النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
٢٠٤٦ - حدثنا ابن حمید قال ،حدثنا يعقوب القُمی ،عن حفص بن حميد ،
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: وُضع البيت على أركان الماء، على أربعة أركان،
قبل أن تُخلق الدنيا بألفى عام، ثم ◌ُدُحيت الأرض من تحت البيت (١).
٢٠٤٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب، عن هرون بن عنترة، عن
عطاء بن أبي رباح قال: وجدوا بمكة حجراً مكتوباً عليه: إنىّ أنا اللّهُ ذو بَكَّة،
بنيتُه يومَ صَّنعت الشمس والقمر، وحفّفتُه بسبعة أملاك حنفاء (٢).
٢٠٤٨ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة،عن ابن إسحق قال، حدثنى
عبد الله بن أبى نجيح ، عن مجاهد وغيره من أهل العلم: أن اللّه لما بوا إبراهيمّ
مَكان البيتِ خرجَ إليه من الشام ، وخرجَ معه بإسمعيلَ وأمَّه هاجر، وإسمعيل
طفل صغير يرضع. وُهُمِلوا - فيما حدثنى - على البُرَاق ، ومعه جبريل يدلُّه عَلى
والحشفة : صخرة رخوة فى سهل الأرض. ويقال الجزيرة فى البحر لا يعلوها الماء: ((حشفة))، وجعها
حشاف ( بكسر الحاء)، إذا كانت صغيرة مستديرة. وكفأ الشىء يكفؤه: قلبه . وماد الشىء يمد ميداً:
تحرك ومال .
(١) قال مصحح النسخة المطبوعة: ((قوله: وضع البيت على أركان الماء ... هكذا فى الأصل
وعبارة الدر المنثور : كان البيت على أربعة أركان فى الماء )» وهذا تعليق غريب جداً، فإن نص الدر
المنثور ١ : ١٢٧، هو نفس نص الطبرى، وهو نفس ما نقله ابن كثير فى تفسيره عن الطبرى ١ :
٣٢٦ . وعبارة الطبرى صحيحة.
(٢) الأثر: ٢٠٤٧ - لم أجده من طريق عطاء بن أبي رباح، ولكنه مروى عن ابن عباس، ومجاهد
فى أخبار مكة للأزرق ١ : ٣٧ - ٣٨، بألفاظ مختلفة، فى خبر طويل تام اختصره أبو جعفر . ونص
خبر مجاهد: ((وجد فى بعض الزبور: أنا الله ذوبكة، جعلتها بين هذين الجبلين، وصفتها يوم صغت
الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء ... )). وأما ابن إسحق فقال ( سيرة ابن هشام ١: ٢٠٨)؛
((حدثت أن قريشاً وجدوا فى الركن كتاباً بالسريانية، فلم يدروا ما هو ، حتى قرأه لهم رجل من يهود ،
فإذا هو : أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصورت الشمس والقمر،
وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا يزول أخشباها، مبارك لأهلها فى الماء واللبن)). قال ابن هشام :
أخشباها : جبلاها)».
أما قوله: ((حنفاء)) فجمع حنيف، وهو المسلم الذى قال لا إله إلا الله ثم استقام على الطريق.
ووصف الملائكة بأنهم حنفاء، لطاعتهم واستقامتهم فى عبادة ربهم، وصبرهم أنفسهم على ما أمروا به
من حفظ هذا البيت المطهر .. وانظر تفسير ((حنفاء)» فى الآثار رقم: ٢٠٩٦، ٢٠٩٨، ٢٠٩٩.
هذا وقد كان فى المطبوعة: ((حففته بسبعة أملاك حفاء، وهو خطأ صوابه ما أثبت من المراجع،
أخبار مكة للأزرق ١: ٣٧ - ٣٨، وسيرة ابن هشام ١: ٢٠٨، والسهيل فى الروض الأنف ١: ١٣١.

٦٢
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
مَوْضع البيت وَمَعالم الحرم . فخرج وخرج معه جبريل ، فقال : كان لا يمرّ
بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امْضِهْ ! حتى قدم به
مكة، وهى إذْ ذاك عيضَاه سلم وَسُر، وبها أناس يقال لهم ((العماليق)) خارج
مكة وما حولها ، (١) والبيت يومئذ رَبوة حمراءُ مَدرَة . فقال إبراهيم لجبريل : أههنا
أمرتَ أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمدَ بهما إلى موضع الحِجْرُ فأنزلهما فيه ، وأمر
هاجرَ أم إسماعيل أن تتخذ فيه عَريشاً، فقال: ﴿رَبِّ إنّى أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيِ
بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِنْدَ بْتِكَ المُحَرَّمِ) إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾
[سورة إبراهيم: ٣٧].
قال ابن حميد: قال، سلمة قال ، ابن إسحق: ويزعمون - والله أعلم - أن
ملكاً من الملائكة أتّى هاجر أم إسماعيل- حين أنزلهما إبراهيمُ مكة، قبل أن يَرْفع
٤٣٠/١ إبراهيمُ وإسمعيلُ القواعد من البيت - فأشار لها إلى البيت، وهو ربوة حمراء مدرة،
فقال لها: (٢) هذا أول بيت وُضع فى الأرض، وهو بَيتُ الله العتيق، واعلمى
أنّ إبراهيم وإسمعيل ◌ُهُما يَرْفعانه للناس. (٣)
٢٠٤٩ - حدثنى الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ،
أخبرنا هشام بن حسان قال، أخبرنى حميد ، عن مجاهد قال: خلقَ اللّه موضعَ هذا
(١) فى المطبوعة: ((يربها أناس يقال لهم ... ))، وهى صحيحة المعنى: أى يملكها العماليق
وهم سادتها وأصحابها. من ذلك حديث صفوان بن أمية حين قال لأبى سفيان: ((لأن يربى رجل من قريش
أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن)). أى يكون رباً فوق وسيداً يملكنى. ولكنى أثبت ما فى تاريخ
الطبرى ، وما نقله عنه ابن كثير ، وأخبار مكة للأزرق .
(٢) فى المطبوعة: ((فأشار لهما ... فقال لهما ... )) على التثنية، وهو خطأ محض، فإن الخطاب
لهاجر وحدها ، كما يدل عليه السياق قبل وبعد، والصواب فى أخبار مكة للأزرق .
(٣) الأثر: ٢٠٤٨ - الفقرة الأولى من هذا الأثر فى تاريخ الطبرى ١: ١٣٠ مع بعض
الاختلاف فى اللفظ فى صدر الخبر، وفى أخبار مكة للأزرق ١: ١٩، وفى تفسير ابن كثير ١ : ٣٢٦.
وأما الفقرة الأخيرة منه فهى فى أخبار مكة للأزرق ١ : ٢٠ - ٢١، وقد كان مكان قوله فى آخرها
((يرفعانه الناس))، ((يرفعانه فالله أعلم)»، وهى زيادة من ناسخ فى أغلب الظن. وأثبت نص ما جاء فى
أخبار مكة .
والعضاء: كل شجر يعظم وله شوك شديد. والسلم والسمر: ضربان من شجر العضاء . وقوله:
((مدرة)»، أى طين يابس لزج، لا رمل فيه، وهو الطين الحر.

