النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ تفسير سورة البقرة : ١٤٤ الله عليه وسلم من البيت فصلى ركعتين مستقبلاً بوجهه الكعبة، فقال: هذه ١٥/٢ القبلةُ ، مرتين .(١) ٢٢٥٤ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن أسامة بن زيد ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحوه . (٢) ٢٢٥٥ - حدثنا سعيد بن يحيى الأموى قال ، حدثنا أبى قال ، حدثنا ابن جريج قال، قلت لعطاء : سمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطّوَاف ولم تؤمروا بدخوله . قال :قال: لم یکن ینهى عن دخوله، ولكنى سمعته يقول: أخبرنى أسامة ابن زيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا فى نواحيه كلها، ولم يصلِّ حتى خرج، فلما خرج ركع فى قبل القبلة ركعتين، وقال: هذه القبلة. (٣) ٥ (١) الحديث: ٢٢٥٣ - ابن حميد: هو محمد بن حميد بن حيان الرازى الحافظ. سبقت رواية الطبرى عنه مراراً كثيرة، ووثقناه فى ٢٠٢٨. ونزيد هنا أنه وثقه ابن معين وغيره . وأنكروا عليه أحاديث، وأجاب عنه ابن معين بأن «هذه الأحاديث التى يحدث بها ، ليس هو من قبله، إنما هو من قبل الشيوخ الذى يحدث به عنهم)). وقال الخليلى: ((كان حافظاً عالماً بهذا الشأن، رضيه أحمد ويحيى)). وعرض عبد الله بن أحمد على أبيه ما كتبه عنه، فقال: أما حديثه عن ابن المبارك وجرير، فصحيح ، وأما حديثه عن أهل الرى، فهو أعلى)). مترجم فى التهذيب، والكبير ١/ ٦٩/١ - ٧٠، وابن أبى حاتم ٢٣٢/٢/٣ - ٢٣٣، والخطيب ٢ : ٢٥٩ - ٢٦٤، وتذكرة الحفاظ ٢ : ٦٧ - ٦٩. جرير: هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبى الرازى، وهو ثقة حجة. مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٢١٤/٢/١، وابن سعد ٠١١٠/٢/٧ وابن أبى حاتم ٥٠٥/١/١ - ٥٠٧، والخطيب ٧ : ٢٥٣ - ٢٦١، وتذكرة الحفاظ ١: ٢٥٠. فهذا إسناد صحيح ، صرح فيه عطاء بالسماع من أسامة بن زيد، كما أشرنا فى الإسناد السابق. والحديث رواه أحمد فى المسند (٥: ٢١٠ ح)، ضمن قصة، عن يحيى - وهو القطان - عن عبد الملك ((حدثنا عطاء، عن أسامة بن زيد)). (٢) الحديث: ٢٢٥٤ - عبد الرحيم بن سليمان: هو المروزى الأشل، مضت ترجمته: ٢٠٣٠. والحديث تكرار لسابقه ، لكن لم يصرح فى هذا الإسناد بسماع عطاء من أسامة . (٣) الحديث ٢٢٥٥ - سعيد بن يحيى بن سعيد، الأموى: ثقة ثبت، بل قال على بن المدينى: «جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم ... وهذا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى: أثبت من أبيه)). وهو من شيوخ البخارى ومسلم وأبى زرعة وأبى حاتم ، مترجم فى التهذيب، والكبير ٤٧٧/١/٢، وابن أبى حاتم ١/٢/ ٧٤، والخطيب ٩ : ٩٠ - ٩١. ١٨٢ تفسير سورة البقرة : ١٤٤ قال أبو جعفر: فأخبر صلى اللّه عليه وسلم أنّ البيت هو القبلة، وأن قبلة البيت بابه . ٠٠ القول فى تأويل قوله تعالى (وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك : فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوّلُوا وُجُوهكم فى صلاتكم نحو المسجد الحرام وتلقاءه. و((الهاء)) التى فى ((شطرَه))، عائدة إلى المسجد الحرام. فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين ، فرضَ التوجُّه نحو المسجد الحرام أبوه ، يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص: حافظ ثقة. مترجم فى التهذيب ، والكبير ٤ / ٢٧٧/٢، وابن سعد ٦ : ٢٧٧ - ٢٧٨، و٨٠/٢/٧ - ٨١. وابن أبى حاتم ٢/٤/ ١٥١ - ١٥٢، والخطيب ١٤: ١٣٢ - ١٣٥، وتذكرة الحفاظ ١ : ٢٩٨. والحديث رواه أحمد فى المسند (٢٠٨:٥ ح)، عن عبد الرزاق، وروح - كلاهما عن ابن جريج، بهذا الإسناد نحوه . رواه قبل ذلك ( ص: ٢٠١ ح) عن عبد الرزاق وحده ، مختصراً، لطوى القصة فلم يذكرها . وليس فى هذا الحديث ما ينفى أن يكون عطاء سمع الحديث من أسامة بن زيد ، لأنه - هنا - إنما يجيب السائل عن قول ابن عباس ، وينى أن يكون ابن عباس ينهى عن دخول البيت . فهو يذكر رواية ابن عباس عن أسامة ، من أجل هذا . ولا يمنع هذا أن يكون الحديث عند عطاء عن أسامة مباشرة . والحديث رواه أيضاً مسلم ١: ٣٧٦ - ٣٧٧، من طريق محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، بهذا الإسناد ، نحو هذه القصة ، أطول منها قليلا . ورواه البخارى ١: ٤٢٠ - ٤٢١ (فتح البارى)، من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، مختصراً. لم يذكر القصة، ولم يذكر أنه عن أسامة، جعله من حديث ابن عباس. وذكر الحافظ أنه رواه الإسماعيلى وأبو نعيم ، فى مستخرجيهما، من طريق إسحق بن راهويه ، عن عبد الرزاق، بإسناده هذا: ((فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن زيد)). قال الحافظ: ((وهو الأرجح . والخلاف فى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فى الكعبة أو لم يصل - مذكور فى الدواوين. والراجح صلاته فيها. المثبت مقدم على النافى. وانظر نصب الراية ٢ : ٣١٩ - ٣٢٢. ١٨٣ تفسير سورة البقرة : ١٤٤ فی صلاتهم حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى. وأدخلت ((الفاء)) فى قوله: ((فولوا))، جواباً للجزاء. وذلك أن قوله: (( حيثما کنم » جزاء ، ومعناه : حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره. . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَّبَ لَيَعْلَمُونَ أَنْهُ أَلْقُّ مِن رَّبْهِمْ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وإنّ الذين أوتُوا الكتاب))، أحبارَ اليهود وعلماء النصارى . ٠ وقد قيل : إنما عنى بذلك اليهودَ خاصةً. • ذكر من قال ذلك : ٢٢٥٦ - حدثنا موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وإنّ الذين أوتوا الكتاب))، أنزل ذلك فى اليهود . ٠٠٠ وقوله: ((ليعلمون أنه الحق من ربهم))، يعنى هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب ، يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد، الحقُّ الذى فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده . ٠ ٠ ٠ ويعنى بقوله: ((من رَبِّهم )) أنه الفرضُ الواجب على عباد الله تعالى ذكره ، وهو الحقُّ من عند ربهم، فَرَضَه عليهم. ١٨٤ تفسير سورة البقرة : ١٤٥،١٤٤ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا اللهُ بِغَفْل ◌َمَّا يَعْمَلُونَ) (١) قال أبو جعفر: يعنى بذلك تبارك وتعالى: وليس اللّه بغافل عما تعملون أيها المؤمنون، فى اتباعكم أمره، وانتهائكم إلى طاعته ، فيما ألزمكم من فرائضه ، وإيمانكم به فى صلاتكم نحو بيت المقدس ، ثم صلاتكم من بعد ذلك شطر المسجد الحرام ، ولا هو ساه عنه ،(١) ولکنه جل ثناؤه یحصیہ لکم ويد خره لكم عنده ، حتى يجازيكم به أحسن جزاء ، ويثيبكم عليه أفضلَ ثواب. ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الّذِينَ أُوُواْ الْكِتَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّ تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بَابِع قِبْلَةَ بَمْضِ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك تبارك اسمه : ولئن جئتَ ، يا محمد ، اليهودَ والنصارى، بكل برهان وُحجة - وهى ((الآية)) -(٢) بأن الحق هو ماجتهم به ، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس فى الصلاة ، إلى قبلة المسجد الحرام ، ما صدّقوا به ، ولا اتَّبعوا - مع قيام الحجة عليهم بذلك - قبلتَك التى حوَّتُك إليها ، وهى التوجُّه شطرَ المسجد الحرام . ٠ قال أبو جعفر: وأجيبت ((لئن)) بالماضى من الفعل، وحكمها الجوابُ بالمستقبل، تشبيهاً لها بـ((لو))، فأجيبت بما تجاب به ((لو))، لتقارب معنييهما. (١) انظر تفسير ((غافل)) فيما سلف ٢: ٢٤٣ - ٢٤٤، ٣١٥، وهذا الجزء ٣: ١٢٧ (٢) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف ١: ١٠٦ / ٢: ٥٥٣ ١٨٥ تفسير سورة البقرة : ١٤٥ وقد مضى البيان عن نظير ذلك فيما مضى. (١) وأجيبت ((لو)) بجواب الأيمان. ولا تفعل العربُ ذلك إلا فى الجزاء خاصة، لأن الجزاء مشابه اليمين: فى أن كل واحد منهما لا يتم أوّله إلا بآخره، ولا يتم وحده،ولا يصحّ إلا بما يؤكّدبه بعدَه.فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء، صَارَت ((اللام)) الأولى بمنزلة يمين، والثانية بمنزلة جواب لها، كما قيل: ((لعمرك لتقومنَ)) إذا كثرت ((اللام)) من (( لعمرك )) ،حتى صارت كحرف من حروفه، فأجيب بما يجاب به الأيمان، إذ كانت ((اللام)) تنوب فى الأيمان عن الأيمان ، دون سائر الحروف ، غير التى هى أحقُّ به الأيمان . فتدلّ على الأيمان، وتعمل عمل الأجوبة، ولا تدلّ سائر أجوبة الأيمان لنا على الأيمان. (٢) فشبهت ((اللام)) التى فى جواب الأيمان بالأيمان ، لما وصفنا، فأجيبت بأجوبتها. فكانَ معنى الكلام - إذا كان الأمر على ما وصفنا -: لو أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك . وأما قوله: (( وما أنتَ بتابع قِبلتهم))، يقول: وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم . وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها ، وأن النصارى تستقبل المشرقَ ، فأنَّى يكون لك السبيل إلى اتباع قبلتهم ، مع اختلاف وجوهها ؟ يقول: فالزم قبلتّك التى أميرت بالتوجه إليها، ودع عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها . ١٦/٢ وأما قوله: ((وما بعضهم بتابع قبلة بعض))، فإنه يعنى بقوله : وما اليهود بتابعة قبلةَ النصارى ، ولا النصارى بتابعة قبلة اليهود فمتوجهةٌ نحوها، كما : - ٢٢٥٧ - حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: (( وما بعضهم بتابع قبلة بعض))، يقول: ما اليهود بتابعى (١) انظر ما سلف ٢: ٤٥٨، وانظر معانى القرآن الفراء ١: ٨٤. (٢) قوله: ((أجوبة الأيمان لنا على الأيمان)) هذا عبارة غامضة، لم أظفر لها بوجه أرتضيه، وأنا لا أشك فى تحريفها أو نقصها . ١٨٦ تفسير سورة البقرة : ١٤٥ قبلة النصارى ، ولا النصارى بتابعى قبلةِ اليهود . قال : وإنما أنزلت هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حُوّل إلى الكعبة، قالت اليهود: إن محمداً اشتاق إلى بلد أبیه ومولده ! ولو ثبت علی قبلتنا لگُنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذى ننتظر! فأنزل الله عز وجل فيهم: ((وإنّ الذين أوتوا الكتابَ ليعلمون أنه الحق من ربهم)) إلى قوله: ((ليكتمون الحق وهم يعلمون)).(١) ٢٢٥٨ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : (( وما بعضهم بتابع قبلة" بعض))، مثل ذلك. ... وإنما يعنى جل ثناؤه بذلك: أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة ، مع إقامة كل حزب منهم على مِلَّهم، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد ، لا تُشعر نفسك رضا هؤلاء اليهود والنصارى، فإنه أمر لا سبيل إليه . لأنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لك" إلى إرضاء كل حزب منهم . من أجل: أنك إن اتبعت قبلةَ اليهود أسخطتَ النصارى ، وإن اتّبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود ، فدع ما لا سبيل إليه، وادعُهم إلى ما لهم السبيل إليه، من الاجتماع على مسلّتك الحنيفيّة المسلمة، وقبلتِك قبلة إبراهيم والأنبياء من بعده . ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَيْنِ أَنْتَ أَهْوَآءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنْكَ إِذّا لَِّنَ الظَّلِنَ) (١) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((ولئن اتبعت أهواءهم))، ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: ((كونوا هُوداً أو نصارى تهتدوا))، فاتبعتَ قبلتهم - يعنى: فرجعت إلى قبلتهم. (١) الأثر: ٢٢٥٧ - انظر ما مضى رقم: ٢٢٠٤. ١٨٧ تفسير سورة البقرة : ١٤٦،١٤٥ ويعنى بقوله: (( من بَعد "مَا جَاءك من العلم ))، من بعد ما وصَل إليك مز، العلم ، بإعلامى إياك أنهم مقيمون على باطل ، وعلى عنادٍ منهم للحق ، ومعرفةٍ منهم أنّ القبلة التى وجهتُك إليها هى القبلةُ التى فرضتُ على أبيات إبراهيم عليه السلام وسائر ولده من بعده من الرسل - التوجُّهَ نحوها، ((إنك إذاً لمن الظالمين))، يعنى: إنك إذا فعلت ذلك، من عبادى الظَّمةِ أنفسَهم، المخالفين أمرى، والتاركين طاعتى، وأحدُهم، وفى عِدادِ هِم. (١) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ ، قَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْثَآءُمْ) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ))، أحبار اليهود وعلماء النصارى : يقول: يعرف هؤلاء الأحبارُ من اليهود، والعلماءُ من النصارى : أن البيت الحرام قبلتُهم وقبلة إبراهيم وقبلةُ الأنبياء قبلك ، كما يعرفون أبناء هم ، كما : - ٢٢٥٩ - حدثنا بشر بن معاذ: قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم))، يقول: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلةُ . ٢٢٦٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع فى