النص المفهرس
صفحات 41-60
٤٩ تفسير سورة البقرة : ١٢٥ ٢٠١٧ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ، حدثنا أبو حصين، عن سعيد بن جبير فى قوله: ((للطائفين))، قال: من أتاه من غَرْبة . ٠٠٠ وقال آخرون: بل ((الطائفون)) هُمُ الذين يطوفون به ، غرباء كانوا أو منْ أهله . • ذكر من قال ذلك : ٢٠١٨ - حدثنا محمد بن العلاء قال، حدثنا وكيع، عن أبى بكر الهذلى ، عن عطاء: ((للطائفين))، قال: إذا كان طائفاً بالبيت فهو من ((الطائفين)). ... وأولى التأويلين بالآية ما قاله عطاء. لأن ((الطائف)) هو الذى يطوف بالشىء دون غيره. والطارئ من غَرْبة لا يستحق اسم ((طائف بالبيت))، إن لم يطُف به. * القول فى تأويل قوله تعالى ( وَالْمُكِفِينَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((والعاكفين)»، والمقيمين به . ((والعاكف على الشىء))، هو المقيم عليه ، كما قال نابغة بنى ذبيان: ◌ُكُوْفَاَ لَدَى أَبْيَتِهِمْ يَتْمِدُونَهُمْ رَفَى اللهُ فِىِ تلكَ الأَكُفِّ الْكَوَانِعِ(١) (١) ديوانه: ٦٣ من أبيات قالها لزرعة بن عامر العامرى. حين بعثت بنو عامر إلى حصن بن حذيفة وابنه عيينة بن حصن: أن اقطعوا حلف ما بينكم وبين بنى أسد، وألحقوهم ببنى كنانة ، ونحالفكم ونحن بنوأبيكم . وكان عبيئة هم بذلك، فقالت بنو ذبيان : أخرجوا من فيكم من الحلفاء ، ونخرج من فينا ! فأبوا ، فقال النابغة : خَلَتْ لهُمُ من كُلّ مولّ وتابع لِيَهْنِ بِ ذِيَنَ أنّ بِلادَهُمْ بألفی کییٍ ، ذِی سلاحٍ، ودَارِعِ سِوَى أُسَدٍ، يَخْمُونَهَا كُلّ شارقِ ثم مدح بنى أسد، وذم بنى عبس ، وتنقص بنى سهم ومالك من غطفان وعبد بن سعد بن ذبيان، وهجاهٍ بهذا البيت الذى استشهد به الطبرى، ورواية الديوان ((قعوداً))، و((يثمدونها))، والضمير للأبيات. ٤٢ تفسير سورة البقرة : ١٢٥ وإنما قيل للمعتكف ((معتكف))، من أجل مقامه فى الموضع الذى حبس فيه نفسه لله تعالى . ٠٠ ٠ ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: ((والعاكفين)). فقال بعضهم : عَنى به الجالس فى البيت الحرام بغير طَوَافٍ ولا صَلاةٍ. • ذكر من قال ذلك : ٢٠١٩ - حدثنا أبو کریب قال، حدثنا و کیع، عن أبى بكر الهذلى ، عن عطاء قال : إذا كان طائفاً بالبيت فهو من الطائفين ، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين . وقال بعضهم: ((العاكفون))، هم المعتكفون المجاورُون. ٠ • ذكر من قال ذلك : ٢٠٢٠ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد الز ییری قال، حدثنا شريك، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة: ((طهّرًا بَيتى للطائفين والعاكفين))، قال : المجاورُون ٠ وقال بعضهم: ((العاكفون))، هم أهل البلد الحرام . · ذکر من قال ذلك : ٢٠٢١ - حدثنا أبو کریب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ، حدثنا وقوله: ((يشدونهم)) أصله من قولهم: ((ثمد الماء يشده ثمداً»، فيث عنه التراب ليخرج. وماء مثمود: كثر عليه الناس حتى فى ونفد إلا أقله. وأخذوا منه: ((رجل مثمود))، إذا ألح الناس عليه فى السؤال، فأعطى حتى نفد ما عنده. يقول : يظل بنو سعد ومالك لدى أبيات عبد بن سعد يستنزفون أموالهم. يصفهم بالخمسة وسقوط الهبة. ومن روى: ((يتمدونها)) وأعاد الضمير إلى ((أبياتهم))، فهو مثله، فى أنهم يلازمون بيوتهم ویستر زقوها ، ہزا بهم . والكوانع جمع كانع : وهو الخاضع الذى تدانى وتصاغر وتقارب بعضه من بعض ، كأنه يتقبض من ذلته. يصفهم بالخمسة والسمع والسؤال الذليل. وقوله: ((ربى الله)) يعنى أصابها بما يستأصلها، ورواية الديوان: ((فى تلك الأنوف))، فعناه : ربى فيها بالجدع، وهو دعاء عليهم ، واشتزار من حقارتهم. ٤٣ تفسير سورة البقرة : ١٢٥ أبو حصين، عن سعيد بن جبير فى قوله: ((والعا كفين ))، قال : أهل البلد . ٢٠٢٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((والعا كفين))، قال: العاكفون ، أهلُه. ... وقال آخرون: ((العاكفون))، هم المصدُّون . • ذكر من قال ذلك : ٢٠٢٣ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس فى قوله: ((طهّرا بيتى للطائفين والعاكفين))، قال : العاكفون ، المصلُّون . فال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بالصواب ما قاله عطاء ، وهو أن ((العاكف)) فى هذا الموضع ، المقيمُ فى البيت مجاوراً فيه بغير طوافٍ ولا صلاة. لأن صفة ((العكوف)) ما وصفنا: من الإقامة بالمكان . والمقيمُ بالمكان قد يكون مقيماً به وهو جالسٌ ومصلِّ وطائفٌ وقائمٌ، وعلى غير ذلك من الأحوال. فلما كان تعالى ذكره قد ذكر - فى قوله: ((أنْ ظهرا بَيتى للطائفين والعاكفينَ والرُّكَّع السجود )) - المصلّين والطائفين، علم بذلك أن الحال التى عنى اللّه تعالى ذكره من (العاكف))، غير حال المصلى والطائف، وأن التى عنى من أحواله، هو العكوف بالبيت ، على سبيل الجوار فيه ، وإن لم يكن مصلِّياً فيه ولا راكعاً ولا ساجداً . القول فى تأويل قوله ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٥) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((والركَّع))، جماعة القوم الراكعين فيه له، واحدهم ((راكع)). وكذلك ((السجود)) هم جماعة القوم الساجدين فيه له ، ٤٤ تفسير سورة البقرة : ١٢٦،١٢٥ واحدهم ((ساجد)) - كما يقال: ((رجل قاعد ورجال قعود)) و (( رجل جالس ورجال جلوس))، فكذلك ((رجل ساجد ورجال سجود)).