٦٣
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
البيت قبلَ أن يخلق شيئاً من الأرض بألفى سنة ، وأركانه فى الأرض السابعة.
٢٠٥٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن
عيينة قال ، أخبرنى بشر بن عاصم ، عن ابن المسيّب قال ، حدثنا كعب : إنّ
البيت كان غثاءَةً على الماءَ قبل أن يخلُق الله الأرض بأربعين سنة، ومنه ◌ُدُحِبَت
الأرضُ. قال [ سعيد]: وحُدَّثنا عن على بن أبى طالب: أنّ إبراهيم أقبلّ منْ
أرمينية معه السكينة تدله على تَبَوُّى البيت ، كما تتبوأ العنكبوتُ بيتها ، قال :
فَرَفعت عن أحجار تطيقه - أو لا تطيقه ــ ثلاثون رجلاً، قال: قلت: يا أبا محمد
فإنَ اللّه يقول: ((وإذ يرفع إبراهيمُ القواعد من البيت))، قال: كان ذاك بعد. (١)
(١) الخبر: ٢٠٥٠ - بشر بن عاصم بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الطائى: ثقة،
يروى عن سعيد بن المسيب. مترجم فى التهذيب، والكبير ٧٧/٢/١ - ٧٨، وابن سعد ٥: ٣٨٠،
وابن أبي حاتم ٣٦٠/١/١.
وهذا الخبر خبران: أولهما عن كعب الأحبار. ولا قيمة له. والثانى عن على بن أبى طالب . والظاهر
أنه مما كان يتحدث به الصحابة من أخبار أهل الكتاب .
وقد روى القسمين ابن أبى حاتم، فيما نقل ابن كثير ١: ٣٢٤ - ٣٢٥، عن محمد بن عبد الله
ابن يزيد المقرىء ، عن سفيان ، وهو ابن عيينة ، بهذا الإسناد .
وروى الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٦٧ - خبر على وحده - من طريق زكريا بن إسحق، من بشر
ابن عاصم، به . وزكريا بن إسحق المكى: ثقة .
وكذلك روى خبر على وحده - الأزرق، أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد، فى تاريخ مكة ١ :
٢٥ (طبعة مكة سنة ١٣٥٢) - عن جده، عن سفيان بن عيينة، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن
المسيب، ((قال: أخبرنى على بن أبى طالب».
وفى المطبوعة هنا - أول خبر على: ((قال: وحدثنا عن على بن أبى طالب)). فالذى يقول هذا : هو
سعيد بن المسيب . وما أدرى أوقعت الرواية للطبرى هكذا، أم هو تحريف من الناسخين . فالذى فى رواية
ابن أبى حاتم: ((قال سعيد: وحدثنا على بن أبى طالب)). ويؤيده رواية الحاكم: ((عن بشر بن
عاصم ، عن سعيد بن المسيب قال: حدثنا على بن أبى طالب)). وكذلك رواية الأزرق. وهذا هو الصواب
فيما أرى .
وخبر على: فقله أيضاً السيوطى ١ : ١٢٦، ونسبه فوق هذا لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد ،
وابن المنذر .
الغشاءة واحدة الغثاء ، وهو ما يحمله السيل والماء من الزبد والهالك البالى من الشجر وغيره ، يخالط
الزبد. وفى ابن كثير: ((فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجر إلا ثلاثون رجلا)). والضمير فى قوله:
((تطيقه)) إلى حجر من الأحجار المذكورة، إن لم يكن فى الأصول تحريف أو سقط.

٦٤
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال: إن اللّه تعالى
ذكره أخبر عن إبراهيم خليله أنه وابته إسمعيل ، رفعا القواعد من البيت الحرام.
وجائزٌ أن يكون ذلك قواعدَ بيتٍ كان أهبطه مع آدم، فجعله مكان البيت الحرام
الذى بمكة . وجائزٌ أن يكون ذلك كان القُبة التى ذكرها عطاء ، مما أنشأه الله من
زبد الماء . وجائزٌ أن يكون كان ياقوتة أوُ دُرّة أهبيطا من السماء. وجائزٌ أن يكون
كان آدم بناه ثم انهدم ، حتى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل . ولا علمَ عندنا
بأىِّ ذلك كان من أىٌّ، (١) لأن حقيقة ذلك لا تدرك إلا بخبر عن الله وعن رسوله
صلى اللّه عليه وسلم ، بالنقل المستفيض . ولا خبرَ بذلك تقومُ به الحجةُ فيجب
التسليم لها، ولا هو . إذلم يكن به خبرٌ، على ما وصفنا - مما يُدلّ عليه بالاستدلال
والمقاييس، فيمثل بغيره، ويستنبط علمهُ من جهة الاجتهاد. فلا قولَ فى ذلك
هو أولى بالصواب مما قُلنا. والله تعالى أعلم.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : وإذْ يرفع إبراهيم القواعد من
البيت وإسماعيل يَقولان ربنا تعبَّل منا. وذكر أنّ ذلك كذلك فى قراءة ابن مسعود.
وهو قولُ جماعة من أهل التأويل.
· ذکر من قال ذلك :
٢٠٥١ - حدثیموسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى قال: يَبنيان وهما يدعوَان، الكلماتُ التى ابتلى بها إبراهيم رَبُّه قال:
(( ربَّنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لكَ ومن ذريتنا
(١) مضى مثل هذا التعبير فى ١: ٥٢٠ س ١٦، ثم ٢ : ٥١٧ س ١٥

٦٥
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
أمَّةً مسلمة لك رَبّنا وابعث فيهمْ رسولاً منهم)).
٢٠٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، أخبرنى ابن كثير قال ، حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس :
(((وإذْ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيت وإسماعيل))، قال: هما يَرفَعان القواعد من
البيت ويقولان: ((ربنا تقبل منا إنك أنتَ السميع العليم))، قال: وإسمعيل يحمل
الحجارة على رقبته ، والشیخ یبی
فتأويل الآية على هذا القول: وإذْ يرفع إبراهيمُ القواعد من البيت وإسماعيل
قائلين: رَبَّنَّا تقبل منا.
وقال آخرون : بل قائل ذلك كان إسمعيل . فتأويل الآية على هذا القول :
وإذْ يرفع إبراهيمُ القواعد من البيت، وإذ يقول ربنا تقبل منا. فيصيرُ حينئذ
((إسمعیل ) مرفوعاً بالجملة التی بعده . و « یقول ) حينئذ، خبر لهُ دون إِبراهيم.
ثم اختلف أهل التأويل فى الذى رفع القواعد، بعدَ إجماعهم على أنّ إبراهيم
كان ممن رفعها .
فقال بعضهم: رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعاً
• ذكر من قال ذلك :
٢٠٥٣ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وَعهدْنا إلى إبراهيمَ وإسماعيل أن ظهرا بيتى للطائفين)).(١)
(١) صدر هذا الخبر فى تفسير ابن كثير: ((وقال السدى: إن الله عز وجل أمر إبراهيم أن
بينى البيت هو وإسماعيل: ابنيا بيتى الطائفين والعاكفين والركع السجود. فانطلق إبراهيم ... )) وفى
تاريخ الطبرى ١: ١٢٩: ((قال: لما عهد اقه إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى الطائفين، انطلق
إبراهيم ....
ج ٣ (٥)

