النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ تفسير سورة البقرة : ١٠٩ من معنى قوله: ((تمنيت من السوء)). لأن فى قوله: تمنيت لك ذلك ، معنى : حسدتك على ذلك. فعلى هذا نُصب ((الحسد))، لأن فى قوله: ((ودّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يَرُدُّونكم من بعد إيمانكم كفاراً))، معنى: حسدكم أهلُ الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق ، ووهب لكم من الرشاد لدينه والإيمان برسوله ، وخصّكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلاً منكم رؤوفاً بكم رحيماً، ولم يجعله منهم فتكونوا لهم تبعاً. فكان قوله: ((حسداً))، مصدراً من ذلك المعنى. وأما قوله : ((من عند أنفُسِهِم))، فإنه يعنى بذلك: من قِبَل أنفسهم، كما يقول القائل: ((لى عندك كذا وكذا))، بمعنى: لى قبلك، وكما : ١٧٨٩ -حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس، قوله: ((مِنْ عِنداً نفُسِهم))، قال: من قبلَ أنفسهم(١) وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنّهم ودُّوا ذلك للمؤمنين، من عند أنفسهم ، إعلاماً منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك فى كتابهم ، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهى اللّه إياهم عنه . ٠ ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمُ اُلْحَقُّ) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: بقوله: ((من بَعد مَا تَبينَ لهمُ الحقُ))، أى من بعد ما تبين لهؤلاء الكثيرِ من أهل الكتاب- الذين يودُّون أنَّهم يردُّ ونكم كفاراً من بعد إيمانكم - الحقُّ فى أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند ربه، والملة التى دعا إليها فأضاء لهم: أنّ ذلك الحق الذى لا يمترون فيه، كما :- (١) الأثر: ١٧٨٩ - كان هذا الإسناد مبتوراً، فأتممته استظهاراً من الإسناد الدائر فى التفسير فى مئات المواضع السالفة، أقربها رقم: ١٦٤٧ وسيأتى أيضاً رقم: ١٧٩٢، وكان الأثر نفسه مبتوراً فأتممته من تفسير ابن كثير ١ : ٢٨٠، والدر المنثور ١ : ١٠٧. ٥.٠٢ تفسير سورة البقرة : ١٠٩ ١٧٩٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((من بعد ما تبين لهمُ الحقُّ))، من بعد ما تبين لهم أنّ محمداً ٣٩٠/١ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسلامَ دين الله. ١٧٩١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العالية: ((من بعد ما تبين لهم الحق ))، يقول : تبين لهم أن محمداً رسولُ اللّه، يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل . ١٧٩٢ -حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، مثله - وزاد فيه : فكفروا به حسداً وبغياً ، إذْ كان من غيرهم . ١٧٩٣ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((منْ بعد ما تبين لهم الحق))، قال: الحقّ هو محمد صلى الله عليه وسلم، فتبيّن لهم أنه هو الرسول . ١٧٩٤ - حدثنییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: ((من بعد ما تبين لهم الحق ))، قال : قد تبين لهم أنه رسول الله . ٠ ٠٠ قال أبو جعفر: فدل" بقوله ذلك: أن كفر الذينقص" قصتهم فى هذه الآية بالله وبرسوله، عنادٌ ، وعلى علم منهم ومعرفةٍ بأنهم على الله مفترون ، كما : - ١٧٩٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر ابن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((منْ بعد ما تبين لهم الحق ))، يقول الله تعالى ذكره: من بعد ما أضاء لهم الحقُّ، لم يجهلوا منه شيئاً، ولكن الحسد حملهم على الجحد . فعيَّرهم اللّه ولاَ مَهم وَوَبَّخهم أشدَّ الملامة. ٠٠٣ تفسير سورة البقرة : ١٠٩ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَأُعْفُواْ وَأَسْفَحُواْ حَقْىُ يَأْبِىَ اللهُ بأز هِ) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فاعفوا»، فتجارزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ فى رأی أشاروا به علیکم فی دینکم،إرادة صدکم عنه، ومحاولة ارتداد کم بعد إيمانكم - وعمًا سلف منهم من قيلهم لنبيكم صلى الله عليه وسلم: ﴿أَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍَ وَرَاعِنَاَ لَيَّا بِأَلْسِنَّتِهِم وَطَعْنَا فِى الدِّين﴾ [سورة النساء: ٤٦]، واصفحوا عما كان