النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
١٦٧٣ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو ، قال حدثنا أسباط ، عن
السدى، أما قوله: ((وَمَا أنْزِل عَلى الملكين ببابلَ هَارُوت وَمَاروت))، فهذا
محر آخرَ خاصَمُوُه به أيضاً . يقول : خاصموه بما أنزل على الملكين، وأن كلام
الملائكة فيما بينهم ، إذا علمته الإنس فصُنع وُمل به ، كان سحراً . (١)
١٦٧٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((يعلمون الناسَ السحرَ وما أنزل على الملكين ببابلَ هَارُوت ومارُوت)).
فالسحر سحران : سحر تعلّمه الشياطين ، وسحر يعلّمه هاروت وماروت .
١٦٧٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( وما أنزل على الملكين
ببابل هارُوت وَمَارُوت))، قال: التفريق بين المرء وزوجه .
١٦٧٦ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابنوهب قال ، قال ابن زيد: (( ولکن
الشياطين كفروا يعلّمون الناسَ السحر وما أنزل على الملكين))، فقرأ حتى بلغ
(((فلا تكفُر))، قال: الشياطين والملكان ، يعلّمون الناس السحر.
٠٠٠
قال أبو جعفر : فمعنى الآية - على تأويل هذا القول الذی ذ کرناه عمن ذ کرنا
عنه - : واتبعت اليهود الذى تلتِ الشياطينُ فى ملك سليمان ، والذى أنزل على
الملکین ببابل هاروت وماروت . وهما ملکان من ملائكة الله ، سنذکر ما روى
من الأخبار فى شأنهما إن شاء الله تعالى .
قال أبو جعفر (٢): إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزَّل اللّه السحر، أم
٠
(١) الأثر : ١٦٧٣ - هو من تتبة الأثر السالف: ١٦٤٦، ويرجع الضمير فى قوله :
(( وخاصموه به أيضاً - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اليهود، كما تتبين ذلك من مراجعة الأثر هناك.
(٢) كان فى المطبوعة هنا: ((وقالوا: إن قال لنا قائل ... )). والضمير فى ((قالوا))، لا يعود
إلى مذ کورین قبل. وکان الناسخ تعاظمه أن یکون الرد الآتی من کلام أبى جعفر ،فحذف ما جرىعليه فى
تفسيره من قوله: ((قال أبو جعفر))، وأقم ((وقالوا)) مكانها، ثم زاد فحشا هذه الفقرات الآتية
بكلمته ((وقالوا))، كما سنبينه فى مواضعه من التعليق. وهذا أسلوب لم يطرقه أبو جعفر قط فى تفسيره كله .

٤٢٢
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
هل يجوز لملائكته أن تعلّمه الناس؟
قلنا له : إن اللّه عز وجلّ قد أنزل الخير والشر كلَّه، وبين جميعَ ذلك لعباده،
فأوحاه إلى رسله، وأمرَهم بتعليم ختلقه وتعريفهم ما يحلّ لهم مما يحرم عليهم . وذلك
كالزّنا والسرقة وسائر المعاصى التى عرَّفَهموها، ونهاهم عن ركوبها. فالسحر أحدٌ
تلك المعاصى التى أخبرهم بها، ونهاهم عن العمل بها.
(١) وليس فى العلم بالسحر إثم، كما لا إثم فى العلم بصنعة الخمر ونحت الأصنام
والطَّنابير والملاعب. وإنما الإثم فى عمله وتسويته. (٢) وكذلك لا إثم فى العلم بالسحر،
وإنما الإثم فى العمل به، وأن يُضَرّ به من لا يحلّ ضَرُّه به.