٦٦
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
قال : فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة ، فقام هو وإسمعيل وأخذا المعاول ، لا يدريان
٤٣١/١ أين البيت. فبعث الله ريحاً يقال لها ريح الخَجُوج، لها جناحان ورأسٌ فى صورة
"حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عَنْ أساس البيت الأول، (١) واتَّبعاها بالمعاول
يحفران، حتى وضعا الأساس. فذلك حين يقول: ﴿وَإِذْ بَوَّأَنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَنَ
البَيْتِ ﴾ [سورة الحج: ٢٦]. فلما بنيا القواعدَ فبلغا مكانَ الركن، قال إبراهيم
الإسماعيل: يا بنى، اطلب لى حجراً حسناً أضعه ههنا. قال: يا أبت، إنىّ
كسلان تعب. قال: علىّ بذلك . فانطلق فطلب له حجراً ، فجاءه بحجر
فلم يرضه ، فقال: اثنى بحجر أحسن من هذا . فانطلق يطلبُ له حجراً ، وجاءه
جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض، ياقوتةً بيضاءَ مثل الشَّعامة.(٢)
وكان آدمُ هَبطَ به من الجنة فاسودً من خطايا الناس. فجاءه إسماعيل بحجر
فوجده عند الركن ، فقال : يا أبت ، من جاءك بهذا ؟ فقال : من هو أنشطُ
منك ! فیتیاه . (٣)
٢٠٥٤ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن عمر
ابن عبد الله بن عروة، عن عبيد بن عمير الليثى قال: بلغنى أنّ إبراهيم وإسمعيل
'هما رفعا قواعد البيت. (٤)
٠
(١) فى المطبوعة: ((وعن أساس البيت)) بزيادة الواو، ولا خير فى زيادتها، وأثبت ما فى
التاريخ، وابن كثير. وفى ابن كثير: ((فكشفت لما)) مكان ((فكنست)). والريح الحجوج:
الشديدة المر ، التى تلتوى فى هبوبها ، وتشق شقاً بشدة عصفها .
(٢) الثغامة: نبات ذو ساق جماحته مثل هامة الشيخ، أبيض الثمر والزهر، يشبه به بياض
الشيب . وفى الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بأبى قحافة يوم الفتح، وكأن رأسة ثغامة ،
فأمرهم أن يغيروه .
(٣) الأثر: ٢٠٥٢ - فى تاريخ الطبرى ١: ١٢٩ صدره إلى قوله: ((وإذ بوأنا لإبراهيم
مكان البيت))، وهو بتمامه فى تفسير ابن كثير ١ : ٣٢٥. وقد مضى شطر من صدره بالرقم: ٢٠٠٩.
(٤) الخبر : ٢٠٥٤ - عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام: من ثقات أتباع التابعين
يروى أيضاً عن جده عروة بن الزبير، وأخرج له الشيخان فى الصحيحين. مترجم فى التهذيب .

٦٧
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
وقال آخرون : بل رفع قواعد البيت إبراهيم، وكان إسمعيل يُناوله الحجارة .
• ذكر من قال ذلك :
٢٠٥٥ - حدثنا أحمد بن ثابت الرازى قال، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن أيوب وكثير بن كثير بن المطّلب بن أبى وداعة ــ يزيد أحدُهما على
الآخر - ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: جاء إبراهيمُ، وإسماعيل
يَيرى نبلاً قريباً من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد
والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إنّ اللّه أمرنى بأمْرٍ. قال: فاصنع ما أمرك
ربك. قال : وتعينُنى؟ قال: وأعينك. قال : فإن الله أمرنى أن أبنى ههنا بيتاً !
وأشار إلى الكعبة ، والكعبة مرتفعةُ على ما حولها ، قال : فعند ذلك رفعا القواعد
من البيت . قال : فجعل إسمعيل يأتى بالحجارة ، وإبراهيم يبنى ، حتى إذا ارتفع
البناءُ، جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يَبنى، وإسمعيل يناوله الحجارة
وهما يقولان: ((ربنا تقبّل منا إنك أنتَ السميع العليم))، حتى "دَوَّر "حول"
البيت . (١)
وابن أبى حاتم ١١٧/١/٣، وكتاب الجمع بين رجال الصحيحين، ص: ٣٤١.
ووقع فى المطبوعة ((عمرو بن عبد الله بن عتبة))، وهو خطأ كبير، فلا يوجد فى الرواة من يسمى بهذا.
ثم هذا الخبر نفسه كلمات قلائل، من خبر مطول فى قصة، رواه الطبرى فى التاريخ ١ : ١٣٤.
بهذا الإسناد ((عن عمر بن عبد الله بن عروة: أن عبد الله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثى: كيف
بلغك أن إبراهيم دعا إلى الحج ؟ ... )).
عبيد بن عمير الليثى: مضت ترجمته : ١٧٦٨.
(١) الحديث: ٢٠٥٥ - أحمد بن ثابت بن عتاب الرازى، المعروف بفرخويه، شيخ الطبرى :
ترجمه ابن أبى حاتم ٤٤/١/١، ولسان الميزان ١: ١٤٣. وروى ابن أبى حاتم عن أبى العباس الطهرانى،
قال: ((كانوا لا يشكون أن فرخويه كذاب».
وقد يصدق الكذوب ! فالحديث فى ذاته صحيح :
رواه البخارى - مطولا جداً - عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد ٦: ٢٨٣ -
٢٨٩ (فتح) . والذى هنا قطعة منه .
وقد ذكر ابن كثير ١: ٣٢٠ - ٣٢٢، رواية البخارى بطولها، ثم أشار إلى رواية الطبرى هذه .

