النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ تفسير سورة البقرة : ١١٧ فمعنى الكلام : سبحان الله أنَّى يكون له ولد وهو مالك ما فى السموات والأرض، تشهد له جميعاً بدلالتها عليه بالوَحْدانية ، وتقرُّ له بالطاعة ، وهو بارئها وخالقها وُمُوجدها من غير أصْل ولا مثال احتذاها عليه ؟. ٠ ۵ وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده أن مما يشهد له بذلك : المسيحُ ، الذى أضافوا إلى الله جل ثناؤه بُنُوَّته ؛ وإخبارٌ منه لهم أنّ الذى ابتدع السموات والأرض من غير أصْل وعلى غير مثال، هو الذى ابتدع المسيح من غير والد بقدرته.(١) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك: ١٨٥٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((بَديعُ السموات والأرض))، يقول : ابتدع خلقها، ولم یشر که فى خلقها أحد ١٨٥٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((بديع السموات والأرض))، يقول: ابتدعها، فخلقها، ولم يُخْلَق قبلها شىءٌ فيَتَمثَّل به. (٢) ٠ البعيدة، وإن لم أجده فى كتب العربية. والأتيع: لم أجده فى شىء، ولعله أخذه من قولهم: تتابع القوم فى الأرض: إذا تباعدوا فيها على عمى وشدة . يقول : يا أيها الذاهب فى المسالك البعيدة عن سنن الطريق - يعنى به : من ابتدع من الأمور ما لا عهد الناس به، فسلك فى ابتداعه المسالك الغريبة . (١) نقل ابن كثير فى تفسيره ١ : ٢٩٤، عبارة الطبرى ثم قال: ((وهذا من ابن جرير رحمه اللّه كلام جيد، وعبارة صحيحة))، فاستحسن ابن كثير ما خف محمله ، ولكن ما ثقل عليه آنفاً (انظر ص : ٥٢٢ تعليق: ١ ) كان مثاراً لاعتراضه، مع أنه أعلى وأجود وأدق وألطف، وأصح عبارة ، وأعمق غوراً. وهذا عجب من العجب فيما قاله ابن جرير من قلة معرفة الناس بسلامة فهمه، ولطف إدراكه. (٢) الأثر: ١٨٥٩ - كان فى المطبوعة: ((ولم يخلق مثلها شيئاً فتتمثل به))، وهو كلام فاسد . والصواب فى الدر المنثور ١: ١١٠. ٥٤٢ تفسير سورة البقرة : ١١٧ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذَا قَضَىءٌ أَمْرًا فَإِنَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وإذا قضى أمراً))، وإذا أحكم أمراً وَحتَّمه .(١) .. . وأصل كل ((قضاء أمرٍ)): الإحكام، والفراغُ منه. (٢) ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس: ((القاضى)» بينهم ، لفصله القضاء بين الخصوم ، وقطعه الحكم بينهم، وفراغه منه به.(٣) ومنه قيل للميت: ((قد قضى))، يراد به: قد فرغ من الدنيا وفصّل منها. ومنه قيل: ((ما يَنقضى عجبى من فلان))، يراد : ما ينقطع . ومنه قيل: ((تَقضَّى النهار))، إذا انصرم، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبَّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاه) [سورة الإسراء: ٢٣]، أى: فَصَل الحكم فيه بين عباده، بأمره إيّاهم بذلك، وكذلك قوله: ﴿ وَقَضَّيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِ الكِتَابِ﴾ [سورة الإسراء: ٤١]، أى أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به، ففرغنا إليهم منه. ومنه قول أبي ذؤيب : دَاوُدُ أوْصَنَعَ التََّابِعِ تُبَعُ(٤) وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَ تَن ، قَضَاءاً (١) حتم الأمر: قضاه قضاء لازماً . (٢) كان فى المطبوعة: ((قضاء الإحكام))، والصواب ما أثبت .. (٣) فى المطبوعة ((فراغه)) وزيادة ((منه)) واجبة. (٤) ديوانه: ١٩، والمفضليات: ٨٨١ وتأويل مشكل القرآن: ٣٤٢، وسيأتى فى تفسير الطبرى ١١: ٦٥، ٢٢: ٤٧ (بولاق)، من قصيدته التى فاقت كل شعر ، يرثى أولاده حين ماتوا بالطاعون. والضمير فى قوله: ((وعليهما)) إلى بطلين وصفهما فى شعره قبل، كل قد أعد عدته : فَتَنَدَا فَتَوَاقَتْ خَيْلاًمَا وَكِلَاهَاَ بَطَلُ اللَّهَاهُ مُخَدِّعُ بِبَلَائِهِ، واليَوْمُ يومٌ أَشْتَعُ مُتَحَامَِّيْنِ المجدَ، كُلٌّ وَائِقْ ٥٤٣ تفسير سورة البقرة : ١١٧ ویروی : « وَنعاورا مسرودَ تین قَضَاهُم)(١) . ويعنى بقوله: ((قضاهما))، أحكمهما. ومنه قول الآخر فى مَدْح عمرّ بن .الخطاب رضى الله عنه : (٢) قَفَيْتَ أُمُوراً مُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا بَوَائِقَ فِىِ أَكْمَامِهَا لَمْ تَفْتَّقٍ (٢) ويروى: ((بوائج)). (٤) وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَنِ .. ((مسرودتان))، يعنى درعين، من السرد، وهو الخرز أو النسيج، قد نسجت حلقهما نسجاً محكماً . وداود: هو نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وتبع: اسم لكل ملك من ملوك حمير (انظر ما سلف ٢ : ٢٣٧). قال ابن الأنبارى: ((سمع بأن الحديد سخر لداود عليه السلام، وسمع بالدروع التبعية، فظن أن تبعاً عملها . وكان تبع أعظم من أن يصنع شيئاً بيده، وإنما صنعت فى عهده وفى ملكه)). والصنع: الحاذق بعمله، والمرأة: صناع. ويروى: ((وعليهما