - معنى مفهوم.
والظاهر أن أبا جعفر كان أراد أن يقول: إن الآيات السالفة نزلت فى اليهود - إلا الآيات الأخيرة
من أول قوله: ((إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار)) إلى قوله: ((وإلحكم إله واحد» (١٦٣ - ١٧٠)،
فهى قد نزلت فى كفار العرب، وذكر ابن عباس أن الآية الأخيرة : (١٧٠) نزلت فى يهود أيضاً.
ثم إن الآيات بعدها هى ولاشك فى يهود وأهل الكتاب ، فلذلك حمل معنى الآية هذه أنه مراد به اليهود .
فكأنه جعل الآيات من (١٦٣ - ١٦٩) اعتراضاً فى سرد قصة واحدة، هى قصة يهود.
فإن لم يكن ذلك كذلك ، فلست أدرى كيف يتسق كلامه . فهو منذ بدأ فى تفسير هذه الآيات
من ١٦٣ - ١٦٩ لم يذكر إلا أهل الشرك وحدهم، وبين أن المقصود بقوله تعالى: (( يا أيها الناس
كلوا مما فى الأرض حلالا طيباً)) - هم الذين خرموا على أنفسهم البحائر والسوائب والوسائل (ص ٢٠٠)،
ثم عاد فى تأويل قوله تعالى: ((وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)) فقال: فهو ما كانوا يحرمون من البحائر
والسوائب والوسائل والحوامى (ص ٣٠٣). واليهود، كما أنهم لم يكونوا أهل أوثان يعبدونها ، أو أصنام
يعظمونها كما قال أبو جعفر، فهم أيضاً لم يحرموا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة كما ذكر فى تفسير الآيات
السالفة. فهذا تناقض منه رحمه الله - إلا إذا حل كلامه على استثناء الآيات التى ذكرت أنه فسرها
على أنه مراد بها مشركو العرب الذين حرموا على أنفسهم ما حرمها من البحائر والسوائب والوسائل.
والصواب من القول عندى، أن هذه الآية تابعة للآيات السالفة ، وأن قصتها شبيهة بقصة ما قبلها
فى ذكر المشركين الذى قال الله لهم: ((يا أيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا طيباً))، وأن العود إلى
قصة أهل الكتاب هو من أول قوله تعالى: ((إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب)) والآيات التى
قلبها . وانظر ما سيأتى : ٣١٧، فإنه قد عاد هناك ، فجعل الآية خاصة بالمشركين من أهل الجاهلية ،
فذكره ما حرموا على أنفسهم من المطاعم، وهو تناقض شديد .

٣١٥
تفسير سورة البقرة : ١٧١
اليهود، كان عطاء يقول :
٢٤٦٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قال لى عطاء فى هذه الآية : هم اليهود الذين أنزل الله فيهم :
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنَا قَلِيلاً﴾
إلى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٤ - ١٧٥] .
وأما قوله: (يَنعِقِ))، فإنه: يُصوّت بالغنم، ((النَّعيق، والنُّعاق))، ومنه قول
الأخطل :
تَأَنْتِقْ بِضَأْيِكَ يَا جَرِيرُ، فَإِنَّا مَنَّتْكَ نَفْسَكَ فِىِ الخَلَاءِ ضَلَاَلاَ (١)
يعنى : صوّت به.
٠
٠
القول فى تأويل قوله (صُمٌّ ◌ُبَكْمٌ مُخْىٌّ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) (٣)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ُصُمّ ◌ُبُكم ◌ُمى))، هؤلاء الكفارَ
الذين مثلهم كمثل الذى يَتعق بما لا يسمع إلا دُعاءً ونداءً ((ُصُمّ)) عن الحق
فهم لا يسمعون - (( ◌ُكمٌ)) يعنى: ◌ُخُرس" عن قيل الحقّ والصواب، والإقرار
بما أمرهم اللّه أن يقرّوا به ، وتبيين ما أمرهم الله تعالى ذكره أن يُبينوه من أمر محمد
صلى الله عليه وسلم الناس، فلا ينطقون به ولا يقولونه، ولا يبينونه للناس -، ((ُمى))
(١) ديوانه: ٥٠، ونقائض جرير والأخطل: ٨١، وطبقات فحول الشعراء: ٤٢٩،
ويجاز القرآن: ٦٤، والسان (فعق) وقد مضت أبيات منها فى ٢: ٣٨: ٤٩٢،٣٩، ٤٩٦،
وهذا الجزء ٣ : ٢٩٤، وقد ذكر قبله حروب رهطه بنى تغلب، ثم قال لجرير: إنما أنت راعى غم،
قصوت بنتمك ، ودع الحروب وذكرها. فلا على لك ولا لأسلافك بها . وكل ما تحدث به نفسك من
ذلك ضلال وباطل .