٦٨
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
٢٠٥٦ - حدثنا ابن سنان القزاز قال، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو على
الحنفى قال ، حدثنا إبراهيم بن نافع قال ، سمعت كثير بن كثير يحدث ، عن
سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: جاء - يعنى إبراهيم - فوجد إسمعيل يصلح
نَبْلاً من وراء زمزم. قال إبراهيم: يا إسمعيل، إن اللّه ربَّك ◌َقَدْ أمرنى أن أبنى
لهُ بيتاً . فقال له إسمعيل: فأطع ربَّك فيما أمرك. فقال له إبراهيم: قد أمرَك أن
تُعينى عليه. قال : إذاً أفعلُ. قال: فقام معه ، فجعل إبراهيم يبنيه ، وإسمعيل
يناوله الحجارة ويقولان: ((ربَّنا تَقبَّل منا إنك أنت السميع العليمُ)). فلما ارتفع
البُنيان ، وضعف الشيخُ عن رفع الحجارة ، قام على حجر ، فهو مقام إبراهيم ،
فجعل يناوله ويقولان: ((ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)). (١)
٠
٠٠
وقال آخرون : بل الذى رفع قواعدَ البيت إبراهيمُ وحده ، وإسمعيل يومئذ
طفلٌ صغير .
• ذكر من قال ذلك :
٢٠٥٧ - حدثنا محمدبن بشار ومحمد بن المثی قالا ،حدثنا مؤمل قال، حدثنا
سفيان، عن أبى إسحق، عن حارثة بن مضرب، عن علىّ قال: لما أمير إبراهيم ببناء
البيت ، خرج معه إسماعيل وَهاجر . قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه فى مَوضع
البيت مثلَ الغمامة ، فيه مثلُ الرأس ، فكلَّمه فقال: يا إبراهيم ، ابْنِ على
(١) الحديث: ٢٠٥٦ - ابن سنان القزاز: هو محمد بن سنان. وقد مضت ترجمته فى: ١٥٧.
ووقع فى المطبوعة هنا ((ابن بشار))! وهو تصحيف.
وهذا الحديث أيضاً جزء من حديث مطول، رواه البخارى ٦: ٢٩٠ (فتح)، عن عبد الله بن
محمد ، عن أبى عامر العقدى عبد الملك بن عمرو ، عن إبراهيم بن نافع ، بهذا الإسناد .
ونقله ابن كثير أيضاً ١ : ٣٢٢ - ٣٢٣، من رواية البخارى.
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٥٥١ - ٥٥٢، مختصراً، عن أبى العباس الأمم محمد بن يعقوب،
عن محمد بن سنان القزاز - شيخ الطبرى هنا - بهذا الإسناد. وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي،
فلم يتبه إلى خطأ الحاكم فى استدراكه، إذ رواه البخارى. وقد نبه على ذلك ابن كثير ، واستعجب أن
يستدركه الحاكم ، وهو فى صحيح البخارى !

٦٩
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
ظلى - أو على قدْرى - ولا تزد ولا تنقص. فلما بنىَ" [خرج] وخلّف إسماعيل
وهاجر، (١) فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلى مَنْ تَكلنا؟ قال: إلى الله. قالت:
انطلق، فإنه لا يُضِيعنا. قال: فعطش إسمعيل عطشاً شديداً، قال : فصعدت
هاجَرُ الصَّفا، فنظرت فلم تر شيئاً. ثم أتت المروة ، فنظرت فلم تر شيئاً. ثم رجعت
إلى الصَّفًا، فَنظرت، فلم تر شيئاً. حتى فعلت ذلك سبع مرات . فقالت :
يا إسمعيل، مُت حيث لا أراك . فأتته وهو يفحص برجله من العطش. (٢) فناداها
جبريل فقال لها : من أنت؟ فقالت: أنا هاجر، أم ولد إبراهيم. قال: إلى مَنْ
وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ! قال: ففحص [الغلام ]
الأرض بإصبعه، (٣) فنبعت زمزم، فجعلت تحبسُ الماءَ، فقال: دَعيه ، فإنها
رَوَاءٌ . (٤)
٢٠٥٨ - حدثنا هناد بن السّرى قال، حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك ،
عن خالد بن ◌ُرْعرة: أن رجلاً قامَ إلى علىّ فقال : ألا تخبرنى عن البيت ؟
(١) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبرى ١: ١٢٩، وتفسير ابن كثير١: ٣٢٤.
(٢) فحصت الدجاجة وغيرها برجلها فى التراب: بحثته وأزالت التراب عن حفرة.
(٣) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبرى ١: ١٢٩، وليست فى ابن كثير.
(٤) الحديث : ٢٠٥٧ - مؤمل - بوزن: محمد -: هو ابن إسمعيل العدوى، وهو ثقة.
بينا توثيقه فى شرح المسند : ٢١٧٣ .
سفيان: هو الثورى . وأبو إسحق : هو السبيعى.
حارثة ابن مضرب العبدى: تابعى ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٨٧/١/٢، وابن
أبى حاتم ٢٥٥/٢/١.
و ((مضرب)): بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة وآخره باء موحدة. ووقع فى المطبوعة
(( مصرف))، وهو تصحيف .
والخبر رواه الطبرى فى التاريخ أيضاً ١: ١٢٩، بهذا الإسناد.
وفقله ابن كثير فى التفسير ١: ٣٢٤، عن الطبرى. ثم قال: ((فى هذا السياق أنه بنى البيت
قبل أن يفارقها. وقد يحتمل - إن كان محفوظاً - أن يكون أولا وضع له حوطاً وتجميراً، لا أنه بناء إلى
أملاء. حتى كبر إسماعيل، فبنياه معاً، كما قال الله تعالى)).
وقوله: ((فإنها رواء)) (بفتح الراء والواو). يقال ماء روى ( بفتح الراء وكسر الواو وتشديد الياء)
وروى (بكسر ففتح) ورواء : كثير عذب مرو لا ينقطع.

٧
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
٤٣٢/١ أهو أولُ بيتٍ وُضع فى الأرض؟ فقال: لا، ولكن هو أول بيت وُضعَ فيه
البركة، (١) مَقامُ إبراهيم، ومن دخله كان آمناً، وإن شئت أنبأتك كيف بنى:
إنّ اللّه أوْحتى إلى إبراهيم أن ابن لى بيتاً فى الأرض. قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعاً،
فأرسل الله السكينة - وهى ربح خجوجٌ، ولها رأسان (٢) - فأتبع أحدُهما صاحبه
حتى انتهت إلى مكة، فتطوَّت على موضع البيت كتطوّى الحَجَقَة، (٣) وأمرَ إبراهيم
أن يبنى حيث تستقر السكينة . فبنى إبراهيمُ وَبَقى حجرٌ، فذَهبَ الغلامُ يَبغى
شيئاً، فقال إبراهيم: لا ! ابغنى حجراً كما آمرُك . (٤) قال: فانطلق الغلام
یلتمس له حجراً، فأتاه فوجده قد ر گب الحجر الأسود فی مکانه، فقال: يا أبت،
من أتاكَ بهذا الحجر ؟ قال : أتانى به من لم یتكل على بنائك ، جاء به جبريل
من السماء . فأتمَّاه.(٥)
(١) فى المطبوعة وفى التاريخ، وابن كثير: ((وضع فى البركة)). وفى المستدرك الحاكم ١: ٢٩٣،
والدر المنثور، ((وضع الناس فيه البركة والهدى))، فصححتها من هناك.
(٢) انظر ما سلف قريباً : ٦٦ تعليق رقم: ١
(٣) تطوت: استدارت. تطوت الحية: تحوت والتف بعضها على بعض واستدارت كالطوق.
والحجفة: الترس من الجلود يطارق بعضه على بعض، ليس فيه خشب . وفى رواية الطبرى فى التاريخ
((كتطوى الحية))، وكذلك فى المستدرك ((كتطوق الحية))، وجاء فى ابن كثير ((الجحفة)) وهو خطأ.
(٤) فى التاريخ: ((لا أبغى حجراً .. ))، وهو خطأ، وفى ابن كثير: ((فقال إبراهيم:
ابغى حجراً كما آمرك)»، وهو خطأ أيضاً. يقال: ابغنى كذا وكذا، وابغ لى كذا وكذا: أى الطلبه
لى والتمسه . بغى فلان فلاناً شيئاً : التمسه له .
(٥) الأخبار : ٢٠٥٨ - ٢٠٦٠، هى خبر واحد بثلاثة أسانيد.
وشيخ الطبرى فى الإسناد الأول ((هناد)): هو ابن السرى بن مصعب الدارمى التميمى، وهو ثقة.
من شيوخ البخارى ومسلم وغيرهما. مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٤٨/٢/٤، والصغير: ٢٤٥،
وابن أبي حاتم ١١٩/٢/٤ - ١٢٠.
وقع فى المطبوعة ((عباد))، وهو تحريف، تصويبه، من التاريخ الطبرى ١ : ١٢٨ - ١٢٩،
حيث روى هذا الخبر بهذا الإسناد الأول ((حدثنا هناد بن السرى)). وكذلك نقله ابن كثير ١: ٢٢٤،
من الطبرى .
أبو الأحوص : هو سلام بن سليم الخفى الحافظ الثقة .
ساك - بكسر السين وتخفيف الميم : هو ابن حرب بن أوس البكرى ، وهو تابعى ثقة ، روى
له مسهم ووثقه أحمد وابن معين وغيرهما. مترجم فى التهذيب، والكبير ١٧٤/٢/٢، وابن أبي حاتم
٢٧٩/١/٢ - ٠٢٨٠

٧١
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
٢٠٥٩ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
سعيد ، عن سماك قال : سمعت خالد بن عُرْعرة يحدث، عن على بنحوه.
٢٠٦٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة وحماد بن
سلمة وأبو الأحوص كلهم ، عن سماك، عن خالد بن عرعرة ، عن على ، بنحوه.
٠٠٠
قال أبو جعفر : فمن قال : رفع القواعدَ إبراهيمُ وإسمعيلُ ، أو قال : رفعها
إبراهيمُ وكان إسماعيل يُناوله الحجارة، فالصوابُ فى قوله أنْ يكونَ المضمرُ من
القول لإبراهيم وإسماعيل. ويكونَ الكلامُ حينئذ: ((وإذ يرفع إبراهيم القواعدَ من
البيت وإسماعيل)، يقولان ربَّنا تَقبَّل منا. وقد كان يحتمل، على هذا التأويل ، أن
يكون المضمرُ من القول لإسمعيل خاصةً دون إبراهيم ، ولإبراهيم خاصة دون إسماعيل،
لولا ما عليه عامة أهل التأويل من أن المضمر من القول لإبراهيم وإسمعيل جميعاً.
وأما على التأويل الذى رُوى عن علىّ : - أنّ إبراهيم هو الذى رَفعَ القواعد"
دون إسمعيل - فلا يجوز أن يكون المضمر من القول عندَ ذلك إلاّ لإسمعيل خاصة.
٠ ٠
والصواب من القول عندنا فى ذلك : أنّ المضمر من القول لإبراهيم وإسمعيل ،
وأنّ قواعدُ البيت رفعها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعاً. وذلك أنّ إبراهيم وإسمعيل،
إن كانا هما بنیاها ورفعاها ، فهو ما قلنا . وإن كان إبراهيمُ تفرد ببنائها ، وكان
خالد بن عرعرة التيمى: تابعى ثقة، ترجمه البخارى فى الكبير ١٤٩/١/٢، وقال: ((سمع علياً).
وابن أبى حاتم ٣٤٣/٢/١، ولم يذكرا فيه جرحاً، وذكره ابن حبان فى الثقات.
و((سعيد) - فى الإسناد الثانى -: أنا أرجح أنه محرف عن ((شعبة))، فهو الذى يروى عن سماك
ابن حرب، وهو الذى يطلقه («محمد بن جعفر غندر»، إذ هو شيخه الذى لزمه وجالسه نحواً من عشرين سنة.
و((أبو داود) فى الإسناد الثالث: هو الطيالسى.
وإنخير رواه أيضاً الأزرق فى تاريخ مكة ١: ٢٤ - ٢٥، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله،
مولى بنى هاشم ، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن سماك بن حرب ، عن خالد بن عرعرة .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٩٢ - ٢٩٣، من طريق إسرائيل، عن خالد بن حرب، عن
خالد بن عرعرة. قال: ((صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطى ١: ١٢٦، ونسبه لهؤلاء ولغيرهم .
:

٧٢
تفسير سورة البقرة : ١٢٧
إسمعيل يناوله، فهما أيضاً رفعاها، لأنّ رفعها كان بهما: منْ أحدهما البناء ،
ومن الآخر نَقلُ الحجارة إليها، ومعونةُ وضع الأحجار مواضعها . ولا تمتنع العرب
من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء وَمعونته .
وإنما قُلنا ما قلنا من ذلك، لإجماع جميع أهل التأويل على أنّ إسمعيل معنىٌّ
بالخبر الذى أخبر اللّه عنه وعن أبيه، أنهما كانا يقولانه، وذلك قولهما: «ربَّنا
تَقبَّل منا إنك أنتَ السميعُ العليم )). فمعلوم أن إسمعيل لم یکن لیقول ذلك، إلاّ
وهو: إمّا رُجل كامل، وإما غلام قد فهم مواضع الضَّر من النفع ، ولزمته
فرائضُ اللّه وأحكامه. وإذا كان - فى حال بناء أبيه ما أَمَرَه اللّه ببنائه ورفعِهِ
قواعدَ بيت اللّه (١) - كذلك، فمعلوم" أنه لم يكن تاركاً معونة أبيه: إمّا على
البناء ، وإمّا على نقل الحجارة . وأىُّ ذلك كان منه، فقد دخل فى مَعنى مَنْ
رَفَع قواعدَ البيت، وثبت أن القول المضمرَ خبرٌ عنه وعن والده إبراهيم عليهما
السلام .
فتأويل الكلام : وإذ يرفع إبراهيمُ القواعد من البيت وإسماعيل يقولان:
ربَّنَا تَقبلَ منا عملنا، وطاعتنا إياك ، وعبادتنا لك، فى انتهائنا إلى أمرك الذى أمرتنا
به ، فى بناء بيتك الذى أمرتنا ببنائه ، إنك أنت السميع العليم .
٠
. .
وفى إخبار اللّه تعالى ذكره أنهما رفعا القواعدَ من البيت وهما يقولان: ربَّنا تقبّل
منا إنك أنت السميع العليم - دليلٌ واضحٌ على أن بناءهما ذلك لم يكن مسكناً
یسکنانه ، ولا منزلاً ينزلانه ، بل هو دليل على أنهما بنیاه ورفعا قواعده لکل من
أراد أن يعبد اللّه، تقرُّباً منهما إلى الله بذلك. ولذلك قالا: ((ربّنا تقبل منا)). ولو
كانا بنياه مسكناً لأنفسهم، لم يكن لقولهما: ((تقبَّل منا)) وجهٌ مفهوم. لأنه
(١) سياق العبارة: ((وإذا كان ... كذلك)) وما بينهما فصل. ويعنى بقوله ((كذلك)، أنه
كان قد فهم الضر والنفع ، ولزمته فرائض الله وأحكامه .

٧٣
تفسير سورة البقرة : ١٢٨،١٢٧
كانا يكونان - لو كان الأمر كذلك - سائلين أن يَتقبَّل منهما ما لا قُربة فيه
إليه . وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه.(١)
٥
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَِّيعُ الْعَلِيمُ) )
قال أبو جعفر: وتأويل قوله: ((إنك أنت السميع العليم))، إنك أنت
السميعُ دُعاءنا ومسألتنا إياك قبولَ ما سألناك قبوله منا، منْ طاعتك فى بناء بيتك
الذى أمرتنا ببنائه - العليمُ بما فى ضمائرُ نُفوسنا من الإذْعان لك فى الطاعة ، والمصير
إلى ما فيه لك الرضا والمحبة، وما نُبدى ونخفى من أعمالنا،(٢) كما : -
٢٠٦١ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال، ٤٣٢/١
قال ابن جريج ، أُخبرنى أبو کثیر قال ، حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس:
((تَقبَّل منا إنك أنت السميع العليم))، يقول: تقبّل منا إنك سميعُ الدُّعاء.
القول فى تأويل قوله ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَِّنَآَ
أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)
قال أبو جعفر : وهذا أيضاً خبر من اللّه تعالى ذكره عن إبراهيم وإسمعيل:
أنهما كانا يرفعان القواعد من البيت وهما يقولان: ((رَبَنا وَاجعلنا مُسلميْن لك))،
يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك ، خاضعين لطاعتك، لا نُشرك معك
(١) يقول: هما من العلم والنبوة بمنزلة وموضع، فلا يسألان الله قبول عمل ليس من القربات إلى
إلى الله ..
(٢) قوله: ((وما نبدى ... )) معطوف على قوله: ((العليم بما فى ضمائر نفوسنا)).

٧٤
تفسير سورة البقرة : ١٢٨
فى الطاعة أحداً سواك ، ولا فى العبادة غيرك .
٠٠٠
وقد دللنا فيما مضى على أن معنى ((الإسلام)): الخضوع لله بالطاعة. (١)
٠٠٠
وأما قوله: (( ومِنْ ◌ُذريتنا أمَّة مسلمة لك))، فإنهما خصًّاً بذلك بعضَ الذرية،
لأن الله تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله صلى اللّه عليه وسلم قبل مسألته هذه،
أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره. فخصّاً بالدّعوة بعضَ ذُريّهما.
٠٠
وقد قيل : إنهما عَنيا بذلك العربَ.
· ذكر من قال ذلك :
٢٠٦٢ - حدثنا موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((ومن ذريتنا أمَّة مسلمة لك))، يعنيان العرب.
قال أبو جعفر: وهذا قول يدل" ظاهرُ الكتاب على خلافه. لأن ظاهره يدل"
على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريّهما أهل طاعته وَولايته، والمستجيبين لأمره .
وقد كان فى ولد إبراهيم العربُ وغيرُ العرب، والمستجيبُ لأمر الله والخاضع له
بالطاعة ، من الفريقين . فلا وجه لقول من قال : عنى إبراهيمُ بدعائه ذلك فريقاً
من ولده بأعيانهم دون غيرهم ، إلاّ التحكم الذى لا يعجز عنه أحدً.
وأما ((الأمَّة)) فى هذا الموضع، فإنه يعنى بها الجماعة من الناس، (٢) من
قول الله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُؤْسَى أَمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٩]. (٢)
(١) انظر ما سلف ٢ : ٥١١،٥١٠
(٢) انظر ما سلف ١ : ٢٢١ س : ١٤.
(٣) جاء فى تفسير ابن كثير ١: ٣٣٢ ما نصه :
قال ابن جرير: والصواب أنَّه يتمُّ العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بى

٧٥
تفسير سورة البقرة : ١٢٨
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة فى قراءة ذلك.(١) فقرأه بعضهم: ((وأرنا
مناسكنا))، بمعنى رؤية العين ، أى أظهرها لأعيننا حتى نراها. وذلك قراءةُ
عامة أهل الحجاز والكوفة .
إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بَالحَقِّوَ بِهِ يَعْدِلُونَ﴾
وهو كما ترى ليس فى أصل الطبرى . فلا أدرى أهو تصرف من ابن كثير ، أم فى أصول الطبرى
خرم فى هذا الموضع ، وكلاهما جائز ، ولا أقطع بشىء .
هذا وقد أراد ابن كثير أن يرد ما ذهب إليه الطبرى ، فزعم أن تخصيص السدى أنهم العرب لا ينفى
من عداهٍ ثم قال: ((والسياق إنما هو فى العرب، ولهذا قال بعده: ﴿رَبََّا وَابْعَتْ فِيهِمْ
رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالِحِكْمَةَ وَيُزَ كِّيهِمْ﴾
الآية، والمراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بعث فيهم)).
واعتراض ابن كثير هذا لا يقوم، واحتجاجه بالسياق هنا لا ينهض. فالدعاء دعاء إبراهيم وإسماعيل
معاً، ولكل منهما ذرية يشملها الدعاء . والسياق هنا سياق الآيات المتتابعة لا سياق آية واحدة. ففى الآيات
التى تلى هذه الآية ذكر ملة إبراهيم، وبيانها: ﴿إِذْ قَالَ لَه رَبُّهُ أَسْلمْ قَالَ أَسْلَمْتُ
لِرَبِّ العَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيّ إنّ اللهَ اضْطَفَى
لَّكُمُ الدِّينَ فَ تَمُوتُنَّ إِلَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَغْقُوبَ
الَوْتُ إذْ قَالَ لِبَفِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَّهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ
إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحُقَ إلّهَا وَاحِدًا وَحْنُ لَهُ مُسْلِسُونَ﴾
وهى آيات متتابعة ، فالتخصيص فيها غير جائز ، مع وضوح الدلالة على أن ذرية إبراهيم من
غير إسماعيل، كانوا على ملة إبراهيم وإسماعيل وإسحق، وهم له مسلمون وهذا دليل على ما ذهبت إليه
فى مقدمة الجزء الأول، من اختصار الطبرى فى تفسيره هذا، فإنه لو شاء لأفاض واحتج بما احتججت به.
وهو دليل أيضاً على أن قراءة الطبرى تحتاج إلى متابعة آية بعد آية ، وأن قراءته مفرقاً توقع فى خطأ فى
فهم مراده وحجته . ودليل على أن الطبرى شديد العناية بسياق الآيات وترابطها ، ولكنه ربما أغفل ذكر
هذا الترابط مفصلا وحجته فيه ، لأنه قد استوفى ذلك فى مواضع سبقت، فاختصر المواضع الأخرى ثقة
بتتبع قارئه لما أراد . ودليل آخر على أن هذا التفسير لا يزال مجهول المكانة ، على علو مكانته عند أسلافنا
غفر الله لنا ولهم .
(١) فى المطبوعة: ((القراء)) و((قراء))، ورددتها إلى ما درج عليه الطبرى فى عبارته. والقرأة جمع
قارئ، مثل حافظ وحفظة ، كما سلف مراراً .

٧٦
تفسير سورة البقرة : ١٢٨
وكان بعضُ من يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل، يسكّن الراء من (( أرْنا))،
غير أنه يُشِمُّها كسرة .
واختلف قائلُ هذه المقالة وَقَرَّأةُ هذه القراءة فى تأويل قوله: ((مناسكنا))
فقال بعضهم: هى مناسك الحج وَمَعالمه .
• ذكر من قال ذلك :
٢٠٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((وأرِنا مناسكنا)) فأرَاهما الله مناسكهما: الطوافَ بالبيت، والسعىّ
بين الصفا والمروة، والإفاضةَ من عرفات، والإفاضة من جمعٍ، وَرمى الجمار ،
حتى أكمل الله الدين - أو: دينه.
٢٠٦٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((وأرنا مناسكنا))، قال: أرنا نُسكنا وحجّنًا.
٢٠٦٥ - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى
قال : لما فرغ إبراهيمُ وإسمعيل من بُنيان البيتِ، أمرَه اللّه أن ينادى فقال:
﴿ وَأَذِّنْ فِىِ النَّاسِ بِالحَجِّ) [سورة الحج: ٢٧]، فنادى بين أخشبى مكة: (١)
يا أيها الناس! إن الله يأمركم أن تحجُّوا بيته . قال : فوقرت فى قلب كل مؤمن ،
فأجابه كل منْ سمعه من جبل أو شجر أو دابة: ((لبّيك لبّيك)). فأجابوه بالتلبية
(لبيك اللهم لَبَّيك))، وأتاه من أتاه. فأمره اللّه أن يخرج إلى عرفات، ونعنها [ له]، (٢)
فخرج . فلما بلغ الشجرة عند العقبة ، استقبله الشيطان ، فرماه بسبع حصّات
(١) أخشبا مكة: هما الجبلان المطيفان بها، وهما: ((أبو قبيس)) و((الأحمر))، وهو مشرف
وجهه على قعيقعان، والأخشب: كل جبل خشن غليظ، وفى الحديث: ((لا تزول مكة حتى يزول
أنشباها» .
(٢) الزيادة بين القوسين، أظنها أحرى بالصواب.

٧٧
تفسير سورة البقرة : ١٢٨
يكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية أيضاً ، فصدَّه، فرَماه
وكبّر ، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبّر. فلما رأى أنه لا يطيقه، ولم يدر
إبراهيمُ أينَ يذهب، انطلق حتى أتى (( ذا المجاز))، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز ،
فلذلك ◌ُسمى: (( ذا المجاز)). ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عَرَف
النَّعت. قال: قَدْ عَرَفَتُ! فسمّيت: ((عرفات)). فوقف إبراهيم بعرفات ،
حتى إذا أمسى ازْدلف إلى جمع، (١) فسميت ((المزدلفة))، فوقف يجمع. ثم
أقبل حتى أتى الشيطانَ حيثُ لقيه أول مرّة ، فرماه بسبع حصيات سبع مرات،
ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج وأمره. وذلك قوله: ((وأرنا مناسكنا)). (٢)
٠٠٠
وقال آخرون - ممن قرأ هذه القراءة - ((المناسك)): المذابحُ . فكان تأويل
هذه الآية ، على قول من قال ذلك : وأرنا كيف تَنسُك لك ياربنا نسائكنا،
فتذبحها لك .(٣)
• ذكر من قال ذلك :
٢٠٦٦ - حدثنا محمد بن بشارقال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، ٤٣٤/١
عن ابن جريج، عن عطاء: ((وأرنا "مناسكنا))، قال: ذَبْحنا.
٢٠٦٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : مَذابحنا .
٢٠٦٧ م-حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٢٠٦٧ م - حدثنا المثنی قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن
أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
(١) ازدلف إلى الشىء: تقرب إليه ودنا منه. وجمع (بفتح الجيم وسكون الميم) هى ((مزدلفة)).
(٢) الأثر: ٢٠٦٥ سيأتى بعضه برقم: ٣٧٩٢ فى هذا الجزء.
(٣) نسك ينسك (بضم السين) نسكاً ( بسكون السين) ذبح. والنسيكة: الذبيحة .