(٣) فليس فى إنزال اللّه إياه على الملكين، ولا فى تعليم الملكين من علَّماه من الناس،
إثم ، إذا كان تعليمها من عَلَّماه ذلك، بإذن الله لهما بتعليمه، بعد أن يخبراه بأنهما
فتنةٌ، وينهياه عن السحر والعمل به والكفر. وإنما الإثمُ على من يتعلمه منهما ويعمل به،
إذ کان الله تعالی ذکره قد نهاه عن تعلُّمه والعمل به. (٤) ولو كان اللّه أباح لبنى
آدم أن يتعلموا ذلك، لم يكن مَنْ تَعلمه حرجاً، كما لم يكونا حرِّ جَيْن لعلمهما
والذى استبشعه بعض النساخ - فيما نرجح - سيأتى بعد قليل فى ص ٤٢٣-٤٢٦ بأوضح مما قاله هنا.
وقد عد ابن كثير قول أبى جعفر مسلكاً غريباً، فقال فى تفسيره ١: ٢٥٣، وذكر ما ذكره أبو جعفر
من قول من قال ((ما)) بمعنى ((لم)) فقال: ((ثم شرع ابن جرير فى رد هذا القول، وأن ((ما)) بمعنى
((الذى))، وأطال القول فى ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلها الله إلى الأرض، وأذن لهم)
فى تعليم السحر ، اختباراً لعباده وامتحاناً ، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل ،
وادعى أن هاروت وماروت مطيعان فى تعليم ذلك، لأنهما امتثالا ما أمرا به . وهذا الذى سلكه غريب جداً).
ولست أستنكر ما قاله أبو جعفر، كما استنكره ابن كثير ، ولو أنت أنصفت وتتبعت كلام
أبى جعفر، لرأيت فيه حجة بينة ساطعة على صواب مذهبه الذى ذهب إليه ، وارأيت دقة ولطفاً فى تناول
المعانى، وتدبير الألفاظ، لا تكاد تجدهما فى غير هذا التفسير الجليل القدر .
(١) كان فى المطبوعة هنا: (((قالوا) ليس فى العلم ... )). انظر ماسلف.
(٢) كان فى المطبوعة هنا: (((قالوا) وكذلك لا إثم ... )). انظر ما سلف.
.... انظرما سلف .
(٣) كان فى المطبوعة هنا: (((قالوا) فليس فى إنزال الله.
(٤) كان فى المطبوعة هنا: (((قالوا) ولو كان اللّه أباح
. انظر ما سلف .

٤٢٣
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
به. (١) إذْ كان علمهما بذلك عن تنزيل اللّه إليهما. (٢)
...
وقال آخرون: معنى: ((ما)) معنى ((الذى))، وهى عطف على ((ما))
الأولى . غير أن الأولى فى معنى السحر، والآخيرة فى معنى التفريق بين المرء وزوجه.
فتأويل الآية على هذا القول : واتَّبعوا السحر الذى تتلو الشياطين فىملك سلیاد،
والتفريق الذى بين المرء وزوجه ، الذى أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٧٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( وما أنْزِل على الملكين ببابلَ هَارُوت ومارُوت))،
وهما يعلمان ما يفرِّقُون به بين المرء وزوجه. وذلك قول الله جل ثناؤه: ((وما كفرَ ٣٦١/١
سليمانُ ولكنّ الشياطين كفروا)). وكان يقول: أما السحر، فإنما يعلّمه الشياطين ،
وأما الذى يعلم الملكان ، فالتفريق بين المرء وزوجه ، كما قال الله تعالى .
٠٠٠
وقال آخرون جائز أن تكون ((ما)) بمعنى (الذى))، وجائز أن تكون ((ما))
بمعنى ((لم)). ذكر من قال ذلك :
١٦٧٨ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال ، أخبرنا ابن وهب قال ،
حدثنى الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد - وسأله رجلٌ
عن قول الله: ((يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت))
فقال الرجل: يعلّمان الناس ما أنزل عليهما، أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما ؟
قال القاسم : ما أبالى أيّهما كانت .