٣١٦
تفسير سورة البقرة : ١٧٢،١٧١
عن الهدى وطريق الحق فلا يبصرونه ، (١) كما : -
٢٤٦٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ُصُمّ بكم عمى)) ، يقول: صم عن الحق فلا يسمعونه ، ولا ينتفعون به
ولا يعقلونه ؛ مُمى عن الحق والهدى فلا يبصرونه؛ بُكم عن الحقّ فلا ينطقون به.
٢٤٦٥ ۔۔ حدثنیموسی بنهرون قال ،حدثنا عمرو بنحمادقال،حدثنا أسباط،
عن السدى: ((صم بكم عمى))، يقول : عن الحق .
٢٤٦٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس : (( صم بكم عی )) ، يقول : لا يسمعون
الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه .
وأما الرفع فى قوله: ((صم بكم عمى ))، فإنه أتاهُ من قبل الابتداء والاستئناف،
يدل على ذلك قوله: ((فهم لا يعقلون))، كما يقال فى الكلام: ((هو أصم لا
يسمع، وهو أبكم لا يتكلم)).(٢)
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَاُها الَّذِينَ امَنُواْ كُلُواْ مِنْ
◌َيِّبْتِ مَا رَزَقْتُكُمْ وَأَشْكُرُواْ شِّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣)
٠٠/٢
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله ((يا أيها الذين آمنوا))، يا أيها الذين
صدَّقُوا اللّه ورسوله، وأقروا اللّه بالعبودية ، وأذعنوا له بالطاعة ، كما : -
٢٤٦٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
(١) انظر تفسير: ((ص )) ((بك)) ((عى)) فيما سلف ١: ٣٢٨ - ٣٣١. وقد حل أبو جعفر
معنى الآية هنا على أنه عنى به اليهود وأهل الكتاب. انظر التعليق السالف ص : ٣١٤، رقم : ١.
(٢) انظر إعرابه فى الآية الأخرى فيما سلف ١ : ٣٢٩ - ٣٣٠.

٣١٧
تفسير سورة البقرة : ١٧٣،١٧٢
جوبير، عن الضحاك فى قوله: ((يا أيها الذين آمنوا))، يقول: صدّقُوا.
٠
((كلوا من طيبات ما رزقناكم))، يعنى: اطعموا من خلال الرزق الذى
أخلتاهُ لكم، فطاب لكم بتحليلى إياه لكم ، مما كنتم تحرِّمُونَ أنّم، ولم أكن
حرمته عليكم، من المطاعم والمشارب. ((واشكروا لله ))، يقول: وأثنوا على اللّه بما هو
أهله منكم، على النعم التى رزقكم وطيَّبها لكم. ((إن كنتم إياه تعبدون))، يقول: إن
کنتم منقادین لأمره سامعینمطیعین، فکلوا مما أباح لكم أكله وحلله وطیّبه لكم ،
ودعوا فى تحريمه خطوات الشيطان .
وقد ذ کرنا بعض ما کانوا فى جاهليتهم بحر مونه من المطاعم ، وهو الذی ندیهم
إلى أكله ونهاهم عن اعتقاد تحريمه، إذْ كان تحريمهم إياه فى الجاهلية طاعةً
منهم للشيطان ، واتباعاً لأهل الكفر منهم بالله من الآباء والأسلاف . ثم بين لهم تعالى
ذكره ما حرَّم عليهم ، وفصَّلَه لهم مُفسّاً. (١)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْتَيْتَةَ وَأْلَّمَ
وَلَعْمَ الْنِْزِيِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : لا تُحرموا على أنفسكم ما لم أحزمه
عليكم أيها المؤمنون بالله وبرسوله من البحائر والسوائب ونحو ذلك، بل كلوا ذلك ،
فإنى لم أحرم عليكم غير الميتة والدم ولحم الخنزير ، وما أهلّ به لغيرى.