(١) ٠٠٠ وقيل: بل عنى ((بالركَّع السجود))، المصلّين. * ذكر من قال ذلك : ٢٠٢٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن أبى بكر الهذلى ، ٤٢٥/١. عن عطاء: ((والرَكَّع السجود))، قال: إذا كان يُصلّى فهو من ((الرَكَّع السُّجود)). ٢٠٢٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((والركَّع السجود))، أهل الصلاة . ٠ ٠٠ وقد بينا فيما مضى بيان معنى ((الركوع)) و((السجود))، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا .(٢) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَاَ بَدًا ءَامِنَا﴾ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وإذْ قَالَ إبراهيمُ رَب اجعلْ هذا بلدًاً آمناً))، واذكروا إذْ قال إبراهيم: رَبّ اجعل هذا البلد بلداً آمناً . قال أبو جعفر: يعنى بقوله ((آمناً))، آمناً من الجبابرة وغيرهم، أن يسلّطوا ٠ (١) مما استظهرته من أمرهذا الجمع، جمع فاعل على فعول: أن كل فعل ثلاثى جاء مصدره على ((فعول)) بضم الفاء، فجمع ((فاعل)) منه على ((فعول))، كهذه الأمثلة التى ذكرت هنا، وكل ما سواها مما قيدته كتب اللغة ، ومما هو منثور فى الشعر . (٢) انظر ما سلف ١ : ٥٧٤ - ٥٧٥، ثم ٢: ١٠٣ - ١٠٥، ٥١٩ ٤:٥ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ عليه ، ومن عقوبة الله أن تناله كما تنالُ سائر البلدانِ، من خسف وانتفاك وغرق ، (١) وغير ذلك من سخط اللّه وَمَثُلاته التى تصيبُ سائر البلاد غيرَه، كما : ٢٠٢٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكرلنا أن الحرّم ◌ُحُرِّم بحِياله إلى العرش. وذكرلنا أن البيتَ هبط مع آدم حين "هَبطَ . قال الله له: اهبط معك بَيّى يُطاف حوله كما يُطاف حول عرشی . فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين ، حتى إذا كان زمان الطُّوفان - حين أغرق اللّه قوم نوح - رفعه وطهّره، ولم تصبه عقوبة أهل الأرض . فتبَّع منه إبراهيم أثرًا، فبناه على أساس قديم كان قبله . ٠ ٠ فإن قال لنا قائل : أو ما كان الحرم آمناً إلاّ بعد أن سأل إبراهيمُ ربَّه له الأمان ؟ . قيل له : لقد اختُلِف فى ذلك . فقال بعضهم: لم يزل الحرم آمناً من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه، منذ خلقت السموات والأرض. واعتلُّوا فى ذلك بما : - ٢٠٢٧ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بکیر، عن محمد بن إسحق قال ، حدثنى سعيد بن أبى سعيد المقبرى، قال سمعت أبا ◌ُشرَيح الخزاعى يقول: لما افتتحت مكة قتلت خُزّاعة رجلاً من هذيل، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطيباً فقال: ((يا أيها الناس، إن الله حرَّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهى حَرَامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحلُّ لامرئ يُؤمن بالله واليوم الآخر أن یسفك بها دماً أو بعضِدَ بها شجرًا. ألا وإنها لا تحل لأحد بعدى، (١) فى المطبوعة: ((وانتقال)) مكان ((وانتفاك))، وذاك لفظ بلا معنى هنا وبلا دلالة. والانتفاك الانقلاب، وهو عذاب الله الشديد الذى أنزله بقوم لوط، فقال سبحانه فى سورة هود: ﴿فَلمَا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)، وهذا هو الانتفاك، انتفكت بهم الأرض: أى انقلبت فصار عاليها سافلها ، فسمى الله هذه القرى، قرى لوط ( المُؤْ تَفِكَتِ ) فى سورة التوبة: ٧٠، وفى سورة ﴿وَالمُؤْ تَفِكَةَ أَهْوَى، فَقَشَّاهَاَ مَا غَتَّى) الحاقة: ٩، وقال فى سورة النجم : ٥٢ - ٥٣ ٤٦ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ ولم تُحَلَّلى إلا هذه الساعة، غَضَباً على أهلها. ألا فهى قد رَجعت على حالها بالأمس. ألا ليبلغ الشاهدُ الغائب. فمن قال:إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل بها! فقولوا: إن اللّه قد أحلها لرسوله ولم يُحلَّها لك)).(١) ٢٠٢٨ -حدثنا أبو کریب قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سلمان - وحدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا ، حدثنا جرير - جميعاً ، عن يزيد بن أبى زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، لمكة حين افتتحها: هذه حَرَمٌ، حرّمها الله يوم خلق السموات والأرض، وخلقَ الشمس والقمر، ووضع هذين الأخشَبَيْن، لم تحلّ لأحد قبلى، ولا تحلُّ لأحد بعدى، أحلَّت لى ساعة من نهار. (٢) ٠ (١) الحديث: ٢٠٢٧ - هذا مختصر من حديث صحيح مطول: فرواه أحمد فى المسند: ١٦٤٤٨ (ج ٤ ص ٣٢ حلى)، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه، عن محمد بن إسحق ، بهذا الإسناد . ورواية ابن إسحق ثابتة أيضاً - مطولة - فى سيرة ابن هشام ٤: ٥٧ - ٥٨ (حلبي)، و ٨٢٣ - ٨٢٤ أوربة ، ٢ : ٢٧٧ - ٢٧٨ ( من الروض الأنف). ورواه أيضاً، بنحوه، أحمد : ١٦٤٤٤ (ج ٤ ص ٣١)، والبخارى ١ : ١٧٦ - ١٧٧، و ٤: ٣٥ - ٣٩ ( فتح)، ومسلم ١ : ٣٨٣ - ٣٨٤ كلهم من طريق الليث بن سعد ، عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى ، عن أبى شريح . وقوله فى الحديث: ((أو يعضد بها شجراً))، أى يقطعه، يقال ((عضد