١٦٧٩ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، حدثنا أنس بن عياض، عن
(١) استعمل أبو جعفر: هو ((حرج)) - على وزن: هو ((فرح)) - بمعنى: آثم. وأهل اللغة
ينكرون ذلك. لا يقال للآثم إلا ((الخارج)) على النسب. لأن ((الحرج)) بمعنى الإثم، لا فعل له.
ولعل الناسخ أخطأ فكتب ((حرجاً ... وحرجين)) مكان ((حارجاً ... وحارجين))، بمعنى: آثم، وآ ثمين،
ولكنى تركتها هنا على حالها مخافة أن تكون من كلام أبى جعفر خطأ اجتهاد، أو صواباً عليه هو لم يبلغنا.
(٢) سيأتي بيان قوله هذا كله بأوفى من هذا وأتم فى ص: ٤٢٣ - ٤٢٦

٤٢٤
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
بعض أصحابه ، أن القاسم بن محمد ◌ُسُئل عن قول الله تعالى ذكره: ((وما أُنزِل
على الملتكين))، فقيل له : أ أنزل أو لم يُنزل ؟ فقال: لا أبالى أىّ ذلك كان ،
إلاّ أنى آمنتُ به .(١)
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندى، قولُ من وجَّه ((ما))
التى فى قوله: ((وَما أنزل على الملكين)) إلى معنى ((الذى))، دون معنى ((ما)) التى
هى بمعنى الحجد .
وإنما اخترت ذلك، من أجل أن ((ما))، إن وجُّهت إلى معنى الحجد، تنفى عن
((الملكين)) أن يكونا مُنْزلاً إليهما، (٢) ولم يخل الاسمان اللذان بعدهما - أعنى
(((هاروت وماروت)) - من أن يكونا بدلاً منهما وترجمة" عنهما(٣) أو بدلاً من
((الناس)) فى قوله: ((يعلمون الناس السحر))، وترجمة عنهما. (٤)
فإن جعلا بدلاً من ((الملكين)) وترجمة عنهما، بطل معنى قوله: ((وما يُعلِّمان
منْ أحد حتى يَقولا إنما نحن فتنة فلا تكفُر فيتعلمون منهما ما يفرُّقُون به بين المرء
وَزوجه)). لأنهما إذا لم يكونا عالمين بما يُفرَّق به بين المرء وزوجه، فما الذى يَتعلَّم
منهما من يفرق بين المرء وزوجه ؟(٥)
(١) الخبر: ١٦٧٩ - يونس بن عبد الأعلى الصدفى المصرى: إمام معروف، يروى عنه
الطبرى كثيراً، وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة. وقال ابن أبى حاتم ٤ / ٢٤٣/٢: (( كتبت عنه ،
وأقمت عليه سبعة أشهر)). وقال: ((سمعت أبى يوثق يونس بن عبد الأعلى، ويرفع من شأنه)). وله
سنة ١٧٠، ومات سنة ٢٦٤.
وأما شيخه هنا فهو: ((أنس بن عياض بن ضمرة)): وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
وهو مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٣٤/٢/١، وابن أبى حاتم ٢٨٩/١/١.
وكتب فى المطبوعة ((بشر)) بدل ((أنس)). وهو تحريف واضح. صوابه فى ابن كثير ١ : ٢٥٣،
نقلا عن هذا الموضع من الطبرى. ولم نجد فى الرواة من يسمى ((بشر بن عياض)) أبداً.
(٢) فى المطبوعة: ((فتنى ... )) بزيادة فاء لا خير فيها.
(٣) انظر معنى ((الترجمة) آنفاً: ٤٢٠ تعليق: ٢
(٤) فى المطبوعة: ((((يعلمان الناس السحر))، وهو خطأ. وانظر ما سلف: ٤٢٠
(٥) فى المطبوعة: ((ما يفرق))، والصواب ما أثبت.