منهم من جهل فى ذلك - حتى يأتى الله بأمره ، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء ، ويقضى فيهم ما يريد . فقضى فيهم تعالى ذكره وأتى بأمره ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحُرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولَهُ وَلاَ يَدِيِنُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ◌َّى يُغْلُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون ﴾ [سورة التوبة: ٢٩]. فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدُّوا الجزية عن يد صغارًا، كما :- ١٧٩٦ - حدثنى المفى قالَ ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((فاعفوا واصْفحوا حتى يأتى اللهُ بأمره إن الله على كل شىء قدير))، ونسخ ذلك قوله: ﴿فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُ﴾ [سورة التوبة: ٥] ١٧٩٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((فاعْفُوا واصْفحوا حتى يأتى الله بأمره))؛ فأتى الله بأمره فقال: ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)، حتى بلغ («وُهم صَاغرون)) أى: صغاراً تفسير سورة البقرة : ١٠٩ وتقمةً لهم. فَنَسخت هذه الآية ما كان قبلها: ((فاعفوا واصفحوا حَتّى يأتى الله بأمره)). ١٧٩٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره))، قال: اعفُوا عن أهل الكتاب حتى يُحدث اللّه أمرًا. فأحدث اللّه بعد فقال: (( قاتِلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)) إلى ((وُهم صَاغرون)). ١٧٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة فى قوله: ((فاعفوا واصفحوا حتى يأتى اللّه بأمره)) قال: نسختها : (( اقتلوا المشرکین حيث وجد تموهم)» ١٨٠٠ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن ٣٩١/١ السدى: ((فاعفوا واصفحوا "حتى يأتىَ الله بأمره)) قال: هذا منسوخ، نسخه: ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)) إلى قوله ((وُهم صَاغرون)). القول فى تأويل قوله ﴿ إِنّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) (٦) قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى ((القدير))، وأنه القوى.(١) ... فمعنى الآية ههنا: إن الله - على كل ما يَشاء بالذين وصفت لكم أمرهم من أهل الكتاب وغيرهم - قديرٌ، إن شاء انتقم منهم بعنادهم ربَّهم، (٢) وإن شاء هداهم لما هداكم الله له من الإيمان، لا يتعذّر عليه شىء أراده، ولا يتعذَّر عليه أمرٌ شاء قضاءه، لأن له الخلق والأمرُ. (١) انظر ما سلف قريباً: ٤٨٤ وفى ١: ٣٦١. (٢) فى المطبوعة: ((إن شاء الانتقام منهم))، والسياق يقتضى ما أثبت. ٥٠٥ تفسير سورة البقرة : ١٩٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُوا الزَّكَوَةَ وَمَا تُقَدّمُوا لِأَنفُبِّكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ﴾ قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى ((إقامة الصلاة))، وأنها أداؤها بحدودها وفروضها، وعلى تأويل ((الصلاة)) وما أصلها، وعلى معنى (( إيتاء الزكاة))، وأنه إعطاؤها بطيب نفس على ما فُرضت وَوَجبت، وعلى معنى ((الزكاة)) واختلاف المختلفين فيها ، والشواهد الدالة على صحة القول الذى اخترنا فى ذلك ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (١) ٥ وأما قوله: ((وَمَا تُقدِّمُوا لأنفسكمْ مِنْ خير تجدوهُ عندَ الله)) ، فإنه يعنى جل ثناؤه بذلك: ومهما تعملوا من عمل صالح فى أيام حياتكم، فتقد موه قبل وفاتكم ◌ُذخراً لأنفسكم فى معادكم ، تجدوا ثوابه عند ربكم يوم القيامة ، فيجازيكم به . ٠٠ ٠ و((الخير)) هو العمل الذى يرضاه الله. وإنما قال: ((تجدوه))، والمعنى: تجدوا ثوابه، کما : - ١٨٠١ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((تجدوه))، يعنى : تجدوا ثوابه عند الله . قال أبو جعفر : الاستغناء سامعى ذلك بدليل ظاهرٍ على مَعنى المراد منه ، كما قال ◌ُمر بن بلجأ: (٢) وَسَبَّحَتِ المَدِينَةُ ، لاَ تَلُهَاَ رَأْتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَرَا(٣) وإنما أراد: وَسبَّح أهلُ المدينة . (١) انظر ما سلف ١: ٢٤١ - ٢٤٢، ثم ١ : ٥٧٣ - ٥٧٤. (٢) فى المطبوعة: ((عمرو بن لجأ))، وهو خطأ. (٣) سلف هذا البيت وتخريجه فى ١ : ٢٧٩. ٥٠٦ تفسير سورة البقرة : ١١٠ وإنما أمرَهم جل ثناؤه فى هذا الموضع بما أمرهم به ، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخيرات لأنفسهم ، ليطَّهَّروا بذلك من الخطأ الذى سلف منهم فى استنصاحهم اليهود ، ورُكونٍ من كان ركن منهم إليهم، وحقاء من كان جفا منهم فى خطابه رَسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله: ((رَاعِنا))، إذ كانت إقامة الصلوات كفارةً للذنوب، وإيتاءُ الزكاة تطهيراً النفوس والأبدان من أدْناس الآثام ، وفى تقديم الخيرات إدراكُ الفوز برضوان الله. ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ( إنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ) قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، أنهم مهما فعلوا من خيرٍ وشرّ سرًّاً وعلانية" ، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شىء ، فيجزيهم بالإحسان خيراً ، وبالإساءة مثلها. (١) ٠٠٠ وهذا الكلام ، وإن كان خرج مخرج الخبر ، فإن فيه وعداً ووعيداً وأمرًا وزجراً . وذلك أنه أعلم القوم أنه بصيرٌ بجميع أعمالهم، ليجدُّوا فى طاعته ، إذ كان ذلك مذخوراً لهم عنده حتى يُثيبهم عليه، كما قال: (( وما تقدُّمُوا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله))؛ وليحذروا معصيته ، إذ كان مطلعاً على راكبها ، بعد تقدُّمه إليه فيها بالوعيد عليها، وما أُوْعدَ عليه ربُّنا جل ثناؤه فمنهىٌّ عنه، وما وَعَد عليه فأمور به . أما قوله: ((بَصير))، فإنه (مُبصر)) صُرِف إلى ((بصير))، كما صرف (وُمبدع)) إلى ((بديع)) و ((مؤلم)) إلى ((أليم)).(٢) (١) فى المطبوعة: ((جزاءه)) والصواب من تفسير ابن كثير ١: ٢٨١. (٢) أنظر ما سلف ١: ٢٨٣، وهذا الجزء ٢ : ٣٧٧،١٤٠ ٥٠٧ تفسير سورة البقرة : ١١١ القول فى تأويل قوله تعالى جلّ ذكره ﴿وَقَلُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَرَى ◌ِلْكَ أَمَا نِيُهُمْ﴾ ٢/١ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وقالوا))، وقالت اليهودُ والنصارى ((لن يدخل الجنة)). ... فإن قال قائل : وكيف جمع اليهود والنصارى فى هذا الخبر ، مع اختلاف مقالة الفريقين ؛ واليهود تدفع النصارى عن أنْ يكون لها فى ثواب الله نصيبٌ ، والنصارى تدفع اليهودَ عن مثل ذلك ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف الذى ذهبت إليه . وإنما عنى به : وقالت اليهود : لن يدخلَ الجنةَ إلا من كان هوداً ؛ وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا النصارى . ولكن معنى الكلام لمَّا كان مفهوماً عند المخاطبين به معناه ، 'جمع الفريقان فى الخبر عنهما، فقيل: ((قالوا لنْ يَدْخُل الجنة إلا من كان ◌ُهُودًا أو نَصَارَى)) الآية - أى قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلاّ من كان يهوديًا، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا . وأما قوله: ((مَن كان 'هوداً))، فإن فى ((الهود )) قولين : أحدهما أن يكون جمع (( هائد)) كما جاء (ُعوط)) جمع ((عائط)) و((عوذ)) جمع ((عائذ)) و ((حول)) جمع ((حائل))، فيكون جمعاً للمذكر والمؤنث بلفظ واحد. و((الهائد)). التائبُ الراجع إلى الحق .(١) والآخر: أن يكون مصدراً عن الجميع، كما يقال: ((رجل صَوْم ، وَقوم (١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ : ١٤٣ ٥٠٨ تفسير سورة البقرة : ١١١ صَوْمٍ))، و((رجل فطر وقوُمُ فِطْرٌ، ونسوة فِطْرٌ)). (١) وقد قيل: إنّ قوله: ((إلا من كان هوداً))، إنما هو قوله، إلاّ من كان يهوداً، ولكنه حذف الياء الزائدة ، ورجع إلى الفعل من اليهودية . وقيل : إنه فى قراءة أبىَ: ((إلا من كان يهوديًّا أو نصرانياً)). (٢) ٠٠٠ وقد بينا فيما مضى معنى ((النصارى))، ولم سميت بذلك ، وُجُمعت كذلك، بما أغنى عن إعادته . (٣) وأما قوله: (( تلك أمانیُّهم ))، فإنه خبر من الله تعالی ذ کره عن قول الذین قالوا: ((لن يدخل الجنة إلاّ من كان هُودًا أو نَصَارَى))، أنه أمانىّ منهم يتمنَّونها على الله بغير حق ولا حجة ولا برهان ، ولا يقين علم بصحة ما يدعون ، ولكن بادّعاء الأباطيل وأمانىّ النفوس الكاذبة ، كما : - ١٨٠٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((تلك أمانيُّهم))، أمانى يتمنّونها على اللّه كاذبة . ١٨٠٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر : ، عن أبيه، عن الربيع: ((تلك أمانيهم))، قال: أمانى: تمنوا على الله بغير الحق . ٠ (١) أخشى أن يكون أبو جعفر قد زل زلة العجلان، فإنه ذكر آنفاً (٢ :: ١٤٣) .