النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ تفسير سورة البقرة : ١٤٣٠١٤٢ المستقيم))(١) - ويعنى بذلك: إلى قبلة إبراهيم الذى جعله للناس إماماً - ويخذّل من يشاء منهم ، فيضلُّه عن سبيل الحق . ٠ ٠ وإنّما عنى جل ثناؤه بقوله: ((يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم))، قُلْ يا محمد: إنّ اللّه هدانا بالتوجُّه شطرَ المسجد الحرام لقبلة إبراهيم ، وأضلّكم - أيها اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشرك بالله - فخذلكم عما هدانا لهُ من ذلك. ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَمْتَكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً))، كما هديناكم أيّها المؤمنون بمحمد عليه السلام وبما جاءكم به من عند الله، فخصصنا كم بالتوفيق لقيبلة إبراهيم وملته ، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل ، كذلك خصصناكم ففضّلناكم على غيركم من أهل الأديان ، بأن جعلناكم أمة وسطاً وقد بينا أن ((الأمة))، هى القرن من الناس والصنف منهم وغيرهم.(٢) ٥ ٥ وأما ((الوسط))، فإنه فى كلام العرب الخيارُ. يقال منه: ((فلان وَسَطُ الحسب فى قومه))، (٣) أى متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع فى حسبه، و((هو وَسَطٌ فى قومه، وواسطٌ))، (٤) كما يقال: ((شاة يابسةُ اللبن ويَبَسةُ اللبن))، وكما قال جل ثناؤه (١) انظر تفسير ((الصراط المستقيم)) فيما سلف ١: ١٧٠ - ١٧٧. (٢) انظر ما سلف ١: ٢٢١/ ثم هذا الجزء ٣: ٧٤، ١٢٨،١٠٠ (٣) يقولون أيضاً: ((هو وسيط الحسب فى قومه))، إذا كان أوسطهم نسباً، وأرفعهم مجداً (٤) شاهد قولهم ((واسط)) من شعرهم، قول جابر بن ثعلب الطائى وَمَنْ يَفْتَقِرْ فِى قَوْمِهِ يَحْدِ الغِنَى وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ وَاسِطَ الَمِّ مُخْوِلاً ١٤٢ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ﴿فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِىِ البَحْرِ بَيَسًا﴾ [سورة له: ٧٧]، وقال زُهير بن أبى سلمى فى ((الوسط)): مُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ إِذَا نَزَلَتْ إحْدَى الَيَالِ بِمُعْظَمٍ(١) ٠ قال أبو جعفر: وأنا أرى أن ((الوسط)) فى هذا الموضع، هو ((الوسط)) الذى بمعنى: الجزءُ الذى هو بين الطرفين، مثل ((وَسط الدار)) محرَّك الوَسط مثقّله ، غير جائز فى ((سينه)) التخفيف . وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم ((وَسط))، لتوسطهم فى الدين ، فلا ◌ُهم أهلُغلوُّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم فى عيسى ما قالوا فيه - ولا ◌ُهم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ اللّه، وقتلوا أنبياءَ هم ، وكذبوا على ربهم ، وكفروا به ؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه . فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى اللّه أوْسطُها. ٠ ٠ ٠ وأما التأويل، فإنه جاء بأن ((الوسط)) العدلُ. وذلك معنى الخيار، لأن الخيار من الناس عُدولهم. • ذكر من قال: ((الوسطُ))، العدلُ. ٢١٦٥ - حدثنا سَلْم بنُ جنادة ويعقوب بن إبراهيم قالا ، حدثنا حفص ابن غياث، عن الأعمش ، عن أبى صالح ، عن أبى سعيد، عن النبى صلى الله (١) كأنه من قصيدته المعلقة، ديوانه ٢: ٢٧، ولكن رواية صدر البيت فى الديوان: • لِحَىّ حِلاَلٍ يَعْضِمُ النَّاسَ أَمْرُهُمْ ولم أجد هذه الرواية فيما طبع من روايات ديوانه . ولكن البيت بهذه الرواية أنشده الجاحظ فى البيان ٣: ٢٢٥ غير منسوب. وهو منسوب إلى زهير فى أساس البلاغة ((وسط)). ورواية الديوان، والجاحظ: ((إذا طرقت إحدى اليالى)). وهما سواء. ١٤٣ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ عليه وسلم فى قوله: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً))، قال: "عُدولاً. (١) ٢١٦٦ - حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار قالا ، حدثنا جعفر بن عون، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى سعيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم مثله. ٢١٦٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى سعيد الخدرى: ((وكذلك جعلناكم أُمَّة وَسَطاً ))، قال: عدولاً". ٢١٦٨ - حدثنى على بن عيسى قال ، حدثنا سعيد بن سليمان ، عن حفص ابن غياث ، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى اللّه عليه وسلم فى قوله: ((جعلناكم أمَّة وسطاً))، قال: عدولاً. (٢) (١) الحديث: ٢١٦٥ - سلم بن جنادة، شيخ الطبرى، مضت ترجمته فى: ٤٨، وكثرت رواية الطبرى عنه، وهو أبو السائب. وفى المطبوعة هنا ((سالم))، وهو خطأ تكرر فيها . ولا حاجة بنا إلى التنبيه عليه بعد ذلك . يعقوب بن إبراهيم: هو الدورق الحافظ ، مضى : ٢٣٧. وهذا الإسناد والإسنادان بعده، لحديث واحد، مختصر من حديث سيأتى: ٢١٧٩ . ورواه مختصراً أيضاً، أحمد فى المسند: ١١٠٨٤، عن أبى معاوية، عن الأعمش، به . ورواه بنحوه أيضاً: ١١٢٩١، عن وكيع، عن الأعمش. (المسند ٣: ٩، ٣٢ حلبى). ونقله ابن كثير ١ : ٣٤٨، عن المسند. وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ٦: ٣١٦، وقال: ((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح » . وقد وهم صاحب الزوائد فى إدخاله فيها ، لأنه مختصر من الحديث المطول الآتى ، وقد أخرجه البخارى وغيره ، فليس من الزوائد . وهذه الروايات المختصرة عند الطبرى - أشار إليها الحافظ فى الفتح ٨: ١٣١، أثناء شرحه الرواية المطولة . وكل الروايات التى