٤٢٥
تفسير سورة البقرة : ١٠٣
وبعد، فإن ((ما)) التى فى قوله: ((وَمَا أُنزِل على الملكين))، إن كانت فى
معنى الحجد عطفاً على قوله: (( وما کفر 'سلیمان)) ، فإن الله جل ثناؤه ننى بقوله:
((( وَمَا كفر سلمان))، عن سليمان أن يكون السحر من عمله أو من علمه أو تعليمه.
فإن كان الذى نفى عن الملكين من ذلك، نظير الذى نفى عن سليمان منه - وهاروت
وماروت هما الملكان - فمن المتعلَّم منهُ إذاً ما يفرِّق به بين المرء وزوجه؟ وعمَّن الخبر
الذى أخبر عنه بقوله: (( وما يعلِّمان من أحد حتى يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر)) ؟
إنّ خطأ هذا القول لواضحٌ بين .
وإن كان قوله: ((هَارُوتَ وَمَارُوتَ)) ترجمة عن ((الناس)) الذين فى قوله:
(((ولكنّ الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر))، فقد وجب أن تكون الشياطين
هى التى تعلّم هاروت وماروت السحر ، وتكونَ السحرةُ إنما تعلمت السحر من
(((هاروتَ وماروتَ)) عن تعليم الشياطين إياهما . فإن يكن ذلك كذلك ، فلن يخلو
((هاروت وماروت)) - عند قائل هذه المقالة - من أحد أمرين :
إمّا أن يكونا ملكين، فإن كانا عندَه ملكين ، فقد أوجب لهما من الكفر
باللّه والمعصية لَهُ - بنسبته إياهما إلى أنهما يتعلّمان من الشياطين السحر ويعلِّمانه
الناس، وإصرارهما على ذلك وُمقامهما عليه - أعظمَ مما ذكر عنهما أنهما أتياه
من المعصية التى استحقًّا عليها العقاب . وفى خبر الله عز وجل عنهما - أنهما
لا يعلمان أحداً ما يتعلم منهما حتی یقولا: « إنما نحن فتنة فلا تکفر» - ما یغنیعن
الإكثار فى الدلالة على خطأ هذا القول .
أو أن يكونا رجلين من بنى آدم . فإن يكن ذلك كذلك ، فقد كان يجبُ
أن يكونا بهلاكهما قد ارتفع السحرُ والعلمُ به والعمل - من بنى آدم. (١) لأنه إذا
کان علے ذلك من قییکھما یؤخذ ومنهما یُتعلّم،فالواجبأن یکون بهلا كهما وعدم
وجودهِما، عدمُ السبيل إلى الوصول إلى المعنى الذى كان لا يوصل إليه إلاّ بهما.
(١) يقول فى سياقه: قد ارتفع من بنى آدم - السحر، والعلم به والعمل.

٤٢٦
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
٢٦٢/١ وفى وجود السحر فى كل زمان ووقت ، أبينُ الدلالة على فساد هذا القول . وقد
يزعمُ قائلُ ذلك أنهما رجلان من بنى آدم ، لم يُعْدَمَا من الأرض منذ خلقت،
ولا يُعدَمَان بعد مَا وُجد السحر فى الناس، فيدّعى ما لا يخفى بطوله(١)
...
فإذْ فَسدت هذه الوجوه التى دللنا على فسادها، فبيِّنٌ أنّ معنى ((ما)) التى.
فى قوله: ((وما أنزل على الملكين)) بمعنى (الذى))، وأن ((هاروت وماروتَ))، مترجم"
بهما عن الملكين ، ولذلك فتحت أواخر أسمائهما، لأنهما فى موضع خفض على
الرَّد على ((الملكين)). ولكنهما لما كانا لا يُجرَّان، فتحت أواخر أسمائهما.
. . .