صدر الفعل: ((هاد)) وهو ((هودا)) بفتح فسكون، وعلى ذلك إجماع أهل اللغة، ولم يأت منه مصدر مفسوم الهاء، حتى يشبه بقولهم ((صوم))، وفطر))، فهما مصدران . ولا يستقيم كلام أبى جعفر حتى يكون مصدر ((هاد يهود هوداً)) بضم الهاء، ولم يقله هو ولا قاله غيره. فسقط هذا الوجه، حتى تقيمه حجة من رواية صادقة . (٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٧٣. (٣) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ : ١٤٣-١٤٥ ٥٠٩ تفسير سورة البقرة : ١١١ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْمَتَكُمْ إِن كُتَمْ مُدِقِينَ) (١) قال أبو جعفر : وهذا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم بدُ عاء الذين قالوا: ((لن يدخل الجنة إلا مَنْ كان ◌ُهُوداً أو نَصَارَى)) .- إلى أمرٍ عدلٍ بين جميع الفرق: مسلميها، وَيهودها، وَنصَارَاها، وهو إقامة الحجة على دعواهم التى ادّعوا : من أنّ الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى . يقول الله لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: يا محمد، قل للزاعمين أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى، دون غيرهم من سائر البشر: (( هاتوا برهانكم)) على ما تزعمون من ذلك ، فنسلّم لكم دعواكم إن كنتم فى دعواكم - من أنّ الجنة لا يدخلها إلاّ من كان هوداً أو نصارى - محقِّين. ٥ و((البرهان ))، هو البيان والحجة والبينة، كما : - ١٨٠٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((هاتوا برهانكم ))، هاتوا بَيّنتكم. ١٨٠٥ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( هاتوا برهانكم)) ، هاتوا حجّتكم . ١٨٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد: ((قل هاتوا بُرْهانكم))، قال: ◌ُحُجَّتَّكم.(١). ١٨٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((قل هاتوا برهانكم ))، أى حُجَّتكم. قال أبو جعفر وهذا الكلام، وإن كان ظ هره ظاهرُ دعاء القائلين: ((لن يدُ خلَ الجنة ٢٩٣/١ (١) الأثر: ١٨٠٦ - كان فى المطبوعة ((حدثنا الحسن))، وهو خطأ، إسناد دائر، والحسين هو الحسين بن داود المصيمى، ولقبه ((سنيد)» عرف به . ٠١٠ تفسير سورة البقرة : ١١٢،١١١ إلا من كان هُودًاً أو نصارَى)) - إلى إحضار حجةً على دعواهم ما ادَّعوا من ذلك، فإنه بمعنى تكذيبٍ من الله لهم فى دعواهم وقيلهم ، لأنهم لم يكونوا قادرين على إحضار برهانٍ على دعواهم تلك أبداً. وقد أبان قوله: ((بَلى مَنْ أسلمَ وْجههُ الله وهُو محسن))، عن أن الذى ذكرنا من الكلام، (١) بمعنى التكذيب اليهود والنصارى فى دعواهُم وما ذكر الله عنهم. ٠ ٠ وأما تأويل قوله: ((قل هاتوا بُرْهانكم))، فإنه: أحضروا وَأتوا به. ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لَىْ مَنْ أَسْلَمَ وَيَجْهَهُ ◌ِهِ وَهُوَ مُحْيِنٌ) قال أبو جعفر : یعی بقوله جل ثناؤه: (( بلی من" أسلم ) ، أنه ليس كما قال الزاعمون: ((لن يدخل الجنة إلاَّ مَنْ كان هوداً أو نصارى))، ولكن من أسلم وجهه لله وهو محسن ، فهو الذى يدخلها وينعم فيها ، كما : - ١٨٠٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قال : أخبرهم أنّ من يدخل الجنة هو من أسلم وجهه لله ، الآية . وقد بينا معنى ((بلى)) فيما مضى قبْلْ(٢) ٠ وأما قوله: ((من أسلم وجهه لله))، فإنه يعنى ب ((إسلام الوجه)): التذلل لطاعته، والإذعان لأمره. وأصل ((الإسلام)) الاستسلام،لأنه من (( استسلمت لأمره ))، وهو الخضوع لأمره. وإنما سمى (( المسلم)) مسلماً، بخضوع جوارحه لطاعة ربه، كما : - ١٨١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((بلىّ من أسلم وجهه لله))، يقول: أخلص لله. (١) فى المطبوعة: ((على أن الذى ذكرنا))، وهو تحريف. (٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ ٢٨١،٢٨٠ ٥١١ تفسير سورة البقرة : ١١٢ وكما قال زيد بن عمرو بن نُفيل : وَأَْلَمْتُ وَجْهِى لِمَنْ أَسْلَمتْ لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبَاَ زُلاَلاَ(١) يعنى بذلك: استسلمتُ لطاعة من استسلم لطاعته المزْن وانقادتْ له . ٠٠٠ وخصّ اللّهجل ثناؤه بالخبر عمن أخبر عنه بقوله: ((بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجهه لله))، بإسلام ( وجهه )» له دون سائر جوارحه،لأن أکرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه، وهو أعظمها عليه ◌ُحُرْمَة وحقًّا. فإذا خضع لشىء وجهه الذى هو أكرم أجزاء جسده عليه، فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له . ولذلك تذكر العرب فى منطقها الخبر عن الشىء فتضيفه إلى ((وجهه))، وهى تعنى بذلك نفس الشىء وَعَيْنَه ، كقول الأعشى : أُؤُوَّلُ الحُكْمَ عَلَى وَجْهِهِ، لَيْسَ قَضَائِ بِالْهَوَى الجَائِرِ(٢) یعنی بقوله: « على وجهه )»، على ما هو به من صحته وصوابه، و کما قال ذو الرُّمَّة : مِنَ الأُمْ، لم يَتْرُكْ خِلاَجاً بُزُوُهَا (٢) فَطَاوَعْتُ هَمِّى، وَانْجَلَى وَجْهُ بَازِلِ (١) سيرة ابن هشام ١ : ٢٤٦ وغيره . (٢) ديوانه: ١٠٦ من قصيدته المشهورة. فى منافرة علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل، فهما الأعشى علقمة لأمر كان بينهما. وفضل عليه عامراً. (انظر الأغانى ١٥: ٥٠ - ٥٦). وأول الحكم: قدره ودبره ورده إلى صوابه وأصله. والجائر: المائل عن سبيل الحق. جار: ظلم ومال. وقبل البيت : عَلْقَمَ ، لاَ تَشْفَه، وَلاَ تَجْعَلَنْ عِرْضَكَ للوَارِدِ وَالصَّادِرِ وبعده : وَأَعْتَرَفَ الَنْفُورُ للنّافِرِ قَدْقُلْتُ قَوْلاً فَقَضَى بِنَكُمْ (٣) ديوانه: ٥٦٠ يمدح عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمى، فى آخر القصيدة، فقال بعد البيت : فَقَالَتْ: عُبَيْدَ الله منْ آلِ مَعْرٍ إِلَيْ أَرْحَلِ الأَنْقَضَ يَرْشَدْ رَحِيْلُهَا ٠١٢ تفسير سورة البقرة : ١١٢ يريد : وانجلى البازلُ من الأمر فتبيّن - وما أشبه ذلك، إذا كان 'حسن كلّ شيء وُقبحه فى وجهه، وكان فى وصفها من الشىء وجهه بما تصفه به، (١) إبانَةٌ عن عين الشىء ونفسه. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: «بلى من أسلم وجهه الله))، إنما يعنى: بلى من أسلم اللّه بدنه، فخضع له بالطاعة جسدُه، وهو محسن فیإسلامه له جسده،فله أجره عند ربه. فا کتفی بذ کر ((الوجه)) من ذکر (جسده))، لدلالة الكلام على المعنى الذى أريد به بذكر ((الوجه)). ... وأما قوله: ((وهو محسن))، فإنه يعنى به: فى حال إحسانه . وتأويل الكلام : بلى من أخلص طاعته لله وعبادته له ، محسناً فى فعله ذلك . ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ فَلَهُ - أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ ) ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((فله أجرُه عندَ ربه))، فللمسلم ٣٩٤/١ وجْهَه لله محسناً، جزاؤُه وثوابه على إسلامه وطاعته ربه، عندَ الله فى معاده. ويعنى بقوله: ((ولا خوف عليهم)) - على المسلمين وجوههم لله وهم محسنون، وقوله: ((طاوعت حمى))، ما هم به فى نفسه. يقول: طلوعت ما همت به نفسى. وقوله: «بازل من الأمر)) يعنى خطة يركبها. هذا مثل. يقال: بزل ناب البعير بزولا، أى طلع وانشق وظهرْ. ومنه قيل: بزل الأمر والرأى: قطعه. وخطة بزلاء: تفصل بين الحق والباطل. فقوله ((بازل من الأمر)) صفة لما أضمره من قوله ((خطة))، وأتى بها على التذكير، كما أتوا بها على التذكير فى قولهم: ((فاقة بازل)». والخلاج: الشك ويتردد والتنازع. يقول: طاوعت ما جال فى نفسى ، فانجلى عن خطة ظاهرة انشقت وظهرت ، فلم تدع للنفس مذهباً فى الشك والتردد، إذ قالت: أقصد عبيد الله بن عمر بن عبيد اللّه بن معمر. (١) الفسير فى قوله، ((وصفها)) إلى العرب، فيما سلف. ٠١٣ تفسير سورة البقرة : ١١٣،١١٢ المخلصين له الدين فى الآخرة - من عقابه وعذاب جحيمه ، وما قدموا عليه من أعمالهم. ويعنى بقوله: ((ولاَ همْ يحزنون))، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم فى الدنيا ، ولا أن يُمنعوا ما قدموا عليه من نعيم ما أعدّ اللّه لأهل طاعته. ٠ ٠٠ وإنما قال جل ثناؤه: ((ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون))، وقد قال قبل : ((فلهُ أجرهُ عندربه))، لأن (مَنْ)) التى فى قوله: ((بَلَىَ منْ أسلم وجهه لله )) فى لفظٍ واحدٍ ومعنَى جميعٍ، فالتوحيد فى قوله: ((فله أجره)) للفظ ، والجمع فى قوله: ((ولا خوفٌ عليهم)) للمعنى. القول فى تأويل قولهِ تعالى ﴿ وَقَلَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصْرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَلَتِ النَّصْرَىُ لَيْسَتِ الْيُهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ تُونَ الْكِتَّب) قال أبو جعفر : 'ُذكر أن هذه الآية نزلت فى قَوْم من أهل الكتابين ، تنازعوا عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض . ذكر من قال ذلك : ١٨١١ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة - وحدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قالا، جميعاً - حدثنا محمد بن إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبی محمد مولی زید بن ثابت قال ، حدثی سعید بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتهم أحبارُ يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافع بن حُرَيْملة: .ج) (٣٣) ٥١٤ تفسير سورة البقرة : ١١٣ ما أنتم على شىء ! وكفر بعيسى بن مريم وبالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران من النصارى : ما أنتم على شىء ! وجحد نبوّة موسى وكفرَ بالتوراة ، فأنزل الله عز وجل فى ذلك من قولهما: ((وقالت اليهود ليست النصّارَى عَلى شىء وقالت النصارى لَيست اليهودُ على شىء)) إلى قوله ((فيما كانوا فيه يختلفون")).(١) ١٨١٢ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهودُ على شىء))، قال : هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم . ٠ قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية فإنه : قالت اليهود : ليست النصارى فى دينها على صواب ! وقالت النصارى : ليست اليهود فى دينها على صواب! وإنما أخبر الله عنهم بقيلهم ذلك للمؤمنين ، إعلاماً منه لهم بتضييع كل فريق منهم حُكم الكتاب الذى يُظهر الإقرارَ بصحته، وأنه من عند الله.، وجحود هم مع ذلك ما أنزل الله فيه من فروضه . لأن الإنجيل الذى تدين بصحته وحقّيته النصارى ، يحقق ما فى التوراة من نبوّة موسى عليه السلام ، وما فرض الله على بنى إسرائيل فيها من الفرائض ، وأن التوراة التى تدين بصحتها وحقيتها اليهود ، تحقق نبوة عيسى عليه السلام ، وما جاء به من عند الله من الأحكام والفرائض . ثم قال كل فريق منهم للفريق الآخر ما أخبر الله عنهم فى قوله: (( وقالت اليهود ليست النصارى على شىء، وقالت النصارى ليست اليهود على شىء))، مع تلاوة كل واحد من الفریقین کتابه الذى يشهد على کذبه فى قيله ذلك . فأخبر جل ثناؤه أن كل فريق منهم قال ما قال من ذلك، على علم منهم أنهم فيما قالوه مبطلون؛ وأتوا ما أتَوْا من كفرهم بما كفروا به، على معرفة منهم بأنهم فيه ملحدون . (١) الأثر: ١٨١١ - فى سيرة ابن هشام ٢: ١٩٧ - ١٩٨. ٠١٥ تفسير سورة البقرة : ١١٣ ٠ ٠٠ فإن قال لنا قائل: أو كانت اليهود والنصارى بعد أن بعث الله رسوله على شىء، فيكون الفريق القائل منهم ذلك للفريق الآخر، مبطلاً فى قيله ما قال من ذلك ؟ قيل: قد روينا الخبر الذى ذكرناه عن ابن عباس قبلُ، من أنّ إنكار كل ٣٩٠/١ فريق منهم ، إنما كان إنكاراً لنبوّة النبىّ الذى ينتحل التصديق به وبما جاء به الفريق الآخر ، لا دفعاً منهم أن يكون الفريق الآخر - فى الحال التى بعث اللّه فيها نبينا صلى الله عليه وسلم - على شىء من دينه، بسبب جحوده نبوّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكارُ كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر على شىء بعد بعثه نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكلا الفريقين كان جاحداً نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فى الحال التى أنزل اللّه فيها هذه الآية ؟ ولكن معنى ذلك : وقالت اليهود : ليست النصارى على شىء من دينها مُنذُ دانت دينها ! وقالت النصارى : ليست اليهود على شىء مُنذ دانت دينها ! وذلك هو معنى الخبر الذى رويناه عن ابن عباس آنفاً ، فكذّب الله الفريقين فى قيلهما ما قالا ، كما : - ١٨١٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وقالت اليهودُ ليست النصارى على شىء))، قال : بلى ! قد كانت أوائل النصارى على شىء، ولكنهم ابتدعوا وتفرَّقوا، وقالت النصارى: (( ليست اليهود على شىء))، ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا . ١٨١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج: ((وقالت اليهودُ ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء))، قال، قال مجاهد: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شىء. وأما قوله: ((وُهم يتلونَ الكتابَ))، فإنه يعنى به كتاب الله التوراة والإنجيلّ، ٠ ٠١٦ تفسير سورة البقرة : ١٤٣ وهما شاهدان على فريقى اليهود والنصارى بالكفر ، وخلافيهم أمرَ الله الذى أمرهم به فيه ، كما : - ١٨١٥ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن پکیر ۔۔ وحدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل - قالا جميعاً، حدثنا ابن إسحق قال ، حدثنى محمد ابن أبى محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثنى سعد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس فى قوله: (( وُهم يَتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل "قولهم )»، أى كلّ يتلو فى كتابه تصديق ما كفر به ، أى يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ اللّه عليهم من الميثاق على لسان موسى بالتصديق بعيسى عليه السلام ، وفى الإنجيل مما جاء به عيسى تصديقُ موسى وما جاء به من التوراة من عند الله ، وكلّ يكفر بما فى يد صاحبه .(١) ٠ ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى الذين عنى الله بقوله: ((كذلك قال الذين لا يعلمون)) . فقال بعضهم بما : - ١٨١٦ -حدثنى به المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((قالَ الذين لا يعلمون مثل قولهم))، قال : وقالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم . ١٨١٧ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (((قال الذين لا يعلمون مثل"قولهم))، قال: قالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم. وقال آخرون بما : - (١) الأثر: ١٨١٥ - فى سيرة ابن هشام ٢: ١٩٨ ٠١٧ تفسير سورة البقرة : ١١٣ ١٨١٨ - حدثنا به القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج : قلت لعطاء : من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال : أم كانت قبل اليهود والنصارى ، وقبل التوراة والإنجيل . . .. وقال بعضهم : عنى بذلك مُشرکی العرب ، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ، فنُسِبوا إلى الجهل ، وُنفى عنهم من أجل ذلك العلم ، ذكر من قال ذلك : ١٨١٩ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قَوْلهم))، فهم العرب ، قالوا: ليس محمد صلى الله عليه وسلم على شىء. ٠٠ قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال: إن الله تبارك ٣٩٦/١ وتعالى أخبر عن قوم - وصفهم بالجهل ، ونفی عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين - أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضُها لبعضٍ ، مما أخبر عنهم أنهم قالوه فى قوله: (( وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء )). وجائزٌ أن يكونوا هم المشركين من العرب ، وجائز أن یکونوا أمّة كانت قبل اليهود والنصارى، ولا أمّ أولى أن يقال هى التى عُنيت بذلك من أخرى ، إذ لم يكن فى الآية دلالة على أىٌّ من أىُّ ، ولا خبرَ بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت ◌ُحجته من جهة نقل الواحد العدل، ولا من جهة النقل المستفيض . وإنما قصد الله جل ثناؤه بقوله: ((كذلك قال الذين لا يعلمون مثلَ قولهم )»، إعلامَ المؤمنين أن اليهود والنصارى قد أتوا - من قبيل الباطل ، وافتراء الكذب على اللّه، وجحود نبوة الأنبياء والرسل، وهم أهل كتابٍ يعلمون أنهم فيما يقولون مبطلون، ويجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون ، وعلى اللّه مُفترون - مثل الذى قاله أهل الجهل باللّه وكتبه ورسله، الذين لم يبعث الله لهم رسولاً ولا أوحى إليهم كتاباً. ٥١٨ تفسير سورة البقرة : ١١٣ وهذه الآية تنبئ عن أنّ من أتى شيئًا من معاصى الله على علم منه بنهى الله عنها، فمصيبته فى دينه أعظم من مصيبة من أتى ذلك جاهلاً به. لأن الله تعالى ذكره عظّم توبيخَ اليهود والنصارى بما وبخهم به - فى قِيلهم ما أخبر عنهم بقوله: ((وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء)) - من أجل أنهم أهل كتاب ، قالوا ما قالوا من ذلك على علم منهم أنهم مُبطلون . ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ كَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيْمَةِ فِيماً كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (١) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جلّ ثناؤه : فالله يقضى فيفصل بين هؤلاء المختلفين، = القائلِ بعضهم لبعض: لستم على شىء من دينكم - يومَ قيام الخلق لربّهم من قبورهم - فيتبيّن المحق منهم من المبطل، بإثابته المحقَّ ما وَعدَ أهل طاعته على أعماله الصالحة ، ومجازاته المبطلَ منهم بما أوعد أهل الكفر به على كفرهم به = فيما كانوا فيه يختلفون من أديانهم ومللهم فىدار الدنيا . ٠٠ وأما ((القيامة)) فهى مصدر من قول القائل: ((قمت قياماً وقيامة))، كما يقال: ((عُدتْ فلاناً عيادة)) و((صنت هذا الأمر صيانة)). ٠٠٠ وإنما عنى ((بالقيامة)) قيام الخلق من قبورهم لربهم. فمعنى ((يوم القيامة)): يوم قيام الخلائق من قبورهم محشرهم . ٥١٩ تفسير سورة البقرة : ١١٤ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ومَنْ أَظْلَمَ يِّن مَّنَعَ مَسْجِدَ اللهِ أن ◌ُذْ كَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَاِجَآَ﴾ قال أبو جعفر: قد دلنا فيما مضى قبلُ، على أن تأويل (( الظلم))، وضع الشىء فى غير موضعه. (١) وتأويل قوله: ((ومنْ أظلم))، وأىُّ امرئ أشد تعدُّباً وَجراءة على اللّه وخلافاً لأمره، من امرئ منع مساجدَ اللّه أن يُعبد اللّه فيها ؟ ... و ((المساجد)) جمع ((مسجد)): وهو كل موضع 'عبد اللّه فيه. وقد بينا معنى. ((السجود)) فيما مضى. (٢) فمعنى ((المسجد)): الموضع الذى يُسجد اللّه فيه، كما يقال للموضع الذى يجلس فيه: ((المجلس))، والموضع الذى ينزل فيه ((منزل)) ثم يجمع: ((منازل ومجالس))، نظير مسجد ومساجد. وقد حكى سماعاً من بعض العرب"(مساجد))، فى واحد المساجد، وذلك كالخطأ من قائله. ٠ ٠٠ وأما قوله: ((أنْ يُذكر فيها اسمه))، فإن فيه وجهين من التأويل. أحدهما : أن یکون معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله من' أن یذ کر فيها اسمه ، فتكون ((أن)) حينئذ نصباً، من قول بعض أعلى العربية بفَقْد الخافض، وتعلُّق الفعل بها. والوجه الآخر: أن يكون معناه: ومن أظلم مِمَّن مَنع أن يذكر اسمُ اللّه فى ٣٩٧/١ مساجده ، فتكون (( أن)) حينئذ فى موضع نصب ، تكريراً على موضع المساجد وردًّا عليه . (٣) وأما قوله: ((وسعى فى خرابها)، فإن معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن (١) انظر ما سلف ١: ٥٢٣ - ٥٢٤، وهذا الجزء ٢: ١٠١ - ١٠٢، ٣٦٩ (٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢: ١٠٤ - ١٠٥ (١) قوله: ((تكريراً))، أى بدل اشتمال. ٥٢٠ تفسير سورة البقرة : ١١٤ يذكر فيها اسمه، وممن سعى فى خراب مساجد الله. فـ ((سعى)) إذاً، عطفٌ علی « منع )) . ٠ ٠ فإن قال قائل: وَمَن الذى عنى بقوله: ((ومنْ أظلمُ ممن مَنْع مساجد الله أنْ يُذكر فيها اسْمُهُ وَسعى فى خرابها)) ؟ وأيُّ المساجد هى ؟ قيل : إن أهل التأويل فى ذلك مختلفون ، فقال بعضهم : الذين منعوا مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه هم النصارى، والمسجدُ بيت المقدس . ذكر من قال ذلك: ١٨٢٠ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ومن أظلمٌ ممن مَنع مساجد" الله أن يُذْكر فيها اسمه))، إنهم النصارى. ١٨٢١ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وَمَنْ أظلمُ ممن مَنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وَسعى فى خرابها))، النصارى، كانوا يطرحون فى بيت المقدس الأذى ، ويمنعون الناس أن يُصَلُّوا فيه . ١٨٢٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٠ وقال آخرون: وهو ◌ُخْتَنَصَّر وُجنده ومن أعانهم من النصارى، والمسجدُ مسجد بيت المقدس . ذكر من قال ذلك : ١٨٢٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله: ((ومن أظلم ممن مَنع مَساجدَ اللّه أن يُذكر فيها اسمه))، الآية، أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بغض اليهود على أنْ أعانوا بُخْتَنَصِّر البابلىّ المجوسى على تخريب بيت المقدس . ١٨٢٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا