النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٧٩
تفسير سورة البقرة : ١٦٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ
اُللهِ أَنْدَادًا يُحِبُونَهُمْ كَحْبٌّ الهِ وَالَّذِينَ ء امَنُواْ أَشَدُّ حْبَاثِ)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : أنّ من الناس من يتخذ من
دون الله أنداداً له =
وقد بينا فيما مضى أن (الندَ))، العدل، بما يدل على ذلك من الشواهد، فكرهنا
إعادته .(١)
= وأن الذين اتخذوا هذه ((الأنداد)) من دون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين
اللّه . ثم أخبرهم أن المؤمنين أشد حباً لله، من متخذى هذه الأنداد لأندادهم.
٠٠٠
واختلف أهل التأويل فى ((الأنداد)) التى كان القوم اتخذوها . وما هى ؟
٠٠٠
فقال بعضهم : هی آلهتهم التى كانوا يعبدونها من دون الله .
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٠٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة :
قوله: (( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب اللّه والذين آمنوا
أشد حباً لله))، من الكفار لأوثانهم.
٢٤٠٧ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله تعالى ذكره: ((يحبونهم كحب الله))، مباهاة
وُمُضاهاةً للحقّ بالأنداد، ((والذين آمنوا أشد حباً لله))، من الكفارلأوثانهم.
٢٤٠٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
(١) انظر ما سلف ١ : ٣٦٨ - ٣٧٠.

٢٨٠
تفسير سورة البقرة : ١٦٥
٢٤٠٩ - حدثتعن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: ((ومن الناس من يتخذُ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله))،
قال : هى الآلهة التى تُعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب اللّه،
(((والذين آمنوا أشد حباً لله))، أى: من الكفار لأوثانهم.
٢٤١٠ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب اللّه))، قال: هؤلاء
المشركون . أندادُهم: آلهتهم التى عبدوا مع اللّه، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا
اللّه، والذين آمنوا أشد حباً لله من حبهم هم آلهّهُم.
٠٠٠
وقال آخرون: بل ((الأنداد)) فى هذا الموضع، إنما هم سادتهم الذين كانوا
يطيعونهم فى معصية الله تعالى ذكره .
• ذكر من قال ذلك :
٢٤١١ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((ومن الناس من يتخذ من ◌ُدُون الله أنداداً يحبونهم كحب الله))، قال:
الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون اللّه، إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله.(١)
٠٠٠
فإن قال قائل: وكيف قيل: ((كحب اللّه)) ؟ وهل يحب الله الأنداد ؟
وهل كان مُتخذو الأنداد يحبون اللّه، فيقال: (('يحبونهم كحب الله))؟
قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه، وإنما ذلك نظير قول القائل: (٢)
((بعت غلامى كبيع غلامِك))، بمعنى: بعته كما بيع غلامك، وكبيعك
(١) الأثر: ٢٤١١ - فى المطبوعة: ((حدثى موسى قال حدثنا أسباط))، أسقط منه ((قال
حدثنا عمرو))، وهو إسناد دائر فى التفسير، أقربه رقم: ٢٤٠٤. ثم انظر ص: ٢٨٨ س: ١١
فسيأتى تأويله وبيانه عن قول السدى .
(٢) فى المطبوعة: ((وإنما نظير ذلك))، وأثبت أولى العبارتين بالسياق والمعنى.

٢٨٣
تفسير سورة البقرة : ١٦٥
يرى الذين ظلموا عذابَ اللّه الذى أعد لهم فى جهنم ، لعلموا حين يرونه فيعاينونه
أن القوة الله جميعاً وأن الله شديد العذاب، إذ يرون العذاب. فتكون ((أن)) الأولى
منصوبة لتعلقها بجواب ((لو)) المحذوف ، ويكون الجواب متروكاً ، وتكون الثانية
معطوفة على الأولى. وهذه قراءة عامة القرّاء الكوفيين والبصريين وأهل مكة
...
وقد زعم بعض نحوبى البصرة أنّ تأويل قراءة من قرأ: ((ولو يَرَى الذين
ظلموا إذ يرون العذابَ أن القوة للّه جميعاً وأن الله شديد العذاب)) بالياء فى (( يرى))
وفتح ((الألفين)) فى ((أن)) ((وأن)) -: ولو يعلمون، (١) لأنهم لم يكونوا علموا قدر
ما يعاينون من العذاب. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم، فإذا قال: ((ولو
ترى))، فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم .
ولو کسر (( إنّ)) على الابتداء، إذا قال: (( ولو یری )) جاز، لأن « لو یری))،
لو يعلم .
وقد تكون ((لو)) فى معنى لا يحتاج معها إلى شىء. (٢) تقول للرجل: (( أمَا وَالله
لو يعلم، ولو تعلم))(٣)، كما قال الشاعر: (٤)
إِنْ يَكُنْ طِبَّكِ الدّلاَلُ، فَلَوْ فِ سَالِفِ الدَّهْرِ وَالسِّنِينَ الْحَوَالِى!(٥)
(١) يريد أن ((يرى)) بمعنى: يعلم. وقاله أبو عبيدة فى مجاز القرآن: ٦٢.
(٢) فى المطبوعة: ((وقد تكون ((لو يعلم)) فى معنى لا يحتاج ... ))، والصواب حذف ((يعلم "
فإنه أراد ((لو)) وحدها، وذلك ظاهر فى استدلاله بعد .
(٣) فى المطبوعة: ((لو يعلم)) فى الموضعين، والصواب جعل أحداهما بالياء. والأخرى بالتاء.
(٤) هو عبيد بن الأبرص.
(٥) ديوانه: ٣٧، من قصيدة جيدة يعاتب امرأته وقد عزمت على فراقه، وقبله :
أَلِبَيْنِ تُرِيد أَمْ لِلاَلِ ؟
تلكَ عِرْسِى تَرُومُ قِدْماً زِيَالِ
والزيال: المفارقة. وقوله: ((طبك))، أى شهوتك وإرادتك وبغيتك. يقول لها: إن كنت
الدلال على تبغين وترومين، فقد مضى حين ذلك، أيام كنا شباباً فى سالف دهرنا وليالينا الخوالى ! إذ -:
أَنْت بَيْضَاءِ كالمهاة، وإِذْ آَ تِيكِ نَشْوَانَ مُرْخِيًا أَذْيالِ

٢٨٤
تفسير سورة البقرة : ١٦٥
هذا ليس له جواب إلا فى المعنى ، وقال الشاعر (١):
وَبِظٍ مِمَا نَعِيشُ، وَلاَ تَذْ هَبْ بِكَ الُّعَتُ فِى الْأَمْوَالِ (٣)
فأضمر : فعيشى. (٣)
قال: وقرأ بعضهم: ((ولو ترى))، وفتح ((أن)) على ((ترى)). وليس بذلك، (٤)
لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم، ولكن أراد أن يعلم ذلك الناسُ ، كما قال تعالى
ذكره: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَاءُ ﴾ [سورة السجدة: ٢]، ليخبر الناس عن جهلهم ، وكما
قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمَّ أَنَّ اللّه لَهُ مُلكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة البقرة: ١٠٧]. (٥)
٠ ٠٠
قال أبو جعفر: وأنكر قوم أن تكون ((أنّ)) عاملاً فيها قوله: (( ولو يرى)).
وقالوا : إنّ الذين ظلموا قد علموا حين يرون العذاب أن القوة الله جميعاً، فلا وجه
لمن تأوَّل ذلك: ولو يَرى الذين ظلموا أنّ القوة لله. وقالوا: إنما عمل فى ((أن))
جواب ((لو)) الذى هو بمعنى((العلم))، لتقدم ((العلم)) الأول.(٦)
وقال بعض نحوبى الكوفة: "مَنْ نصب ((أن القوة لله وأن الله شديد العذاب))
٥
(١) هو عبيد بن الأبرص أيضاً من قصيدته السالفة.
(٢) ديوانه: ٣٧، وسيأتى فى التفسير ٧ : ١١٧، وهو فى الموضعين مصحف. كان هنا
((وبحظ ما تعيش)). قال لها ذلك بعد أن ذكر أنها زعمت أنه كبر وقل ماله، وضن عنه إخوانه
وأنصاره . ثم أمرها أن ترفض مقالة العاذلين، ويعظها أن تعيش معه بما يعيش به . والترهات جمع
ترهة : وهى أباطيل الأمور. والأهوال جمع هول: وهو الأمر الخيف. ثم ذكر لما أمر أهلها إذا فارقته
إليهم وما تلقاه من أهوال ، فقال :
مِنْهُمُ كُمِْكٌ، ومِنْهُم عَدِيمٌ، وتَخِيلٌ عَلَيْكِ فِ بُخَالِ
(٣) فى المطبوعة: ((فأضمر: عش))، والصواب ما أثبت، وستأتى على الصواب فى الجزء السابع.
(٤) قوله: ((ليس بذلك))، أى قول ضعيف ليس بذلك القوى.
(٥) انظر ما سلف ٢ : ٤٨٤ - ٤٨٨.
(٦) ينى بالعلم الأول ((لو يرى)) بمعنى ((لو يعلم،، والآخر الجواب المحذوف: ((لعلموا)).
1

٢٨٥
تفسير سورة البقرة : ١٦٥
ممن قرأ: ((ولو يَرَى)) بالياء، فإنما نصبها بإعمال (الرؤية)) فيها، وجعل ((الرؤية))
واقعةً عليها. وأما "مَنْ نصبها ممن قرأ: ((ولو ترى)) بالتاء، فإنه نصبها على تأويل:
لأنّ القوة الله جميعاً، ولأن الله شديد العذاب. قال: ومن كسرهما ممن قرأ بالتاء ،
فإنه يكسرهما على الخبر .
وقال آخرون منهم: فتح ((أنّ)) فى قراءة من قرأ: ((ولو يَرَى الذين ظلموا))
بالياء، بإعمال (( يرى))، وجوابُ الكلام حينئذ متروك ، كما ترك جواب :
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنَا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطُّمَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ [ سورة الرعد: ٣١]،
لأن معنى الجنة والنار مكررٌ معروف. (١) وقالوا: جائز كسر (( إن))، فى قراءة من
قرأ: ((الياء)) وإيقاع ((الرؤية)) على ((إذ)) فى المعنى، وأجازوا نصب ((أن)) على قراءة
من قرأ ذلك بـ((التاء))، لمعنى نية فعل آخر، وأن يكون تأويل الكلام: ((ولوترى
الذين ظلموا إذ يرون العذاب))، [ يَرَون] أنّ القوة اللّه جميعاً، (٢) وزعموا أن كسر
((إنّ)) الوجهُ، إذا قرئت ((ولو تَرَى))؛ ((التاء)) على الاستئناف، لأن قوله :
(ولو ترى)) قد وقع على ((الذين ظلموا)). (٣)
٤٢/٢
...
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا فى ذلك: ((ولو تَرَى الذين
ظلموا)) - بالتاءمن ((ترى)) - ((إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب)»
بمعنى: لرأيت أن القوة للّه جميعاً وأن الله شديد العذاب. فيكون قوله: ((لرأيت))
الثانية ، محذوفةً مستغنی بدلالة قوله: (( ولو تریالذین ظلموا))، عن ذكره، إذ كان
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٩٧، وفيه ((معانى الجنة ... )»، والصواب ما فى الطبرى
وإحدى نسخ معانى القرآن .
(٢) الذى بين القوسين زيادة لا بد منها، وإلا اختل الكلام، واستدركتها من معانى القرآن
الفراء ١ : ٩٨ .
(٣) هذا قول الفراء فى معانى القراء ١: ٩٧ - ٩٨، مع بعض التصرف فى اللفظ. وقوله: ((وقع))،
و ((الوقوع)» يعنى به تعدى الفعل إليه . وانظر فهرس المصطلحات.

٢٨٦
تفسير سورة البقرة : ١٦٥
کان جواباً ا «لو )» .(١)
ويكون الكلام ، وإن كان مخرجه مخرجَ الخطاب لرسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم - معنيًّا به غيره. لأن النبى صلى اللّه عليه وسلم كان
لاشك عالماً بأن القوة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب. ويكون ذلك
نظيرَ قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَ أَنَّ اللّه لَه مُلكُ السَّمُوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [سورة البقرة: ١٠٧].
وقد بيناه فى موضعه .(٢)
وإنما اخترنا ذلك على قراءة ((الياء»، لأن القوم إذا رأوا العذاب، قد أيقنوا أن القوة
الله جميعاً وأن اللّه شديد العذاب، فلاوجه أن يُقال: لو يرون أنّ القوة الله جميعاً -
حينئذ. لأنه إنما يقال: ((لو رأيت))، لمن لم يرَ، فأما من قد رآه ، فلا معنى
لأن يقال له: ((لو رأيت)).
٠
٠
ومعنى قوله: ((إذ يرون العذاب))، إذ يُعاينون العذاب، كما :-
٢٤١٢ - حدثتعن عمار بن الحسن قال،حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه،
عن الربيع قوله: (( ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذابَ أن القوة اللّه جميعاً، وأن
الله شديد العذاب))، يقول : لو عاينوا العذاب.
وإنما عنی تعالی ذ کره بقوله: ( ولو تری الذین ظلموا »، ولو تری، یا محمد،
الذين ظلموا أنفسهم ، فاتخذوا من دونی أنداداً يحبونهم کحبكم إياى ، حين
يُعاينون عذابى يومَ القيامة الذى أعددتُ لهم، لعلمتم أن القوة كلها لى ◌ُدُون
الأنداد والآلهة، وأنّ الأنداد والآلهة لاتغنى عنهم هنالك شيئاً، ولا تدفع عنهم عذاباً
أحللتُ بهم ، وأيقنّم أنّى شديدٌ عذابى لمن كفر بى، وادَّعى معى إلهاً غيرى.
٠٠٠
(١) فى المطبوعة: ((وإن كان جواباً ... ))، والصواب ما أثبت.
(٢) انظر ما سلف ٢ : ٤٨٤ - ٤٨٨.

٢٨٧
تفسير سورة البقرة : ١٦٦
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿إِذْ تَبَّأْ الَّذِينَ أَتْبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ
أَتََّعُواْ وَرَأَوُاْ اُلْعَذَابَ ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بقوله: ((إذْ تبرّأ الذين اتبعوا من الذين
اتبعوا ورأوا العذاب))، إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوهم. (١)
٠
ثم اختلف أهل التأويل فى الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: ((إذ تبرأ الذين
اتبعوا من الذين التَّبعوا)) ، فقال بعضهم بما : -
٠ ٢٤١٣ - حدثنا به بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((إذ تبرأ الذين اتبعوا))، وهم الجبابرة والقادةُ والرؤوس فى
الشرك، ((من الذين اتَّبعوا))، وهم الأتباع الضعفاء، ((ورأوا العذاب)) ..
٢٤١٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع: ((إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا))، قال : تبرأت
القادةُ من الأتباع يوم القيامة .
٢٤١٥ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
ابن جريج: قلت لعطاء: ((إذ تبرَّأ الذين اتبعوا من الذين التَّبعوا))، قال: تبرأ
رؤساؤهم وقادتهم وساداتهم من الذين اتبعوهم .
وقال آخرون بما : -
٢٤١٦ - حدثی به موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
(١) فى المطبوعة: ((من الذين اتبعوا)) مرة أخرى، والصواب ((اتبعوهم)) كما أثبت، وإلا لم يكن
ذلك إلا تكراراً بلا معنى .
٠٤ ٥ ٠ئة (٧)

٢٨٨
تفسير سورة البقرة : ١٦٦.
أسباط ، عن السدى: ((إذ تبرأ الذين اتَّبِعُوا من الذين اتبعوا))، أما( الذين اتبعوا))،
فهم الشياطين تبرأوا من الإنس .
قال أبو جعفر: والصواب من القول عندى فى ذلك أنّ اللّه تعالى ذكره أخبر
أنّ المتَّبَعين على الشرك بالله يتبرأون من أتباعهم حين يعاينون عذاب الله. ولم
يخصص بذلك منهم بعضًا دون بعض ، بل عَمّ جميعهم . فداخلٌ فى ذلك كل
متبوع على الكفر بالله والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا يتّبعونه على الضلال
فى الدنيا ، إذا عاينوا عذابَ اللّه فى الآخرة .
وأما دلالة الآية فيمن عنى بقوله: (( إذا تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا))، فإنها
إنما تدل على أنّ الأنداد الذين اتخذهم مِن دُون اللّه مَنْ وَصَف تعالى ذكره صفته
بقوله:(( ومن الناس من يتخذُ من دون الله أنداداً))، هم الذين يتبرأون من أتباعهم.
وإذا كانت الآيةُ على ذلك دالّةً، صحّ التأويل الذى تأوله السدى فى قوله: (١)
(((ومن الناس "مَنْ يتخذ من دون الله أنداداً))، أن ((الأنداد)» فى هذا الموضع ،
إنما أريد بها الأندادُ من الرجال الذين يُطيعونهم فيما أمرُوهم به من أمر، وَيَعصُون اللّه
فى طاعتهم إياهم ، كما يُطيع الله المؤمنون ویعصون غيره = وفسد تأويل قول من
قال: (٢) ((إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّعوا))، أنهم الشياطين تبرأوا من أوليائهم
من الإنس. لأن هذه الآية إنما هى فى سياق الخبر عن مُتخذى الأنداد.
(١) انظر الأثر رقم : ٢٤١١.
(٢) قوله: (وفسد)) معطوف على قوله: ((صح)).
:

٢٨٩
تفسير سورة البقرة : ١٦٦
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَتَقَطَّمَتْ بِهِمُ اْأَسْبَابُ ﴾ (١)
قال أبو جعفر: یعنی تعالی ذ کره بذلك: أن الله شدید العذاب، إذ تبرأ الذین
اتبعوا ، وإذ تقطعت بهم الأسباب .
ثم اختلف أهل التأويل فى معنى ((الأسباب)). فقال بعضهم بما : -
٢٤١٧ - حدثنى به يحيى بن طلحة اليربوعى قال، حدثنا فضيل بن عياض -
وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، - عن عبيد المكتب، عن مجاهد: (( وتقطعت
بهم الأسباب))، قال : الوصال الذى كان بينهم فى الدنيا .(١)
٤٣/٢
٢٤١٨ - حدثنا إسحق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال ، حدثنا يحيى
ابن يمان، عن سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد: ((وتقطّعت بهم الأسباب)»،
قال : تواصلهم فى الدنيا. (٢)
٢٤١٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن - وحدثنا أحمد بن
إسمق الأهوازی قال ، حدثنا أبو أحمد ۔۔ جمیعاً قالا ، حدثنا سفيان ، عن عبيد
المكتب ، عن مجاهد بمثله .
(١) الخبر: ٢٤١٧ - فضيل بن عياض بن مسعود التميمى الزاهد الخراسانى: ثقة، قال ابن سعد:
((كان ثقة ثبتاً فاضلا عابداً ورعاً كثير الحديث)). مات فى أول المحرم سنة ١٨٧ بمكة. مترجم فى
التهذيب، والكبير ٤ /١٢٣/١، والصغير: ٢٠٩، وابن سعد ٥: ٣٦٦، وابن أبى حاتم ٧٣/٢/٣.
وهذا الخبر يرويه أبو جعفر بإسنادين: من طريق الفضيل بن عياض ، ثم من طريق جرير ،
وهو ابن عبد الحميد الضبى - كلاهما عن عبيد المكتب . ثم سيرويه عقب ذلك ، بإسنادين آخرين:
٢٤١٨، ٢٤١٩، من رواية سفيان، وهو الثورى، عن عبيد المكتب.
و((عبيد المكتب))، بضم الميم وسكون الكاف وكسر التاء المثناة، من ((الإكتاب))، أى
تعليم الكتابة : هو عبيد بن مهران الكوفى ، وهو ثقة، أخرج له مسلم فى صحيحه . مترجم فى التهذيب ،
وابن سعد ٦ : ٢٣٧، وابن أبى حاتم ٠٢/١/٣
(٢) الخبر: ٢٤١٨ - إسحق بن إبرهيم بن حبيب بن الشهيد، شيخ الطبرى: ثقة مأمون.
مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢١١/١/١، وتاريخ بغداد ٦ : ٣٧٠.
ج ٣ (١٩)

٢٩٠
السير سورة البقرة : ١٦٦
٢٤٢٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وتقطعت بهم الأسباب))، قال : المودّة.
٢٤٢١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن
أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٢٤٢٢ - حدثنى القاسم قال، حدثى الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج، عن مجاهد قال : تواصلٌ كان بينهم بالمودة فى الدنيا .
٢٤٢٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى قال ،
أخبرنى قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن ابن عباس فى قول الله تعالى ذكره :
((وتقطعت بهم الأسباب))، قال : المودة .
٢٤٢٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة: ((وتقطعت بهم الأسباب))، أسبابُ الندامة يوم القيامة، وأسباب
المواصلة التى كانت بينهم فى الدنيا يتواصلون بها ، ويتحابُّون بها ، فصارت عليهم
عداوةً يوم القيامة ، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ، ويلعن بعضكم بعضاً ،
ويتبرأ بعضُكم من بعض. وقال الله تعالى ذكره: ﴿اْلأُخِلَاءِ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٦٧]، فصارت كل ◌ُخُلَّة عداوة على أهلها
إلا خُلة المتقين .
٢٤٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((وتقطعت بهم الأسباب))، قال : هو الوصْل الذى
کان بينهم فى الدنيا .
٢٤٢٦ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه ،
عن الربيع: ((وتقطعت بهم الأسباب))، يقول: الأسبابُ ، الندامة .
٠٠ ٠
وقال بعضهم: بل معنى ((الأسباب))، المنازل التى كانت لهم من أهل الدنيا .

٢٩١
تفسير سورة البقرة : ١٦٦
· ذكر من قال ذلك :
٢٤٢٧ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((وتقطعت بهم الأسباب))، يقول :
تقطّعت بهم المنازلُ .
٢٤٢٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد ،
عن أبى جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس: ((وتقطعت بهم الأسباب))، قال :
الأسباب المنازل .
٠ ٥
وقال آخرون: ((الأسباب))، الأرحام.
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ،
حدثی حجاج قال،قال ابن جريج، وقال ابن عباس: (( وتقطعت بهم الأسباب»،
قال : الأرحام .
٠٠٠
وقال آخرون: ((الأسباب))، الأعمال التى كانوا يعملونها فى الدنيا.
* ذكر من قال ذلك :
٢٤٣٠ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: أمّا ((وتقطعت بهم الأسباب))، فالأعمال.
٢٤٣١ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهبقال ، قال ابن زيد فى قوله :
((وتقطعت بهم الأسباب))، قال: أسباب أعمالهم ، فأهل التقوى أعطوا أسباب
أعمالهم وثيقةً، فيأخذون بها فينجُون، والآخرون أعطوا أسبابَ أعمالهم الخبيثة ،
فتقطّعُ بهم فيذهبون فى النار .

٢٩٢
تفسير سورة البقرة : ١٦٦
قال أبو جعفر: (١) ((والأسباب))، الشىء يُتعلَّقُ به. قال: و((السبب)) الحبل.
((والأسباب)) جمع ((سبب))، وهو كل ما تسبب به الرجل إلى طلبته وحاجته.
فيقال للحيل ((سبب))، لأنه يُتسبب بالتعلق به إلى الحاجة التى لا يوصل إليها إلا
بالتعلق به. ويقال للطريق (( سبب)).، للتسبب بركوبه إلى ما لا يدرك إلا بقطعه.
وللمصاهرة ((سبب))، لأنها سببٌ للحرمة. والوسيلة ((سبب))، للوصول بها إلى
الحاجة، وكذلك كل ما كان به إدراك الطلبة، فهو ((سبب )) لإدراكها .
فإذْ كان ذلك كذلك ، فالصواب من القول فى تأويل قوله: (( وتقطعت بهم
الأسباب)) أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن الذين ظلموا أنفسهم - من أهل
الكفر الذينماتوا وهم كفار - يتبرأ= عند معاينتهم عذابَ اللّه = المتبوعُ من التابع،
وتتقطع بهم الأسباب .
وقد أخبر تعالى ذكره فى كتابه أن بعضهم يلعنُ بعضاً، وأخبر عن الشيطان أنه
يقول لأوليائه: ﴿مَا أَنَبُصْرِ خِكُمْ وَمَا أَنْتُ بِسُصرِىَّ إِنَى كَفَرْتُ بِمَ أشْرَ كْتُمُونٍ
مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة إبراهيم: ٢٢]، وأخبر تعالى ذكره أنّ الأخلاء يومئذ بعضهم
لبعض عدو إلا المتقين، وأن الكافرين لا ينصر يومئذ بعضهم بعضاً، فقال تعالى ذكره:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَنْوُلُونَ . مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ٤
وأنّ الرجل منهم لا ينفعه نسيبه ولا ذو رحمه، وإن كان نسيبه لله وليًّا، فقال تعالى
ذكره فى ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِمَ لِأَبِيهِ إِلاَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا
إِيَّه فَمَّا تَبَّيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ ◌ِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [ سورة التوبة: ١١٤]، وأخبر تعالى
ذكره أنّ أعمالهم تصيرُ عليهم حسرات .
٤٤/٢
وكل هذه المعانى أسباب يتسبب فى الدنيا بها إلى مطالب ، فقطع اللّه منافعها
فى الآخرة عن الكافرين به ، لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه ، فهى منقطعة
(١) من أول هذه الفقرة، كلام أبى جعفر، وأخشى أن يكون سقط شىء قبله . وهذا الابتداء
على كل حال ، جار على غير النهج الذى سار عليه كتابه من قبل ومن بعد.

٢٩٣
تفسير سورة البقرة : ١٦٧،١٦٦
بأهلها . فلاخِلالُ بعضهم بعضًا نَفْعهم عند وُرُودهم على ربهم، (١) ولا عبادتُهم
أندادهم ولاطاعتهم شياطينهم؛ ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام اللّه منهم،
ولا أغنت عنهم أعمالهم ، بل صارت عليهم حسرات . فكل أسباب الكفار منقطعة.
فلامَعْنِىَّ أبلغُ - فى تأويل قوله: ((وتقطعت بهم الأسباب)) - من صفة الله
[ ذلك]، وذلك ما بينًاً من [تقطّع] جميع أسبابهم دون بعضها، (٢) على ما قلنا فى ذلك.
من ادعى أن المعنىَّ بذلك خاص من الأسباب، ◌ُسُئل عن البيان على دعواه من
أصلٍ لا منازع فيه، وعورض بقول مخالفه فيه . فلن يقول فى شىء من ذلك قولاً
إلا ألزم فى الآخر مثله .
٠
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَقَلَ الَّذِينَ أَبُوا لَوْ أَنَّ لَنَا
كَرَّةً فَتَبَرَّأْ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّواْمِنَّا)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله تعالى ذكره: ((وقال الذين التَّبعوا))، وقال أتباع
الرجال - الذين كانوا اتخذوهم أنداداً من دون الله ، يطيعونهم فى معصية الله ،
وَيَعصُون ربَّهم فى طاعتهم، إذ يرون عذابَ اللّه فى الآخرة -: ((لو أن لنا كرة)).
يعنى ((بالكرة))، الرجعة إلى الدنيا، من قول القائل: ((كررَت على القوم
أكُرَّكرّ)، و((الكرّة) المرة الواحدة، وذلك إذا حمل عليهم راجعاً عليهم بعد الانصراف
عنهم ، كما قال الأخطل :
(١) فى المطبوعة: ((ينفعهم))، والصواب ما أثبت، فالأفعال قبله وبعده كلها ماضية.
والخلال مصدر خاله (بشديد اللام) يخاله محالة وخلالا: وهى الصداقة والمودة، يقول امرؤ القيس:
صَرَفْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى فَلَسْتُ بِمَقْلِّ الْخِلالِ وَلَّا قَلى
(٢) الزيادة التى بين الأقواس، لا بد منها حتى يستقم صدر الكلام وآخره، فى الجملة التالية .
ويعنى بقوله (صفة الله): ما وصف الله سبحانه من تقطع أسباب الكافرين يوم القيامة، كالذى عدده
آنفاً فى الفقرة السالفة .

٢٩٤
تفسير سورة البقرة : ١٦٧
وَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْغَةً كَرَّ الْتَنِيحِ، وَجُلْنَ عَمَّ تَجَالاً (١)
وكما : -
٢٤٣٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة :
(( وقال الذين اتبعوا لوأن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا)»، أى: لنا رجعةً إلى
الدنيا .
٢٤٣٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع: ((وقال الذين اتبعوا لو أنّ لنا كرة))، قال: قالت الأتباع:
لو أن لنا كرة إلى الدنيا فتتبرأ منهم كما تبرأوا منا .
وقوله: ((فنتبرأ منهم))، منصوبٌ، لأنه جواب للتمنى : ((الفاء)). لأن القوم
تمنوا رجعةً إلى الدنيا ليتبرأوا من الذين كانوا يطيعونهم فى معصية الله، كما تبرأ
منهم رؤساؤهم الذين كانوا فى الدنيا ، المتبوعون فيها على الكفر بالله، إذْ عاينوا
عظيم النازل بهم من عذاب الله، (٢) فقالوا: يا ليت لنا كرّة إلى الدنيا فتتبرأ
منهم، و﴿يَالَيْقَنَا نُوَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بَآيَاتٍ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنعام: ٢٧ ]
(١) ديوانه ٤٨، ونقائض جرير والأخطل: ٧٩. وفى المطبوعة: ((كر المشيح))، وهو خطأً
وفى الديوان ((على قدارة))، وهو خطأً. وغزارة بن ذبيان بن بغيض. والمنيح: قدح لاحظ له فى الميسر،
وأقداح الميسر سبعة دوات أنصباء ، وأربعة لا نصيب لهما مع السبعة ، ولكنها تعاد معها فى كل ضربة .
وقوله: ((عطفن)) يعنى الخيل، ذكرها فى بيت قبله. وقد مضى من هذه القصيدة أبيات فى ٢: ٢٨،
٣٩، ٤٩٢، ٠٤٩٦
(٢٠) فى المطبوعة: ((إذا عاينوا))، وهو خطأً.

٢٩٠
تفسير سورة البقرة : ١٦٧
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿كَذَّلِكَ يُرِيِمُ اللهُ أَعْمَلَهُمْ
حَتَّاتٍ عَلَيْهِمْ﴾
قال أبو جعفر: ومعنى قوله: ((كذلك ◌ُريهمُ اللّه أعمالهم))، يقول: كما
أراهم العذاب الذی ذکره فی قوله: (( ورأوا العذاب )» ، الذی کانوا یکذبون به فى
الدنيا ، فكذلك يُريهم أيضاً أعمالهم الخبيثة التى استحقوا بها العقوبة من اللّه
((حسرات عليهم))، يعنى : خدامات .
٠ ٠
(((والحسرات)) جمع ((حَسْرة)). وكذلك كل اسم كان واحده على ((فَعْلة))
مفتوح الأول ساكن الثانى، فإن جمعه على ((فَعَلات)) مثل (("شهوة ومرة)) تجمع
(((شَهوات وَتمرات)) مثقَّة الثوانى من حروفها. فأما إذا كان نعتاً فإنك تَدع
ثانيه ساكناً مثل((ضخمة))، تجمعها ((ضخْمات)) و((عَبْلة)) تجمعها((عَبلات))،
وربما ◌ُكّن الثانى فى الأسماء، كما قال الشاعر: (١).
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاَتِهَا يُدِلْنَنَا الََّّةُ مِنْ لَمَّاتِهَا
فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِها (٢)
فسكن الثانى من ((الزفرات))، وهى اسم. وقيل: إن ((الحسرة)) أشد الندامة.
٠٠ ٥
(١) لم. أعرف قائله .
(٢) سيأتى فى التفسير ٢٤: ٤٣ / ٣٠: ٣٤ (بولاق) بزيادة بيت. والعينى ٤ : ٣٩٦
والسانه (لم) (زفر) (علل) وغيرها. والدولة (بفتح فسكون) والدولة ( بضم الدال): العقبة فى
المال والحرب وغيرهما ، وهو الانتقال من حال إلى حال، هذا مرة وهذا مرة . ودالت الأيام : دارت
بأصحابها. ويروى: ((تديلنا)) وأداله: جعل له العقبة فى الأمر الذى يطلبه أو يتمناه، بتغيره وانتقاله
عنه إلى حال أخرى . واللمة: النازلة من نوازل الدهر، كالملمة . والبيت الرابع الذى زاده الطبرى :
• وَتَنقَعُ الْغُلَّ من غُلاَتِها .
والغلة : شدة العطش وحرارته . ونقع الغلة : سكنها وأطفأها وأذهب ظمأها .

.٢٩٦
تفسير سورة البقرة : ١٦٧.
فإن قال لنا قائل : فكيف يَرَون أعمالهم حسرات عليهم ، وإنما يتندم المتندم
عَلى تَرْك الخيرات وفوتها إياه ؟ وقد علمت أنّ الكفار لم يكن لهم من الأعمال
ما يتتدَّمون على تركهم الازديادّ منه، فيريهم اللّه قليله!(١) بل كانت أعمالهم
كلها معاصىَ اللّه، ولا حسرةَ عليهم فى ذلك، وإنما الحسرة فيما لم يَعملوا من
طاعة اللّه ؟
قيل : إن أهل التأويل فى تأويل ذلك مختلفون ، فنذكر فى ذلك ما قالوا ، ثم
نخبر بالذى هو أولى بتأويله إن شاء الله .
فقال بعضهم : معنى ذلك : كذلك يريهم الله أعمالهم التى فرضها عليهم فى
الدنيا فضيَّوها ولم يعملوا بها ، حتى استوجب = ما كان اللّه أعدَّ لهم ، لو كانوا
عملوا بها فى حياتهم، من المساكن والنِّعم = غيرُهُمْ بطاعته ربَّه. (٢) فصار ما فاتهم
من الثواب-الذى كان الله أعدّ لهم عندهلو كانوا أطاعوه فى الدنيا، إذ عاينوه(٣)
عند دخول النار أو قبل ذلك - أسّى وندامةً وَحسرةً عليهم.
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٣٤ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم))، زعم أنه يرفع لهم الجنة
فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها ، لو أنهم أطاعوا اللّه، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو
أطعتم اللّه ! ثم تُقسّم بين المؤمنين ، فيرثونهم . فذلك حين يندمون.
٤٠/٢
٢٤٣٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال ،
حدثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل قال ، حدثنا أبو الزعراء ، عن عبد اللّه ـ- فى
(١) قوله: ((فيريهم الله قليله))، يعنى به: فيريهم الله أنه قليل، فيتمنون أن لو كانوا ازدادوا
من فعله حتى يكثر .
(٢) سياق هذه الجملة: حتى استوجب غيرهم بطاعته ربه، ما كان الله أحد لحم ... ، فقدم
وأخر وفصل ، كعادته .
(٣) فى المطبوعة: ((إذا عاينوه))، والصواب ما أثبت.

٢٩٧
تفسير سورة البقرة : ١٦٧
قصة ذكرها - فقال: فليس نَفْسٌ إلا وهى تنظر إلى بيتٍ فى الجنة وَبَيتٍ فى
النار، وهو يومُ الحسرة . قال : فيرى أهلُ النار الذين فى الجنة ، فيقال لهم:
لو عملتم ! فتأخذهم الحسرة. قال: فيرى أهلُ الجنة البيتَ الذى فى النار ، فيقال:
لولا أن منَّ اللّه عليكم! (١)
فإن قال قائل : وكيف يكون مضافاً إليهم من العمل ما لم يَعملوه على هذا
التأويل ؟
قيل : كما يُعرض على الرجل العملُ فيقال [ له] قبل أن يعمله: (٢) هذا
عملك. يعنى : هذا الذى يجب عليك أن تعمله، وكما يقال للرجل يحضرُ
(١) الحديث: ٢٤٣٥ - سفيان: هو الثورى. سلمة بن كهيل الحضرى. سبق توثيقه:
٤٣٩، ونزيدهنا أن الثورى قال: ((كان ركناً من الأركان)). وقال أحمد: ((سلمة متقن الحديث)).
وقال أبو زرعة: ((كوفى ثقة مأمون ذكى)). مترجم فى التهذيب، والكبير ٧٥/٢/٢، وابن سعد ٦ :
٢٢١، وابن أبى حاتم ٢/ ١٧٠/١ - ١٧١، وتاريخ الإسلام ٥ : ٨١ - ٨٢ .
أبو الزعراء - بفتح الزاى والراء بينهما عين مهملة ساكنة؛ هو عبد الله بن هانىء أبو الزعراء الكبير،
وهو خال سلمة بن كهيل. وهو ثقة من كبار التابعين. مترجم فى التهذيب ، وابن سعد ٦ : ١١٩ ،
وابن أبى حاتم ١٩٥/٢/٢ .
وهذا الحديث قطعة من حديث طويل - كما قال الطبرى هنا: ((فى قصة ذكرها)) وستأتى قطعة
أخرى منه فى الطبرى ١٥: ٩٧ (بولاق). وهو حديث موقوف من كلام ابن مسعود ولكنه - عندنا -
وإن كان موقوفاً لفظاً، فإنه مرفوع حكماً ، لأنه فى صفة آخر الزمان ، وما يأتى من الفتن ، ثم فناء الدنيا،
ثم البعث والنشور والشفاعة ، وما إلى ذلك ، مما لا يعلم بالرأى .
وقد رواه - بطوله كاملا - الحاكم فى المستدرك ٤: ٤٩٦ - ٤٩٨، من طريق الحسين بن حفص
الإصبهافى، عن سفيان، بهذا الإسناد. وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)».
ووافقه الذهبي . وهو كما قالا .
وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ١٠: ٣٢٨ - ٣٣٠، بطوله، وقال: رواه الطبرانى وهو
موقوف ، مخالف الحديث الصحيح وقول النبى صلى الله عليه وسلم: أنا أول شافع))))! هكذا قال الهيشى
ولم يذكر شيئاً عن إسناده . وليس هذا موضع التعقب على تعليله .
وروى أبو داود الطيالسى: ٣٨٩ - قطعة أخرى منه، عن يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه .
و((يحي بن سلمة)). ضعيف جداً. قال البخارى فى الصغير، ص: ١٤٣ (( منكر الحديث))
ولا يضر ضعف الإسناد عند الطيالسى، إذ جاء الحديث - كما ترى - بإسناد صحيح ، من رواية سفيان
الثورى ، عن سلمة بن كهيل .
(٢) ما بين القوسين زيادة يستقيم بها الكلام.

٢٩٨
تفسير سورة البقرة : ١٦٧.
غداؤه قبل أن يتغدى به: (١) هذا غداؤك اليوم . يعنى به: هذا ما تَتغدى به
اليوم. فكذلك قوله: ((كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم))، يعنى: كذلك
يُريهم اللّه أعمالهم التى كان لازماً لهم العمل بها فى الدنيا ، حسرات عليهم.
وقال آخرون : كذلك يريهم اللّه أعمالهم السيئة حسرات عليهم ، لم تعملوها ؟
وهلاًّ عملوا بغيرها مما يُرضى الله تعالى ذكره ؟
ذكر من قال ذلك :
٢٤٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أ جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع: ((كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم))، فصارت أعمالهم
الخبيثة حسرةً عليهم يوم القيامة .
٢٤٣٧ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
(((أعمالهم حسرات عليهم))، قال: أو ليس أعمالهم الخبيثةُ التى أدخلهم الله بها
النار؟ [ فجعلها ] حسرات عليهم. (٢) قال: وجعل أعمالَ أهل الجنة لهم، وقرأ
قول الله: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِ الأيَّامِ الخَالِيَةِ﴾ [سورة الحاقة: ٢٤].
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: معنى قوله: (( كذلك
يُربهم اللّه أعمالهمْ "حسرات عليهم))، كذلك يُرِى الله الكافرين أعمالهم الخبيثة
حسرات عليهم ، لم عملوا بها ؟ وهلاًّ عملوا بغيرها ؟ فتدموا على ما فرط منهم من
أعمالهم الرديئة، إذا رأوا جزاءها من الله وعقابها، (٣) لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم
ندماً عليهم .
(١) فى المطبوعة: ((كما يقال الرجل))، وزيادة الواو لازمة.
(٢) الزيادة بين القوسين مما يستقيم به معنى الكلام، ليطابق القول الذى قاله هؤلاء. ويوافق الشطر
الثانى من هذا الخبر فى ذكر أعمال أهل الجنة .
(٣) فى المطبوعة: ((إذا رأوا جزامها))، والصواب ما أثبت.
-

٢٩٩
تفسير سورة البقرة : ١٦٧
فالذى هو أولى بتأويل الآية، ما دلّ عليه الظاهرُ دون ما احتمله الباطن
الذى لا دلالة له على أنه المعنىُّ بها. (١) والذى قال السدى فى ذلك ، وإن كان
مَذهباً تحتمله الآية، فإنه مَنزع بعيد. ولا أثرَ - بأنّ ذلك كما ذكر- تقوم به
مُحُجة فيسلم لها، (٢) ولا دلالة فى ظاهر الآية أنه المراد بها. فإذْ كان الأمر كذلك،
لم يُحَلَ" ظاهر التنزيل إلى باطن تأويل. (٣)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَاهُمْ بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : وما هؤلاء الذين وصفتهم من
الكفار = وإنْ ندموا بعد معاينتهم ما عاينوا من عذاب الله ، فاشتدت ندامتهم
على ما سلف منهم من أعمالهم الخبيثة، وتمنَّوا إلى الدنيا كرةً ليُنيبوا فيها ، ويتبرأوا
من مُضليهم وسادتهم الذين كانوا يطيعونهم فى معصية الله فيها = بخارجين من النار
التى أصلاهُموها اللّه بكفرهم به فى الدنيا ، ولا ندمُهم فيها بمنجيهم من عذاب الله
حينئذ ، ولكنهم فيها محللون .
٥٠
وفى هذه الآية الدلالةُ على تكذيب الله الزاعمين أن عذابَ اللّه أهل النار من
أهل الكفر مُنقضٍ، وأنه إلى نهاية، ثم هو بعدَ ذلك فانٍ. لأن اللّه تعالى ذكره
أخبرَ عن هؤلاء الذين وصف صفتهم فى هذه الآية ، ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غيرُ
خارجين من النار ، بغير استثناء منه وقتاً دون وقت. فذلك إلى غير حدّ ولا نهاية .
٥٠
(١) انظر تفسير معنى: ((الظاهر، والباطن)) فيما سلف ٢: ١٥، واطلبه فى فهرس المصطلحات.
(٢) فى المطبوعة: ((تقوم له حجة))، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
(٣) فى المطبوعة: ((فإذا كان الأمر ... ))، والصواب ما أثبت. وقوله: ((لم يحل)) من
أحال الشىء يحيله : إذا حوله من مكان إلى مكان ، أو من وجه إلى وجه.

٣٠٠
تفسير سورة البقرة : ١٦٨
.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَّأَيُهاَ النَّاسُ كُلُواْ بِمَّا فِى الْأَرْضِ
حَلْلاً طَيّاً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُِّينٌ﴾ (3)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: يا أيها الناسُ كلوا مما أحللت
لكم من الأطعمة على لسان رسولى محمد صلى الله عليه وسلم، فطيّبْته لكم- مما
تُحرَّمُونه على أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل وما أشبه ذلك مما لم أحرّمه
عليكم = دون مَا حرَّمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجَّسته من ميتة ودم ولحم
خنزير وما أهيلّ به لغيرى. وَدعوا ◌ُخطوات الشيطان- الذی یوبقكم فيهلككم،
ويوردكم موارد العطب، ويحرّمعلیكم أموالكم-فلا تتبعوهاولا تعلموا بها، إنه = يعنى
بقوله: ((إنه)) إنّ الشيطان، و((الهاء)) فى قوله: ((إنه)) عائدة على الشيطان =
لكم أيها الناس ((عدو مبين))، يعنى: أنه قد أبان لكم عداوته، بإبائه عن السجود
لأبيكم، وُغروره إياه حتى أخرجه من الجنة، واستزله بالخطيئة، وأكل من الشجرة .
يقول تعالى ذكره : فلا تنتصحوه ، أيها الناس ، مع إبانته لكم العداوة ،
ودعوا ما يأمر كم به، والتزموا طاعتى فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحلته لكم وحرَّمته عليكم،
دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم وحللتموه ، طاعة منكم للشيطان واتباعاً لأمره .
٠
٤٦/٢
ومعنى قوله: ((حلالاً)، طِلْقاً.(١) وهو مصدر من قول القائل: ((قد حَلّ
لك هذا الشىء))، أى صار لك مطلقاً، (٢)(فهو يُحِلُّ لك حَلاَلاً وحِلاً))، ومن
(١) الطلق (بكسر فسكون). الحلال. يقال: هو لك طلق، أى حلال . وفى الحديث:
((الخيل طلق))، أى أن الرمان عليها حلال.
(٢) هكذا فى المطبوعة، وأخشى أن يكون الصواب فيما كتب الطبرى ((طلقاً)) كما سلف، وكما
سيأتى فى عبارته .