الشجر))، من باب ((ضرب)) قطعه . وقوله: ((غضباً على أهلها)): هذا هو الصحيح الثابت فى رواية ابن إسحق، فى المسند، وسيرة ابن هشام، وفى المطبوعة: ((عصى على أهلها)). وهو تصحيف. (٢) الحديث : ٢٠٢٨ - هذا الحديث رواه الطبرى بإسنادين، عن ثلاثة شيوخ: فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازى. ثم رواه عن ابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازى ، وعن ابن وكيع - وهو سفيان بن وكيع ، كلاهما : أعنى ابن حميد وابن وكيع ، عن جرير بن : عبد الحميد الضبى. ثم يجتمع الإسنادان: فيرويه عبد الرحيم بن سليمان وجرير بن عبد الحميد ((جميعاً عن یزید بن أبی زیاد » . وهذه الأسانيد ظاهرها الصرة ، وإن كان سفيان بن وكيع ضعيفاً ، كما بينا فى : ١٦٩٢ - فإن الطبرى لم يفرده بالرواية عنه ، بل قرن به محمد بن حميد الرازى ، وهو ثقة - إلا أن فى الحديث انقطاعاً، بين مجاهد وابن عباس. وقد سمع مجاهد من ابن عباس حديثاً كثيراً ، ولكن هذا الحديث بعينه رواء ((عن طاوس عن ابن عباس)). ٤٧ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ قالوا: فمكة، منذ خُلقت، "حَرَمٌ آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة. قالوا : وقد أخبرت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التى ذكرناها . قالوا: ولم يسأل إبراهيمُ ربَّه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة، ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجدُوب والقُحوط ،وأن يرزق ساكنه من الثمرات، كما أخبر ربه عنه أنه سأله بقوله: ((وإذْ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وَارْزق أهله من الثمرَات مَنْ آمن منهم بالله واليوم الآخر)). قالوا: وإنما سأل ربه ذلك لأنه أسكن فيه ذريته ، وهو غير ذى زرع ولا ضَرْع ، فاستعاذ ربّه من أن يهلكهم بها جوعاً وعطشاً، فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه. قالوا: وکیف یجوزُ أن یکون إبراهيمُ سأل ربه تحريم الحرم ، وأن يُؤمنه من عقوبته وعقوبة جبابرة خلقه، وهو القائل - حين حلّه ونزله بأهله وولده : ﴿ رَبَّا إِنِّى أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِِّ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المَحَرَّمِ﴾ [ سورة إبراهيم: ٣٧]؟ قالوا: فلو كان إبراهيم هو الذى حرَّم الحرم، أو سأل ربه و((يزيد بن أبى زياد الكوفى مولى بنى هاشم)): صدوق، فى حفظه شىء بعد ما كبر، قال ابن سعد ٦ : ٢٣٧ (( كان ثقة فى نفسه، إلا أنه اختلط فى آخر عمره، فجاء بالعجائب)). وقال يعقوب ابن سفيان: «ويزيد - وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره - فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور )). وهو مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٣٤/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤ /٢٦٥/٢. فلعله وهم فى حذف ((طاوس)» بين مجاهد وابن عباس. والحديث فى ذاته صحيح . فرواه أحمد بنحوه مطولا : ٢٣٥٣، ٢٨٩٨، من طريق منصور بن المعتمر ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس . وكذلك رواه البخارى ٤: ٤٠ - ٤٢، ومسلم ١: ٣٨٣، من طريق منصور .. ومنصور بن المعتمر: سبق توثيقه. ١٧٧ . وهو أثبت حفظاً من مئة مثل يزيد بن أبى زياد . بل قال يحيى القطان: ((ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم - من منصور)). وقدمه الأمة - فى الحفظ - غلى الأعمش والحكم . بل إن هذا الحديث نفسه: ذكر الحافظ فى الفتح أنه رواه الأعمش عن مجاهد عن النبى صلى الله عليه وسلم - مرسلا، يعنى بحذف طاوس وابن عباس، ثم قال: ((ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله)). أى أن هذه الزيادة زيادة ثقة ، يجب قبولها والحكم لها بالترجيح . وقوله فى هذه الرواية: ((ووضع هذين الأخشبين)). هذه الزيادة لم أجدها فى شىء من الروايات الأخر. و ((الأخشبان))، بلفظ التثنية: هما جبلا مكة المطيفان بها. انظر النهاية لابن الأثير، ومعجم البلدان لياقوت . ٤٨ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ تحريمه، لما قال: ((عند بيتك المحرَّم)) عند نزوله به، ولكنه حُرِّم قبله، وحرَّم بعده. ٠٠٠ وقال آخرون : كان الحرمُ حلالاً قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد غيره . وإنما صار حراماً بتحريم إبراهيم إياه، كما كانت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ٤٢٦/١ حلالاً قبل تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها. قالوا: والدليل على ما قلنا من ذلك ، ما : - ٢٠٢٩ -حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدی قال، حدثنا سفيان ، عن أبى الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ إبراهيم حرَّم بيتَ اللّه وأمَّنه، وإنى حَرَّمتُ المدينة ما بين لاَ بَتَيْها، لا يُصاد صيدها، ولا تقطع عيضاهُها.