قول الله عز وجل: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونهُ كما يعرفونَ أبناءهم))، يعنى: القبلة . (١) السياق: من عبادى الظلمة ... وأحدهم، وفى عدادهم)). ١٨٨ تفسير سورة البقرة : ١٤٦ ٢٢٦١ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ))، عرفوا أن قبلة البيت الحرام هى قبلتُهم التى أميروا بها ، كما عرفوا أبناء هم. ٢٢٦٢ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عی قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم))، يعنى بذلك : الكعبة البيت الحرام. ٢٢٦٣ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم))، يعرفون الكعبة هى قبلة الأنبياء ، كما يعرفون أبناءهم. (١) ٢٢٦٤ -حدثییونس قال ،أخبرنا ابن وهبقال، قالابنزيدفى قوله: ((الذین آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم))، قال: اليهود يعرفون أنها هى القبلة، مكة . ٢٢٦٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج فى قوله: (( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم))، قال : القبلةُ والبيتُ . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَإِنَّ فَرِيِّقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُونَ أَحَقِّ وَهُمْ يَغَمُونَ) (١) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وإنّ طائفةً من الذين أوتوا الكتاب - وهُمُ اليهود والنصارى . وكان مجاهد يقول : هم أهل الكتاب . ٢٢٦٦ - حدثنى محمد بن عمرو - يعنى الباهلى - قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد بذلك . (١) فى المطبوعة: ((يعرفون الكعبة من قبلة الأنبياء)). ١٨٩ تفسير سورة البقرة : ١٤٦ ٢٢٦٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج مثله . ٢٢٦٨ - حدثنى المثى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، مثله . ٠٠٠ ٠ قال أبو جعفر: وقوله: ((ليكتمون الحق))، - وذلك الحق" هو القبلة = التى ١٧/٢ وجَّه الله عز وجل إليها نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم. يقول: فَوَلُ وجهك شطرَ المسجد الحرام = التى كانت الأنبياء من قبل محمدٍ صلى الله عليه وسلم يتوجّهون إليها ، فكتمتها اليهودُ والنصارى، فوجَّه بعضُهم شرقاً ، وبعضُهم بيتَ المقدس ، ورفضُوا ما أمرهم الله به، وكتموا مَعَ ذلك أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل . فأطلع الله عز وجل نبيه محمداً صلى اللّه عليه وسلم وأمَّتّه على خيانتهم اللّهَ تبارك وتعالى، وخيانتهم عباده ، وكتمانهم ذلك ، وأخبر أنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيرُه ، وأن الواجب عليهم من الله جل ثناؤه خلافُه، فقال: ((ليكتمونَ الحق وهم يعلمون))، أنْ كليس لهم كتمانه، فيتعمَّدون معصية الله تبارك وتعالى، كما : -(١) ٢٢٦٩ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((وإنّ فريقاً منهم ليكتمون الحق وُهُمْ يعلمون))، فکتموا محمداً صلى الله عليه وسلم ٢٢٧٠ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ((ليكتمون الحق وَهمْ يعلمون))، قال: يكتمون محمداً صلى الله عليه وسلم ، وهم يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل. (١) من أول قوله: (( كما حدثنا بشر بن معاذ))، إلى حيث نذكر فى ص ٢٠٧ تعليق: ٢ موجود فى ست عشرة صفحة بقيت من القسم المفقود من النسخة العتيقة . ١٩٠ تفسير سورة البقرة : ١٤٧ ٢٢٧١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق بن الحجاج قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((وإنّ فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)) ، يعنى القبلة القول فى تأويل قوله تعالى (اٌلْحَقُّ مِن رَّبُّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ اْلْمُشْتَرِينَ) (4) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره(١): اعلم يا محمد أنّ الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده ، لا ما يقول لك اليهود والنصارى . وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره لنبيه عليه السلام: (٢) عن أن القبلة التى وجهه نحوها ، هى القبلةُ الحقُّ التى كان عليها إبراهيم خليل الرحمن وَمَنْ بعده من أنبياء الله عز وجل يقول تعالى