رأينا، فيها (عدلا)) بدل (عدولا)). ولعل ما هنا من تحريف الناسخين، لأن الأجود صيغة الإفراد. على الوصف بالمصدر، يستوى فيه المذكر والمؤنث والمثنى والجمع . وفى اللسان: ((فإن رأيته مجموعاً أو مثنى أو مؤنثاً - فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذى ليس بمصدر)). والذى نقله الحافظ فى الفتح، والسيوطى فى الدر المنثور ١: ١٤٤ - بلفظ ((عدلا)) أيضاً بل عبارة أبى جعفر نفسه، قبل هذا الحديث تدل على ذلك، إذ قال: ((ذكر من قال: الوسط العدل)). (٢) الحديث : ٢١٦٨ - على بن عيسى بن يزيد البغدادى الكراجكى: ثقة، من شيوخ الترمذى وابن خزيمة، مترجم فى التهذيب، بغداد ١٢:١٢-١٣. قال الخطيب: ((وما علمت من حاله إلا خيراً)). مات سنة ٢٤٧ . ١٤٤ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ٢١٦٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر، عن سعيد: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً))، قال: عدولاً. ٢١٧٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((وكذلك جعلناكم أمة وَسَطاً))، قال: عدولاً ٢١٧١ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح، عن مجاهد مثله . ٢١٧٢ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن ٦/٢ قتادة قوله: ((أمة وسطاً))، قال: 'عُدولاً". ٢١٧٣ - حدثنا الحسن بنيحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((أمة وسطاً))، قال: عدولاً ٢١٧٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((أمة وسطاً))، قال: عدولاً . سعيد بن سليمان: هو أبو عثمان الواسطى البزاز، لقبه ((سعدويه))، سبق توثيقه فى شرح : ٦١١. مترجم فى التهذيب، والكبير ٤٤٠/١/٢ وابن سعد ٨١/٢/٧، وابن أبى حاتم ٢٦/١/٢، وتاريخ بغداد ٩: ٨٤ - ٨٧ . مات سنة ٢٢٥، وله ١٠٠ سنة. حفص بن غياث : مضى فى: ١٠٣٧، ولكن روايته هنا عن أبى صالح ذكوان السمان ، منقطعة يقيناً، فإن أبا صالح مات سنة ١٠١، وحفص ولد سنة ١١٧. وإنما يروى عن الأعمش وطبقته ، عن أبى صالح ، كما فى الإسناد الماضى : ٢١٦٥. ولعله سقط من نسخة الطبرى فى هذا الموضع بينهما: ((عن الأعمش)) - فيستقيم الإسناد ، ويكون صحيحاً. ولم أستطع الجزم بشىء فى ذلك، لأنى لم أجد حديث أبى هريرة هذا فى كتاب آخر ذى إسناد . وإنما ذكره السيوطى فى الدر المنثور ١: ١٤٤، ونسبه الطبرى وحده. وقد يرجح سقوط ((الأعمش)) من الإسناد فى هذا الموضع: أن الحافظ حين أشار فى الفتح ٨: ١٣١ - إلى روايات الطبرى المختصرة لحديث أبى سعيد، السابق، ذكر منها أن الطبرى رواه ((من طريق وكيع عن الأعمش، بلفظ: والوسط العدل، مختصر مرفوعا. ومن طريق أبى معاوية عن الأعمش، مثله)). فهذان إسنادان لحديث أبى سعيد، نقلهما الحافظ ابن حجر - وهو من هو، دقة وتحرياً - عن هذا الموضع من الطبرى، وليسا فى النسخة بين أيدينا. فلا يبعد أن يكون فى هذا الإسناد أيضاً نقص قوله ((عن الأعمش)» بين حفص بن غياث وأبى صالح . ١٤٥ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ٢١٧٥ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً)، يقول: جعلكم أمةً عُدولاً" . ٢١٧٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك، عن رِشْدين بن سعد قال ، أخبرنا ابن أنعم المعافرى، عن حبان بن أبى جبلة، يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وكذلك جعلناكم أمةً وَسَطاً))، قال: الوسطُ العدل .(١) ٢١٧٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير: ((أمة وَسَطاً))، قالوا: "عُدولاً. قال مجاهد: عَدْلاً.(٢) ٢١٧٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : ((وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً))، قال: هم وَسطٌ بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين الأمم القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لِتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِدًا﴾ قال أبو جعفر: ((والشهداء)) جمع ((شهيد)).(٣) فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمَّة وَسطاً عدولاً، [ لتكونوا ] ٥ (١) الحديث: ٢١٧٦ - هو قطعة من حديث مطول، سيأتى: ٢١٩٥. و((رشدين بن سعد)» ثبت فى المطبوعة هنا (راشد بن سعد)). وهو خطأ، كما سنبين هناك إن شاء الله. (٢) فى المطبوعة: ((وقال مجاهد: عدولا))، وكأن الصواب ما أثبت، وإلا كان كلاماً زائداً، لا معنى له . (٣) انظر تفسير ((الشهداء)) فيما سلف ١: ٣٧٦ - ٣٧٨ / وهذا الجزء ٣ : ٩٧ ج ٣ (١٠) ١٤٦ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ شهداءَ لأنبيائى ورُسلى على أممها بالبلاغ، (١) أنها قد بلغت ما أُمرّت ببلاغه من رسالاتى إلى أممها ، ويكونَ رسولى محمدٌ صلى الله عليه وسلم شهيداً عليكم، بإيمانكم به وبما جاء کم به من عندی ، كما : - ٢١٧٩ - حدثنی أبو السائب قال، حدثنا حفص ، عن الأعمش ، عن أبى صالح، عن أبى سعيد قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغْتَ ما أرسلت به ؟ فيقول : نعم . فيقال لقومه : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما جاءنا من نذير ! فيقال له : من يعلم ذلك ؟ فيقول: محمد وأمته. فهو قوله: ((وكذلك جعلناكم أمَّةً وَسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيداً)). (٢) ٢١٨٠ - حدثنا مجاهد بن موسی قال حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا الأعمش ، عن أبى صالح ، عن أبى سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه - إلا أنه زاد فيه : فيُدعون ويشهدون أنه قد بلَّغْ . ٢١٨١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبى صالح، عن أبى سعيد: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس)) - بأن الرسل قد بلَّغوا - ((ويكون الرسول عليكم (١) ما بين القوسين زيادة لا بد منها، بدلالة الآية، ودلالة ما سيأتى من قوله: ((ويكون رسولى )» . (٢) الحديث: ٢١٧٩ - هو والإسنادان بعده، لحديث واحد، مضى بعضه بهذه الأسانيد: ٢١٦٥ - ٢١٦٧، إلا أن هناك زيادة شيخين الطبرى فى الإسنادين الأولين منها. والحديث رواه الإمام أحمد فى المسند، بنحوه: ١١٣٠، عن وكيع عن الأعمش، و ١١٥٧٩، عن أبى معاوية عن الأعمش. (٣: ٣٢، ٥٨ حلبى). ورواه البخارى ٦: ٢٦٤، من طريق عبد الواحد بن زياد، و ٨: ١٣٠ - ١٣١، من طريق جرير وأبى أسامة، و ١٣: ٢٦٦، من طريق أبي أسامة وجعفر بن عون - كلهم عن الأعمش ، بهذا الإسناد نحوه . ونقله ابن كثير فى التفسير ١ : ٣٤٧ - ٣٤٨، من روايتى الإمام أحمد، وقال: ((رواه البخارى والترمذى، والنسائى، وابن ماجة، من طرق ، عن الأعمش)). ونسبه السيوطى ١ : ١٤٤ لهؤلاء ولغيرهم. ١٤٧ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ شهيداً)). بما عملتم ، أو فعلتم. ٢١٨٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل، عن أبى مالك الأشجعى، عن المغيرة بن عتيبة بن الهاس: أن مُكاتباً لهم حَدّتهم عن جابر بن عبد الله: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إنى وأمتى لعلى كَوْمِ يومَ القيامة ، مُشرفين على الخلائق. ما أحدٌ من الأمم إلاّ ودَّ أنه منها أيَّتُها الأمة، (١) وَمَا من نبيّ كذّبه قومُهُ إلا نحن شهداؤه يومَ القيامة أنه قد بلَّغْ رسالات ربه ونصحَ لهُم . قال : ((ويكون الرسول عليكم شهيداً)). (٢) (١) فى حديث كعب بن مالك: ((((فتخلفنا أيتها الثلاثة)) - يريد تخلفهم عن غزوة تبوك، وتأخر توبتهم. وهذه اللفظة تقال فى الاختصاص، وتختص بالمخبر عن نفسه والمخاطب. تقول: (( ما أنا فأفعل كذا أيها الرجل))، يعنى نفسه. فمعنى قول كعب: ((أيتها الثلاثة))، أى المخصوصين بالتخلف. (لسان العرب ، مادة : أيا ) . (٢) الحديث : ٢١٨٢ - هذا إسناد ضعيف، لجهالة التابعى الذى رواه عن جابر، وفى اسم الراوى عن التابعى بحث يحتاج إلى تحقيق . ابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان، مضى: ١٨٤٠ . أبو مالك الأشجعى : هو سعد بن طارق بن أشيم، تابعى ثقة . مترجم فى التهذيب. والكبير ٥٩/٢/٢، وابن أبى حاتم ٨٦/١/٢ - ٨٧. المغيرة بن عتيبة بن النهاس: ثبت فى الطبرى هنا (عيينة))، بدل ((عتيبة)). ولم يترجم فى التهذيب ولا ذيوله. وترحمه ابن أبى حاتم ٢٢٧/١/٤ هكذا: ((مغيرة بن عتيبة بن نهاس العجلى . وكان قاضياً لأهل الكوفة. روى عن سعيد بن جبير، وموسى بن طلحة، وعن مكتب عن جابر))، إلخ، وترجمه البخارى فى الكبير ٣٢٢/١/٤ - ٣٢٣ هكذا: ((مغيرة بن عيية بن عاس. قال ابن المبارك: ابن النحاس، عن ... وعن مكتب بن جابر ... )). وحقق العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليمانى ، مصحح الكتابين - ترجيح ما فى كتاب ابن أبى حاتم ، لموافقته ما ثبت فى الثقات لابن حبان ، والإكمال لابن ماكولا . وهو الصحيح . والمغيرة هذا روايات كثيرة فى تاريخ الطبرى، وثبت اسم أبيه فى كثير منها على الصواب ، وذكر اسمه ونسبه كاملا هناك ٤: ٨١ ((المغيرة بن عتيبة بن النهاس العجل)). وأما قوله هنا (( أن مكاتباً لهم حدثهم عن جابر)) - فيفهم منه أن التابعى المبهم الراوى عن جابر ، هو من موالى آل المغيرة الراوى عنه، وأنه مكاتب لهم. ولكن الذى فى كتابى البخارى وابن أبى حاتم - كما ترى: ((وعن مكتب عن جابر)). فقال العلامة عبد الرحمن فى تعليقه على ابن أبى حاتم: ((أراه سعيد بن زياد المكتب)) ولكنه قبل ذلك فى تعليقه على التاريخ الكبير، ذكر ذلك احتمالا فقط، بل كاد يرده بأن ((سعيد بن زياد المكتب مولى زياد المكتب مولى بنى زهرة)) ترجمه البخارى - يعنى فى ٤٣٣/١/٢ ـر ((ولكن لم يذكر روايته عن جابر ولا غيره من الصحابة)). وهو كما قال ، وكذلك ترجمه فى التهذيب وغيره . فلذلك أنا أستبعد جداً أن يكون هو المراد بقول البخارى وابن أبى حاتم فى شيوخ المغيرة ((عن مكتب عن ١٤٨ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ٢١٨٣ - حدثنى عصام بن روّاد بن الجرّاح العسقلانى قال ، حدثنا أبى قال ، حدثنا الأوزاعى ، عن يحيى بن أبى كثير، عن عبد الله بن أبى الفضل ، عن أبى هريرة قال: خرجتُ مع النبى صلى الله عليه وسلم فى جنازة ، فلما صلى على الميت قال الناس: نعم الرجل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وَجت ! ثم خرجت معه فى جنازة أخرى ، فلما صلوا على الميت قال الناس : بئس الرجل ! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: وَجبت. فقام إليه أبىّ بن كعب فقال: يا رسول". الله، ما قولك وجبت؟ قال: قول الله عز وجل: ((لتكونوا شهداءَ على الناس)).(١) ٢١٨٤ - حدثنى علىّ بن سهل الرملى قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ، جابر)). بل أكاد أرجح ما هنا فى الطبرى: أنه عن ((مكاتب))، وأن يكون ذكر فى بعض الروايات هكذا ، ولعل بعض الناسخين القدماء نقلها حين نسخها محذوفة الألف . ولم أجد هذا الحديث فى كتاب آخر ذى إسناد ، حتى أستطيع أن أتجاوز هذا الحد فى التحقيق. ولكن ذكره السيوطى ١ : ١١٤ - دون إسناد طبعاً - ونسبه لابن جرير ، وابن أبى حاتم ، وابن مردويه ، فقط . وذكره ابن كثير ١ : ٣٤٨، نقلا عن ابن مردويه وابن أبى حاتم ، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن أبى مالك الأشجعى، بهذا الإسناد. وفيه ((عن مغيرة بن عتيبة بن نباس))! وهو غلط واضح. (١) ٢١٨٣ - عصام بن رواد بن الجراح العسقلانى: ثقة، ترجمه ابن أبى حاتم ٢٦/٢/٣، وقال: ((روى عنه أبى، وكتبت أنا عنه))، ثم قال: ((سئل أبى عنه؟ فقال: صدوق)). وفى لسان الميزان: ((لينه الحاكم أبو أحمد. وذكره ابن حبان فى الثقات)). أبوه ((رواد بن الجراح)): مضت ترجمته: ١٢٦. ونزيد هنا: مترجم أيضاً فى ميزان الاعتدال. ومجموع الكلام فيه يزيد ضعفه . وقد روى له الطبرى - فيما يأتى (٢٢: ٧٢ - ٧٣) حديثاً مكذوباً. لا أصل له . وروى ما يدل على أن هذا الشيخ أدخل عليه ذلك الحديث ، فلئن كان ذاك إن فيه الغفلة شديدة ما يجوز معها أن يقبل شىء من روايته . أما هذا الحديث - الذى هنا - فإنه لم ينفرد بروايته ، كما سيجىء فى الإسناد التالى لهذا . وقد وقع فى المطبوعة هنا ((عصام بن وراد)) بتقديم الواو على الراء ؛ وهو خطأ ظاهر. عبد الله بن أبى الفضل المدينى: ترجمه ابن أبى حاتم ١٣٧/٢/٢، وروى عن أبيه قال: ((لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير، ولا نعرفه». وعن ذلك قال الذهبى فى الميزان: ((مجهول)). وقال الحافظ فى لسان الميزان: ((ذكره ابن حبان فى الثقات)). وهذا - عندنا كاف فى الاحتجاج بحديثه، إذ هو تابعى عرف شخصه ، ووثقه ابن حبان . والتابعون - عندنا - على القبول، حتى يثبت فى أحدهم جرح مقبول . ووقع هنا فى المطبوعة ((عبد الله بن الفضل)) بحذف كلمة ((أبى))، وهو خطأ. وثبت على الصواب فى الإسناد بعده . ١٤٩ تفسير سورة البقرة : ١٤٣. حدثنى أبو عمرو ، عن يحيى قال ، حدثنى عبد الله بن أبى الفضل المدينى قال ، حدثنى أبو هريرة قال: أنّ رَسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة ، فقال الناس: نعم الرجل ! ثم ذكر نحو حدیث عصام عن أبيه . (١) ٢١٨٥ - حدثنا أبو کریب قال، حدثنا زید بن حباب قال ، حدثنا عكرمة ابن عمار قال، حدثنى إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمُرّ عليه بجنازة، فأثنىَ عليها بثناء حسن، فقال: وجبت ! ومُرَّ عليه بجنازة أخرى، فأثنىَ عليها دون ذلك، فقال : وجبت ! قالوا : يارسول الله، ما وجبت؟ قال: الملائكة شهداء الله فى السماء، وأنتم شهداء الله فى الأرض، فما شهدتم عليه وجب. ثم قرأ ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ( وَالمُؤْمِنُونَ ﴾ الآية [سورة التوبة: ١٠٥]. (١) الحديث: ٢١٨٤ - هو إسناد آخر الحديث السابق. على بن سهيل الرملى: مضى: ١٣٨٤. الوليد بن مسلم الدمشقى، عالم الشأم: ثقة متقن صحيح العلم صحيح الحديث، من شيوخ أحمد وإسحق وغيرهما، مات سنة ١٩٥. مترجم فى التهذيب، والكبير ٤ /١٥٢/٢-١٥٣، وابن سعد ١٧٣/٢/٧، وابن أبي حاتم ٤ /١٦/٢-١٧، وروى عن مروان بن محمد، قال: ((كان الوليد بن مسلم عالماً بحديث الأوزاعى)». وشيخه فى هذا الإسناد ((أبو عمرو)) - : هو الأوزاعى . والحديث - من هذا الوجه - صحيح، وذكره السيوطى ١: ١٤٥، ونسبه للطبرى وابن أبى حاتم. وأصله ثابت من حديث أبى هريرة . رواه أحمد فى المسند : ٧٥٤٣ . ورواه أبو داود والنسائى وابن ماجة، كما بيناهنا . ولكن لم يذكر فيه سؤال أبي بن كعب ، ولا الاستشهاد بالآية . وفى مجمع الزوائد ٣: ٤ رواية أخرى له مطولة، وفيها أن السائل هو عمر. وذكر أنه ((رواه الطبرانى فى الأوسط، ورجاله رجال الصحيح )) . (٢) الحديث: ٢١٨٥ - وهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم. زيد بن الحباب - بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة - العكلى: ثقة من شيوخ أحمد وابن المدينى وغيرهما من الأئمة، وهو مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٣٥٨/١/٢، وابن سعد ٦: ٢٨١، وابن أبى حاتم ١ / ٥٦١/٢ - ٠٥٦٢ عكرمة بن عمار العجلى : ثقة ، روى عنه شعبة والثورى ووكيع وغيرهم . وهو مترجم فى التهذيب ، والكبير البخارى ٥٠/١/٤، وابن سعد ٥: ٤٠٤، وابن أبى حاتم ١٠/٢/٣ - ٠١١ إياس بن سلمة بن الأكوع : تابعى ثقة كثير الحديث ، أخرج له أصحاب الكتب الستة ، وهو قد سمع من أبيه الصحابى، وروى له الشيخان وغيرها أحاديث من روايته عنه . وهو مترجم فى التهذيب ، ١٥٠ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ٢١٨٦ -حدثنى محمد بن عمرو قال ،حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، ,٧ عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد : ( لتكونوا شهداء على الناس ))، تكونوا شهداء لمحمد عليه السلام على الأمم ، اليهود والنصارى والمجوس . ٢١٨٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٢١٨٨ - حدثنى محمد بن عمروقال، حدثنا [ أبو ] عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى. نجيح قال: يأتى النبى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ناديّهُ ليس معه أحد ، فتشهد له أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغهم. (١) ٢١٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن أبيه ، أنه سمع عبيد بن عمير مثله . ٢١٩٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، حدثنى ابن أبى نجيح ، عن أبيه قال ، يأتى النبى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، فذكر مثله ، ولم يذكر عبيد بن عمير ، مثله . ٢١٩١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن والكبير للبخارى ٤٣٩/١/١، وابن سعد ٥ : ١٨٤، وابن أبي حاتم ٢٧٩/١/١ - ٢٨٠. ورجال الصحيحين ، ص : ٤٧ . والحديث ذكره السيوطى ١ : ١٤٥، باختصار فى آخره . ونسبه لابن أبى شيبة ، وهناد ، وابن جرير والطبرانى. ونقله الهيشى فى مجمع الزوائد ٣: ٤ - ٥، عن إسنادين الطبرانى فى الكبير، فى كل منهما رجل ضعيف . فيستفاد تصحيح الحديث بهذا الإسناد الصيح عند ابن جرير. وفى المطبوعة: (( فما شهدتم عليه وجبت))، والصواب ما أثبت . (١) الأثر: ٢١٨٨ - كان فى المطبوعة ((حدثنا عاصم))، والصواب ما أثبت، وهو إسناد دائر فى التفسير، أقربه: ٢١٨٦. أما قوله: ((ناديه)) فهكذا جاءت فى المطبوعة، وفى مطبوعات أخرى، وفى المخطوطات، وفى الدر المنثور ١: ١٤٦: ((بإذنه))، وهذه الأخيرة لا معنى لها. أما قوله: «ناديه)»، فكأنه أراد موقفه يوم القيامة. والنادى: مجتمع القوم وأهل المجلس . ولكنى أرجح أن اللفظ محرف عن كلمة معناها ((وحده - أو منفرداً))، فإن سياقه يقتضى ذلك. وقوله: ((يأتى النبى صلى الله عليه وسلم ناديه)) أرجح أن قوله: ((صلى الله عليه وسلم)) زيادة ناسخ، والسياق يقتضى أن يكون: ((يأتى الني يوم القيامة نادیه لیس معه أحد » . ١٥١ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ قتادة ( لتكونوا شهداء علىالناس ))، أىأنّ رسلهم قد بلغت قومها عن ربها، ((ويكون الرسول عليكم شهيداً))، على أنه قد بلغ رسالات ربِّه إلى أمته . ٢١٩٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم: أنّ قوم نوح يقولونَ يوم القيامة: لم يبلُغْنا نوحٌ ! فيدعَى نوح عليه السلام فيسأل: هل بلغتهم؟ فيقول : نعم. فيقال : من شهودك؟ فيقول: أحمد صلى الله عليه وسلم وأمته . فتدعون فتُسألون فتقولون: نعم، قد بلّغهم. فتقول قوم نوح عليه السلام : كيف تشهدون علينا ولم تدركونا ؟ قالوا : قد جاء نيُّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبرنا أنه قد بلغكم ، وأنزل عليه أنه قد بلغكم ، فصدَّقناه. قال: فيصدّق نوح عليه السلام، ويكذبونهم. قال: (( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)) ٢١٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة: ((لتكونوا شهداء على الناس))، لتكون هذه الأمة شهداء على الناس أنّ الرسل قد بلّغتهم، ويكون الرسول على هذه الأمة شهيداً أن قد بلَّغ ما أرسل به . ٢١٩٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن زيد بن أسلم: أنّ الأمم يقولُون يوم القيامة: والله لقد كادت هذه الأمَّة أن تكون أنبياءَ كلهم ! لما يرون الله أعطاهم . ٢١٩٥ -حدثنا المثی قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن رِشْدین بنسعد، قال أخبرنى ابن أنعم المعافری،عنحبان بن أبى جبلة یُسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جمع الله عباده يوم القيامة، كان أوَّل" من يدعى إسرافيلُ ، فيقول له ربه : ما فعلتَ فى عهدى ؟ هل بلغت عهدى ؟ فيقول : نعم رَبّ، قد بلغته جبريل عليهما السلام. فيدعى جبريل ، فيقال له : ١٥٢ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ هل بلغك إسرافيلُ عهدى!(١) فيقول: نعم ربّ، قد بلغنى. فيخلّى عن إسرافيلُ، ويقال لجبريل: هل بلغت عهدى؟ فيقول : نعم ، قد بلغتُ الرسل . فَتُدعى الرسل، فيقال لهم : هل بلَّغْكم جبريلُ عهدى ؟ فيقولون : نعم ربَّنا . فيخلَّى عن جبريل ، ثم يقال للرسل: ما فعلتم بعهدى؟ فيقولون : بلَّغْنا أممنا . فتدعى الأمم ، فيقال : هل بلغكم الرسل عهدى ؟ فمنهم المكذّب ومنهم المصدِّق، فتقول الرسل : إن لنا عليهم شهوداً يشهدون أنْ قد بلَّغنا مع شهادتك . فيقول : من يشهد لكم؟ فيقولون : أمَّ محمد . فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقول : أتشهدون أنّ رُسلى هؤلاء قد بلَّغوا عهدى إلى من أرسلوا إليه؟ فيقولون : نعم ربِّنًا، شهدنا أنْ قد بلَّغوا. فتقول تلك الأمم: كيف يشهد علينا من لم يُدركنا؟ فيقول لهم الرب تبارك وتعالى: كيف تشهدون على من لم تدركوا ؟ فيقولون : ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصَصَت علينا أنّهم قد بلَّغْوا، فشهدنا بما عهدْتَ إلينا . فيقول الرب: صدقوا. فذلك قوله: (( وكذلك جعلناكم أمة "وَسَطاً)) - والوسطُ العَدْل - ((لتكونوا شهداء على الناس ويكون" الرسولُ عليكم شهيدا)). قال ابن أنعم: فبلغنى أنه يشهد يومئذ أمَّةُ محمد صلى الله عليه وسلم، إلاّ من كان فى قلبه حينّةٌ على أخيه .(٢) (١) فى المطبوعة: ((هل بلغت إسرافيل))، وهو خطأ، وصوابه ما أثبت. (٢) الحديث : ٢١٩٥ - هذا حديث ضعيف، من ناحيتين: من ناحية أنه مرسل، رواه تابعى لم يسنده عن صحابى. ومن ناحية ضعف ((رشدين بن سعد))، كما سيأتى . وقد مضت قطعة منه بهذا الإسناد : ٢١٧٦ . وأحلنا تخريجها على هذا الموضع . رشدين بن سعد : ضعيف جداً ، سبق بيانه فى : ١٩٣٨. ووقع فى المطبوعة هنا، وفى : ٢١٧٦ : ((راشد))، كما كان ذلك فى: ١٩٣٨. وهو خطأ. ابن أنم المعافرى: هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - بفتح الهمزة وسكون النون وضم العين المهملة - المعافرى الإفريقى القاضى . وهو ثقة ، تكلم فيه كثير من العلماء بغير حجة ، سمع من أجلة التابعين، وكان شجاعاً فى الحق. وكان أحمد بن صالح يقول: هو ثقة، وينكر على من تكلم فيه . قاله أبو بكر المالكى فى رياض النفوس: ((كان من جلة المحدثين، منسوباً إلى الزهد والورع، صلباً فى دينه، متفتناً فى علوم شتى)). وغلا فيه ابن حبان غلواً فاحشاً، فقال فى كتاب المجروحين، ص : ٢٨٣ - ٢٨٤: ١٥٣ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ٢١٩٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((لتكونوا شهداء على الناس))، يعنى بذلك. الذين استقاموا على