(١) ٢٠٣٠ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا ، [ حدثنا ابن إدريس - وأخبرنا أبو كريب قال]، حدثنا عبد الرحيم الرازى ، [ قالا جميعاً]: سمعنا أشعث، عن نافع ، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ إبراهيم كان عبد الله وخليلَه، وإنّ عبدُ الله ورسولُه، وإن إِبراهيمَ حرَّم مكة، وإنى حرَّمت المدينة ما بين لابتيها، عيضاهتها وصيدَها ، ولا يُحْمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرٌ إلا لعلَّف بعير. (٢) (١) الحديث: ٢٠٢٩ - إسناده صحيح. عبد الرحمن بن مهدى: هو الإمام الحافظ العلم . سفيان: هو الثورى . أبو الزبير : هو المكى ، محمد بن مسلم بن تدرس، تابعى ثقة . أخرج له الجماعة . جابر: هو ابن عبد الله، الصحابى المشهور . والحديث رواه مسلم ١: ٣٨٥، بنحوه، من طريق محمد بن عبد الله الأسدى، عن سفيان، بهذا الإسناد. بلفظ ((إن إبراهيم حرم مكة)) إلخ. ونقله ابن كثير ١: ٣١٦، وقال: ((وهكذا رواه النسائى، عن محمد بن بشار بندار، به)). و((بندار)): لقب محمد بن بشار. اللابتان : هما الحرتان بجانبى المدينة، وهى الأرض ذات الحجارة السود التى قد ألبستها لكثرتها . العضاء، بكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة وآخره هاء : كل شجر عظيم له شوك . (٢) الحديث: ٢٠٣٠ - أبو السائب: هو مسلم بن جنادة، مضت ترجمته: ٤٨. ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودى. سبقت ترجمته فى : ٤٣٨. ٤٩ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ ٢٠٣١ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا قتيبة بن سعيد قال، حدثنا بكر ابن مضر، عن ابن الهاد ، عن أبى بكر بن محمد ، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ إبراهيم حرَّم مكة ، وإنى أحرِّم المدينة ما بين لاَ بَتَيْها .(١) عبد الرحيم الرازى : هو عبد الرحيم بن سليمان الرازى الأشل الكنانى - الذى مضت له رواية فى الحديث ٢٠٢٨ - وهو ثقة كثير الحديث. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣٣٩/٢/٢. أشعث : هو ابن سوار الكندى ، ضعفه بعضهم ، ووثقه آخرون . وقد رجحنا توثيقه فى شرح المسند: ٦٦١ . مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٤٣٠/٢/١، وابن أبي حاتم ٢٧١/١/١ - ٢٧٢ ٠ نافع : هو مولى ابن عمر ، الثقة الثبت الحجة . وقد كان هذا الإسناد: مغلوطاً فى المطبوعة هكذا: (( حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا حدثنا عبد الرحيم الرازى: سمعت أشعث ... )) نقص منه ((ابن إدريس)). فكان ظاهره أن أبا كريب وأبا السائب روياه عن عبد الرحيم الرازى عن أشعث، والصواب ما أثبتناه ، نقلا عن ابن كثير ٣١٦:١، من هذا الموضع من الطبرى. قصة الإسناد : أنه يرويه الطبرى عن أبى كريب وأبى السائب . كلاهما عن عبد الله بن إدريس، ثم يرويه الطبرى عن أبي كريب وحده، عن عبد الرحيم الرازى - وأن عبد الله بن إدريس وعبد الرحيم الرازى سمعاه جميعاً من أشعث . وهذا الحديث من هذا الوجه، قال فيه ابن كثير: ((وهذه الطريق غريبة، ليست فى شىء من الكتب السنة)). وأزيد عليه: أنى لم أجدها فى المسند أيضاً، ولا فى غيره مما استطعت الرجوع إليه من المراجع. ثم أشار ابن كثير إلى أنه أصل معناه ثابت عن أبى هريرة، من وجه آخر، فى صحيح مسلم . وهو حديث مالك فى الموطأ، ص: ٨٨٥، عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة: ((كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤوا به إلى رسول الله صلى اله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم بارك لنا فى ثمرنا وبارك لنا فى مدينتنا ، وبارك لنا فى صاعنا ، وبارك لنا فى مدنا . اللهم إن إبراهيم عبدك وخليك ونبيك ، وإنى عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإنى أدعوك المدينة بمثل ما دعاك به لمكة ، ومثله معه)). وهو فى صحيح مسلم ١ : ٣٨٧، عن قتيبة، عن مالك. (١) الحديث: ٢٠٣١ - بكر بن مضر بن محمد بن حكيم المصرى: ثقة، أخرج له الشيخان وغيرهما . مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٩٥/٢/١، وابن أبي حاتم ٣٩٢/١/١ - ٣٩٣، وتذكرة الحفاظ، وقال: ((الإمام المحدث الصادق العابد)». ابن الهاد : هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثى المدنى. وهو ثقة كثير الحديث ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٤ /٣٤٤/٢، وابن أبي حاتم ٢٧٥/٢/٤. أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى : تابعى ثقة حجة ، لا يسأل من مثله . عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: تابعى ثقة، وكان شريفاً جواداً مداً. جده لأمه: عبد الله ابن عمر بن الخطاب . ج ٣ (٤) ٠٠ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ وما أشبه ذلك من الأخبار التى بطول باستعيابها الكتاب . ٠ ٠ قالوا: ((وقد أخبر اله تعالی ذ کره فی کتابه أن إبراهيم قال: « رب اجعلهذا بلدً آمناً))، ولم يخبر عنه أنه سأل أن يجعله آمناً من بعض الأشياء دون بعض. فليس لأحد أن يد ◌ّعى أن الذی سأله من ذلك، الأمانُ له من بعض الأشياء دون بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها . قالوا: وأما خبرُ أبى شريح وابن عباس، فخبران لا تثبت بهما ◌ُحُجة، لما فى أسانيدهما من الأسباب التى لا يَجبُ التسليمُ فيها من أجلها . ... قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندنا : أنّ اللّه تعالى ذكره جعل مكة حرماً حين خلقها