فإن التيَسَ على ذى غباء ما قُلنا فقال: وكيف يجوز لملائكة الله أن تُعلِّم
الناسَ التفريقَ بين المرء وزوجه؟ أم كيف يجوز أن يُضاف إلى الله تبارك وتعالى
إنزالُ ذلك على الملائكة ؟
قيل له: إن الله جل ثناؤه عرَّف عباده جميعَ ما أمرهم به وجميعَ ما نهاهم عنه ،
ثم أمرهم ونهاهم بعد العليم منهم بما يؤمرون به وُيُنهون عنه. ولو كان الأمر على غير
ذلك ، لما كان للأمر والنهى معنى مفهوم. فالسحر مما قد تهى عباده من
بنى آدم عنه ، فغير منكر أن يكون جَلّ ثناؤه عَلَّمه الملكين اللذين سماهما فى
تنزيله ، وجعلهما فتنة لعباده من بنى آدم - كما أخبر عنهما أنهما يقولان لمن
يتعلّم ذلك منهما: ((إنما نَحنُ فتنة فلا تكفُر)) - ليختبر بهما عباده الذين نهاهم
عن التفريق بين المرء وزوجه، وعن السحر، فيمحّصَ المؤمن بتركه التعلُّم منهما،
وُيُخزىَ الكافرَ بتعلُّمه السحرَ والكفرَ منهما. ويكون الملكان - فى تعليمهما من
عَلَّمَا ذلك - لله مطيعين، إذْ كانا = عن إذْن الله لهما بتعليم ذلك منْ عَلَّماه =
يعلمان. وقد عبد من ◌ُدُون الله جماعةٌ من أولياء الله، فلم يكن ذلك لهم ضائراً ،
(١) بطل الشىء يبطل بطلا وبطولا وبطلاقاً. وهذا باطل بين البطول والبطلان.

٤٢٧
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
إذلم يكن ذلك بأمرهم إياهم به، بلُعبد بعضُهم والمعبود عنه "ناه. (١) فكذلك الملكان،
غيرُ ضائرهما سمرُ من تَرَ ممن تعلَّم ذلك منهما، بعد نهيهما إياه عنه، وعظّهما له
بقوهما: «إنما نحنفتنة فلا تکفُر))،إذ کانا قد أدَّیا ما أمرا به بقیلهما ذلك، كما :-
١٦٨٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عوف ،
عن الحسن فى قوله: ((وما أنْزِل على الملكين ببابلَ هارُوتَ وَمَارُوتَ)) إلى قوله :
( فلا تکفُر))، أخذ عليهما ذلك.
#
• ذكر بعض الأخبار التى فى بيان الملكين، ومن قال إنّ هاروت ومارُوت
هما الملكان اللذان ذكر الله جل ثناؤه فى قوله: ((ببابل)):
...
١٦٨١ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا معاذ بن هشام . قال ، حدثی
أبی ، عن قتادة قال ، حدثنا أبو شعبة العدوى فى جنازة يونس بن جبير أبى
"غلاَّب، عن ابن عباس قال: إنّ اللّه أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال
بنى آدم ، فلما أبصروهم يعملون الخطايا قالوا: يارب، هؤلاء بنو آدم الذى خلقته
بيدك ، وأسجدت له ملائكتك ، وعلمته أسماء كل شىء يعملون بالخطايا ! قال :
أمّا إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغى لنا !
قال: فأميروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض، قال: فاختاروا هاروت وماروت .
فأهبيطا إلى الأرض، وأحلّ لهما ما فيها من شىء ، غيرَ أنْ لا يشركا بالله شيئاً،
ولا يسرقًا، ولا يزنيا، ولا يشربًا الخمر، ولا يقتلا النفس التى حرّم الله إلا بالحق. قال:
فما استمرَّا حتى عرض لههما امرأة قد قُسم لها نصفُ الحسن، يقال لها ((بيذخت))
فلما أبصرَاها أرادا بها زناً ، فقالت : لا، إلا أن تشركا باللّه ، وتشربا الخمر ،
وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم ! فقالا: ما كنا لنشرك بالله شيئاً! فقال أحدهما
(١) هذه حجة رجل يبصر دقيق المعانى، ولا يغفل عن مواضع السقط فى كلام من يتكلم وهو
لا يضبط ما يقتضيه كلامه . وقد استخف به ابن كثير، لأنه لم يضبط ما ضبطه هذا الإمام المتمكن
من عقله وفهمه .