٧٨
تفسير سورة البقرة : ١٢٨
٢٠٦٧ م - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسنين قال، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج قال، قال عطاء: سمعت ◌ُبيد بن عمير يقول: ((وأرنا مناسكنا))،
قال : أرنا مَذائحنا
وقرأ آخرون: ((وأَرْنا منا سكنا)) بتسكين ((الراء))، (١) وزعموا أن معنى ذلك :
وعلّمنا، وُدُلِّنا عليها - لا أنّ معناه: أرِنَاها بالأبصار. وزعموا أنّ ذلك نظير
قول ◌ُحطائط بن يَعفر، أخى الأسود بن يَعفر: (٢)
أَرِيِ جَوَاداً مَاتَ عَزْلاً، لَأَنِى أَرَى مَا تَرَيْنَ، أَوْ بَخِلاً عًَّا(٣)
يعنى بقوله: ((أربنى))، دُلِّينى عليه وَعَرَّ فين مكانه، ولم يعن به رُؤية العين.
(١) كان فى المطبوعة: ((وقال آخرون))، واستظهرت من السياق أنها ((وقرأ آخرون))،
فلذلك أثبت ما استظهرت، فسيقول بعد: ((وهذه قراءة رويت ... ))
(٢) هما أخوانه من بنى نهشل بن دارم ، جاهليان ، أمهما رهم بنت العباب.
(٣) الشعر والشعراء: ٢٠١ - ٢٠٢، ٢١١ وفيه تحقيق من اختلاف قديم فى نسبته،
ومجاز القرآن: ٠٥، والخزانة ١: ١٩٥ - ١٩٦ وفيهما مراجع كثيرة. روى البيت لحاتم الطائى،
ولعن بن أوس، وفى اللسان (أنن) و (علل) عن ابن برى وقال: ((حطائط بن يعفر، ويقال هو
لدريد)»، وسيأتى فى تفسير الطبرى منسوباً لدريد بن الصمة (٧: ٢١٣ بولاق) مع اختلاف فى
رواية صدره :
• ذَرِيِ أُطَوِّفْ فِى الِلاَدِ لَأَِّى.
ولم أجد هذه الرواية فى الكتب التى بين يدى، وأخشى أن يكون الطبرى أو من أنشده البيت - قد وهم .
فقول حطائط قبله أو بعده .
لِىَ الّالُ رَبًّا، تَحْمَدِى غِبَّهُ غدًا
ذَرِيِ أَكُنْ لِلْمَالِ رَبًّا، وَلاَ يَكُنْ
أَسُودُ فَأَكْفِ، أَوْ أُطِعُ المُسَوَّدَا
ذَرِيِ فَلاَ أَعْيَا بما حَلَّ سَاحَتِ
وهو يخاطب بهذه الأبيات أمه رهم بنت العباب، وكانت تلومه على جوده وإتلافه المال. والهزل (بفتح
وسكون) والهزل (بضم فسكون) والغزال: هو نقيض السمن، مع الضعف والاسترخاء. وقوله: ((لأنى))
بفتح الهمزة بمعنى: ((لعلنى)). من قولهم: ((أن)) بمعنى ((عل))، و((لأن)) بمعنى ((لعل))، وأرى أن
الهمزة منقلبة عن السين، والنون منقلبة عن اللام . وهما لغتان من لغات العرب. واجتمعتا فى هذا الفظ.

تفسير سورة البقرة : ١٢٨
وهذه قراءة رُويت عن بعض المتقدمين. (١)
ذكر من قال ذلك :
٢٠٦٨ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن
جريج قال، قال عطاء: ((أرنا مناسكنا))، أخرجها لنا ، علمناها.
٢٠٦٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن
جريج قال ، قال ابن المسيّب، قال علىّ بن أبى طالب: لما فرغ إبراهيم من بناء
البيت قال: ((فعلتُ أى ربّ، فأرِنا مناسكنا)) - أبرزها لنا، علّمناها - فبعث الله
جبريل ، فحجّ به .
قال أبو جعفر: والقول واحدٌ. فمن كسر ((الراء)) جعل علامة الجزم سقوط
((الياء)) التى فى قول القائل: ((أرينه) ((أرِنه))، (٢) وأقرّ الراء مكسورة كما كانت قبل
الجزم. ومن سكن ((الراء)) من ((أرْنا))، توهم أنّ إعراب الحرف فى ((الراء))،
فسكنها فى الجزم، كما فعلوا ذلك فى ((لم يكُن)) و(لم يكُ)).(٣)
وسواء كان ذلك من رؤية العين أو من رؤية القلب . ولا معنى لفرق من
فرق بين رؤية العين فى ذلك ورؤية القلب .
وأما ((المناسك)) فإنها جمع ((مَنْسِك))، وهو الموضع الذى يُنسك الله فيه ،
ويتقرَّب إليه فيه بما يرضيه من عمل صالح: [ ما بذبْح ذبيحة له ، وإما بصَلاةِ
أو طواف أو سعى ، وغير ذلك من الأعمال الصالحة . ولذلك قيل لمشاعر الحج
(١) كان الأجود أن تكون هذه الجملة بعد قوله: ((وقرأ آخرون: ((وأرفا مناسكنا)) بتسكين الراء)).
ولکن هکذا وقع فى النسخ .
(٢) هكذا جاء فى المطبوعة ((أرينه))، وأظن صواب هذا الحرف ((يرينيه))، مضارعاً مرفوعاً،
ليستقيم مع قوله: ((وأقر الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم)).
(٣) ظاهر كلام الطبرى هنا يدل على أن قوله: ((لم يك)) بتسكين الكاف، على توهم أن إعراب
هذه الكلمة فى الكاف ، فسكنها لما دخل عليها الجازم . ولم أجد هذا القول فى كتاب مما بين يدى من الكتب،
وأخشى أن يكون فى نص الطبرى فى هذا المكان سقط لم أتبينه .
1
٠

٨٠
تفسير سورة البقرة : ١٢٨
((مناسكه))، لأنها أمارات وعلاماتٌ يعتادها الناس ويتردّدون إليها.
وأصل ((المَنْسِك)) فى كلام العرب: الموضع المعتاد الذى يعتاده الرجل ويألفه،
يقال: ((لفلان منّنْسِك))، وذلك إذا كان له موضع يعتاده خير أو شر. ولذلك
سميت ((المناسكُ)) ((مناسكَ))، لأنها تُعتاد، وُيُتردد إليها بالحج والعمرة،
وبالأعمال التى يُتقرَّب بها إلى اللّه.
وقد قيل إن معنى ((النُّسك)): عبادة الله. وأن ((الناسك)) إنما سمى (( ناسكاً))
بعبادة ربه .
فتأوَّل قائلو هذه المقالة. قوله: ((وأرنا مناسكنا))، وعلمنا عبادتك، كيف
نعبدك ؟ وأين نعبدك؟ وما يرضيك عنا فنفعله؟
وهذا القول، وإن كان مذهباً يحتمله الكلام، فإن الغالب على معنى ((المناسك))
ما وصفنا قبل، من أنها (( مناسك الحج)) التى ذكرنا معناها
وخرج هذا الكلام من قول إبراهيم وإسمعيل على وجه المسألة منهما ربّهما
لأنفسهما. وإنما ذلك منهما مسألةُ ربِّهما لأنفسهما وذريتهما المسلمين . فلما ضًّا
ذريّهما المسلمين إلى أنفسهما، صارا كالمخبرين عن أنفسهما بذلك.(١) وإنما قلنا
إنّ ذلك كذلك ، لتقدم الدعاء منهما للمسلمين من ذريتهما قبلُ فى أول الآية ،
وتأخره بعدُ فى الآية الأخرى. فأما الذى فى أول الآية فقولهما: ((ربنا واجعلنا مسلمين
لك ومن ذريننا أمة مسلمةً لك))، ثم جمعا أنفسهما والأمة المسلمة من ذريتهما،
فى مسألتهما ربّهما أن يريهم مناسكهُم فقالا: ((وأرَنَا مناسكنا)). وأما التى فى
الآية التى بعدها: ((ربَّنا وابعثُ فيهمْ رَسولاً منهم))، فجعلا المسألة لذريتهما
خاصة.
(١) فى المطبوعة: ((عن أنفسهم بذلك))، والصواب ما أثبت.