وأنشأها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه حرّمها يوم خلق السموات والأرض ))، بغیر تحريم منه لها علىلسان أحد من أنبيائه ورسله، ولکن بمنعه من أراد ها بسوء ، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات وعن ساكنيها ، ما أحلّ بغيرها وغير ساكنيها من النقمات . فلم يزل ذلك أمرها حتى بو أها الله إبراهيم خليله،وأسكنبها أهله هاجر وولده إسمعيل. فسأل حينئذ إبراهيم ربَّه إيجاب فرضٍ تحريمها على عباده على لسانه، ليكون ذلك ◌ُسنة لمن بعده من خلقه يستنُّون به فیها ، إذ كان تعالی ذ کره قد اتخذه خلیلاً، وأخبره أنه جاعله للناس إماماً يقتدى به. فأجابه ربه إلى ما سأله ، وألزم عبادَه حينئذ فرض تحريمه على لسانه . فصارت مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها، بغير إيجاب الله فرض" الامتناع منها على عباده ، ومحرَّمة بدفع اللّه عنها ، بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله _ (١) فرضٌ تحريمها على خلقه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام، وواجبٌ على عباده الامتناعُ من استحلالها، واستحلال صيدها وعيضَاهها لها بإيجابه الامتناعَ من ذلك ، ببلاغ إبراهيمَ رسالةَ الله إليه بذلك إليهم . والحديث رواه مسلم فى صحيحه ١: ٣٨٥، عن قتيبة بن سعيد، بهذا الإسناد. ونقله ابن كثير ١: ٣١٦، وقال: ((انفرد بإخراجه مسلم)). يعنى دون البخارى. (١) سياق هذه الجملة المعترضة: ((بعد أن كانت ممنوعة ... ، ومحرمة ... ))، وسياق الجملة التى دخلها الاعتراض: ((فصارت مكة ... فرض تحريمها ... وواجب على عباده ... )) ٥١ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ فلذلك أضيفَ تحريمها إلى إبراهيم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ((إنّ اللّهَ حَرّم مكة)). لأن فرضَ تحريمها الذى ألزمَ اللّهُ عبادَه على وجه العبادة له به - دون التحريم الذى لم يَزَل متعبَّداً لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبلَ ذلك -(١) كان عن مسألة إبراهيمَ ربَّه إيجاب فرض ذلك على لسانه، [وهو الذى ] لزم العبادَ فرضُه دون غيره. (٢) فقد تبين إذاً بما قُلنا صحّةُ معنى الخبرَ يْن - أعنى خبر أبى شريح وابن عباسٍ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله حرّم مكة يوم خلق الشمس والقمر)» - وخبرُ جابر وأبى هريرة ورافع بن خديج وغيرهم: أنّ النبى صلى اللّه عليه وسلم قال: ((اللهم إنّ إبراهيم حرَّم مكة))؛ وأنْ ليس أحدُهما دافعاً صحة معنى الآخر، كما ظنه بعض الجهال . وغيرُ جائز فى أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بعضُها دافعاً بعضًا، إذا ثبت صحّتُها. وقد جاء الخبران اللذان رُويا فى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مجيئاً ظَاهِرًا مستفيضًا يقطعُ ◌ُعُذْرَ من بلغه وأمّا قولُ إبراهيم عليه السلام(٣) : ﴿رَبَّنَا إِلِّى أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَتِِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِىِ زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٧]، فإنه، إن يكن قاله قبل إيجاب اللّه فَرْض تحريمه على لسانه على خلقه، (٤) فإنما عنى بذلك تحريم اللّه إياه الذى حرَّمه بحيياطته إياه وكلاءته ، (٥) من غير تحريمه إياه على خلقه على وجه التعبُّد لهم بذلك - وإن يكن قال ذلك بعد تحريم الله إياه على لسانه على خلقه على وجه التعبَّد ، فلا مسألة لأحد علينا فى ذلك . ٤٢٧/١ (١) كلأه الله يكلؤه كلاء (بفتح فسكون) وكلا (بكسر فسكون) وكلاءة (بكسر الكاف): حرسه وحفظه. وكان فى المطبوعة (الكلاء)) بهمزة مفردة مع المد، وليس صواباً. هذا، وسياق العبارة: ((لأن فرض تحريمها ... كان عن مسألة إبراهيم ربه» . (٢) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام. (٣) فى الأصول: ((وقول إبراهيم))، والصواب زيادة ((أما)) كما يدل عليه السياق. (٤) وفيها: ((إن يكن قال قبل إيجاب الله)). والصواب ما أثبت. (٥) وفيها: ((وكلائه))، والصواب ما أثبت، وانظر التعليق السالف رقم: ١ ٠٢ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ القول فى تأويل قوله تعالى (وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ بِلّهِ وَأَلْيَوْمِ اَلْأَخِرِ) ٥ قال أبو جعفر: وهذه مسألةٌ من إبراهيم ربَّه: أن يرزقَ مؤمنى أهل مكة من الثمرات، دون كافربهم. وخصّ بمسألة ذلك للمؤمنين دون الكافرين، لمّا أعلمه الله - عند مسألته إيّاه أن يجعلَ من ذريته أئمة يقتدى بهم - أنَّ منهم الكافر الذى لا ينال عهدَه، والظالمَ الذى لا يُدرك ولايته. فلمَّا أنْ علم أن من ذريته الظالمَ والكافرّ، خصّ بمسألته ربَّه أنْ يرزق من الثمرات من سكان مكة، المؤمنَ منهم دون الكافر. وقال الله له : إنی قد أجبت دعاءك، وسأرزق مع مؤمنی أهل هذا البلد كافرهم، فأمتعه به قليلاً . وأمّا ((مَنْ)) من قوله: ((مَنْ آمن منهم بالله واليوم الآخر))، فإنه نصبٌ ٥ على الترجمة والبيان عن ((الأهل))، (١) كما قال تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧]، بمعنى: يسئلونك عن قتالٍ فى الشهر الحرام، وكما قال تعالى ذكره: ﴿وِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [ سورة آل عمران: ٩٧] : بمعنى: ولله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا. ٠ ٠ وإنما سأل إبراهيمُ ربه ما سأل من ذلك، لأنه حلّ بوادٍ غير ذى زرع ولا ماء ولا أهل ، فسألَ أن يرزق أهله ثمرًا ، وأن يجعلَ أفئدةً من الناس تهوى إليهم. فذُكِرِ أنّ إبراهيم لما سأل ذلك ربّه، نقل اللّه الطائف من فلسطين. ٢٠٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق بن الحجاج قال ، حدثنا هشام قال، قرأت على محمد بن مسلم: أن إبراهيمَ لما دعا الحرم: ((وارزق أُمْلَهُ من الثمرات)) ، نقل اللّه الطائف من فلسطين . (١) الترجمة: هى عطف البيان أو البدل عند الكوفيين، كما سلف ٢: ٤٢٠،٣٤٠ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمْتَّمُهُ قَلِيلاً﴾ قال أبو جعفر : اختلف أهلُ التأويل فى قائل هذا القول ، وفى وجه قراءته . فقال بعضهم: قائل هذا القول ربُّنا تعالى ذكره. وتأويله على قولهم: قَال: وَمَنْ كفرَ فأمتِّعه قليلاً برزق من الثمرات فى الدنيا ، إلى أن يأتيه أجله . وقرأ قائل هذه المقالة ذلك: ((فأمتِّعُه قليلاً))، بتشديد ((التاء)) ورفع ((العين)). • ذكر من قال ذلك : ٢٠٣٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه عن الربيع ، قال ، حدثنى أبو العالية ، عن أبيّ بن كعب فى قوله : ((ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار))، قال هو قول الرب تعالى ذكره . ٢٠٣٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، قال ابن إسحق: لما قال إبراهيم: ((ربّ اجعل" هذا بلداً آمنا وارزق أهله من الثمرات "مَنْ آمن منهم بالله واليوم الآخر))، وَعدل الدَّعوة عمن أبى اللّهُ أن يجعل له الولاية، = انقطاعاً إلى اللّه، (١) ومحبّة" وفراقاً لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائنٌ منهم ظالم لا ينالُ عهده ، بخبره عن ذلك حين أخبره (٢) = قال الله: ومن كفر - فإنى أرزق البرّ والفاجر - فأمتِّعه قليلاً.(٣) ٠٠٠ وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيمُ خليل الرحمن، على وجه المسألة منه ربّه أن (١) يعنى أن إبراهيم قال ذلك، وصرف الدعوة: ((انقطاعاً إلى الله ... » (٢) فى المطبوعة: ((أنه كان منهم ظالم ... )) والصواب ما أثبت من تفسير ابن كثير. قوله: ((بخبره عن ذلك ... )) سياقه، أنه: عدل الدعوة عمن أبى ... بخبر اللّه عن ذلك حين أخبره. وفى المطبوعة: ((فقال الله ... ))، والفاء مفسدة السياق، فإنه: (( لما قال إبراهيم ... وعدل الدعوة ... قال اهـ ... " (٣) الأثر: ٢٠٣٤ - فى تفسير ابن كثير ١: ٣١٩، وفيه اختلاف فى بعض اللفظ، ولم أجده فى سيرة ابن هشام . ٥٤ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ يرزق الكافر أيضاً من الثمرات بالبلد الحرام ، مثلَ الذى يرزقُ به المؤمنَ ويُمتعه بذلك قليلاً ، (( ثم اضْطرَّه إلى عذاب النار)) - بتخفيف(( التاء)) وجزم ((العين))، وفتح ((الراء )) من ((اضطرَّه))، وفصْل ((ثم اضطرهُ)) بغير قطع ألفها (١) .- على وجه الدعاء من إبراهيم ربه لهم والمسألة . ذكر من قال ذلك : ٠ ٢٠٣٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه عن الربيع قال، قال أبو العالية : كان ابنُ عباس يقول: ذلك قولُ إبراهيم، يسأل ربَّه أنّ من كفر فأمتِعْه قليلاً. ... ٢٠٣٦ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن ليث، عن مجاهد: ((ومن كفرَ فأمتّعُهُ قليلاً))، يقول : ومن كفر فأرزقه أيضاً ، ثم أضْطُرُّهُ إلى عذاب النار. (٢) قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندنا والتأويل ، ما قاله أبى ابن كعب وقراءتُه، لقيام الحجة بالنقل المستفيض درايةً بتصويب ذلك ، وشذوذ ما خالفه من القراءة . وغير جائز الاعتراضُ بمن كان جائزاً عليه فى نقله الخطأ والسهوُ، على من كان ذلك غير جائز عليه فى نقله . وإذْ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : قال اللّه: يا إبراهيم، قد أجبتُ دَعوتك، ورزقتُ مُؤمنى أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم، متاعاً لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضْطر كفارَهم بعد ذلك إلى النار . ٠ وأما قوله: ((فأمتِّعهُ قليلاً)) يَعنى: فأجعل ما أرزقه من ذلك فى حياته (١) هذا رسم القراءة ﴿فَأَمْتِعِهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرَّهُ﴾، على أنهما فعلا أمر ، يراد بهما الدعاء والسؤال . (٢) الأثر: ٢٠٣٦ - كان ينبغى أن يقدم هذا الأثر على ذكر هذه القراءة التى سوف يردها تفسير سورة البقرة : ١٢٦ متاعاً يتمتع به إلى وقت مماته .