٤٢٨
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
للآخر: ارجع إليها . فقالت: لا، إلاّ أنْ تشرّبًا الخمر. فشربا حتى ثملا،
ودخل عليهما سائل فقتلاه ، فلما وقعا فيا وقعا فيه من الشر ، أفرج الله السماء
٣٦٢/١ لملائكته، فقالوا: سبحانك! كنت أعلم! قال: فأوحى الله إلى سليمان بن داود
أن يُخيّرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارًا عذابَ الدنيا، فكبِّلا من
أ کعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البُخْت ، وجعلا ببابل. (١)
١٦٨٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد،
عن على بن زيد، عن أبى عثمان النهدى، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا : لما
كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والسماء والجبالُ: ربنا ألا
تهلكهم! (٢) فأوحى الله إلى الملائكة: إنى لو أنزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم
ونزكتم لفعلتم أيضاً! (٣) قال: فحدّثوا أنفسهم أنْ لو ابتُلوا اعتصموا، فأوحى الله
إليهم : أن اختاروا ملكين من أفضلكم . فاختاروا هاروت وماروت ، فأهبطا
إلى الأرض، وأنزٍلت الزُّهرة إليهما فى صُورة امرأة من أهل فارس ، وكان أهل
فارس يسمونها ((بيذخت)). قال: فوقعا بالخطيئة ، فكانت الملائكة يستغفرون
للذين آمنوا : (٤) ربنا وسعت كل شىء رحمةً وعلماً فاغفر للذين تابوا . فلما وقعا
بالخطيئة ، استغفروا لمن فى الأرض ، ألا إن اللّه هو الغفور الرحيم . فخيِّرا بين
عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذابَ الدنيا . (٥).
(١) الخبر: ١٦٨١ - أبو شعبة العدوى، هذا الذى يروى هنا عن ابن عباس: لم أعرف من
هو ؟ ولا وجدت له ذكراً فى شىء من المراجع. والراجح عندى أن اسمه محرف عن شىء لا أعرفه .
(٢) فى تفسير ابن كثير ١: ٢٥٦، والدر المنثور١: ٩٩: ((ربنا، لا تمهلهم))،
وكأنها هى الصواب، وإن كانت الأولى صحيحة المعنى.
(٣) هذه العبارة صحيحة المعنى، ولكنها جاءت فى تفسير ابن كثير: ((إنى أزلت الشهوة والشيطان
من قلوبكم، وأنزلت الشهوة والشيطان فى قلوبهم، ولو نزلتم لفعلتم أيضاً)). وبجاءت فى الدر المنثور:
(( إنى أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، ولو نزلتم لفعلتم أيضاً)). مختصراً.
(٤) فى المطبوعة: ((وكانت الملائكة)) بالواو، والصواب من ابن كثير والدر المنثور ..