الحُدى، فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة ، لتكذيبهم رُسلَّ اللّه وكفرهم بآيات الله. ((كان يروى الموضوعات عن الثقات، ويأتى عن الأثبات ماليس من أحاديثهم، وكان يدأس عن محمد ابن سعيد بن أبى قيس المطلوب». ثم روى حديثاً من طريقه يستدل به على ما قال ، وهو حديث موضوع ، ولكن ابن أنعم برىء من عهدته ، فإن الحمل فيه على أحد الكذابين ، وهو يوسف بن زياد البصرى . وقد تعقب الدارقطنى على ابن حبان ذلك ، فيما ثبت بهامش مخطوطة المجروحين . والمشارقة أخطأوا معرفة ابن أنعم ، فمن ذلك جاء ما جاء من جرحه، بل أخطأوا تاريخ وفاته، فأرخوه سنة ١٥٦ . والمغاربة أعرف به ، وأرخوه سنة ١٦١ . وله تراجم وافية: فى التهذيب ٦: ١٧٣ - ١٧٦، والصغير البخارى، ص: ١٨٠، وابن أبي حاتم ٣٣٤/٢/٢ - ٠٣٣٥ والمجروحين لابن حبان: ٢٨٣ - ٢٨٤، والميزان الذهبى ٢: ١٠٤ - ١٠٥، وطبقات علماء إفريقية لأبى العرب : ٢٧ - ٣٢. ورياض النفوس لأبى بكر المالكى ١ : ٩٦ - ١٠٣، وتاريخ بغداد ١٠ : ٢١٤ - ٢١٨. حبان - بكسر المهملة وتشديد الموحدة - بن أبى جبلة المصرى: تابعى ثقة. وهو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز، ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم . مترجم فى التهذيب ، والكبير البخارى ٨٣/١/٢، وابن أبى حاتم ٢٦٩/٢/١. وهذا الحديث مرسل، إذ حكى راويه عن التابعى أنه ((يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم))، لم يذكر من حدثه به . وقوله ((يسنده)) - كتب فى المطبوعة هنا وفى: ٢١٧٦ (( بسنده)) بالباء الموحدة . وهو تصحيف. والحديث ذكره السيوطى ١ : ١٤٥، ولم ينسبه لغير الطبرى وابن المبارك فى الزهد . وكان فى المطبوعة ((حقد على أخيه)). وفى الدر المنثور ١٤٦:١ ((إحنة))، والذى أثبته من القرطبى، . وبعض المخطوطات. والحنة: الحقد، من ((وحن يحن حنة)) مثل: ((وعد يعد عدة)) (بكسر الحاء وفتح النون). وقال الأزهرى: ليست من كلام العرب، إنما هى إحنة: أى حقد. وأنكر الأصمعى ((حنة))، وحكى عنه أبو نصر أنه قال: ((كنا نظن الطرماح شيئاً حتى قال : مِجَائِى الأَرْذَلِينَ ذَوِى الْحِنَاتِ وَأَكَرَهُ أَنْ يَعِيِبَ عَلَىَّ قَوْمِى لأنها إحنة وإحن، ولا يقال حنات)) (ديوان الطرماح: ١٣٤). وقال الزمخشرى فى الفائق (أحن): ((أما ما حكى عن الأصمعى ... فاسترذال منه ( ((وحن))، وقضاء على الهمزة بالأصالة، أو برفض الواو فى الاستعمال» . ١٥٤ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ٢١٩٧ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((لتكونوا شهداء على الناس))، يقول: لتكونوا شهداء على الأم الذين خَلَوا من قبلكم ، بما جاءتهم رسلهم ، وبماكذّبوهم، فقالوا يوم القيامة وعجيبوا: ٨/٢ إنّ أمة لم يكونوا فى زماننا ، فآمنوا بما جاءت به رسلنا، وکذبنا نحن بما جاءوا به! فعجبوا کل العجب. قوله: (( ویکوُن الرسولُ علیکم شهیداً ))،یعنی : بإيمانهم به، وبما أنزل عليه . ٢١٩٨ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((لتكونوا شهداء على الناس))، يعنى: أنهم شهدوا على القرون بما سمَّى اللّه عز وجل لتهم . ٢١٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما قوله: ((لتكونوا شهداء على الناس))؟ قال : أمة محمد ، شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإيمانُ والهدى ، ممن كان قبلنا . قالها عبد الله بن كثير. قال: وقال عطاء: شهداء على مَنْ ترك الحق ممن تركه من الناس أجمين، جاء ذلك أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم فى كتابهم، ((ويكون الرسولُ علیکم شهیداً))، على أنهم قد آمنوا بالحق حین جاءهم ، وصَدًّقوا به . ٢٢٠٠ - حدثییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد فى قوله : ((لتكونوا شهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيداً))، قال: رسول اللّه صلى الله عليه وسلم شاهدٌ على أمَّته، وهم شهداء على الأمم ، وهم أحد الأشهاد الذين قال الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَدُ﴾ [سورة غافر: ٥١]، الأربعة: الملائكة الذين يُحصُّون أعمالنا، لنا وعلينا، وقرأ قوله: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ [سورة ق: ٢١]، وقال: هذا يوم القيامة. قال: والنبيون شهداء على أممهم. قال: وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الأمم. قال : ١٥٥ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ [ والأطوار] الأجسادُ والجلود. (١) ٥ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِيْهِ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وما جعلنا القبلة التى كنت عليها))، ولم نجعل صَرْفك عن القبلة التى كنت على التوجه إليها يا محمد ، فصرْ فناك عنها ، إلا لنعلم مَن يَتَّبَعك ممن لا يتَّبعك، ممن يَنقلبُ على عقبيه . ٠ والقبلة التى كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليها، التى عناها الله بقوله: (( وما جعلنا القبلة التى كنت عليها))، هى القبلة التى كنت تتوجَّه إليها قبل أن يصرفك إلی الكعبة ، کما : - ٢٢٠١ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: (( وما "جعلنا القبلة التى كنت عليها))، يعنى: بيت المقدس. ٢٢٠٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج ، عن (١) الأثر: ٢٢٠٠ - ذكره السيوطى فى الدر المنثور ٥: ٣٥٢ فى تفسير [سورة غافر الآية: ٥١]، بغير هذا اللفظ، ونسبه لابن جرير وابن أبى حاتم فى تفسيريهما. ونصه: ((عن زيد بن أسلم: الأشهاد أربعة: الملائكة الذين يحصون علينا أعمالنا، وقرأ: ((وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد))، والنبيون، شهداء على أمهم، وقرأ: ((فکیف إذا جئنا من كل أمة بشهيد))، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، شهداء على الأمم، وقرأ: ((لتكونوا شهداء على الناس))، والأجساد والجلود، وقرأ: ((وقالوا الخلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الذى أنطق كل شىء)). أما ما جاء فى نص الطبرى، ووضعته بين قوسين، فهو خطأ لا شك فيه ، وأخشى أن يكون صوابه ((الأطراف والأجساد والجلود))، ويعنى بالأطراف، الجوارح، يريد بذلك الأيدي والأرجل، فى قوله تعالى فى [سورة يس: ٦٥] : ﴿اليَوْمَ تَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَّنَا أَيْدِيهِمْ وَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَ نُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١٥٦ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ابن جريج قال: قلت لعطاء: ((وما جعلنا القبلة التى كنتَ عليها)). قال : القبلة بيتُ المقدس . ۵ قال أبو جعفر: وإنما ترك ذكر ((الصرف عنها))، اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه ، كسائرما قد ذكرنا فيما مضى من نظائره . (١) وإنما قُلنا : ذلك معناه ، لأن محنةَ اللّه أصحاب رسوله فى القِيلة، إنما كانت - فيما تظاهرت به الأخبار - عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة ، حتى ارتدَّ - فيما ذكر - رجالٌ ممن كان قد أسلمَ واتَّبع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأظهرَ كثيرٌ من المنافقين = من أجل ذلك = نفاقَهم ، وقالوا : ما بَالُ محمد يحوّلنا مرة إلى ههنا ومرة إلى ههنا! وقال المسلمون، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالُنا وأعمالُهم وضاعت! وقال المشركون : تحيّر محمد ( صلى الله عليه وسلم] فى دينه! فكان ذلك فتنةً للناس، وتمحيصاً للمؤمنين . فلذلك قال جل ثناؤه: ((وَمَا جَعلنا القِبلةَ التى كنت عليها إلا لنعلمَ من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه))، أى: وَما جعلنا صرْفك عن القبلة التى كنتَ عليها، وتحويلك إلى غيرها، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة الإسراء: ٦٠]، بمعنى: وما جعلنا خبرك عن الرؤيا التى أريناك. وذلك أنه لو لم يكن أخبر القوم بما كان أُرِى، لم يكن فيه على أحدٍ فتنةٌ . وكذلك القبلة الأولى التى كانت نحو بيت المقدس، لو لم يكن صرفٌ عنها إلى الكعبة ، لم يكن فيها على أحد فتنةٌ ولا محنة . ٠ . ذكر الأخبار التى رُويت فى ذلك بمعنى ما قلنا : (١) انظر ما سلف ١: ١٣٩ - ١٤١، ١٧٩، وغيرها كثير، أطلبه فى الفهارس. ١٥٧ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ٢٢٠٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قال: كانت القبلةُ فيها بلاءٌ وتمحيص". صلَّت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وصلى نبى الله صلى الله عليه وسلم بعدَ 'قدومه المدينةَ مهاجراً نحو بيت المقدس سبعةَ عشر شهراً، ثم وجهه اللّه بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام ، فقال فى ذلك قائلون من الناس: ((مَا وَلاّ هم عن قبلتهم التى كانوا عليها))؟ لقد اشتاق الرُّجل إلى مولده! قال الله عز وجل: ((قُلْ اللّ المشرقُ وَالمغربُ يَهدى "مَنْ يَشاءُ إلى صراط مستقيم)). فقال أناسٌ - لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام - : كيف بأعمالنا التى كنا نعمل فى قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله عز وجل: ((وَمَا كانَ اللّه ليُضيعَ إيمانكم)). وقد يَبتلى الله العبادَ بما شاءَ من أمره، الأمرَ بعدَ الأمر، ليعلم مَنْ يطيعه ممن يعصيه ، وكل ذلك مقبول ، إذْ كان فى [ ذلك ] إيمان بالله، وإخلاصٌ له ، وتسليم لقضائه .(١) ٩/٢ ٢٢٠٤ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قال : كان النبى صلى الله عليه وسلم يُصلى قِبَل بيت المقدس، فنسخها الكعبة . فلما وُجُّه قبل المسجد الحرام، (٢) اختلف الناس فيها فكانوا أصنافاً، فقال المنافقون : ما بالهم كانوا على قبلة زماناً ، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها ؟ وقال المسلمون : ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلُّون قبَلَ بيت المقدس ! هل تقبّل الله منا ومنهم، أوْ لا ؟ وقالت اليهود: إنّ محمداً اشتاق إلى بلد أبيه ومولده ، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذى ننتظر ! وقال (١) الأثر: ٢٢٠٣ - فى الدر المنثور ١: ١٤٣، وقد مضى شطره فى رقم: ٢١٦٣. وكان فى المطبوعة: ((وكل ذلك مقبول، وإذا كان فى إيمان بالله ... ))، عبارة ركيكة، فجعلت ((إذا))، ((إذ)) وزدت ((ذلك)): لتستقيم العبارة. أما فى الدر المنثور فعبارته أشد سقماً ونصها: ((وكل ذلك مقبول، فى درجات فى الإيمان بالله، والإخلاص، والتسليم لقضاء الله)). (٢) فى المطبوعة: ((فلما توجه قبل المسجد))، والصواب من رقم: ٢١٦٤، والدر المنثور. ١٥٨ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ المشركون من أهلُ مكة : تَحيّ على محمد دينُهُ ، فتوجه بقبلته إليكم ، وعلم أنكم كنتم أهدى منه ، ويوشك أن يدخل فى دينكم ! فأنزل الله جل ثناؤه فى المنافقين: (( سيقول السفهاء من الناس ما ولا هم عن قبلتهم التى كانوا عليها)) إلى قوله: ((وإنْ كانتْ لكبيرةً إلاّ على الذين "هدى الله))، وأنزل فى الآخرين الآيات بعدها . (١) ٢٢٠٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ((إلاّ لنعلمّ من يتّبع الرسول ممن ينقلبُ على عقبيه))؟ فقال عطاء: يبتليهم ، ليعلم من يُسلم لأمره . قال ابن جريج: بلغنى أنّ ناساً ممن أسلم رَجعوا فقالوا : مرة ههنا ومرة ههنا ! قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: أو ما كان اللّه عالماً بمن يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، إلاّ بعد اتباع المتّبع، وانقلاب المنقلب على عقبيه ، حتى قال : ما فعلنا الذى فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتّبعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه ؟ قيل : إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها ، وليس قوله : (( وما جعلنا القبلةَ التى كنتَ عليها إلا لنعلمّ من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه))، بخبر [عن ] أنه لم يعلم ذلك إلاّ بعد وُجوده. (٢) فإن قال : فما معنى ذلك ؟ قيل له : أما معناه عندنا ، فإنه : وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلاّ ليعلم رَسولى وحزبى وأوليائى مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، فقال جل ثناؤه: (((إلا لنعلم))، ومعناه ليعلم" رَسولى وأوليائى. إذْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) الأثر: ٢٢٠٤ - مضى بعضه فى رقم: ٢١٦٤، وهو فى الدر المنثور ١: ١٤٢ - ١٤٣. (٢) فى المطبوعة: ((يخبر أنه لم يعلم ذلك ... ))، والصواب ما أثبت، مع الزيادة بين القوسين. ١٥٩ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ وأولياؤهُ من حزبه ، و کان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباعُ الرئیس إلى الرئیس، وَمَا فعل بهم إليه، نحو قولهم: ((فتح عمر بن الخطاب سوادَ العراق وَجبى خَرَاجها )) ، وإنما فعل ذلك أصحابه ، عن سبب كان منه فىذلك، و کالذى رُوی فى نظيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله جل ثناؤه: مَرَضْتُ فلم يَعدنى عبدى، واستقرضته فلم يقرضنى، وشتمنى ولم يَنبغ له أن يُشتمنى. ٢٢٠٦ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا خالد ، عن محمد بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: قالَ اللّه: استقرضتُ عبدى فلم يُقرضنى، وشتمنى ولم يَنبغ له أن يشتُمنى! يقول : وادَهراه! وأنا الدهر ، أنا الدهر . ٢٢٠٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن العلاء ابن عبد الرحمن، عن أبيه ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم بنحوه. (١). ٠ ٥ فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه ، وقد كان ذلك بغيره ، إذ كان ذلك عن سببه . وقد حكى عن العرب سماعاً: ((أجوع فى غيْر بَطنى، وأعرى فى غير (١) الحديثان: ٢٢٠٦، ٢٢٠٧ - هما حديث واحد بإسنادين صحيحين. خالد - فى أولها: هو خالد بن مخلد القطوانى، بفتح القاف والطاء. وهو ثقة من شيوخ البخارى، أخرج له هو ومسلم فى الصحيحين، تكلم فيه من جهة إفراطه فى التشيع، ولكنه صدوق فى الرواية. مترجم فى التهذيب، والكبير للبخارى ١٦٠/١/٢، وابن سعد ٦: ٢٨٣، وابن أبى حاتم ٣٥٤/٢/١ وشيخه محمد بن جعفر بن أبى كثير الأنصارى الزرق : ثقة معروف ، أخرج له أصحاب الكتب السنة والحديث رواه الحاكم فى المستدرك ١: ٤١٨، من طريق يزيد بن هرون، عن محمد بن إسحق، بالإسناد الثانى، بنحوه. وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. والنهى عن سب الدهر ، فى الحديث القدسى، من حديث أبى هريرة -: ثابت من أوجه، فى الصحيحين وغيرهما . فانظر المسند : ٧٢٤٤، ٧٥٠٩. والبخارى ٨: ٤٤١، و١٠: ٤٦٥، و ١٣: ٣٨٩. وصحيح مسلم ٢: ١٩٦ - ١٩٧. ١٦٠ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ ظهْرَى ))، بمعنى: جُوعَ أهله وعياله وعُرْىَ ظهورهم. فكذلك قوله: ((إلاّ لنعلم))، بمعنى: يعلم أوليانى وحزبى. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك : ٢٢٠٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((وما جعلنا القبلة" التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه))، قال ابن عباس: نميّز أهلَ اليقين من أهل الشرك والريبة . وقال بعضهم: إنما قيل ذلك، من أجل أن العرب تضع ((العلم)) مكان ((الرؤية))، و((الرؤية)) مكان ((العلم))، كما قال جلّ ذكره ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [سورة الفيل: ١]، فزعم أن معنى ((ألم تر)). ألم تعلم ؟ وزعم أن معنى قوله: ((إلا لنعلم))، بمعنى: إلا لنرى من يتبع الرسول . وزعم أنّ قول القائل: ((رأيتُ، وَعلمت، وَشهدت))، حروفٌ تتعاقب ، فيوضع بعضها موضع بعض ، كما قال جرير بن عطية كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطاً وَحَاجِباً وَعَمْرَوبنَمْرٍوٍ إِذْدَعَا يَلَ دَارٍ(١) بمعنى : كأنك لم تعلم لقيطاً، لأنّ بين ◌ُهُلْك لقيط وحاجب وزمان جرير، ما لا يخفى بعده من المدة. وذلك أنّ الذين ذكرهم هلكوا فى الجاهلية ، وجريرٌ كان بعد ◌ُبُرْهة مَضَت من مجىء الإسلام. (١) ديوانه: ٥٦٣، والنقائض: ٤٠٩، من قصيدته الفائقة، فى نقض قصيدة الفرزدق. وقد عدد فيها أيام قومه. والخطاب فى قوله: ((كأنك)) الفرزدق، ويذكر ((يوم جبلة))، وهو من أعظم أيامهم، وكان قبل الإسلام بأربعين سنة، عام ولد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لعامر وعبس، على ذبيان وتميم . وقتل يومئذ لقيط بن زرارة، وأسر حاجب بن زرارة، وأمر عمرو بن عمرو بن عدس، وهم من بنى عبد الله بن دارم، وهم عمومة الفرزدق ، وهو من بنى مجاشع بن دارم. ورواية الديوان والنقائض: ((((إذ دعوا))، وكلتاهما صحيحة المعنى.