النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
تفسير سورة البقرة : ١٥٦،١٥٥
عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من
الأموال والأنفس والثمرات))، قال: قد كان ذلك، وسيكونُ ما هو أشد من ذلك .
قال الله عند ذلك: ((وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله
وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة وأولئك ◌ُهُمُ المهتدون)).
٠٠
ثم قال تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد ، بشر الصابرين على
امتحانى بما أمتحنهم به، (١) والحافظين أنفسهم عن التقدم على نَهْى عما أنهاهم
عنه ، والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضى ، مع ابتلائى إياهم بما
أبتليهم به، (٢) القائلين إذا أصابتهم مصيبة: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)). فأمره
الله تعالی ذکره بان يخصّ - بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشدائد - أهل
الصبر ، الذين وصف الله صفتهم .
٢٦/٢
٠
وأصل ((التبشير)): إخبار الرجل الرجلَ الخبرَ، يَسرّه أو يسوءه، لم يسبقه
به إلى غيره(٣)
٠
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَة قَالُواْ
إِنَّا ◌ِّهِ وَإِنَا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
١٥٦
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره : وبشّر، يا محمد ، الصابرين الذين
يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمنّى، فيُقرون بعبوديتى، ويوحدونى بالربوبية ،
(١) فى المطبوعة: ((بما امتحنتهم))، والسياق يقتضى ما أثبت.
(٢) فى المطبوعة: ((بما ابتليتهم))، والسياق يقتضى ما أثبت.
(٣) انظر ما سلف ١ : ٢/٣٨٣: ٣٩٣

٢٢٢
تفسير سورة البقرة : ١٥٧،١٥٦
ويصدقون بالمعاد والرجوع إلىّ ، فيستسلمون لقضائى ، ويرجون توابى ، ويخافون
عقائی ، ویقولون - عند امتحانی إياهم ببعض محنى ، وابتلائى إياهم بما وعدتهم
أنْ أبتليهم به من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات وغير ذلك
من المصائب التى أنا ◌ُمتحنهم بها - : إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياءً ، ونحن عبيده
وإنا إليه بعد مماتنا صائرون = تسلماً لقضائی ورضاً بأحكامی
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أُوْ لَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوْتٌ مِّن
رَّبِهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتِكَ هُمُ المُمْتَدُونَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((أولئك))، هؤلاء الصابرون،
الذين وصفهم ونعنهم ـ ((عليهم))، يعنى: لهم، ((صلوات))، يعنى: مغفرة.
((وصلوات اللّه)) على عباده، غفرانه لعباده، كالذى روى عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال :
٢٣٢٨ - ((اللهم صل على آل أبى أوقى)).(١)
يعنى: اغفر لهم. وقد بينا ((الصلاة)) وما أصلها فى غير هذا الموضع. (٢)
وقوله: ((ورحمة))، يعنى: ولهُم مع المغفرة، التى بها صفح عن ذنوبهم
وتغمَّدها، رحمة من الله ورأفة.
(١) الحديث: ٢٣٢٨ - هو جزء من حديث صحيح. رواه البخارى ٣: ٢٨٦ (من الفتح).
ومسلم ١ : ٢٩٧ - كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الّه بن أبى أوفى، قال:
((كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبى أبو أوى
بصدقته ، فقال: اللهم صل على آل أبى أوفى )» .
قال الحافظ: ((يريد أبا أوفى نفسه، لأن الآل يطلق على ذات الشىء .... وقيل: لا يقال ذلك
إلا فى حق الرجل الجليل القدر » .
وهذه فائدة نفيسة ، من الحافظ ابن حجر ، رحمه الله .
(٢) انظرما سلف ١: ٢٤٢ / ثم ٢: ٥٠٥/ ٣: ٢١٤،٢١٣،٣٧

٢٢٣
تفسير سورة البقرة : ١٥٧
ثم أخبر تعالى ذكره - مع الذی ذکر أنه مُعطيهم على اصطبارهم على محنه ،
تسليماً منهم لقضائه ، من المغفرة والرحمة - أنهم هم المهتدون ، المصيبون طريق
الحقّ، والقائلون ما يُرْضى عنهم، والفاعلون ما استوجبوا به من اللّه الجزيل من
الثواب .
وقد بينا معنى ((الاهتداء))، فيما مضى، فإنه بمعنى الرشد للصواب.(١)
٠٠ ٠
وبمعنى ما قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٢٣٢٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس فى قوله: (( الذين
إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئكَ عليهم صلوات من ربهم
ورحمة وأولئك هم المهتدون))، قال: أخبر الله أنّ المؤمن إذا سلّم الأمر إلى اللّه،
ورَجع واسترجع عند المصيبة ، كتب له ثلاث خصال من الخير : الصلاةُ من
اللّه، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن
استرجع عند المصيبة، جبر اللّه ◌ُمُصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً
صالحاً يرضاه .(٢)
٢٣٣٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
(١) انظر ما سلف ١: ١٦٦ - ١٧٠، ٢٣٠، ٢٤٩، ٥٤٩ - ١٥٠١م ٢: ٢١١/
ثم هذا الجزء ٣ : ١٠١، ١٤١،١٤٠
(٢) الحديث: ٢٣٢٩ - ذكره الهيشى فى مجمع الزوائد ٢: ٣٣٠ - ٣٣١، وقال: «رواه
الطبرانى فى الكبير ، وفيه على بن أبى طلحة ، وهو ضعيف)).
وذكره السيوطى فى الدر المنثور ١: ١٥٦، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبى حاتم ، والبيبقى
فى شعب الإيمان .
وعلى بن أبى طلحة: سبق فى: ١٨٣٣ أنه ثقة، وأن علة هذا الإسناد - وهو كثير الدوران فى
تفسير الطبرى -: انقطاعه، لأن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ، ولم يره .