ومعنى قوله: ((إنما ◌َحَرَّم عليكم الميتة))، ما حرَّم عليكم إلا الميتة .
(١) فى المطبوعة: ((وفصل لهم»، والصواب ما أثبت. وهذا الذى قاله هنا برهان آخر على أن
أبا جعفرقد اضطرب فى قصة هذه الآيات ، فهو قد عاد وجعل بعض الآيات السالفة ، فى مشركى العرب
فى جاهليتهم، كما ترى، وهو بين أيضاً فى تفسيره الآية التالية. انظر ص: ٣١٤، تعليق: ١.

٣١٨
تفسير سورة البقرة : ١٧٣
(((وإنما)) حرف واحدٌ، ولذلك نصبت (( الميتة والدم))، وغير جائز فى ((الميتة))
إذا جعلت ((إنما)) حرفاً واحداً - إلا النصب. ولو كانت ((إنما)) حرفين، وكانت
منفصلة من ((إنّ))، لكانت ((الميتة)) مرفوعة وما بعدها . وكان تأويل الكلام
حينئذ : إنّ الذى حرم الله عليكم من المطاعم الميتةُ والدمُ ولحم الخنزير ، لا غير
ذلك !! )
وقدذُ كرعن بعض القراء أنه قرأ ذلك كذلك، على هذا التأويل . ولست للقراءة
به مستجيزاً = وإن كان له فى التأويل والعربية وَجه مفهومٌ = لاتفاق الحجة من
القراء على خلافه . فغيرُ جائز لأحد الاعتراض عليهم فیما نقلوه مجمعين عليه .
ولو قرئ فى ((حرّم) بضم الحاء من ((حرّم))، لكان فى ((الميتة )» وجهان من
الرفع. أحدهما: من أن الفاعل غير مسمى، ((وإنما)) حرفٌ واحد.
والآخر: ((إن )، و (( ما )) فیمعنی حرفین، و ((حرّم )) من صلة ((ما))،
(((والميتة)) خبر ((الذى)) مرفوع على الخبر. ولست، وإن كان لذلك أيضاً وجه،
مستجيزاً للقراءة به ، لما ذكرت .
وأما ((الميتة))، فإن القرأةَ مختلفة فى قراءتها. فقرأها بعضهم بالتخفيف ، ومعناه
فيها التشديد، ولكنه يخففها كما يخفف القائلون فى: (هوهين لين)((الحيْن الليْن))، (٢)
كما قال الشاعر : (٣)
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِسَيْتٍ إِنَّمَا لَيْتُ مَيْتُ الأَعْيَاء(٤)
(١) انظر تفصيل هذا فى معانى القرآن الفراء ١ : ١٠٢ - ١٠٣.
(٢) فى المطبوعة: ((القائلون وهو هين لين ... ))، وكأن الصواب ما أثبت.
(٣) هو على بن الرعلاء الغسانى، والرعلاء أمه.
(٤) الأصمعيات: ٥، ومعجم الشعراء: ٢٥٢، وتهذيب الألفاظ: ٤٤٨، والسان (موت)
وحاسة ابن الشجرى: ٥١، والخزانة ٤: ١٨٧، وشرح شواهد المفتى: ١٣٨ . من أبيات جيدة
صادقة ، يقول بعده :

٣١٩
تفسير سورة البقرة : ١٧٣
فجمع بين اللغتين فى بيت واحد ، فى معنى واحد .