(٥) الخبر: ١٦٨٢ - الحجاج بن المنهال الأنماطى: ثقة فاضل، أخرج له الجماعة. شيخه
((حاد»: الراجح عندنا أنه «حماد بن سلمة))، وإن كان فى التهذيب أنه يروى عن ((الحادين»،
يعنى حماد بن زيد وحماد بن سلمة، ولكن اقتصر البخارى فى ترجمته فى الكبير ٣٧٦/٢/١ على ذكر

٤٢٩
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
١٦٨٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنى الحجاج قال ، حدثنا حماد، عن خالد
الحذاء ، عن عمير بن سعيد قال ، سمعت عليًّا يقول: كانت الزُّهَرة امرأة جميلة
من أهل فارس، وأنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فرواداها عن نفسها،
فأبت إلا أنْ يعلماها الكلامَ الذى إذا تُكُلُم به يُعرَجُ به إلى السماء. فعلَّماها،
فتكلمت به، فعرَجت إلى السماء، فمُسخت كوكباً. (١)
١٦٨٤ - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا ، حدثنا مؤمل بن
إسمعيل - وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق - جميعاً ، عن الثورى ،
عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن كعب قال : ذكرت الملائكة
أعمال بنى آدم وما يأتون من الذنوب ، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين - وقال
الحسن بن يحيى فى حديثه : اختاروا ملكين - فاختاروا هاروت وماروت ، فقيل
لهما : إنى أرسل إلى بنى آدم رُسُلاً ، وليس بينى وبينكم رَسول ، انزلا : لا
تُشركا بى شيئاً، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر. قال كعب: فوالله ما أمْسيا من
يَوْمهما الذى أهبيطا فيه إلى الأرض حتى استكملا جميع ما نُهيا عنه - وقال الحسن
ابن يحيى فى حديثه: فما استكملا يومهما الذى أنزلا فيه حتى عملا ما حرَّم الله
عليهما. (٢).
((حماد بن سلمة))، وكذلك صنع ابن أبى حاتم ١٦٧/٢/١. فصنيعهما يدل على أنه عرف بالرواية
عنه أكثر - ووقع فى المطبوعة هنا ((حجاج)) بدل ((حماد)). والتصحيح من ابن كثير ١: ٢٥٦،
إذ نقل هذا الخبر عن الطبرى .
(١) الخبر: ١٦٨٣ - خالد الحذاء: هو ((خالد بن مهران))،، ثقة كثير الحديث. مترجم
فى التهذيب، والكبير البخارى ١٥٩/٢/٢، وابن أبى حاتم ٣٥٢/٢/١ - ٣٥٣.
عمير بن سعيد النخعى: تابعى ثقة . مترجم فى التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/ ٣٧٦/١. ووقع فى
المطبوعة هنا ((عمرو)) بدل ((عمير)). وهو خطأ، صوابه فى ابن كثير ١: ٢٥٥ عن رواية الطبرى هذه.
والخبر رواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٢٦٥ - ٢٦٦، مطولا، من طريق إسمعيل بن أبى خالد ،
((عن عمير بن سعيد النخعى، قال: سمعت علياً ... ))، فذكره بطوله .
(٢) الخبر: ١٦٨٤ - رواه البخارى بإسنادين: من طريق مؤمل بن إسماعيل، ومن طريق عبد الرازق،
كلاهما عن الثورى. موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدى : هو صاحب المغازى، كان ثقة ثبتاً .

٤٣٠
تفسير سورة البقرة : ١٫٠٢
١٦٨٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا معلَّى بن أسد قال ، حدثنا عبد العزيز
ابن المختار، عن موسى بن عقبة قال ، حدثنى سالم ، أنه سمع عبد اللّه يحدّث ،
عن كعب الأحبار أنه حدث: أنّ الملائكة أنكروا أعمال بنى آدم وما يأتون فى
الأرض من المعاصى ، فقال الله لهم: إنكم لو كنتم مكانهم أنيتم ما يأتون من
الذنوب ، فاختاروا منكم ملكين . فاختاروا هاروت وماروت ، فقال الله لهما : إنى
أرسل رسلى إلى الناس، وليس بينى وبينكما رسولٌ، انزلا إلى الأرض، ولا تُشركا
بی شیئاً ، ولا تزنیا . فقال کعب : والذی نفس کعب بيده ، ما استكملا يومهما
الذی نزلا فيه حتى أتيا ما حرم الله عليهما. (١)
وكان مالك يقول: ((عليكم بمغازى موسى بن عقبة، فإنه ثقة)). وهو مترجم فى الكبير البخارى ٤ / ١/ ٢٩٢
وابن أبى حاتم ٤ / ١/ ١٥٤ - ١٥٥.