٢٢٤
تفسير سورة البقرة : ١٥٧، ١٥٨
عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة))، يقول :
الصلوات والرحمة على الذين صبروا واسترجعوا .
٢٣٣١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن سفيان العُصفُرىّ،
عن سعيد بن جبير قال: "مَا أعطِىَ أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة: ((الذين إذا
أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا راجعون . أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة))،
ولو أعطيها أحدٌّ لأعطيها يعقوب عليه السلام ، ألم تسمعْ إلى قوله: ﴿ يَا أُسَفَى عَلَى
يُوسُفَ﴾ [سورة يوسف: ٨٤].(١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْعَرْوَةَ مِنْ شََآئِ اللهِ﴾
قال أبو جعفر: ((والصفا)) جمع ((صفاة))، وهى الصخرة الملساء، ومنه
قول الطرمَّاح :
أَبَى لِى ذُو الْقُوَى وَالطَّوْلِ أَلاَّ يُؤَبَّنَ حَافِرٌ أَبَدًا صَفَاتِىِ(٢)
(١) الخبر: ٢٣٣١ - سفيان العصفرى: هو سفيان بن زياد العصفرى، وهو ثقة، وثقه
ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة. مترجم فى التهذيب ٤: ١١١، برقم: ١٩٨. وابن أبى حاتم
٢٢١/١/٢، برقم: ٩٦٦. والكبير البخارى ٩٣/٢/٢، برقم: ٢٠٧٦، لكن لم يذكر نسبته
((المصفرى)). وهو يشتبه على كثير من العلماء بآخر، هو ((سفيان بن دينار، أبو الورقاء الأحرى)).
فقد ترجمه ابن أبى حاتم ٢٢٠/١/٢ - ٢٢١، برقم: ٦٩٥، وثبت فى بعض نسخه زيادة ((العصفرى))
فى نسبته. والبخارى ترجم ((الأخرى)) ٩٢/٢/٢، برقم: ٢٠٧٣. ولم يذكر فيه ((العصفرى))
أيضاً. وترجم فى التهذيب ٤: ١٠٩، برقم : ١٩٣ - مع شىء من التخليط فى الترجمتين، يظهر
بالتأمل. ومع هذا التخليط فقد رجح الحافظ أنهما اثنان، وقال فى ترجمة ((سفيان بن دينار)) - :
((والتحقيق فيه: أن سفيان بن دينار التمار هذا، يقال له: المصفرى، أيضاً، وأن سفيان بن زياد
الصغرى: آخر، بينه الباجى)). وقال فى ترجمة الآخر: ((والصحيح أنهما اثنان، كما قال ابن معين
وغيره )) . وأيا ما كان فالاثنان ثقتان .
(٢) ديوانه: ١٣٤، وكان فى المطبوعة: ((يونس حافر أبدى))، وهو خطأ، والطول: القدرة

٢٢٠
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
وقد قالوا إن ((الصفا)) واحد، وأنه يثنى ((صَفَوان))، ويجمع ((أصفاء))
و ((صُفِيًّا، وصِفِيًّاً))، واستشهدوا على ذلك بقول الراجز (١).
كأنَّ مَثَْيْهِ مِنَ النَّفِّ مَوَاقِعُ الَّيْرِ عَلَى الصُّفِ(٣)
وقالوا: هو نظير ((عَصَا وُعُصِىَ" [وعِصِىّ، وَأَعْصاء]، وَرَحا ورُحِىّ
[ وَرِحِىّ] وأَرْحاء)). (٣)
وأما ((المروة))، فإنها الحصاةُ الصغيرة، (٤) يجمع قليلها ((مَرَوات))،
وکثیرها ((المرْو))، مثل (( تمرة وتمرات وتمر ))، قال الأعشى میمون بن قيس:
والغنى. وهو ذو الطول والقوة، هو الله سبحانه. وأبس الشىء يؤربسه: ذله ولينه، أو كسره، ومثله
قول عباس بن مرداس :
أُوَقِدْ عَلَيْهِ ، فَآَخِهِ ، فينصَدِعُ
إنْ تَكُ جُلُودَ صَخْرِ لاَ أُوَبُِّهُ
وَالحُرْبُ يَكْفِيِكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ
البسِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِ
(١) هو الأخيل الطائى.
(٢) سيأتى فى التفسير ٦: ١٤٢ والجمهرة ٣: ١٣٥، والمخصص ١٠: ٩٠، ومجالس ثعلب:
٢٤٩، والحيوان ٢: ٣٣٩، والقالى ٢: ٨، والمسان (صفا) و (نفا) وكلهم رواء (متنيه)» إلا
ابن دريد فإنه أنشده:
مِنْ طُولِ إشرَافِى على الطّرِىِّ
كأنّ مَثْنَىِّ من النَّفِّ
والنفى: ما تطاير من دلو المستّى. ومن روى ((متى)) فكأنه عنى أن الأخيل يصف نفسه. وأما من
روى "متنيه))، فإنه عنى غيره. وهو الأصح فيما أرجح، وقد قال الأزهرى: ((هذا ساق كان أسود الجلدة،
استّى من بئر ملح، فكان يبيض فى الماء على ظهره إذا ترشش. لأنه كان ملحاً)) . فإذا صح ذلك ،
كانت رواية البيت الذى يليه ((من طول إشراف)) بغير ياء الإضافة، ومعنى الشعر أشبه بما قال الأزهرى،
لتشبيهه فى البيت الثالث. و (الطوى)) البئر المطوية بالحجارة.
(٣) الزيادة بين الأقواس لابد منها، ليستقيم تمثيل المتمثل بهذه الجموع، على نظيرها. وهو
قوله آنفاً: صفا وأصفاء وصفى وصفى.
(٤) بيان الطبرى عن معنى ((المرو)) ليس بجيد، والأجود ما قاله أصحاب اللغة: المرو، حجارة
بيضى براقة، تكون فيها النار، وتقدح منها النار، ويتخذ أداة كالسكين يذبح بها، وهى صلبة.
٤ ٣ (١٠)

٢٢٦
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
وَتَرَى بِالْأَرْضِ خُفَّا زَائِلاً فَإِذَا مَا صَادَفَ الَرْوَ رَضَحَ(١)
يعنى بـ ((المرو)): الصخرَ الصغار، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلى :
حَتَّى كَانِى لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ بِصِفَا النَّشَرِّقِ، كُلَّ يَوْمٍ تُفْرَعُ(٣)
ويقال: ((المشقّر)).
٠ ٥
وإنما عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: ((إنّ الصفا والمروة))، فى هذا الموضع
٢٧/٢ الجبلين المسمّيّين بهذين الاسمين اللذين فى حَرَمه، دون سائر الصفا والمرو. ولذلك
أدخل فيهما ((الألف واللام))، ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين
الاسمين ، دون سائر الأصفاء والمرْوٍ .
٠ ٠
وأما قوله: ((منْ "شعائر الله))، فإنه يعنى: من معالم اللّه التى جعلها تعالى
ذكره لعباده مَعلماً وَمَشعراً يعبدونه عندها ، إما بالدعاء ، وإما بالذكر ، وإما
بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها . ومنه قول الكميت:
شَعَائِرَ قُرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ(٣)
نُقَتَّلُهُمْ جِیَلاً فَجِيلاً ، تَرَاهُمُ
(١) ديوانه: ١٦١، وفى الشطر الأول تصحيف لم أتبين صوابه، ورواية الديوان:
• وَتُؤلِى الأَرْضَ خُفَّا يُجْمَرًا.
وهو يصف فاقته وشدتها ونشاطها ، والخف المجمر : هو الوقاح الصلب الشديد المجتمع، نكبته الحجارة
فصلب . رضح الحصا والنوى رضحاً : دقه فكسره . يعنى من شدة الخف وصلابته ، وذلك محمود فى الإبل .
(٢) ديوانه: ٣، والمفضليات: ٥٨٧، من قصيدة البارعة فى رثاء أولاده، يقول إن المصائب
المتتابعة تركته كهذه الصخرة التى وصف. والمشرق: المصلى بمنى. قال ابن الأنبارى: ((وإنما خص
المشرق، لكثرة مرور الناس به)). ثم قال: ((ورواها أبو عبيدة: ((المشقر)): يعنى سوق الطائف.
يقول : كأنى مروة فى السوق يمر الناس بها، يقرعها واحد بعد واحد)).
(٣) الهاشميات: ٢١، واللسان (شعر)، وغيرهما. والضمير فى قوله: ((نقتلهم)، إلى الخوارج
الذین عدد أسماءهم فی بیتین قبل :