(١) وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن اللّه تعالى ذكره إنّما قال ذلك لإبراهيم، ٤٢٨/١ جواباً لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمنى أهل مكة . فكان معلوماً بذلك أن الجوابَ إنما هو فيما سألهُ إبراهيم لا فى غيره . وبالذى قلنا فى ذلك قال مجاهد ، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه . (٢) وقال بعضهم : تأويله : فأمتِّعه بالبقاء فى الدنيا . وقال غيره : فأمتِّعه قليلاً فى كفره مَا أقام بمكة ، حتى أبعث محمداً صلى اللّه عليه وسلم فيقتُله، إن أقام على كفره، أو يُحْليه عنها . وذلك وإن كان وجهاً يحتمله الكلامُ، فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه، لما وصفنا. (٣) ٢,٠٠ القول فى تأويل قوله تعالى (ُمَّ أَخْطَرُّهُ - إِلَى عَذَابِ النَّارِ) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ثم أضْطرُّه إلى عذاب النار))، ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها، كما قال تعالى ذكره: ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارٍ الطبرى. وبين من نقل ابن كثير عن الطبرى أن موقعه قبل الأثر رقم: ٢٠٣٤، وسيأتى فى كلام الطبرى بعد قليل ما يقطع بأن هذا الخبر عن مجاهد، بمعزل عن هذه القراءة. فأخشى أن يكون الناسخ قد أسقط الخبر عند النسخ، ثم عاد فوضعه هنا حين انتبه إلى أنه قد أسقطه . وكدت أرده إلى مكانه ، ولكنى آثرت تركه على حاله مع التنبيه على الخطأ ، وفصلته عن الذفى قبله بالنجوم الفاصلة . (١) انظر تفسير ((المتاع)) فيما سلف ١ : ٥٣٩ - ٥٤١. (٢) أنظر الأثر: رقم: ٢٠٣٦، والتعليق عليه. (٣) ما أحسن ما قال أبو جعفر فإن أكثر الكلام، يحتمل وجوهاً، ولكن سياق المعانى وترابطها يوجب معنى واحداً مما يحتمله الكلام. وهذا ما يعنيه بقوله: ((دليل ظاهر الكلام)). وانظر تفسير ((الظاهر" فيما سلف ٢: ١٥ والمراجع قبله وبعده. ٥٦ تفسير سورة البقرة : ١٢٦ (١) جَهَمَّ دَعًا﴾ [سورة الطور: ١٣] ... ومعنى ((الاضطرار))، الإكراه. يقال: ((اضطررت فلاناً إلى هذا الأمر))، إذا ألجأته إليه وحملته عليه . فذلك معنى قوله: (( ثم أضْطرُّه إلى عذاب النار))، أدفعه إليها وأسوقه ، سحبًا وجرًّا على وجهه . القول فى تأويل قوله تعالى (وَبِشْسَ أَلَْصِيرُ) ) قال أبو جعفر: قد دلنا على أن (( بئس )، أصله (( بئس )) من (البُؤُسِ)) ◌ُسكِّن ثانيه، ونقلت حركة ثانيه إلى أوله، كما قيل للكبد کیید، وما أشبه ذلك.(٢) ٠ ٠ ومعنى الكلام : وساءَ المصيرُ عذابُ النار، بعد الذى كانوا فيه من متاع الدنيا الذى متَّعتهم فيها . وأما ((المصير))، فإنه ((مَفْعيل)) من قول القائل: ((صرْت مصيراً صالحاً)»، وهو الموضع الذى يصير إليه الكافرُ بالله من عذاب النار. (٣) (١) قال أبو جعفر فى تفسير هذه الآية (٢٧: ١٣ - ١٤، بولاق): ((يدفعون بإرهاق وإزعاج. يقال منه. دمعت فى قفاه: إذا دفعت فيه)). (٢) انظر ما سلف ٢ : ٣٣٨ - ٣٤٠. (٣) يريد الطبرى أنه المنزل الذى ينتهى إليه، من قولهم: ((أين مصيركم؟))، أى منزلكم. والمصير : العاقبة وما يصير إليه الشىء. ٥٧ تفسير سورة البقرة : ١٢٧ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَ هِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ اُلْبَيْتِ وَإِسْمَعِيِلُ﴾ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وإذْ يَرْفِعُ إبراهيمُ القواعدَ منّ البيت)) ، واذكروا إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت . ٠ ٠٠ و((القواعد)) جمع ((قاعدة))، يقال للواحدة من ((قواعد البيت)) ((قاعدة ))، والواحدة من ((قواعد النساء)) وعجائزهن (( قاعد ))، فتلغی هاء التأنيث، لأنها (((فاعل)) من قول القائل: ((قعدت عن الخيض))، ولاحظ فيه للذكورة ، كما يقال: ((امرأة ظاهر وَطامتٌ))، لأنه لاحظ فى ذلك الذكور ، ولو عنى به ((القعود)) الذى هو خلاف ((القيام))، لقيل: ((قاعدة))، ولم يجز حينئذ إسقاط هاء التأنيث. و((قواعد البيت)) إساسه.(١) ٠٠ ثم اختلف أهل التأويل فى ((القواعد)) التى رفعها إبراهيم وإسمعيل من البيت. أهما أحدثا ذلك ، أم هى قواعد كانت لهُ قبلهما ؟ فقال قوم : هى قواعد بيتٍ كان بناه آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك، ثم ◌َرس مكانُهُ وتعفَّى أثرُه بعده، حتى بوَّأه الله إبراهيم عليه السلام ، فبناه. . ذكر من قال ذلك : ٢٠٣٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء قال : قال آدم: يا رب، إنى لا أسمع أصوات الملائكة ! قال: بخطيتك، ولكن اهبط إلى الأرض، وابن لى بيتاً، ثم احقُفْ به كما رأيتَ (١) الإساس (بكسر الهمزة) جمع أس (بضم الهمزة)، وجمع الأساس، أسس (بضمتين) وجمع الأسس ( بفتحتين) آساس ( بالمد)، وكلها بمعنى واحد. ٥٨ تفسير سورة البقرة : ١٢٧ الملائكة تحُفّ ببيتى الذى فى السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبُل : من ((حِرَاء)) و((ُطُورزَيْتًا))، و((طورسَيْنا))، و((جبل لبنان)) و((الجودى))، وكان رَبَضُهُ من حِراء. فكان هذا بناءَ آدم، حتى بناه إبراهيمُ بعد.(١) ٢٠٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: ((وإذ يرفعُ إبراهيمُ القواعد من البيت))، قال : القواعدُ التى كانت قواعد البيت قبل ذلك. ... وقال آخرون: بل هى قواعدُ بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأرض، يطوفُ به كما كان يطوفُ بعرشه فى السماء، ثم رفعتَه إلى السماء أيامَ الطوفان ، فرفع إبراهيمُ قواعد ذلك البيت . · ذكر من قال ذلك : ٢٠٣٩ -حدثنى محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب، عن أبى قلابة ، عن عبد الله بن عمرو قال: لما أهبطَ اللّه آدم من الجنة قال: إنّ مهبط معك - أو منزِلٌ معك - بيتاً يُطاف حوله كما يطاف "حول" عرشى، وُيُصَلَّى عنده كما يصلَّى عند عرشى. فلما كان زمنُ الطوفان، رُفع، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه ، حتى بوَّأه الله إبراهيم، وأعلمه مكانه ، فبناه من خمسة أجبُل: من ((حراء)) و((ثبير)) و((لبنان)) و(( جبل الطور)) (٢) و((جبل الخمر)). (١) الأثر: ٢٠٣٧ - فى تفسير ابن كثير ١: ٣٢٥، وقال: ((وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن فى بعضه فكارة والله أعلم)). وربض البناء (بفتحتين) وربضه ( بضم فسكون): هو وسطه الذى يربض عليه ، أى يستقر ويثبت . (٢) الخبر: ٢٠٣٩ - عبد الوهاب: هو ابن عبد المجيد الثقفى، وهو ثقة، من شيوخ الشافعى وأحمد وأضرابهما. مترجم فى التهأبب، وابن أبى حاتم ٧١/١/٣، وابن سعد ٧ / ٤٤/٢. أيوب: هو ابن أبى تميمة السختياني، وهو ثقة حجة. قال شعبة: ((كان سيد الفقهاء)). مترجم فى التهذيب، والكبير ٤٠٩/١/١ - ٤١٠، وابن سعد ١٤/٢/٧ - ١٧، وابن أبى حاتم أبو قلابة ، بكسر القاف وتخفيف اللام : هو عبد الله بن زيد الجرمى . وهو تابعى ثقة مشهور . مترجم فى التهذيب، وابن سعد ١٣٣/١/٧ - ١٣٥، وابن أبى حاتم ٥٧/٢/٢ - ٠٥٨ ٥٩ تفسير سورة البقرة : ١٢٧ ٢٠٤٠ -حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا إسمعيل بن علية قال ، حدثنا أيوب ، عن أبى قلابة قال : لما أهبط آدم ، ثم ذكر نحوه . ٢٠٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا هشام ابن حسان، عن سوار [ ختن عطاء]، عن عطاء بن أبى رباح قال: لما أهبطَ ٤٢٩/١ اللّه آدمَ من الجنة، كان رجلاه فى الأرض ورأسه فى السماء ، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم ، یأنس إليهم . فهابته الملائكة ، حتی شکت إلى الله فى دعائها وفى صَلاتها، فخفضه إلى الأرض . فلما فقد ما كان يسمع منهم ، استوحَشَ حتى شكا ذلك إلى الله فى دعائه وفى صلاته . فوُجُه إلى مكة ، فكان موضعُ قدمه قريةً، وخطوُه مفازةً، حتى انتهى إلى مكة . وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن . فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان ، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم فبناه. فذلك قول الله: ((وإذْ بوَأنا لإبراهيم مکان البيت)) .(١) ٢٠٤٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرازق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال: وضع اللّه البيتَ مع آدم ، حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبِطُهُ بأرض الهند . وكان رأسهُ فى السماء، ورجلاه فى الأرض ، فكانت الملائكة تهابه ، فنُقِص إلى ستين ذراعاً: فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم ، فشكا ذلك إلى الله تعالى، فقال الله: يا آدم، إنى قد أهبطت إليك بيتاً تَطُوف به كما يُطاف حَوْل عرشى، وتصلّى عنده كما يصلَّى عند عرشى. وهذا الخبر ذكره السيوطى ١: ١٢٧، ونسبه الطبرى وابن أبى حاتم، والطبرانى، عن ((عبد الله ابن عمرو بن العاص)). وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ٣: ٢٨٨، وقال: ((رواه الطبرانى فى الكبير، موقوفاً، ورجاله رجال الصحيح)). وهو كما قال. ولكن ليس فيه حجة ، ولعله مما كان يسمع عبد الله بن عمرو من أخبار أهل الكتاب . جبل الخمر : هو جبل بيت المقدس، سمى بذلك لكثرة كرومه (ياقوت). (١) الأثر: ٢٠٤١ - فى تاريخ الطبرى ١: ٦١، والزيادة بين القوسين منه. وفى تفسير ٦٠ تفسير سورة البقرة : ١٢٧ فانطلق إليه آدم . فخرج، وُمُد له فى خطوه، فكان بين كل خطوتين مَفازّة . فلم نزّل تلك المفاوز بعد ذلك. فأتى آدمُ البيتَ وطافَ به ، وَمَنْ بعدَه من الأنبياء. ٢٠٤٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن أبان: أن البيت أهبِطَ ياقوتةً واحدةً - أو دُرَّة واحدةً -حتى إذا أغرق اللّه قوم نوح رفعه، وبقى أساسه فبوَّاه اللّه لإبراهيم ، فبناه بعد ذلك. ٠ ٠٠ وقال آخرون: بل كان موضع البيت رَبوة حمراءَ كهيئة القبة. وذلك أن الله لما أراد خلق الأرض ◌َلا الماءَ زَبْدةٌ حمراءُ أو بيضاء، (١) وذلك فى موضع البيت الحرام . ثم دَحا الأرض من تحتها، فلم يزل ذلك كذلك حتى بوأه الله إبراهيم ، فبناه على أساسه . وقالوا: أساسه على أركانٍ أربعةٍ فى الأرض السابعة . • ذكر من قال ذلك : ٢٠٤٤ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال جرير بن حازم ، حدثنى حميد بن قيس ، عن مجاهد قال : كان مَوضع البيت على الماء ، قبل أن يخلق الله السموات والأرض، مثلَ الزَّبْدة البيضاء، ومن تحته دُحِيت الأرض. ٢٠٤٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء وعمرو بن دينار: بعث اللّه رياحاً فصفَّقَت الماء ، فأبرزَتْ فى موضع البيت عنْ حَشَفة كأنها القبة، فهذا البيت منها . فلذلك هى ((أم القُرى)). قال ابن جريج، قال عطاء: ثم وتَدها بالجبال كى لا تُكفأ بمَيْد، فكان أول جبل ((أبو قیس)).(٢) ابن كثير ١: ٣٢٥، وقال ((هذا صحيح إلى عطاء، ولكن فى بعضه نكارة، والله أعلم ))، ومعه أيضاً الأثر الذى سلف رقم : ٢٠٣٧. (١) الزبد (بفتحتين): هو ما يطفو على الماء من رغوته البيضاء. والطائفة من الزبد، زبدة ( بفتح فسكون ) . (٢) صفقت الريح الماء (بفتح الفاء، وبتشديدها مع الفتح): ضربته وقلبته يميناً وشمالا .