ماذيتين))، يعنى درعين. والماذية: الدرع الخالصة الحديد ، اللينة السهلة . (١) ((تعاورا))، يعنى - كما قالوا: تعاورا بالطعن، مسرودتين. من قرلهم: تعاورنا فلاناً بالضرب : إذا ضربته أنت ثم صاحبك . ورأبي أنها رواية مرفوضة ، لا تساوق الشعر فإنه يقول بعده : فِيهَاَ سِنَانٌ، كالمنَارَةِ أَصْلَعُ وَكِلاَ مَاَ فِ كَفِّهِ يَزَنِيّةٌ عَضْباً، إِذَا مَسَّ الضَّرِيبَةَ يَقْطَعُ وَكَلاَمَاَ مُتَوَشَخْ ذَا رَوْنقٍ كَنَوَافِذِ الْمُبُطِ الّتِى لَا تُرْفَعُ فَتَخَالَمَا نَفْسَيْهِمَاَ بِنَوَافِذٍ فهو يصف ، ثم يخبر أنهما قد تضاربا ضرباً مهلكاً ، ولا معنى لتقديم الطعن ثم العود إلى صفة السلاح ، إلا على بعد واستكراه . (٢) هو جزء بن ضرار، أخر الشماخ بن ضرار. وقد اختلف فى نسبتها. نسبت الشماخ، ولغيره، حتى نسبوها إلى الجن (انظر طبقات فحول الشعراء: ١١١، وحماسة أبى تمام ٣: ٦٥، وابن سعد ٣ : ٢٤١، والأغانى ٩: ١٥٩، ونهج البلاغة ٣: ١٤٧، والبيان والتبيين ٣: ٣٦٤، وتأويل مشكل القرآن: ٣٤٣، وغيرها كثير). هذا والصواب أن يقول: ((فى رثاء عمر بن الخطاب)). (٣) البوائق جمع بائقة: وهى الداهية المنكرة التى فتحت ثغرة لا تسد. والأكمام جمع كم ( بضم الكاف وكسرها). وهو غلاف الثمرة قبل أن ينشق عنه. وقوله: ((لم تفتق))، أصلها: تتفتق، حذف إحدى التاءين. وتفتق الكم عن زهرته: انشق وانفطر. ورحم الله عمر من إمام جمع أمور الناس حياته، حتى إذا قضى انتشرت أمورهم ! (٤) بوائج جمع بائجة: وهى الداهية التى تنفتق انفتاقاً منكراً فتعم الناس ، وتتابع عليهم شرورها . من قرلهم : باج البرق وانباج وتبوج: إذا لمع وتكشف وعم السحاب ، وانتشر ضوؤه . ٥٤٤ تفسير سورة البقرة : ١١٧ ٠٠٠ وأما قوله: ((فإنما يقول له كنْ فيكونُ))، فإنه يعنى بذلك: وإذا أحكم أمرًاً فحتَّمَه، فإنما يقول لذلك الأمر: ((كن))، فيكون ذلك الأمر على ما أمرَه الله أن يكون ، وأراده . ٠ قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: ((وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون))؟ وفى أىِّ حال يقول للأمر الذى يقيضه: ((كن))؟ أفى حال عدمه - وتلك حال لا يجوز فيها أمره، (١) إذا كان مُحالاً أن يأمر إلا المأمورَ، فإذا لم يكن المأمورُ استحال الأمر؛ وكما محالٌ الأمرُ من غير آمر، فكذلك محالٌ الأمر من آمر إلاّ لمأمور.(٢) أم يقول له ذلك فى حال وجوده ؟ = وتلك حالٌ لا يجوز أمره فيها بالحدوث ، لأنه حادث موجودٌ . ولا يقال للموجود: (((كن موجودًاً))، إلا بغير معنى الأمر بحدوث عينه ؟ قيل : قد تنازع المتأوّلُون فى معنى ذلك . ونحن مخبرون بما قالوا فيه ، والعللِ التى اعتلَّ بها كل فريق منهم لقوله فى ذلك: (٣) ... قال بعضهم : ذلك خبَرٌ من الله جلّ ثناؤه عن أمره المحتوم - على وجه القضاء لمن قضى عليه قضاءً من خلقه الموجودين - أنه إذا أمره بأمر نفذَ فيه (١) فى المطبوعة: ((وتلك حال لا يجوز أمره))، بإسقاط ((فيها))، وهى واجبة، واستظهرتها من السياق ومن الشطر الآتى من السؤال . (٢) فى المطبوعة: ((كما محال الأمر))، بإسقاط الواو، وهى واجب إثباتها. ويعنى بقوله: ((المأمور)»، أى الموجود المأمور. (٣) أحب أن أنبه قارىء هذا التفسير، أن يلتى باله إلى سياق الطبرى أقوال القائلين، وكيف يخلص هو المعانى بعضها من بعض، وكيف يصيب الحبعة بعقل ولطف إدراك ، وسعة بيان عن معافى الكلام ، ومن تأويل آيات كتاب ربنا سبحانه وتعالى ثم لينظر بعد ذلك أقوال المفسرين ، وكيف تجنبوا الإيفال فيما توغل هو فيه ، ثقة بعون الله له ، ثم اتباعاً لأهدى السبل فى طلب المقاصد. ٥٤٥ تفسير سورة البقرة : ١١٧ قضاؤه، وَمَضى فيه أمرُه. نظيرُ أمره مَنْ أمرمِنْ بنى إسرائيل بأن يكونوا قِرَدة خاسئین،وهم موجودون فی حال أمره إیاهم بذلك،وحتمٍ قضائه عليهم بما قضى فيهم. وكالذى خسف به وبداره الأرضَ ، وما أشبه ذلك من أمره وقضائه - فيمن كان موجوداً من خلقه ، فى حال أمره المحتوم عليه . فوجّه قائلو هذا القول قوله: ((وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون))، إلى الخصوص دون العموم ٠ ٠ وقال آخرون : بل الآية عامٌ ظاهرها ، فليس لأحد أن يُحيلها إلى باطن بغير حجة يجب التسليم لها. (١) وقال: إن اللّه عالم بكل ما هو كائن قبل كونه. فلما کان ذلك کذلك ، کانت الأشياء التی لم تکن ۔۔ وهی کائنة ، لعلمه بها قبل كونها - نظائر التى هى موجودة، فجاز أن يقول لها: ((كونى ))، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصوُّر جميعها له، ولعلمه بها فى حال العدم . ٠ وقال آخرون: بل الآية، وإن كان ظاهرُها ظاهرَ عمومٍ، فتأيلها الخصوصُ. لأن الأمر غير جائز إلا لمأمور، على ما وصفتُ قبلُ . قالوا : وإذْ كان ذلك كذلك ، فالآية تأويلها : وإذا قضى أمراً : من إحياء ميّت ، أو إمانة حى ، ونحو ذلك، فإنما يقول لحىّ: ((كن مَيتّاً، أو لميت: كن حيًّا))، وما أشبه ذلك من الأمر . ... وقال آخرون : بل ذلك من اللّه عز وجل خبرٌ عن جميع ما ينشئه ويكوِّنْه ، أنه إذا قَضَاه وخلقه وأنشأه، كان وَوُجد . ولا قولَ هنالك عند قائلى هذه المقالة، إلاّ وُجود المخلوق وحدوث المقضىّ -. وقالوا: إنما قول الله عز وجل: ((وإذا (١) انظر معنى: ((الظاهر، والباطن)) فيما سلف: ٢: ١٥ والمراجع. .ح) (٣٥) ٥٤٦ تفسير سورة البقرة : ١١٧ قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون))، نظيرُ قول القائل: ((قال فلان برأسه »، و ((قالَ بيده))، إذا حرك رأسه، أو أوماً بيده، ولم يقل شيئاً، وكما قال أبو النجم: وَقَلَتِ الأَنْتَاعُ لِلِبَطْنِ الْحَقِ قِدْماً، فَآَضَتْ كَالْفَنِيقِ الْمُخْنِقِ(١) ولا قول هنالك ، وإنما ◌َنى أنّ الظهر قد لحق بالبطن ، وكما قال عمرو ابن ◌ُمَةَ الدَّوْسىّ: (٢) فَأَسْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طَرَتْ فِرَاخُه إذَا رَامَ قَطْيَاراً يُقَالُ لَهُ: قَمِ (٣) ولا قول هناك، وإنما معناه: إذا رَام طَيرَاناً وقع، وكما قال الآخر: أَمْتَلاَّ الحوْضُ وَقَالَ: قَطْنِى! سَلاَّ رُوَيْدًا، قَدْ مَلَأْتُ بْطِى(٤)! ٠٠ قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب فى قوله: ((وإذا قضى أمرا فإنما يقول (١) لم أجد الرجز كاملا، والبيتان فى اللسان (حنق). يصف فاقة أنضاها السير. والأنساع جمع نسع ( بكسر فسكون)، وهوسير يضفر عريضاً تشد به الرحال . ولحق البطن يلحق لحرقاً: ضمر. أى قالت سيور التصدير لبطن الناقة: كن ضاءراً . يعنى بذلك ما أضناها من السير . وقدماً : أى منذ القدم ، قال بشامة بن الغدير . لاَ تَظْلُوْنَا، وَلاتَنْسَوْا قَرَابَتَنَا إِلُوا إِلَيْنَا، فَقَدْمَا تَعْطِفُِ الرَّحِمُ ويعنى أبو النجم: أن الضمور قد طال بها، فإن الأنساع قالت ذلك منذ زمن بعيد. وآض: صار ورجع . والفنيق الجمل الفحل المودع الفحلة ، لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم ، فهو ضخم شديد التركيب . والمحنق: الضامر القليل اللحم. والإحناق: لزوق البطن بالصلب. (٢) يقال له أيضاً: كعب بن حمية، وهو أحد المعمرين، زعموا عاش أربعمئة سنة غير عشر سنين. وهو أحد حكام العرب، ويقال إنه هو ((ذو الحلم)» الذى قرعت له العصا"، فضرب به المثل. (٣) كتاب المعمرين: ٢٢، وحماسة البحترى: ٢٠٥، ومعجم الشعراء: ٢٠٩، وهى أبيات. (٤) أمالى ابن الشجرى١: ٢،٣١٣: ١٤٠، والثان (قطط) . وفى المطبوعة: ((سيلا))، والصواب فى اللسان وأمالى ابن الشجرى، والرواية المشهورة ((مهلا رويداً) . وقعلى: حسبى وكفافى، والنحاة كلام كثير فى ((قطنى)). وقوله ((سلا)): كأنه من قرهم: انسل السيل: وذلك أول ما يبتدى. حين يسيل ، قبل أن يشتد . كأنه يقول : صباً رويداً . ٥٤٧ تفسير سورة البقرة : ١١٧ له كنْ"فيكون)) أن يقال: هو عامٌّ فى كل ما قضاه اللّه وَبَرأه. لأن ظاهرَ ذلك ظاهر عموم ،وغیر جائزة إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل، بغیر برهان،لما قد بينا فى كتابنا ( كتاب البيان عن أصول الأحكام ) . وإذا كان ذلك كذلك، فأمر الله جل وعز لشىء إذا أراد تكوينه موجوداً بقوله: ((كن)) فى حال إرادته إياه مكوَّناً ، لا يتقدم وُجود الذى أراد إيجاده وتكوينه، (١) إرادته إياه ولا أمرَه بالكون والوجود. ولا يتأخّر عنه. (٢) فغير جائز أن يكون الشىء مأموراً بالوجود مراداً كذلك، إلاّ وهو موجود ؛ ولا أن يكون موجوداً ، إلا وهو مامو ر بالوجود مراد كذلك . ونظيرُ قوله: ((وإذا قَضَى أمراً فإنما يقول له كن فيكون)) قوله: (وَمِنْ ٤٠٦/١ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إذَا أَْتُمْ تَخْرُجُون﴾ [سورة الروم: ٢٥]، فإن خروج القوم من قبورهم، لا يَتقدَّمُ دعاء الله ولا يتأخر عنه . ٥ ٠ ٥ وُيُسأل من زعم أنّ قوله: ((وإذا قَضَتى أمرًا فإنما يقولُ له كن فيكون ))، خاصٌ فى التأويل، اعتلالاً بأن أمرَ غير الموجود غيرُ جائز - (٣) عن دعوة أهل القبور ، قبل ◌ُخروجهم من قبورهم، أم بعده ، أم هى فى خاص من الخلق ؟ فلن يقول فى ذلك قولاً إلاّ ألزم فى الآخر مثله. ویسألُ الذین زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه: « فإنما يقول له کن فیکون)) ، نظيرُ قول القائل: ((قال فلانٌ برأسه أو بيده))، إذا تحرّكه وأوماً، ونظير قول الشاعر : (٤) (١) فى المطبوعة: ((وجوده)) الذى أراد إيجاده)) وزيادة الماء فى ((وجوده)) لا مكان لها. (٢) يقول: إن وجود الشىء، لا يتقدم إرادة الله وأمره، ولا يتأخر عنهما. (٣) يقول: ((يسأل من زعم ... عن دعوة أهل القبور)). (٤) هو المثقب العبدى. ٥٤٨ تفسير سورة البقرة : ١١٧ تَقُولُ إِذَا دَرَأْتُ لَمَا وَضِينِى: أَهْذا دِينُه أَبَدًا وَدِينِى(١)! وما أشبه ذلك -: فإنهم لاَ صوابَ اللغة أصابوا، ولا كتابَ الله وما دكت على صحته الأدلة اتبعوا - فيقال لقائلى ذلك: إن اللّه تعالى ذكرُه أخبر عن نفسه أنّه إذا قضى أمراً قال له: ((كن))، أفتنكرون أن يكون قائلاً ذلك ؟ فإن أنكروه كذّبوا بالقرآن وخرجوا من الملة . وإن قالوا: بل نقرُّ به، ولكنا نزعم أنّ ذلك نظيرُ قول القائل: ((قال الحائط فمال))، ولا قول هنالك ، وإنما ذلك خبرٌ عن ميل الحائط. قيل لهم : أفتجيزون للمخبر عن الحائط بالميل أن يقول : إنما قَول الحائط إذا أرادَ أن يميل ، أن يقول هكذا فيميل ؟ فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب ، وخالفوا منطقها وما يعرف فى لسانها . وإن قالوا : ذلك غير جائز. قيل لهم: إن الله تعالى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشىء إذا أراده أن يقول له: ((كن فيكون)). فأعلم عبادَه قوله الذى يكونُ به الشىء ، ووصفه ووحده . وذلك عند کم غير جائز فى العبارة عما لا کلام له ولا بیان فى مثل قول القائل: ((قال الحائط فمال)»، فكيفَ لم يعلموا بذلك فَرْق ما بين معنى قول الله: ((وإذا قَضَى أمرًاً فإنما يقول له كن فيكون))، وقول القائل: ((قال الحائط فمال))؟ (١) المفضليات: ٥٨٦، والكامل ١: ١٩٣ وطبقات فحول الشعراء: ٢٣١، وسيأتى فى تفسيره ٤ : ١١٢ (بولاق) من قصيدة جيدة ، يقول قبله فى ناقته: تَأَوَّهُ آهَةَ الرُّجُلِ الحَزِينِ إِذَا مَا قُنْتُ أَرْعُلُهَا بِلَيْلٍ ودرأ الوضين لناقته: بسطه على الأرض، ثم أبركها عليه ليشد عليها رحلها . والوضين: حزام عريض من جلد منسوج يشد به رحل البعير . والدين : الدأب والعادة . ٥٤٩ تفسير سورة البقرة : ١١٧ والبيان عن فساد هذه المقالة موضعٌ غير هذا، نأتى فيه على القول بما فيه الكفاية إن شاء الله. ٠٠ ٠ وإذا كان الأمر فى قوله جل ثناؤه: ((وإذَا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون))، هو ما وصفنا، من أنّ حالَ أمره الشىءَ بالوجود حالُ وجود المأمور بالوجود، فبَيِّنّ بذلك أنّ الذى هو أولى بقوله( فيكون))(١)، الرفعُ على العطف على قوله (٢): ((يقول)). لأن ((القول)) و((الكون)) حالهما واحد. وهو نظير قول القائل: ((تاب فلان فاهتدى)) و((اهتدى فلان فتاب))، لأنه لا يكون تائباً إلا وهو مهتدٍ، ولا مهتدياً إلاّ وهو تائبٌ. فكذلك لا يكون أن يكون الله آمراً شيئاً بالوجود إلا وهو موجود ، ولا موجوداً إلا وهو آمرُه بالوجود . ولذلك استجاز من استجازَ نَصْب ((فيكونَ)) مَنْ قرأ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ ﴾ [سورة النحل: ٤٠]، بالمعنى الذى وصفنا، على معنى : أن نقولَ فيكونَ . وأمّا رَفْع من رفَع ذلك، (٣) فإنه رأى أن الخبر قد تمّ عند قوله: ((إذا أردناهُ أنْ نقولَ له كن)). إذْ كان معلوماً أن الله إذا حَتَم قضاءَه على شىءٍ ، : كان المحتومُ عليه موجوداً. ثم ابتدأ بقوله: ((فيكون))، كما قال جل ثناؤه ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِى الأَرْحَامِ مَا نَشَاءِ﴾ [سورة الحج: ٥]، وكما قال ابن أحمر: يُعَلِجُ عَاقِراً أَعْيَتْ عَلَيْهِ لِيُلْفِجَهَا فَيَنْتِجُهَ حُوَارًا(٤) (١) فى المطبوعة: ((فتبين))، والصواب ما أثبت. (٢) فى المطبوعة: ((فيكون على العطف)) سقط من الناسخ قوله: ((الرفع)). (٣) وهذه هى قراءة مصحفنا اليوم . (٤) المعانى الكبير: ٨٤٦، ١١٣٤، وسيبويه ١ : ٤٣١، من أبيات يذكر صديقاً كان له ، يقول : أَرَانَاَ لا يَزَالُ لَنَا ◌َحِيمٌ كَدَاء البَطْنِ سِلاَّ أو صُفَرَا تفسير سورة البقرة : ١١٨،١١٧ يريد : فإذا هو ينتجها حواراً . ٠٠ فمعنى الآية إذاً : وقالوا اتخذ الله ولداً ، سبحانه أن يكون له ولد ، بل هو مالك السموات والأرض وما فيهما، كل ذلك مقرّ له بالعبودية بدلالته على وحدانيته. وأنَّى يكون له ولد ! وهو الذى ابتدع السموات والأرض من غير أصل، كالذى ابتدع المسيح من غير والد بمقدرته وسلطانه ، الذى لا يتعذر عليه به شىء أراده ، بل إنما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه: ((كن))، فيكون موجوداً كما أراده وشاءه . فكذلك كان ابتداعه المسيح وإنشاؤه ، إذ أراد خَلْقه من غير والد . القول فى تأويل قوله ﴿وَقَلَ الَّذِينَ لاَ يَغْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَاَ اللهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل فيمن عنى الله بقوله: ((وقال الذّين ٤٠٧/١ لا يعلمون لَولا يكلمنا اللّه)). فقال بعضهم: عنى بذلك النصارى. ذكر من قال ذلك : ١٨٦٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا لِمُلْفِجَهَا، فَيَنْتِجُهاَ حُوَارًا يُعَلِجُ عَاقِراً أَعْيَتْ عَلَيْهِ بِشِرَتِهِ فَتَرِكُنَا قَبَارَا وَيَزْعُ أَنَّ نَازٍ عَلَيْنَا جعل هذا الصديق كداء البطن لا يدرى من أين يهج ولا كيف يتأتى له . وهو يعالج من الشرما لا يقدر عليه ، فكأنه يطلب الولد من عاقر . جعل ذلك مثلا . والحوار : ولد البقرة . والشرة : حدة الشر ، والتبار : الهلاك . ٠٠١ تفسير سورة البقرة : ١١٨ عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله جل وعز: (( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية))، قال: النصارى تقولُه. ١٨٦١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد مثله - وزاد فيه: (( وقال الذين لا يعلمون)»، النصارى. ٠٠٠ وقال آخرون : بل على الله بذلك اليهود الذين كانوا فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك: ١٨٦٢ ۔حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بکیر ۔۔ وحدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل - قالا جميعاً، حدثنا محمد بن إسحق قال، حدثنى محمد بن أبى محمد قال ، حدثنى سعيد بن جبير، أو عكرمة،عن ابن عباس قال : قال رافع بن ◌ُحُرَيْملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنْ كنت رسولاً من عند الله كما تقول، فقل الله عز وجل" فليكلِّمْنا حتى نسمع كلامه! فأنزل الله عز وجل فى ذلك من قوله: (( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا اللّه أو تأتينا آية)) الآية كلها . (١) ٠ ٠ وقال آخرون: بل عنى بذلك مشرکی العرب . ذ کر من قال ذلك: ١٨٦٣ -حدثنا بشر بن معاذ : قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية))، وهم كفار العرب . ١٨٦٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((وقال الذين لا يعلمون لولا يكلُّمنا اللّه))، قال: هم كفار العرب . ١٨٦٥ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن (١) الأثر: ١٨٦٢ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩٨. ٠٠٢ تفسير سورة البقرة : ١١٨ السدى: ((وقال الذين لا يعلمون كولا يكلّمنا اللّه))، أما (الذين لا يعلمون))، فهم العرب . ٠٠ وأولى هذه الأقوال بالصحة والصواب قولُ القائل: إن الله تعالى عنى بقوله : ((وقال الذين لا يعلمون)) النصارى. دون غيرهم. لأن ذلك فى سياق خبر الله عنهم ، وعن افتراثهم عليه، وادّعائهم له ولدًا، فقال جل ثناؤه خبراً عنهم فيما أخبر عنهم من ضلالتهم: أنهم مع افترائهم على الله الكذب بقولهم: ((اتخذ الله ولداً))، تمنّوا على اللّه الأباطيل، فقالوا جهلاً منهم بالله . ويمنزلتهم عنده ، وهم بالله مشركون: ((لولا يكلمنا الله)) كما يكلّم رسله وأنبياءه، أو تأتينا آية كما أُتهم ؟ ولا ینبغی لله أن یکلم إلا أولیاءه، ولا یتی آية معجزةً على دعوى مدْعٍ إلا لمن کان محقًّا فى دعواه وداعياً إلى الله وتوحيده؛ فأما من كان كاذباً فى دعواه وداعياً إلى الفرية عليه ، وادعاء البنين والبنات له ، فغير جائز أن يكلمه الله جل ثناؤه ، أو يؤتيه آية معجزة تكون مؤيِّدة كذبه وفريته عليه . وأمّا الزاعمُ أن الله عنى بقوله(١): ((وقال الذين لا يعلمون))، العرب، فإنه قائلٌ قولاً لا خبرَ بصحته، ولا برهانَ على حقيقته فى ظاهر الكتاب. والقول إذا صارَ إلى ذلك ، كان واضحاً خطؤه ، لأنه ادّعى ما لا برهان على صحته . وادعاء مثل ذلك لن يتعذر على أحد . ٠٠٠ وأما معنى قوله: ((لولا يكلّمنا اللّه)) فإنه بمعنى: هَلاَّ يكلمنا الله، كما قال الأشهب بن رُمَيْلة(٢) (١) فى المطبوعة: ((وقال الزام ... )) والصواب ما أثيت، كما استدركه مصحح المطبوعة. (٢) ليس للأشهب، بل هو لجرير، وقد تابعه ابن الشجرى فى أماليه ٢: ٢١٠، كأنه نقله عنه كعادته . ٥٥٣ تفسير سورة البقرة : ١١٨ تُدُّونَ عَقْرَ النَّبِ أَفْفَلَ يَجْذِكُمْ بَنِ ضَوْطَرَى، ولاَ الْكَمِّ المُقَنَّا!(١) بمعنى : فهلاً تَعدون الكى المقتع! كما : ١٨٦٦ - حدثنا الحسن بن يحي قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((لولا يكلّمنا اللّه))، قال: فهلاً بكلمنا اللّه ! ٠٠٠ قال أبو جعفر: فأما ((الآية))، فقد ثبت فيما قبلُ معنى ((الآية))، أنها العلامة. (٢) وإنما أخبر اللّه عنهم أنهم قالوا: هلا تأتينا آية على ما نريد ونسأل(٣)، كما (١) ديوان جرير: ٣٣٨، النقائض: ٨٣٣، وسيأتى فى التفسير ٧: ١١٩ (بولاق) غير منسوب، وبجاز القرآن: ٥٢، وأمالى ابن الشجرى ١: ٢٧٩، ٢/٣٣٤: ٢١٠، والخزانة ١ : ٤٦١. وراية الديوان والنقائض: ((أفضل سعيكم)). والبيت من قصيدة طويلة فى مناقضة جرير والفرزدق. وقوله: ((عقر النيب)). عقر الناقة أو الفرس: ضرب قوائمها فقطعها، وكانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه، ثم نحروه، وإنما يفعلون به ذلك كيلا يشرد عند النحر. وكان العرب يتكارمون بالمعاقرة. وهى أن يعقر هذا ناقة، فيعقر الآخر، يتباريان فى الجود والسخاء، ويلحان فى ذلك حتى يغلب أحدهما صاحبه. والنيب جمع ناب : وهى الناقة المسنة، أسموها بذلك لطول نابها. ويشير جرير بذلك إلى ما كان يفخر به الفر زدق من معاقرة أبيه غالب بن صعصعة، محيم بن وثيل الرياحى بمكان يقال له ((صور)»، فعقر محيم خمساً ثم بدا له ، وعقر غالب مثة، أو مئتين. وهذا أمر من أمور الجاهلية ، قال ابن عباس : (( لا تأكلوا من تعاقر الأعراب، فإنى لا آمن أن يكون مما أهل لغير الله به)»، وقال على رضى الله عنه: ((يا أيها الناس، لا تحل لكم، فإنها أهل بها لغير الله)). (انظر خبر المعاقرة فى النقائض: ٦٢٥ - ٦٢٦) . وقوله: ((بنى ضوطری)»،، يعنى: يا بنى الحمقى. هكذا قيل، وأخشى أن لا يكون كذلك، فإن: ((ضوطرى)) نبز لرجل من بنى مجاشع بن دارم - لم يعينوه - فقال جرير الفر زدق : إنّ ابن شِعْرةَ، والغَرِينَ، وَضَوْطَرَي بِئْسَ الْفَوَارِسُ لَيْلَةَ الحَدَثَانِ فهذا دليل على أنه شخص بعينه ، أرجو أن أحققه فى غير هذا المكان . وقد أراد ذمه بأسلافه على كل . والكمى : الشجاع الذى لا يرهب ، فلا يحيد عن قرفه ، كان عليه سلاح أو لم يكن . وقوله: ((تعلون)) أى تحسبون وتجعلون، فعدى الفعل ((عد)) إلى مفعولين، تضميناً لمعنى (( جعل وحسب »، كما قال ذو الرمة : أَثَرُّ أَغَرُّ أَزْهَرُ مِبْرِزِىٌّ يَعُدُّ القَاصِدِينَ لَهُ عيلاً (٢) انظر ما سلف ١ : ١٠٦. (٣) فى المطبوعة: ((عماتريد، ونسأل))، والصواب ما أثبت. ٠٠٤ تفسير سورة البقرة : ١١٨ تت الأنبياء والرسل! فقال عز وجل: ((كذلك قال الّذين منْ قبلهم مثل قولهم )) . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿كَذَّلِكَ قَالَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَبَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: ((كذلك قّال" ين من قبلهم مثلَ "قولهم)). فقال بعضهم فى ذلك بما : - ١٨٦٧ -حدثنی به محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم» ، هم اليهود . ١٨٦٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((قال الذين من قبلهم )) ، اليهود . ٠ ٠٠ وقال آخرون: هم اليهود والنصارى، لأن ((الذين لا يعلمون))، هم العرب. (١) • ذكر من قال ذلك : ٤٠٨/١ ١٨٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قال: ((الذين من قبلهم))، يعنى اليهود والنصارى وغيرهم . ١٨٧٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قال : قالوا : - يعنى العرب - كما قالت اليهود والنصارى من قبلهم. ١٨٧١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، (١) فى المطبرعة: ((هم اليهود))، والصواب ما أثبت، كما استظهره مصحح المطبوعة، ودليل ذلك أنه سيروى بعد عن قتادة، وقد مضى فى رقم: ١٧٦٣ بإسناده هذا عن قتادة: أن ((الذين لا يعلمون)»، هم كفار العرب، والأثر التالى تتمة هذا الأثر السالف تفسير سورة البقرة : ١١٨ عن أبيه، عن الربيع: ((كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم))، يعنى اليهود والنصارى . قال أبو جعفر: قد دكلنا على أنّ الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: ((وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله))، هم النصارى، والذين قالوا مثل قولهم هم اليهود(١): سألتْ موسى صلى الله عليه وسلم أن يريهم ربهم جهرة، (٢) وأن يسمعهم كلام ربهم - كما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا - (٣) وسألوا من الآيات ما ليس له مسألته تحكماً منهم على ربهم . وكذلك تمنت النصارى على ربها تحكماً منها عليه ، أن يسمعهم كلامه ، ويريهم ما أرادوا من الآيات. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا من القول فى ذلك، مثل الذى قالته اليهود، وتمنَّت على ربها مثل أمانيها ، وأنّ قولهم الذى قالوه من ذلك، إنما يشابه قول اليهود ، من أجل تشابه قلوبهم فى الضلالة والكفر بالله. فهم وإن اختلفت مذاهبهم فى كذبهم على اللّه وافترائهم عليه ، فقلوبهم متشابهة فى الكفر بربهم والفرية عليه ، وتحكمهم على أنبياء الله ورسله عليهم السلام . وبنحو ما قلنا فى ذلك قال مجاهد : ١٨٧٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد: « تشابهت 'قلوبهم ))، قلوب النصارى واليهود . وقال غيره: (٤) معنى ذلك : تشابهت قلوبُ كفار العرب واليهود والنصارى وغيرِهم . ذكر من قال ذلك : ١٨٧٣ -حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن (١) فى المطبوعة: ((والذين قالت)). والضمير فى قوله ((والذين قالوا)) إلى النصارى يعود. وانظر دليله فيما سلف قريباً : ٥٥٠ (٢) فى المطبوعة: ((وسألت موسى))، وحذف الواو أولى. وكان أحب أن تكون ((سألوا)) مكان ((سألت)) . (٣) انظر ما سلف فى تفسير الآية: ٥٥، والأثر : ٩٥٩ (٤) فى المطبوعة: ((وقال غيرهم))، والصواب ما أثبت، فإنه روى قيل مجاهد وحده . ٠٥٦ تفسير سورة البقرة : ١١٨ قتادة: ((تشابهت قلوبهم )) ، يعنى العرب واليهود والنصارى وغيرهم . ١٨٧٤ - حدثنى المثنى ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: ((تشابهت قلوبهم))، يعنى العرب واليهود والنصارى وغيرهم . ٠ ٠ قال أبو جعفر: وغير جائز فى قوله، ((تشا بهت)) التثقيل. لأن ((التاء)» التى فى أولها زائدة، أدخلت في قوله: ((تفاعل))، وإن ثقلت صارت تاءين . ولا يجوز إدخال تاءين زائدتين علامة لمعنى واحد . وإنما يجوز ذلك فى الاستقبال ، لاختلاف معنى دخولهما ، لأن إحداهما تدخل علماً للاستقبال ، والأخرى منهما التى فى ((تفاعل))، ثم تدغم إحداهما فى الأخرى فتثقَّل، فيقال: تشَّبه بعدَ اليوم قلوبُنا(١). . . . فمعنى الآية : وقالت النصارى ، الجهالُ باللّه وبعظمته: هلاّ يكلمنا الله ربنا ، کما حلم أنبياءه ورسله ، أو تجیئنا علامةٌ من الله نعرف بها صدق ما نحن عليه على ما نسأل ونريد؟ قال الله جل ثناؤه: فكما قال هؤلاء الجهال من النصارى وتمنّوا على ربهم ، قال مَنْ قبلهم من اليهود ، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة ، ويؤتيهم آيةً، واحتكموا عليه وعلى رُسله، وتمنَّوا الأمانى. فاشتبهت قلوبُ اليهود والنصارى فى تمرُّدهم على اللّه، وقلة معرفتهم بعظمته ، وجرأتهم على أنبيائه ورسله ، كما اشتبهت أقوالهم التى قالوها . ٠ (١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٧٥، وعبارة الطبرى هنا تصحح الخطأ الذى هناك. ٥٥٧ تفسير سورة البقرة : ١١٩،١١٨ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَدْ يَّنَا ◌ْلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (٨) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((قد بَيَّنَا الآيات لقوم يُوقنون))، قد بيّنًا العلامات التى من أجلها غضب الله على اليهود ، وجعل منهم القردة والخنازير، وأعد لهم العذاب المهين فى معادهم؛ والتى من أجلها أخْزَى اللّه النصارى فى الدنيا ، وأعدّ لهم الخزى والعذاب الأليم فى الآخرة؛ والتى من أجلها جعل سكان الجنانِ، الذين أسلموا وجوههم الله وُهم ◌ُحسنون - فى هذه السورة وغيرها. فأُعْلِموا الأسباب التى من أجلها استحقّ كل فريق منهم من اللّه ما فعل به من ذلك، وخصّ اللّه بذلك القوم الذين يُوقنون، لأنهم أهل التثبت فى الأمور ، والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة . فأخبر الله جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه الصفةُ صفته "مَا بيِّن من ذلك، ليزول شكّه ويعلم حقيقة الأمر، إذْ كان ذلك خبراً من اللّه جل ثناؤه، وخبرُ الله الخبرُ الذی لا یُعذ ر سامعه بالشك فیه . وقد يحتمل غیرُه من الأخبار ما يحتمل من الأسباب العارضة فيه من السهو والغلط والكذب ، وذلك منفىٌّ عن خبرِ الله عز وجل. ٤٠٩/١ هـ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ إِنَّا أَرْسْلِفَكَ بِأُلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ قال أبو جعفر: ومعنى قوله جل ثناؤه: ((إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً)): إنا أرسلناك يا محمد بالإسلام الذى لا أقبل من أحد غيره من الأديان ، وهو الحق ؛ مبشراً من اتبعك فأطاعك، وقبل منك ما دعوته إليه من الحق - بالنصر فى الدنيا، والظفر بالثواب فى الآخرة ، والنعيم المقيم فيها - ومنذراً من عصّاك فخالفك ، وردّ ٥٥٨ تفسير سورة البقرة : ١١٩ عليك ما دعوته إليه من الحق - بالخزى فى الدنيا ، والذل فيها ، والعذاب المهين فى الآخرة . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحَبٍ أَلْبَحِيمِ) ) قال أبو جعفر: قرأت عَامَة القرأة: (( ولا تُسئلُ عَنْ أصحاب الجحيم)) ، بضم ((التاء)) من ((تسئل)) ورفع ((اللام)) منها، على الخبر. بمعنى: يا محمد إنا أرسلناك بالحقّ بشيرًاً ونذيراً، فبلغتَ ما أرسلت به، وإنما عليك البلاغ والإنذار ، ولست مسئولاً عمن كفر بما أتيته به من الحق، وكان من أهل الجحيم . وقرأ ذلك بعضُ أهل المدينة: (وَلا تَسألْ)) جزءاً. بمعنى النهى، مفتوح((التاء)) من ((تسأل)) وجزم ((اللام)) منها . ومعنى ذلك على قراءة هؤلاء: إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً لتبلغ ما أرسلت به، لا لتسألَ عن أصحاب الجحيم، فلا تسأل عن حالهم . وتأوّل الذين قرأوا هذه القراءة ما :- ١٨٧٥ -حدثنا أبو کریب قال،حدثنا و کیع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليت شعرى ما فعل أبواى؟ فنزلت: ((ولا تسأل عن أصحاب الجحيم)». ١٨٧٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثورى ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليت شعرى ما فعل أبواى: ليت شعرى ما فعل أبواى؟ ليت شعرى ما فعل أبواى؟ ثلاثاً، فنزلت: ((إنا أرسلناك بالحقّ بشيراً ونذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم))، فما ذكرهما حتى توفاه الله (١). (١) الحديثان: ١٨٧٥، ١٨٧٦ - هما حديثان مرسلان. فإن محمد بن كعب بن سليم القرى: تابعى . والمرسل لا تقوم به حبة ، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضاً ، بضعف راويهما : ٥٥٩ تفسير سورة البقرة : ١١٩ ١٨٧٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرنى داود بن أبي عاصم: أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قالَ ذات يوم: ليت شعرى أين أبواى؟ فنزلت: ((إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تَسألْ عَنْ أصحاب الجحيم)) (١) ٠ قال أبو جعفر : والصواب عندى من القراءة فى ذلك قراءة من قرأ بالرفع ، على الخبر. لأن الله جل ثناؤه قص" قصصَ أقوام من اليهود والنصارى، وذكر ضلالتّهم وكفرهم بالله وجراءتهم على أنبيائه، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((إنا أرسلناك)) يا محمد ((بالحقّ" بشيرًاً)) من آمن بك واتبعك، ممنّ قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءَه ((ونذيرًا)) من كفر بك وَخالفَك . فبلِّغ رسالتى، فليس عليك من أعمال من كفر بك - بعد إبلاغك إياه رسالتى - تَبيعة، ولا أنت مسئولٌ عما فعل بعد ذلك. ولم يجر - لمسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربَّه عن أصحاب الجحيم - ذكرٌ، فيكون لقوله: ((ولا تسأل عن موسى بن عبيدة بن نشيط الربقى: ضعيف جداً، مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٤ /٢٩١/١، والصغير: ١٧٢ - ١٧٣، وابن أبى حاتم ١٥١/١/٤ - ١٥٢، فقال البخارى: ((منكر الحديث ، قاله أحمد بن حنبل . وقال على بن المدينى، عن القطان: كنا نتقيه تلك الأيام)). وروى ابن أبى حاتم عن الجوجزانى، قال: ((سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تحل الرواية عندى عن موسى بن عبيدة ، قلنا : يا أبا عبد الله، لا يحل؟ قال: عندى، قلت: فإن سفيان وشعبة قد رويا عنه ؟ قال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه)). وقال ابن معين: ((لا يحتج بحديثه)). وقال أبو حاتم: ((منكر الحديث)). وأبوه ((عبيدة))، بالتصغير، ووقع فى المطبوعة فى الإسنادين ((عبدة)). وهو خطأ. (١) الحديث: ١٨٧٧ - وهذا مرسل أيضاً، لا تقوم به حجة. داود بن أبى عاصم بن عروة بن مسعود الثقفى : تابعى ثقة ، ويروى عن بعض التابعين أيضاً . مترجم فى التهذيب، والكبير ٢١٠/١/٢ -٠٢١١ والجرح ٤٢١/٢/١. ووقع فى المطبوعة ((داود عن أبي عاصم)). وهو تحريف، صححناه من ابن كثير ١ : ٢٩٧. ونقل ابن كثير ١ : ٢٩٦ عن القرطبى أنه قال: ((وقد ذكرنا فى التذكرة أن الله أحيا أبويه حتى آمنا به، وأجبنا عن قوله: إن أبي وأباك فى النار)). ثم علق عليه ابن كثير، فقال: ((الحديث المروى فى حياة أبويه عليه السلام - ليس فى شىء من الكتب الستة ولا غيرها، وإسناده ضعيف)). وأنا أرى أن الإفاضة فى مثل هذا غير مجدية ، وما أمرنا أن نتكلف القول فيه . ٥٦٠ تفسير سورة البقرة : ١١٩ أصحاب الجحيم)، وجه يوجّه إليه. وإنما الكلام موجه معناه إلى ما دلّ عليه ظاهرُه المفهوم ، حتى تأتى دلالة بينة تقوم بها الحجة ، على أن المراد به غيرَ ما دلّ عليه ظاهرُه، فيكون حينئذ مسلَّماً للحجة الثابتة بذلك . ولا خبر تقومُ به الحجة على أن النبى صلى الله عليه وسلم ◌ُنهى عن أن يَسأل - فى هذه الآية - عن أصحاب الجحيم ، ولا دلالة تدلّ على أن ذلك كذلك فى ظاهر التنزيل . والواجب أن يكون تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبلَ هذه الآية ، وعمّن ذكر بعدها من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ، دون النهى عن المسألة عنهم .(١) ٠٠٠ فإن ظنّ ظانٌّ أن الخبر الذى رُوى عن محمد بن كعب صحيحٌّ، فإن فى استحالة الشكّ من الرسول عليه السلام - فى أنّ أهل الشرك من أهل الجحيم، وأنّ أبويه كانا منهم - ما يدفع مصمّة ما قاله محمد بن كعب ، إن كان الخبر عنه صحيحاً . مع أنّ فى ابتداء الخبر بعد قوله: ((إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً)؛ ((الواو)) - بقوله: (((ولا تسئل عن أصحاب الجحيم))، وتركه وَصْل ذلك بأوّله : ((الفاء)»، وأن يكون ((إنا أرسلناك بالحق" بشيراً ونذيراً فلاتسأل عن أصحاب الجحيم)) -(٢) أوضح الدلالة ٤١٠/١ على أن الخبر بقوله: (٣) ((ولا تسئل))، أوْلى من النهى، والرفعُ به أوْلى من الجزم. وقد ذكر أنها فى قراءة أُبىّ: ((وَمَا تُسأل))، وفى قراءة ابن مسعود: ((ولن تُسألَ))، وكلتا هاتين القراءتين تشهد بالرفع والخبر فيه، دون النهى (٤). ٥ ٥ (١) حجة قوية لا ترد، وبصر بسياق معانى القرآن وتتابعها. ولكن كثيراً من الناس يغفلون عن مواطن الحق فى موضع بعينه، لاختلاط الأمر عليهم لمشابهته لموطن آخر فى موضع غيره، كما سترى فى التعليق التالى رقم : ٤ . (٢) كان فى المطبوعة: ((بالراو يقول: فلا تسئل عن أصحاب الجحيم ... بشيراً ونذيراً ولا تسئل عن أصحاب الجحيم»، وهو خطأ، كما استدركه مصحح المطبوعة فى تعليقه. (٣) فى المطبوعة: ((أوضح الدلائل)) بالجميع، والإفراد هو الصواب، وكأنه سبق قلم من ناسخ. (٤) قال ابن كثير فى تفسيره ١: ٢٩٧ ((وقد رد ابن جرير هذا القول المروى عن محمد بن ابن كعب وغيره، فى ذلك لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم فى أمر أبويه، واختار القراءة الأولى . وهذا الذى سلكه ههنا فيه نظر، لاحتمال أن هذا كان فى حال استغفاره لأبويه، قبل أن يعلم