٢٢٧
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
وكان مجاهد يقول فى الشعائر بما : -
٢٣٣٢ - حدثنى به محمد بن عمرو قال،، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إنّ الصفا والمروة من "شعائر الله))، قال: من
الخبر الذى أخبركم عنه . (١)
٢٣٣٣ - حدثنى المثى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن
أُبی نجیح، عن مجاهد مثله .
٠
فكأن مجاهدًا كان يرى أن الشعائر، إنما هو جمع ((شعيرة))، من إشعار الله عباده
أمرَ الصفا والمروة ، وما عليهم فى الطواف بهما . فمعناه : إعلامُهم ذلك.
+
وذلك تأويل من المفهوم بعيد. وإنما أعلم اللّه تعالى ذكره بقوله: ((إن الصفا
والمروة مِنْ "شعائر الله)) عباده المؤمنين أن السعى بينهما من مشاعر الحج التى
سَّنها لهم، وأمرَ بها خليله إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم، إذ سأله أن يُريه مناسك
الحج. وذلك وإن كان ◌َخرجُه "خرج الخبر،، فإنه مرادٌ به الأمر. لأن الله تعالى
ذكره قد أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فقال
له: ﴿مُمَّ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ أنِ أَنَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفً﴾ [سورة النحل: ١٢٣
وجعل تعالى ذكره إبراهيمَ إماماً لمن بعده. فإذا كان صحيحاً أن الطواف والسعيّ
بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مناسك الحج، فمعلوم أن إبراهيم صلى الله
بغارتنا ، بَعْدَ الْقَانِبِ مِقْتَبُ
عَلَاَمَ إذَا زُرْنَا الزُّبَيْ وَنَافِعاً
وَتَخْوِيلِهَا عَنْكُمْ شَرِيبٌ وَ قَعْنَبُ
وَشَاطَ عَلَى أَرْمَاحِنَا بِدِّعَائِهَا
والجيل: الأمة، أو الصنف من الناس. وفى المطبوعة واللسان: ((تراهم)) بالتاء ، وهو خطأ.
والشعائر هنا جمع شعيرة: وهى البدنة المهداة إلى البيت ، وسميت بذلك لأنه يؤثر فيها بالعلامات . وإشعار
البدن : إدماؤها بطعن أو رمى أو حديدة حتى قدمى .
(١) فى المطبوعة: ((من الخير)) بالياء المثناة التحتية، وليس يستقيم، والصواب ما أثبت،
وكلام الطبرى فى تعليقه على قول مجاهد ، دال على الصواب من ذلك أنها من الإشعار ، وهو الإخبار .

٢٢٨
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
عليه وسلم قد تحمل به وسنه لمن بعده، وقد أُمرّ نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته باتباعه،
فعليهم العمل بذلك ، على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
٠
القولُ فى تأويل قوله تعالى ﴿فَمَنْ حَجِّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فمن حج البيت))، فمن أتاه عائداً
إليه بَعدَ بدء. وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شىء فهو ((حَاجٌّ إليه))،
ومنه قول الشاعر : (١)
وأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةً يَحُونَ سِبَّ الزِّبْرِقَنِ المُزَغْفَرَا(٢)
(١) هو المخبل السعدى، وهو مخضرم.
(٢) المعانى الكبير: ٤٧٨، والاشتقاق لابن دريد: ٧٧، ١٥٦، وتهذيب الألفاظ : ٥٦٣،
وإصلاح المنطق: ٤١١، والبيان والتبيين ٣: ٩٧، وشرح أدب الكاتب للجواليقى: ٣١٣، والبطليوسى:
٤٠٥، واللسان (سبب) (حجج)، (قهر) (زبرق)، والجمبرة لابن دريد ١: ٣١، ٣/٤٩:
٤٣٤، وسمط اللالى: ١٩١، والخزانة ٣: ٤٢٧. وفى المطبوعة: ((بيت الزبرقان)) والصواب ما أثبت.
وقد ذهب الطبرى فى تفسير البيت، كماذهب ابن دريد وابن قتيبة والجاحظ وغيرهم إلى أن ((السب)» ههنا
العمامة ، وأن سادات العرب كانوا يصبغون عمائمهم بالزعفران ، ومنهم حصين بن بدر ، وهو الزبرقان ،
وسمى بذلك لصفرة عمامته وسيادته. وذهب أبو عبيدة وقطرب إلى أنه ((السب)) هنا هى الاست ، وكان
مقروفاً، وزعموا أن قول قطرب قول شاذ، والصواب عندى أن أبا عبيدة وقطرب قد أصابا، وأنهم أخطأوا فى
ردهم ما قالا. فقد كان المخبل بذىء اللسان، حتى نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((إنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده)) (النقائض: ١٠٤٨) قال أبو عبيدة فى النقائض:
((كان الخبل القريمى أهجى العرب ... ثم كان بعده حسان بن ثابت، ثم الخطيئة، والفرزدق،
وجرير، والأخطل . هؤلاء الستة الغاية فى الهجاء وغيره، ولم يكن فى الجاهلية ولا فى الإسلام لهم نظير». هذا
وقد كان من أمر المخبل والزبرقان بن بدر ما كان فى ضيافة الخطيئة (انظر طبقات فحول الشعراء :
٩٦ - ١٠٠)، وهجاؤه له، ثم ما استشرى من هجاء المخبل له، لما خطب إليه أخته خليدة، فأبى الزبرقان
أن يزوجها له، وذمه. فهجاه وهجا أخته هجاء مقذعاً، وحط منه حتى قال له :
مَا أَنْتَ وَيبَ أَبِيكَ والفَخْرُ
يَازِبْرِقَانُ أَخَابَنِ خَلَفٍ
كالإِسْكَتَيْنِ عَلَاهُمَا الْبَظْرُ
مَا أَنْتَ إلّ فِىِ بَنِى خَلَفٍ

٢٢٩
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
يعنى بقوله: ((يحجون))، يكثرون التردد إليه لسودده ورياسته . وإنما قيل
للحاج ((حاجٌ))، لأنه يأتى البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه لطوّاف يوم النحر
بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى ، ثم يعود إليه لطوَاف الصّدّر. (١)
فلتكراره العود إليه مرّة بعد أخرى قيل له: ((حاجٌ )).
وأما ((المعتمر))، فإنما قيل له: ((معتمر))، لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد
زيارته إیاه. وإنما یعنی تعالی ذکره بقوله: (( أو اعتمر ))، أو اعتمر البيت، ویعنی
! (الاعتمار)) الزيارة. فكل قاصد لشىء فهو له ((معتمر))، ومنه قول العجاج :
لَقَدْ سَمَا أُبْنُ مَعْمَرَ حِينَ أَعْتَمَرْ مَغْزَى بَعِيداً من بَعِيدٍ وَضَبَرْ(٢)
يعنى بقوله: ((حين اعتمر))، حين قصده وأمَّه.
٠ ٠ ٠
٠
وكل شعره فى الزبرقان وأخته مقذع. وهذا البيت الذى استشهد به الطبرى من قذعه . وقبل البيت :
تَخَطَأَبِىِ رَيْبُ الزَّمَانِ لِأُكْبَرَا
أَمْ تَعْلِى يَا أُمَّ عَمْرَةَ أَنْنِى
يَحُُونَ سِبَّ الزّبْرِقَانِ المَزَغْفَرَا
الأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُولاً كثيرةً
فَأَمْسَى حُصَيْنٌ قد أُزِلَّ وأقْهِرَا
تَمَنَّى حُصَيْنٌ أَن يَسُودَ جِذَاعَهُ
وفى سيرة ابن هشام ٢ : ٢٧٥ - ٢٧٦ قول عتبة بن ربيعة فى أبى جهل: «سيعلم مصفراسته من
انتفخ سحره، أنا أم هو !)) فرماء بمثل ذلك من القبيح، الذى قاله المخبل السعدى . ومن زعم أن المخبل
يقول إنه: ((كره أن يعيش ويعمر حتى يرى الزبرقان من الجلالة والعظمة بحيث يحج بنو عوف حصابته))،
فقد أخطأ ، وقد نقض عليه البيت الثالث ما زعم، فإنه يصفه بأنه تمنى السيادة، ولكن ذلك لم يزده إلا
ذلا وقهراً ، فكيف يتأتى أن يقول ما زعم هذا أنه أراده ؟ بل أراد المخبل أن يسخر به ويتهكم، كما
فعل فى سائر هجائه له .
وقوله: ((وأشهد) منصوب، عطفاً على قوله: ((لأكبرا)).
(١) عرف يعرف تعريفاً: وقف بعرفات. و((طواف الصدر)) من قولهم: صدر الناس من
حجهم ، أى رجعوا بعد أن يقضوا نسكهم .
(٢) ديوانه: ١٩ من قصيدة مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التميمى، معنى منها فى ١:
١٩٠، ٢: ١٥٧. وقوله ((مغزى))، أى غزواً. وضبر: جمع قوائمه ليشب ثم وثب. وهو يصف
بعده جيش عمر بن عبيد الله، وكان فتح الفتوح الكثيرة، وعظم أمره فى قتال الخوارج .

تفسير سورة البقرة : ١٥٨
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِمَا).
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره: ((بقوله فلاجناح عليه أن يطَّوِّف بهما))، يقول:
فلا خَرَج عليه ولا مَأثم فى طَوَافِه بهما .
فإن قال قائل: وما وجه هذا الكلام، وقد قلت لنا، إن قوله: ((إنّ الصفا
والمروة من شعائر الله))، وإن كان ظاهرُه ظاهرَ الخير، فإنه فى معنى الأمر بالطواف
بهما ؟ فكيف يكون أمرًاً بالطواف ، ثم يقال: لا ◌ُجناح على من حج البيت
أو اعتمر فى الطواف بهما ؟ وإنما يوضع الجُتاح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناحُ
والحرجُ؟ والأمر بالطواف بهما، والترخيصُ فى الطواف بهما ، غيرُ جائز اجتماعها
فى حال واحدة ؟
قيل: إنّ ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ. (١) وإنما معنى ذلك عند أقوام: أنّ
النبى صلى الله عليه وسلم لما اعتمر مُمرة القضيَّة، تخوّف أقوام" كانوا يطوفون بهما
فى الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيماً منهم لهما، فقالوا: وكيف تطوف
بهما ، وقد علمنا أنّ تعظيم الأصنام وجميع ما كان يُعبد من ذلك من دون الله،
شركٌ؟ ففى طوافنا بهذين الحجرين أحرَجُ ذلك، (٢) لأن الطواف بهما فى الجاهلية
إنما كان الصنمين اللذين كانا عليهما، وقد جاء الله بالإسلام اليومَ ، ولا سبيل
إلى تعظيم شىء مع الله بمعنى العبادة له !
فأنزل الله تعالى ذكره فى ذلك من أمرهم: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله))،
(١) فى المطبوعة: ((إليه ذهب))، والصواب ما أثبت، لأن الطبرى ساق قول القائل، على أنه
خطاب له إذ قال الطبرى: ((وقد قلت لنا)). فالصواب أن يصرف الرد عليه خطاباً له كما خاطبه.
(٢) فى المطبوعة: (أخد ذلك))، ولا معنى له، وفيه تحريف لا شك فيه. فإنهم لم يذكروا متعدداً
من الآثام حتى يجعلوا له وأسجداً)). وإنما أرادوا: أكبر الإثم والشرك. و((ذلك)، إشارة إلى الشرك. ولو قرئت
أيضاً: ((أشوف ذلك)) لكانت صواباً، لأنه سيذكر أنهم كانوا يتخوفون الطواف بهما. ويعنى:
أجوف الشرك .

.٢٣١
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
يعنى: إن الطواف بهما، فترك ذكر ((الطواف بهما))، اكتفاء بذكرهما عنه.
وإذْ كان معلوماً عند المخاطبين به أن معناه: من معالم اللّه، التى جعلها علماً
لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما ، ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل ٢٨/٢
من الذكر، (( فمن حَج البيتَ أو اعتمر)) فلا يتخوَّفْنَّ الطواف بهما ، من أجل
ما كانَ أهل الجاهلية يطوفون بهما من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما ، فإن
أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرًاً، وأنتم تطوفون بهما إيماناً، وتصديقاً لرسولى،
وطاعةً لأمرى ، فلا جناح عليكم فى الطواف بهما.
و ((الجناح))، الإثم ، كما :-
٢٣٣٤ - حدثیموسی بن هرون قال، حدثناعمرو قال، حدثنا أسباط، عن
السدى: ((فلاُ جناح عليه أن يطوّف بهما))، يقول: ليس عليه إثم، ولكن له أجر.
٠
٠
وبمثل الذى قلنا فى ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين .
• ذكر الأخبار التى رويت بذلك :
٢٣٣٥ - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب قال ، حدثنا يزيد بن
زريع قال ، حدثنا داود ، عن الشعبى : أن وثناً كان فى الجاهلية على الصفا
يسمى ((إسافاً))، (١) ووثناً على المرْوة يسمى ((نائلة))، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا
بالبيت مسحوا الوثنين. فلما جاء الإسلام وكُسرت الأوثان ، قال المسلمون :
من الصفا والمروة إنما كانَ يُطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما
من الشعائر! قال: فأنزل الله: إنهما من الشعائر، ((فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر
جناحَ عليه أن يطوّف بهما)).
٢٣٣٦ - حدثنا محمد بن المثی قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود،
عن عامر قال: كان صنم بالصفا يدعى ((إسافاً))، (١) ووتن بالمروة يدعى ((نائلة))،
(١) فى المطبوعة: ((إساف))، والصواب ما أثبت، فهو غير ممنوع من الصرف.

٢٣٢
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
ثم ذكر نحو حديث ابن أبى الشوارب - وزاد فيه ، قال: فذكِّر الصفا من أجل
الوثن الذى كان عليه، وأنث المروة من أجل الوثن الذى كان علیه مؤنثاً .(١)
٢٣٣٧ - حدثنی يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن داود بن
أبى هند ، عن الشعبى ، وذكر نحو حديث ابن أبى الشوارب عن يزيد ، وزاد
فيه . قال : فجعله الله تطوُّعَ خير.
٢٣٣٨ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن أبى زائدة قال ، أخبرنى عاصم
الأحول قال ، قلت لأنس بن مالك : أكتتم تكرهون الطواف بين الصفا والمروة
حَتى نزلت هذه الآية ؟ فقال : نعم كنا نكره الطواف بينهما لأنهما من
شعائر الجاهلية، حتى نزلت هذه الآية: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله)). (٢)
٢٣٣٩ - حدثنى على بن سهل الرملى قال ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ،
حدثنا سفيان ، عن عاصم قال ، سألت أنساً عن الصفا والمروة ، فقال : كانتا
من مَشاعر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما، فنزلت: ((إن الصفا
والمرْوَة من شعائر الله)). (٣)
(١) الأثر: ٢٣٣٦ - هكذا جاء هذا الأثر فى الدر المنثور ١: ١٦٠، وصواب عبارته
فيما أرجح، أن يحذف ((مؤنثاً))، أو أن يقال: ((من أجل أن الوثن الذى كان عليه كان مذكراً،
وأنث المروة من أجل أن الوثن الذى كان عليه كان مؤنثاً)) .
(٢) الحديث : ٢٣٣٨ - يعقوب: هو ابن إبرهيم الدورق. ابن أبى زائدة: هو يحيى بن زكريا
ابن أبى زائدة الهمدانى الوادعى، وهو حافظ ثقة ، يقرن بابن المبارك . يقولون: إنه أول من صنف الكتب
بالكوفة، مات سنة ١٨٣ . مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٧٣/٢/٤ - ٢٧٤. والصغير ، ص :
٢٠٦، وابن سعد ٦: ٢٧٤، وابن أبى حاتم ٤/ ١٤٤/٢ - ١٤٥، وتذكرة الحفاظ ١ : ٢٢٦ - ٢٤٧.
عاصم: هو ابن سليمان الأحول، مضى فى : ١٨٤، وهو من صغار التابعين . وعده سفيان الثورى
أحفظ ثلاثة فى البصرة. مترجم فى التهذيب، وابن سعد ٢٠/٢/٧ - ٦٥، وابن أبى حاتم ٣٤٣/١/٣-
٣٤٤ ٠
والحديث رواه البخارى ٣ : ٤٠٢ (فتح)، من طريق عبد اللّه، وهو ابن المبارك، عن عاصم
الأحول، بنحوه. ورواه أيضاً مسلم، والترمذى، والنسائى. كما فى القسطلانى ٣: ١٥٣ - ١٥٤.
(٣) الحديث : ٢٣٣٩ - سفيان: هو الثورى. والحديث مختضر ما قبله. ورواه البخارى
مختصراً ٨ : ١٣٢ (فتح)، عن محمد بن يوسف، عن سفيان. ورواه الحاكم ٢: ٢٧٠ ، من طريق
حسين بن حفص، عن سفيان. وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)). ووافقه

٢٣٣
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
٢٣٤٠ - حدثنى عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال ، حدثنى
الحسين المعلم قال ، حدثنا شيبان أبو معاوية ، عن جابر الجعفى ، عن عمرو
ابن حبشى قال ، قلت لابن عمر: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَج
البيت أو اعتمر فلا جناحَ عليه أنْ يَطَّوَّف بهما))، قال: انطلق إلى ابن عباس
فاسأله، فإنه أعلم من بقى بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. فأتيته فسألته،
فقال : إنه كان عندهما أصنامٌ، فلما ◌ُحُرِّمْن أمسكوا عن الطواف بينهما، حتى
أنزلت: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمرَ فلا جناح
عليه أنْ يَطَّوَّفَ بهما))(١).
الذهبى . وأخطأ الحاكم فى استدراكه ، فقد رواه البخارى . كما ذكرنا قبل .
وسيأتى بعض معناه مختصراً : ٢٣٤٦، ٢٣٤٧، من رواية جرير، عن عاصم ، عن أنس .
(١) الحديث: ٢٣٤٠ - عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبرى: ثقة،
من شيوخ مسلم والترمذى والنسائى وأبى حاتم وغيرهم. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣/ ١/ ٧٦.
حسين المعلم: هو حسين بن محمد بن بجرام التميمى المروذى ، المؤدب ، كما لقب بذلك فى التهذيب ،
وهو (المعلم)» أيضاً، كما لقبه بذلك البخارى وابن أبى حاتم، وهو ثقة من شيوخ أحمد ويحيى والأئمة.
مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٨٦/٢/١ - ٣٨٧، وابن سعد ٢/٧/ ٠٧٩، وابن أبى حاتم ٦٤/٢/١.
وتاريخ بغداد ٨: ٨٨ - ٩٠، وكان معروفاً برواية ((تفسير شيبان النحوى)). فروى ابن أبى حاتم
عن أبيه، قال: ((أتيته مراراً بعد فراغه من تفسير شيبان، وسألته أن يعيد على بعض المجلس ، فقال:
بكر ، بكر . ولم أسمع منه شيئاً)).
وبما يوقع فى الوهم، الاشتباه بين ((عبد الوارث بن عبد الصمد)). وشيخه ((حسين المعلم)) هذا -
وبين ((عبد الوارث بن سعيد))، وشيخه (( حسين المعلم)) أيضاً.
ة ((عبد الوارث)) - شيخ الطبرى - هو الذى ترحمنا له هنا. وشيخه ((حسين بن محمد المروزى)).
و(«عبد الوارث بن سعيد)) - هو جد ((عبد الوارث)) هذا. و((حسين المعلم)» هو «حسين بن ذكوان
المعلم» ، وهو قديم ، يروى عن التابعين .
شيبان أبو معاوية: «هو شيبان بن عبد الرحمن التميمى النحوى ؛ وهو إمام حجة حافظ ، حدث
عند أبو حنيفة، وهو من أقرانه. وروى عنه الأئمة: الطيالسى، وابن مهدى، وغيرهما. مترجم فى التهذيب.
والكبير ٢٥٥/٢/٢، وابن سعد ٦: ٢٦٢، و٦٧/٢/٧ - ٦٨ وابن أبى حاتم ٣٥٥/١/٢ -
٣٥٦، وتاريخ بغداد ٩ : ٢٧١ - ٢٧٤، وتذكرة الحفاظ ١ : ٢٠٢ - ٢٠٣.
ووقع فى المطبوعة غلط فى اسمه واسم الراوى عنه: فذكر ((أبو الحسين المعلم)»! وهو تخليط، وذكر
(( سنان أبو معاوية)» ! وهو فوق ذلك تصحيف .

٢٢٤
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
٢٣٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((إنّ الصّفا والمروة من
"شعائر الله))، وذلك أنّ ناساً كانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فأخبر
اللّه أنهما من شعائره، والطواف بينهما أحبُّ إليه، فمضت السُّنة بالطّواف بينهما.
٢٣٤٢ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح
عليه أن يطوَّف بهما)) ، قال : زعم أبو مالك ، عن ابن عباس : أنه كانَ فى
الجاهلية شياطين تعزِفُ الليل أجمعَ بين الصفا والمروة ، وكانت بينهما آلهة ،
فلما جاء الإسلام وظهر ، قال المسلمون: يا رَسولَ اللّه، لا نطوف بين الصفا
والمروة، فإنه شرك كنا نفعله فى الجاهلية! فأنزل الله: ((فلا جناح عليه أن يطوّف بهما)).(١)
جابر الجنى، بضم الجيم وسكون العين المهملة : وهو جابر بن يزيد بن الحارث، وهو ضعيف جداً،
رمى بالكذب. مترجم فى التهذيب، والكبير ٢١٠/٢/١، والضعفاء البخارى، ص: ٧ . والنسائى،
ص : ٧، وابن أبى حاتم ٤٩٧/١/١ - ٤٩٨، والمجروحين لابن حبانِ، رقم : ١٧٥، ص ١٤٠ -
١٤١. والميزان ١ : ١٧٦ - ١٧٨.
عمرو بن حبشى ، بضم الجاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة : تابعى ثقة ،
مترجم فى التهذيب . وابن أبى حاتم ٢٢٦/١/٣.
وهذا الحديث - الضعيف الإسناد - لم أجده إلا فى هذا الموضع. وذكره السيوطى ١ : ١٥٩، ولم
ينسبه إلا إلى الطبرى .
(١) الحديث : ٢٣٤٢ - هذا الإسناد، هو من أسانيد تفسير السدى الثلاثة، وقد فصلنا
القول فيها ، فى : ١٦٨.
والحديث رواه أبو بكر بن أبى داود فى كتاب المصاحف ، ص : ١٠٠ - ١٠١، عن الحسين
اين على ابن مهران ، عن عامر بن الفرات ، عن أسباط ، بهذا الإسناد ، نحوه .
وفى إسناد ابن أبى داود فائدة جديدة: أن هناك راوياً لتفسير السدى، غير ((عمرو بن طلحة القناد)»
راويه عن أسباط بن نصر. فها هو ذا عامر بن الفرات يروى شيئاً منه عن أسباط أيضاً . و ((عامر بن
الفرات)): لم أجد له ترجمة أصلا. ومن عجب أن يذكره ابن أبى حاتم، فى ترجمة ((الحسين بن على بن
مهران » ٥٦/٢/١ - شیخاً له ، ثم لا يترجم له فى بابه !
ورواه أيضاً الحاكم ٢ : ٢٧١، من طريق عمرو بن طلحة القناد ، عن أسباط . بهذا الإسناد
نحوه. وزاد فى آخره: ((يقول: عليه إثم ولكن له أجر)). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على
شرط مسلم، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.

٢٣٥
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
٢٣٤٣ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن ابن أبى
نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله))، قال: قالت
الأنصار: إنّ السَّعى بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية! فأنزل الله تعالى
ذكره: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله))
٢٣٤٤ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد نحوه .
٢٣٤٥ - حدثنییونس قال، أخبرنا ابن وهبقال، قال ابن زید فی قوله :
((فلا جناح عليه أن يَطَّوَّف بهما))، قال : كان أهل الجاهلية قد وَضَعُوا على
كل واحد منهما صنماً يعظمونهما، فلما أسلم المسلمون كرِهوا الطواف بالصفا والمروة
لمكان الصنمين، فقال الله تعالى: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله من حج
البيتَ أو اعتمر فلاَ ◌ُجناح عليه أن يطَّوَّف بهما))، وقرأ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ
فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [سورة الحج: ٣٢] ، وسن رسول الله صلى الله عليه
وسلم الطواف بهما .
٢٩/٢
٢٣٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن عاصم قال ، قلت
الأنس : الصفا والمروة ، أكثم تكرّهون أن تطوفوا بهما مع الأصنام التى ◌ُهيتم
عنها؟ قال: نعم، حتى نزلت: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله)).
٢٣٤٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير قال ، أخبرنا عاصم قال ،
سمعت أنس بن مالك يقول : إنّ الصفا والمروة من مشاعر قريش فى الجاهلية،
ولنا على الحاكم والذهبى فى هذا استدراك، هو: أن أبا ملك - التابعى راويه عن ابن عباس - وهو
((غزوان التفارى)): لم يرو له مسلم فى صحيحه أصلا. فلا يكون الحديث على شرط سهم، فى اصطلاح الماكم!
وفى رواية الحاكم - هذه - فائدة أيضاً: أنا غظننا عند الكلام على أسانيد تفسير السدى الثلاثة،
أن الحاكم اختار منها إسنادين فقط، ولكن أظهرنا هذا الإسناد على أنه سمح الثلاثة الأسانيد .
والحديث ذكره السيوطى ١ : ١٥٩، وزاد نسبه لابن أبى حاتم أيضاً .

٢٣٦
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
فلما كان الإسلام تركناهما .(١)
وقال آخرون : بل أنزل الله تعالی ذ کره هذه الآية ، فی سبب قوم كانوا
فى الجاهلية لا يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام تخوَّفوا السعى بينهما كما كانوا
يتخوَّفونه فى الجاهلية.
· ذکر من قال ذلك :
٢٣٤٨ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة،
قوله: ((إنّ الصفا والمرْوَة من شعائر الله)) الآية، فكان حَىٌّ من تهامة فى الجاهلية
لا يسعون بينهما، فأخبرهم الله أنّ الصفا والمروة من شعائر الله. وكانَ من سُنة
إبراهيم وإسماعيلَ الطواف بينهما .
٢٣٤٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة قال : كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة ، فأنزل
الله: ((إنَّ الصفا والمروة من شعائر الله)).
٢٣٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى الليث
قال ، حدثنى عقيل ، عن ابن شهاب قال ، حدثنى عروة بن الزبير قال ،
سألت عائشة فقلت لها: أرأيت قول الله: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن
حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما)) ؟ وقلت لعائشة: والله
ما على أحدٍ جناح أن لاَ يطوف بالصفا والمروة ؟ فقالت عائشة : بئس ما قلت
يا ابن أختى! إنّ هذه الآية لو كانت كما أوَّها كانت: لا ◌ُجناح عليه أن
لاَ يطوَّف بهما، ولكنها إنما أنزلت فى الأنصار: كانوا قبل أن يُسلموا ◌ُهَدُّون "لمناة"،
الطاغيةَ التى كانوا يعبدون بالمثلَّلِ، وكان من أهلَّ لها يتحرَّج أن يَطُوف بين
(١) الحديثان : ٢٣٤٦ - ٢٣٤٧ - جرير: هو ابن عبد الحميد الضبى، وهو ثقة حجة
حافظ. مترجم فى التهذيب، والكبير ٢١٤/٢/١، وابن سعد ١١٠/٢/٧، وابن أبي حاتم ٥٠٥/١/١
- ٥٠٧ . وتاريخ بغداد ٧ : ٢٥٣ - ٢٦١، وتذكرة الحفاظ ١: ٢٥٠.
والحديثان مضى معناهما، من رواية عاصم عن أنس: ٢٣٣٨، ٢٣٣٩.

٢٣٧
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
الصفا والمروة ، فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك - فقالوا:
يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن تَطُوف بين الصفا والمروة - أنزل الله تعالى ذكره:
((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَجّ البيتَ أو اعتمرَ فلا جناح عليه أن
يطَّوَّفَ بهما)). قالت عائشة: ثم قد ◌َسَن رَسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف
بينهما ، فليس لأحد أن يَترك الطواف بينهما.(١)
(١) الحديث: ٢٣٥٠ - عقيل - بضم العين: هو ابن خالد الأيلى، وهو ثقة ثبت حجة،
قال ابن معين: ((أثبت من روى عن الزهرى: مالك، ثم معمر، ثم عقيل)). مترجم فى التهذيب، والكبير
٩٤/١/٤، وابن أبى حاتم ٤٣/٢/٣.
عروة بن الزبير بن العوام: تابعى ثقة فقيه عالم ثبت مأمون، قال أبو الزناد: ((كان فقهاء أهل
المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان)).
وأمه أسماء ذات النطاقين بنت أبى بكر الصديق، وعائشة أم المؤمنين خالته ، رضى الله عنهم. مترجم فى
التهذيب، والكبير ٤ /٣١/١ - ٣٢، وابن سعد ١٣٤/٢/٢ - ١٣٥، و٥ : ١٣٢ - ١٣٥،
وابن أبى حاتم ٣٩٥/١/٣- ٣٩٦، وتذكرة الحفاظ ١: ٥٨ - ٥٩، وتاريخ الإسلام ٣: ٣١ - ٣٤.
والحديث - من هذا الوجه - رواه مسلم ١: ٣٦٢، من طريق عقيل، عن ابن شهاب، وهو الزهرى
ولم يذكر لفظه كله ، إحالة على روايات قبله .
ورواه البخارى ٣: ٣٩٧ - ٤٠١، مطولا، من طريق شعيب، عن الزهرى، باللفظ الذىهنا ،
إلا خلافاً فى أحرف يسيرة: «فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا ... أنزل الله ... »
ففى البخارى: ((فلما أسلموا سألوا ... قالوا .. فأنزل الله ... )). ولکن زاد البخاری فی آخره قول
الزهرى أنه ذكر ذلك لأبى بكر بن عبد الرحمن - الذى سيأتى فى الرواية التالية لهذه ، بنحو معناه .
وثبت من أوجه كثيرة ، عن الزهرى ، عن عروة ، مطولا ونمختصراً :
فرواه مالك فى الموطأ، ص : ٣٧٣، عن هشام بن عروة، عن أبيه. ورواه البخارى ٨: ١٣٢.
وابن أبى داود فى المصاحف، ص ١٠٠ - ولم يذكر لفظه - كلاهما من طريق مالك.
ورواه أحمد فى المسند ٦ : ١٤٤، ٢٢٧ (حلى)، من طريق إبرهيم بن سعد ، عن الزهرى .
وكذلك رواه ابن أبى داود، ص: ١٠٠ - ولم يذكر لفظه - من طريق إبرهيم بن سعد .
ورواه مسلم مطولا ١ : ٣٦١ - ٣٦٢، من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهرى. وكذلك رواه
البخارى ٨ : ٤٧٢، من طريق سفيان . ولكنه اختصره جداً .
ورواه مسلم وابن أبى داود - قبل ذلك وبعده: من أوجه كثيرة .
وذكره السيوطى ١ : ١٥٩، وزاد نسبته إلى أبى داود، والنسائى، وابن ماجة، وابن الأنبارى
فى المصاحف ، وابن أبى حاتم ، والبيهقى فى السنن .
وانظر الحديث التالى لهذا .
قوله ((يهلون لمناة)): أى يحجون. ومناة، بفتح الميم والنون الخفيفة: صم كان فى الجاهلية.

٢٣٨
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
٢٣٥١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الزهرى ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان رجالٌ من الأنصار
ميمَّنُ يَهلُّ لمناةَ فى الجاهلية -- و((مناةُ) صنمٌ بين مكة والمدينة - قالوا: يا نبيّ
اللّه، إنا كنا لا نطوفُ بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة ، فهل علينا من حَرَج أن
نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج
البيتَ أو اعتمرَ فلا جناح عليه أن يطوف بهما)). قال عروة: فقلت لعائشة :
ما أبالى أن لا أطوف بين الصفا والمروة! قال الله: ((فلا جناح عليه)). قالت: يا ابن
أختى، ألا ترى أنه يقول: ((إن الصفا والمروة من شعائر الله))! قال: الزهرى:
فذكرت ذلك لأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال : هذا العلم !
قال أبو بكر : ولقد سمعتُ رجالاً من أهل العلم يقولون: لما أنزل اللّه الطوافَ
بالبيت ولم يُنزل الطواف بين الصفا والمروة ، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا
نطوفُ فى الجاهلية بين الصفا والمروة، وإنّ اللّه قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر
الطوافَ بين الصفا والمروةَ ، فهل علينا من حرج أن لا تطوفَ بهما؟ فأنزل الله
تعالى ذكره: ((إنّ الصفا والمروة" من شعائر الله)) الآية كلها، قال أبو بكر:
فأسمعُ أن هذه الآية نزلت فى الفريقين كليهما، فيمن طَافَ وفيمن لم يَطُف. (١)
وقال ابن الكلبى : كانت صخرة نصبها عمرو بن لحى هذيل ، وكانوا يعبدونها . والطاغية: صفة لها
إسلامية . قاله الحافظ فى الفتح .
((المشلل)): بضم الميم وفتح الشين المعجمة ولامين، الأولى مفتوحة مثقلة، هى الثنية المشرفة على
قديد ، وقديد ، بضم القاف ودالين مهملتين، مصغراً : قرية جامعة بين مكة والمدينة ، كثيرة المياه .
عن الفتح .
(١) الحديث: ٢٣٥١ - هو تكرار الحديث السابق بمعناه، من وجه آخر صحيح، عن الزهرى.
وفيه زيادة قول الزهرى أنه ذكر ذلك لأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، إلخ . وهذه الزيادة
ذكرها البخارى ، فى روايته من طريق شعيب عن الزهرى ، كما قلنا آنفاً .
:
ورواية معمر عن الزعرى - هذه: ذكر البخارى بعضها تعليقاً ٨: ٤٧٢، فقال: ((قال معمر
عن الزهرى ... ». وقال الحافظ: ((وصله الطبرى، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، مطولا».
فهذه إشارة إلى الرواية التى هنا، وأشار إليها فى الفتح ٣: ٣٩٩، وذكر أنه وصلها أحمد وغيره.

٢٣٩
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
٢٣٥٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة قال : كانَ ناسٌ من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل
الله: ((إنّ الصفا والمرْوَة من شعائر الله)). (١)
٠٠٠
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال: إنّ اللّه تعالى
ذكره قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله ، كما جعل الطواف بالبيت
من شعائره .
فأما قوله : ((فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف بهما))، فجائزٌ أن يكون قيل لكلا
الفريقين اللذين تخوّف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما
الشعبى ، وَبَعضُهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما فى الجاهلية ، على
ما رُوى عن عائشة .
وقد رواها أيضاً ابن أبى داود فى المصاحف، ص: ١٠٠، عن ((خشيش بن أصرم، والحسن بن
أبى الربيع، أن عبد الرزاق أخبرهم عن معمر ... )). ولم يسق لفظ الحديث، إحالة على ما قبله.
و((خشيش)): بضم الخاء وفتح الشين وآخره شين، معجمات كلها. و((الحسن بن أبى الربيع)):
هو ((الحسن بن يحي)) شيخ الطبرى، كنية أبيه (أبو الربيع)). وخلط المستشرق طابع كتاب
المصاحف: فكتب ((حشيش)) بالحاء المهملة! وكتب ((الحسن بن أبى الربيع بن عبد الرزاق)) !!
و ((أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام)» المخزومى القرشى المدنى: من كبار التابعين
الأئمة، ومن سادات قريش. وهو أحد الفقهاء السبعة. مترجم فى التهذيب ، والكنى البخارى، رقم :
٥١، وابن سعد ١٣٣/٢/٢، و٥: ١٥٣ - ١٥٤، وتذكرة الحفاظ ١ : ٥٩ - ٦٠، وتاريخ
الإسلام ٤ : ٧٢ - ٠٧٣
وقول أبى بكر بن عبد الرحى ((فأسمع أن هذه الآية نزلت ... ) - إلخ: هو فى رواية البخارى
أيضاً ٣ . ٤٠١، وقال الحافظ: (( كذا فى معظم الروايات، بإثبات الهمزة وضم العين، بصيغة
المضارعة للمتكلم. وضبطه الدمياطى فى نسخته [ يعنى من صحيح البخارى] بالوصل وسكون العين. بصيغة
الأمر ، والأول أصوب ، فقد وقع فى رواية سفيان المذكورة: فأراها نزلت. وهو بضم الهمزة ، أى
أفظها » .
وانظر كثيراً من طرق هذا الحديث أيضاً ، فى السنن الكبرى للبيهقى ٥ : ٩٦ - ٩٧ .
(١) الأثر: ٢٣٥٢ - كان فى المطبوعة: ((حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا معمر»
بإسقاط ((أخبرنا عبد الرزاق قال))، وهو إسناد دائر فى التفسير، وهو مكرر رقم : ٢٣٤٩ بنصه،
وأخشى أن يكون زيادة ناسخ سها .

٢٤٠
تفسير سورة البقرة : ١٥٨
وأىُّ الأمرين كان من ذلك، فليس فى قول الله تعالى ذكره: ((فلا ◌ُجناح
عليه أن يطَّوَّف بهما))، الآية، دلالةٌ على أنه عنى به وَضَع الحرّج تحمن طاف
بهما، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائزٍ بحظر اللّه ذلك، ثم ◌ُجعل الطواف
بهما رُخصة ، لإجماع الجميع على أن اللّه تعالى ذكره لم يحظُر ذلك فى وقت ، ثم
رخص فیه بقوله : « فلا جناح علیه أن یطَّوَّف بهما )) .
٣٠/٢
وإنما الاختلافُ فى ذلك بين أهل العلم على أوجُهٍ . فرأى بعضُهم أن تارك
الطواف بينهما تاركً من مناسك حجه ما لا يُجزيه منه غيرُ قَضَائِه بعينه، كما
لا يُجزى تارك الطواف - الذى هو طواف الإفاضة - إلا قضاؤه بعينه . وقالوا:
هما طوافانَ: أمرَ اللّه بأحدهما بالبيت، والآخرُ بينَ الصفا والمروة.
ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يجزيه من تركه فيدية، ورأوا أن ◌ُحُكم
الطواف بهما ◌ُحُكمُ رَى بعض الجمرات والوقوف بالمشعر وَطواف الصَّدر وما أشبه
ذلك ، مما يُجزى تاركه من تَرْكه فدية" ، ولا يلزمه العَوْد لقضائه بعينه .
٠٠٠
ورأى آخرون أنّ الطواف بهما تطوع، إن فعله صاحبه كان مُحسناً، وإن
تركه تاركٌ لم يلزمه بتركه شىء.(١)
٠ ٠
٠
• ذكر من قال إن السعى بين الصفا والمروة واجبٌ، ولا يجزى
منه فدية ، ومن تركه فعليه العود . (٢)
٢٣٥٣ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة ،
عن أبيه ، عن عائشة قالت : كَعمرى ما حَجَّ من لم يَسع بين الصفا والمروة، لأن
اللّه قال: ((إن الصفا والمروة من شعائر الله)).
(١) فى المطبوعة: ((لم يلزمه بتركه شىء" والله تعالى أعلم))، وهذه لا شك زيادة من ناسخ.
(٢) فى المطبوعة: ((فعليه العودة))، والأجود ما أثبت، وهو أشبه بعبارة الطبرى وأقرانه من
فقهاء عصره . وسيأتى كذلك بعد مرات فى عبارته الآتية ، وكأن هذه من تصرف ناسخ أو طابع .