ذكره له : فاعمل بالحقّ الذى أتاك من ربِّك يا محمد، ولا تكونن" من الممترين . يعنى بقوله: (( فلا تكونن من الممترين )) ، أى: فلا تكونن من الشاكين فى أن القبلة التى وجَّهتك نحوها قبلةُ إبراهيم خليلى عليه السلام وقبلة الأنبياء غيره، كما: ٢٢٧٢ -حدثی المثی قال، حدثی إنحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال: قال الله تعالى ذكره لنبيه عليه السلام: ((الحقُّ من ربك فلا تكونن من الممترين))، يقول: لا تكن فى شك، فإنها قبلتُك وقبلةُ الأنبياء من قبلك . (٣) (١) فى المطبوعة: ((يقول الله جل ثناؤه))، وأثبت نص المخطوطة. (٢) فى المطبوعة ((وهذا من الله تعالى ذكره خبر))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((فلا تكن فى شك أنها))، بإسقاط الغاء من ((فإنها). ١٩١ تفسير سورة البقرة : ١٤٧ ٢٢٧٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((فلا تكونن من الممترين))، قال: من الشاكين، قال : لا تشكنّ فى ذلك . ٠٠٠ قال أبوجعفر: وإنما ((الممترى))(١) ((مفتعل))، من ((المرْية)). و((المِرْية)) هى الشك ، ومنه قول الأعشى : المُمْتَرِينَ رَّكْضًا، إِذَا مَا السَّرَّابُ أَرْ جَحَنُ(٢) تَدِرُ عَلَى أَسْوُقِ ٠ قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: أوّ كان النبي صلى اللّه عليه وسلم شاكًّا فى أنّ الحق من ربه، أو فى أن القبلة التى وجَّهه اللّه إليها حق من اللّه تعالى ذكره ، حتى ◌ُنهى عن الشك فى ذلك، فقيل له: ((فلا تكونن من الممترين))؟ قيل: ذلك من الكلام الذى تُخرجه العرب ◌ُخْرَج الأمر أو النهى للمخاطب به ، والمراد به غيره، كما قال جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَ النَِّئُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعٍ الكاَفِرِينَ وَالُنَافِقِينَ﴾ [سورة الأحزاب: ١]، ثم قال: ﴿وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ (١) فى المطبوعة: ((والممترى))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) ديوانه: ٢٠ واللسان (رجحن) من قصيدة سلف بيت منها فى ١ : ٣٤٥، ٣٤٦، وصف خيلا مغاوير لقيس بن معديكرب الكندى ، أغارت على قوم مسرعة حثيثة، فبينا القوم يتارون فيها إذا بها :- تُبَارِى الزُّجَاجَ مَغَوِيرُهَا شَاطِيط فى رَهَجِ كَالدَّخَنْ تَدِرُ عَلَى أُسوُق . در الفرس يدر دريراً ودرة : عدا عدراً شديداً . لا يثنيه شىء . والأسوق جمع ساق، ويجمع أيضاً على سوق وسيقان. يقول: بيناهم يتارون إذ خشيتهم الخيل فصرعتهم، فوطئتهم وطناً شديداً، ومرت على سيقانهم عدواً. وارجحن السراب: ارتفع واتسع واهتز ، وذلك فى وقت ارتفاع الشمس. ١٩٢ تفسير سورة البقرة : ١٤٨،١٤٧ مِنْ رَّبِّكَ إِنَّ الله كانَ بِمَا تَعَلُونَ خَبِيرًا﴾ [ سورة الأحزاب: ٢]. فخرج الكلام مخرج الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم والنهي له ، والمراد به أصحابه المؤمنون به . وقد بينا نظير ذلك فیما مضى قبل بما أغنىَ من إعادته.(١) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهاَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله تعالى ذكره: ((ولكل))، ولكل أهل ملة، (٢)فحذف « أهل'الملة ))، وا کتفى بدلالة الكلام عليه ، كما : -- ٢٢٧٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((ولكلُّ وِجهة))، قال: لكل صاحب ملة . ٢٢٧٥ - حدثنا المثی قال، حدثنا إسمق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع،: ((ولكلُ وجهة هو موليها))، فاليهودىّ وجهة هو موليها، والنصرانى وجهة هو موليها، وهداكم الله عز وجل أنتم أيها الأمَّة القبيلة التى هى قبلة.(٣) ٢٢٧٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثی حجاج ، عن ابن جريج ، قال، قلت لعطاء قوله: (( ولكل وجهة هو موليها))، قال : لكل أهل دين ، اليهود والنصارى . قال ابن جريج، قال مجاهد: لكل صاحب مِلة . ٢٢٧٧ - حدثنییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله : ((ولكل وجهة هوموليها))، قال: لليهود قبلة، والنصارى قبلة، ولكم قبلة، يريد المسلمين. ٢٢٧٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمی قال ، (١) انظر ما سلف ٢ : ٤٨٤ - ٤٨٨. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: (( ... تعالى ذكره ولكل أهل ملة))، والصواب ما أثبت. (٣) فى المطبوعة: ((فاليهود وجهة هو موليها))، و((والتصارى قبلة هو موليها))، والصواب من المخطوطة. وفيها أيضاً: ((التى هى قبلته)) وأثبت ما فى المخطوطة، وهو جيد. ١٩٣ تفسير سورة البقرة : ١٤٨ حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ولكلُّ وجهةٌ هو مولّيها))، يعنى ١٨/٢ بذلك أهلَ الأديان: يقول: لكلِّ قبلةٌ يرضونها، ووجهُ الله تبارك وتعالى اسمه حيثُ تَوَجَّه المؤمنون. وذلك أن اللّه تعالى ذكره قال: ﴿فَأَيْنَاَ تُوَّلُوا فَّمَ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [سورة البقرة: ١١٥] ٢٢٧٩ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: (( ولكلّ وجهة هو موليها )) ، يقول : لكل قوم قبلة قد ولَّوْها . ٠ ٠ فتأويل أهل هذه المقالة فى هذه الآية : ولكل أهل ملة قبلةٌ هو مستقبلها ، ومول وجهه إليها . ٠ ٥ • وقال آخرون بما : - ٢٢٨٠ - حدثنا به الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة: ((ولكل وجهة هو موليها))، قال: هى صلاتهم إلى بيت المقدس ، وصلاتهم إلى الكعبة . ٠ ٠ ٠ وتأويل قائل هذه المقالة: ولكلّ ناحية وجَّهك إليها ربك يا محمد قبلة، اللّهُ عز وجل مُولِّيها عبادَه. ٠ ٠ ٠ وأما ((الوجهة))، فإنها مصدر مثل ((القعدة)) و((الميشية))، من ((التوجّه)). وتأويلها: مُتَوَجَّةٌ، يتوجَّه إليه بوجهه فى صلاته، (١) كما : - ٢٢٨١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ((وجهة))، قبلةٌ. (١) فى المطبوعة: ((يتوجه إليها))، وأثبت مافى المخطوطة. وانظر معانى القرآن الفراء: ٩٠ و وجهة)). ج ٣ (١٣) ١٩٤ تفسير سورة البقرة : ١٤٨ ٢٢٨٢ - حدثنى المثى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٢٢٨٣ -حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((ولكل وجهة))، قال: ◌َجْهُ. ٢٢٨٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : ((وجهه))، قِيلة . ٢٢٨٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال، قلت لمنصور: ((ولکل وجهة هو موليها))، قال: نحن نقرؤها، ولكل جعلنا قبيلة يرضَوتها.(١) وأما قوله: ((هو مُولِّيها))، فإنه يعنى هو مولُّ وجهه إليها ومستقبلها ، (٢) كما : - ٢٢٨٦ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبوعاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((هو موليها))، قال: هو مستقبلها . ٢٢٨٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٠ ٠ ومعنى ((التّوْلية)) ههنا الإقبال، كما يقول القائل لغيره: ((انصرف إلىّ)) بمعنى: أقبل إلىّ. ((والانصراف)) المستعمل، إنما هو الانصراف عن الشىء، ثم يقال: ((انصرف إلى الشىء))، بمعنى : أقبل إليهمنصرفاً عن غيره. و كذلك يقال«ولّيت عنه))، إذا أدبرت عنه. ثم يقال: ((ولَّيت إليه))، بمعنى أقبلت إليه مولّياً عن غيره. (٣) ٠ ٠ (١) قوله: ((نقرؤها))، لا يعنى أنها قراءة فى قراآت القرآن، وإنما يعنى دراستها والتفقه فى معانيها . (٢) فى المطبوعة: ((مستقبلها)) بحذف الواو، وهى جيدة. (٣) انظر معنى ((التولية) فيا سلف ٢: ٥٣٥، وهذا الجزء ٣: ١٧٥ وانظر أيضاً ٢: ١٦٢، ثم هذا الجزء ٣: ١١٥، وانظر معافى القرآن القراء ١: ٠٨٥ ١٩٥ تفسير سورة البقرة : ١٤٨ والفعل - أعنى ((التولية)) - فى قوله: ((هوموليها)) لا ((كل)). و((هو)» التى مع ((موليها))، هو ((الكل))، وُحُدت للفظ ((الكل)). فمعنى الكلام إذاً: ولكل أهل ميلة وجهة، الكلُّ منهم مولُّوها وُجوههم.(١) ٠ ٠٠ وقد روى عن ابن عباس وغيره أنهم قرأوها: ((هومُولاً ها))، بمعنى أنه مُوجَّهُ نحوها. ويكون ((الكل)) حينئذ غير مسمّى فاعله، (٢) ولوُسمى فاعله، لكان الكلام: ولكلّ ذى ملة وجهةٌ، اللّهُ مولّيه إياها، بمعنى: موجّهه إليها . ... وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك: ((ولكُلِّ وِجهةٍ )) بترك التنوين والإضافة. وذلك لحنٌ، ولا تجوز القراءةُ به. لأن ذلك - إذا قرئُ كذلك - كان الخبرُ غير تامٌ وكان كلاماً لا معنى له . وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه. ٥ ٥ ٠ والصواب عندنا من القراءة فى ذلك: ((ولكلُّ وِجهةٌ ◌ُهُوَ مُولِّيها))، بمعنى: ولكلّ وجهةٌ وقبلةٌ، ذلك الكُل" مُولّ وجهه نحوها. لإجماع الحجة من القرّاء