وقرأها بعضهم بالتشديد، وحملوها على الأصل، وقالوا: إنما هو ((مَيْوٍت))
((فيعل))، من الموت. ولكن ((الياء)) الساكنة و((الواو)) المتحركة لما اجتمعتا،
((والياء)» مع سكونها متقدمة، قلبت ((الواو)) ((ياء)) وشددت، فصارتا (ياء)) مشددة،
كما فعلوا ذلك فى «سيد وجيد)). قالوا: ومن خففها، فإنما طلب الخفة. والقراءةُ
بها على أصلها الذى هو أصلها أولى .
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى أن التخفيف والتشديد
فى ((باء)) ((الميتة)) لغتان معروفتان فى القراءة وفى كلام العرب، فبأيهما قرأ ذلك
القارئ فصيب . لأنه لا اختلاف فى معنييهما .
.
وأما قوله: (("وَمَا أهيلَّ به لغير اللّه))، فإنه يعنى به: وما ذبح للآلهة والأوثان
◌ُسمى عليه بغير اسمه، أو قُصد به غيرُه من الأصنام.
وإنما قيل: (( وما أُهِلَّ به))، لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قرَّبوه لآلهتهم،
سموا اسم آلهتهم التى قربوا ذلك لها، وَجهروا بذلك أصواتهم ، فجرى ذلك من
أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح، سمَّى أو لم يُسمّ، (١) جهر بالتسمية أو لم
يجهر -: ((مُهِلٌ). فرفعهم أصواتهم بذلك هو ((الإهلال)) الذى ذكره الله تعالى
فقال: ((وما أهيلّ به لغير الله)). ومن ذلك قيل للملبِى فى [حجة أو عمرة ((مُهيل))،
لرفعه صوته بالتلبية. ومنه ((استهلال)) الصبى، إذا صاح عند سقوطه من بطن
أمه، (واستهلال)) المطر، وهو صوت وقوعه على الأرض، كما قال عمرو بن قميئة:
كَأَسِفًا بَلُهُ قَلِيلَ الرّجَاء
إِنَّا لِلَيْتُ مَنْ يَعِيشُ ذَلِيلاً
وَأَنَاسٌ حُلُوقُهُمْ فِى الماء
فأناسٌ يُمَصَّصُونَ نِمَادَاً
الثماء الماء القليل بيتى فى الحفر . وما أصدق ما قال هذا الأبى الجر.
(١) فى المطبوعة: ((يسمى بذلك أو لم يسم))، والصواب ما أثبت، فعل ماض كاللى يليه.

٣٢٠
تفسير سورة البقرة : ١٧٣
ظَمَ الِطَاحَ لَّهُ انْهِلاَلُ حَرِيصَةٍ فَفَا النَّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ المُغْلَمِ (١)
واختلف أهل التأويل فى ذلك . فقال بعضهم : يعنى بقوله: (( وما
أُهِلَّ به لغير اللّه))، ما ذبح لغير الله.
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٦٨ - حدثنا بشربنمعاذ قال ، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((وما أُهِلّ به لغير اللّه))، قال: ما ذبح لغير الله.
٠١/٢
٢٤٦٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( وما أهلّ به لغير اللّه))، قال: ما ذبح لغير الله
مما لم يُسم عليه .
٢٤٧٠ - حدثنى المنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( وما أهلّ به لغير اللّه))، ما ذبح لغير الله
٢٤٧١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج، قال ابن عباس فى قوله: ((وما أهيِلّ به لغير اللّه))، قال: ما
أهيلّ به للطواغيت .
٢٤٧٢ - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر،
عن الضحاك قال: ((وما أهلّ به لغير الله))، قال: ما أهل به للطواغيت.
٢٤٧٣ -حدثی التی قال، حدثنا عبد الله بن صالحقال، حدثی معاوية،
عن على، عن ابن عباس: ((وما أهيلّ به لغير اللّه))، يعنى: ما أهيل للطواغيت
كلّها. يعنى : ما ذبح لغير اللّه من أهل الكفر ، غير اليهودى والنصارى.
٢٤٧٤ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عطاء فى قول الله :
(((وما أهيلّ به لغير اللّه))، قال: هو ما ذبح لغير الله.
٠٠
(١) سلف تخريج هذا البيت فى ١: ٥٢٣ - ٥٢٤، وأن صواب نسبته إلى الحادرة الذيانى.