على قراءة ذلك كذلك، وتصويبها إياها ، وشذوذ من خالف ذلك إلى غيره . وما جاء به النقلُ مستفيضاً فحُجة، وما انفرد به من كان جائزاً عليه السهو والغلط ، (٣) فغيرُ جائز الاعتراضُ به على الحجة. ٥ (١) فى المطبوعة: ((لكل منهم مولوها))، وهو كلام مختل، والصواب من المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((ويكون الكلام حينئذ))، والصواب من المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((السهو والخطأ))، وأثبت ما فى المخطوطة. ١٩٦ تفسير سورة البقرة : ١٤٨ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْغَيْرَاتِ ﴾ قال أبو جعفر: یعنی تعالى ذكره بقوله: (( فاستبقوا »، فبادروا وسارعوا ، من ((الاستباق))، وهو المبادرة والإسراع، كما :- ٢٢٨٨ -حدثیالمثی قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ((فاستبقوا الخيرات))، يقول: فسارعوا فى الخيرات.(١) وإنما يعنى بقوله: (فاستبقوا الخيرات))، أى: قد بيّنت لكم أيها المؤمنون الحقّ، وهديتكم للقبيلة التى ضلَّت عنها اليهود والنصارى وسائرُ أهل الملل غيركم ، فبادروا بالأعمال الصالحة، شكراً لربكم، وتزوّدوا فى دنياكم لآخرتكم، (٢) فإنى قد بينت لكم سبُل النجاة، (٣) فلا عذر لكم فى التفريط، وحافظوا على قبلتكم ، فلا تضيّعوها كما ضَيَّعتها الأم قبلكم، (٤) فتضلُّوا كما ضلت ؛ كالذى :- ٢٢٨٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((فاستبقوا الخيرات))، يقول: لا تُغْلَبُنَّ على قبلتكم. ٢٢٩٠ - حدثییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله : ((فاستبقوا الخيرات))، قال: الأعمال الصالحة. (١) فى المطبوعة: ((يعنى: فسارعوا))، وأثبت ما فى المخطوطة. . (٢) فى المطبوعة: ((لأخراكم))، وهما سواء فى المعنى. (٣) فى المطبوعة: ((سبيل النجاة))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٤) فى المطبوعة: ((ولا تضيعوها كما ضيعها)، وأثبت ما فى المخطوطة، وهى أجود. ١٩٧ تفسير سورة البقرة : ١٤٨ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اله ◌َمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) (١) قال أبو جعفر: ومعنى قوله: (( أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً)، فى أىّ مكان وبقعة تملكون فيه،(١) بأت بكم الله جميعاً يوم القيامة،إن الله علی کل شیء قدیر ، کما :- ٢٢٩١ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((أينما تكونوا يأت بكمُ اللّه جميعاً))، يقول: أينما تكونوا يأت ١٩/٢ بكم الله جميعاً يوم القيامة . ٢٢٩١ م-حدثنا موسی قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط ،عن السدى: ((أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً)) ، يعنى: يومَ القيامة. ٠٠ قال أبو جعفر: وإنما حضَّ اللّه عز وجل المؤمنين بهذه الآية على طاعته ، والتروُّد فى الدنيا للآخرة، فقال جل ثناؤه لهم: فاستبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم ، ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه ، فإن الله تعالى ذكره يأتى بكم وبمن خالف قبلتكم ودينكم وشريعتكم جميعاً يوم القيامة ، من حيث كنتُ من بقاع الأرض، حتى يوفّىَ المحسنَ منكم جزاءه بإحسانه، (٢) والمسىء عقابه بإساءته ، أو يتفضّل فيصفح . ٠ وأما قوله: ((إنّ اللّه على كل شىء قدير))، فإنه تعالى ذكره بعنى: إنّ اللّه تعالى على جمْعكم - بعد مماتكم من قبوركم إليه، من حيث كنتم وكانت قبوركم، وعلى غير ذلك مما يشاء ، قديرٌ. (٣) فبادروا خروجَ أنفسكم بالصالحات من الأعمال قبل مماتكم ، ليومَ بَعتكم وحشركم . (١) انظر القول فى تفسير ((أيما)) فى معانى القرآن الفراء ١: ٨٥ - ٨٩ (٢) فى المخطوطة: (حتى يؤتى المحسن منكم جزاءه))، ولا بأس بها. (٢) فى المطبوعة: ((من قبوركم من حيث كنتم وعلى غير ذلك))، أسقط منها التاسع. ٠ ١٩٨ ٠٠ تفسير سورة البقرة : ١٤٩ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٌ وَجْهَكَ شَطْرَ أَلْسَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغْفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١٤٩ قال أبو جعفر: بعنى جل ثناؤه بقوله: (( ومن حيث خرجت ))، ومن أىّ موضع خرَجْت إلى أى موضع وجَّهتَ، فولٌ يا محمد وجهك- يقول: حوّل وَجْهك. وقد دللنا على أن ((التولية)) فى هذا الموضع شطر المسجد الحرام، إنما هى: الإقبالُ بالوجه نحوه. وقد بينا معنى ((الشطر)) فيما مضى. (١) ٠٠٠ وأما قوله: ((وإنه للحق من ربك))، فإنه يعنى به تعالى ذكره: وإنّ التوجه "شطره للحق الذى لا شكّ فيه من عند ربك، فحافظوا عليه، وأطيعوا الله فى توجهکم قبله . ٠٠ ٠ وأما قوله: ((وما الله بغافل عما تعملون))، فإنه يقول: فإن الله تعالى ذكره تيس بسامٍ عن أعمالكم ، ولا بغافل عنها ، ولكنه محصیها لكم ، حتى يجازيكم بها يوم القيامة . (٢) (١) انظر ما سلف فى ((التولية)) فى هذا الجزء ٣: ١٩٤ تعليق: ٣، وما سلف فى تفسير: ((شطر)) فى هذا الجزء ٣ : ١٧٥ (٢) انظر معنى ((غافل)) فيما سلف من هذا الجزء ٣: ١٨٤ تعليق: ١، والمراجع هناك. ١٩٩ تفسير سورة البقرة : ١٥٠ القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلَّ وَجْهَكَ شَطْرَ أْسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ قال أبو جعفر : یعنی بقوله تعالى ذكره: « ومن حيثُ خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام))، من أىّ مكان وُبقعة شخصتَ فخرجت يا محمد ، فولّ وجهك تلقاء المسجد الحرام ، وهو شطره . ويعنى بقوله: ((وحيث كنتم فولُّوا وجوهكم))، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولُّوا وجوهكم فى صلاتكم تجاهه وقبله وَقَصْدَه.(١) ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ لِثَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبّةٌ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِى) قال أبو جعفر: فقال جماعة من أهل التأويل: عنى اللّه تعالى: ((الناس)) فی قوله: ((لئلا یکون الناس))، أهل الكتاب • ذكر من قال ذلك : ٢٢٩٢ -حدثنا بشر بنمعاذ قال ، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((لئلا يكون الناس عليكم حجة))، يعنى بذلك أهل الكتاب. قالوا - حين صُرف نىُّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الكعبة البيت الحرام -: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودین قومه ! ٢٢٩٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، (١) فى المخطوطة: ((قولوا فى صلاتكم))، أسقط (( وجوهكم)). ٢٠٠ تفسير سورة البقرة : ١٥٠ عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((لئلا يكون الناس عليكم حجة))، يعنى بذلك أهلَ الكتاب، قالوا - حينُ صُرف نبيُّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الكعبة -: اشتاق الرجل إلی بیت أبیه ودین قومه ! ٠ فإن قال قائل: فأيّة ◌ُحجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله ٠ عليه وسلم وأصحابه نحوَ بيت المقدس، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ قبل :قد ذكرنا فيما مضىما روی فی ذلك. قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى محمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم: يُخالفنا محمد فى ديننا ويتبع قبلتنا!(١) فهى الحجة التى كانوا يحتجُّون بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهال" وأهل الغباء من المشركين . (٢) وقد بينا فيما مضى أن معنى حيجاج القوم إيّاه ، الذى ذكره الله تعالى ذكره فى كتابه ، إنّما هى الخصومات والجدال . فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وَحسمه، بتحويل قبلة نبيّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين به ، من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام. وذلك وهو معنى قول الله جل ثناؤه: ((لئلا يكون للناس عليكم حجة))، يعنى: بـ((الناس))، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت . ٠٠٠ وأما قوله: ((إلا الذين ظلموا منهم))، فإنهم مُشركو العرب من قريش، فيا تأوَّله أهلُ التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٢٢٩٤ ۔۔ حدثنى محمد بنعمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال،حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إلا الذين ظلموا منهم))، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم. (١) انظر ما سلف فى هذا الجزء رقم: ٢٢٣٤، ٠٢٢٣٥. (٢) فى المطبوعة: ((وأهل العناد من المشركين))، والصواب من المخطوطة.