والذى أثبتنا هو الصواب، وكان فى المطبوعة ((محمد بن عقبة))، بدل ((موسى)). و((محمد
ابن عقبة)): هو أخو موسى بن عقبة. وهو ثقة أيضاً، مترجم فى التهذيب، والكبير ١٩٨/١/١ -
١٩٩، وابن أبى حاتم ٣٥/١/٤.
وكان من المحتمل أن يكون ما فى المطبوعة صحيحاً، لأن سفيان الثورى يروى عن محمد بن عقبة ،
كما يروى عن أخيه موسى. لولا الدلائل والقرائن، التى جزمنا معها بخطأ ذلك :
فأولا : إن محمد بن عقبة لم يذكر فى ترجمته بالرواية عن سالم بن عبد الله بن عمر .
وثانياً : أن ابن كثير نقل هذا الخبر عن تفسير عبد الرزاق ، عن الثورى ، عن موسى بن عقبة
١ : ٢٥٥، ثم ذكر أن الطبرى رواه من طريق عبد الرزاق .
وثالثاً : الخبر ثابت فى تفسير عبد الرزاق ، فى نسخة مصورة عندى ، عن مخطوطة دار الكتب
المصرية، المكتوبة سنة ٧٢٤. وفيها ((عن موسى بن عقبة)).
فاتفق على هذا الكتابان : الكتاب الذى نقل عنه الطبرى ، والكتاب الذي نقل عن الطبرى .
وراوماً: أن ابن كثير قال أيضاً: ((رواه ابن أبى حاتم، عن أحمد بن عصام، عن مؤمل، عن
سفيان الثبـ رى ، به )) .
والطبرى هنا رواه - كما ذكرنا - عن مؤمل بن إسماعيل، عن التورى . فاتفقت روايته مع رواية
ابن أبى حاتم .
وليس بعد هذا ثبت ويقين .
(١) الخبر : ١٦٨٥ - هو تكرار الخبر قبله، من رواية عبد العزيز بن المختار، عن موسى
ابن عقبة .
وعبد العزيز بن المختار الدباغ : ثقة، روى له الجماعة . مترجم فى التهذيب ، وابن أبى حاتم
٣٩٣/٢/٢ - ٣٩٤.

٤٣١
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
١٦٨٦ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، "
عن السدى : أنه كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض فى
أحكامهم ، فقيل لهما : إنى أعطيت ابن آدم عشراً من الشهوات ، فيها يعصونى .
قال هاروت وماروت : ربنا ، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل .
فقال لهما : انزلا ، فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس . فنزلا
بيابل ◌ُدُنْبَاوَنْد، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عَرَجا فإذا أصبحا "هبطا . فلم
يزالا كذلك حتى أتهما امرأةٌ تخاصم زوجها، فأعجبهما حُسنها - واسمها بالعربية، ٣٦٤/١
((الزُّهَرة))، وبالنَّبطية ((بيذَخْت))، واسمها بالفارسية ((أناهيذ)) - فقال أحدهما
لصاحبه: إنها لتعجبُنى ! فقال الآخر : قد أردت أن أذكرلك فأستحييت منك !
فقال : الآخر : هل لك أن أذكرها لنفسها ؟ قال: نعم ، ولكن كيف لنا بعذاب
الله؟ قال الآخر : إنا نرجو رحمة اللّه ! فلما جاءت تخاصم زوجها ذکرًا إليها.
نفسها ، فقالت : لا ، حتى تقضيا لى على زوجى . فقضيا لها على زوجها . ثم
واعدتهما خَرِبة من الخَرِب يأتيانها فيها ، فأتياها لذلك . فلما أراد الذى يواقعها،
قالت : ما أنا بالذى أفعل حتى تخبرانى بأىّ كلام تصعدان إلى السماء ، وبأى
كلام تنزلان منها ؟ فأخبراها ، فتكلمت فصعدت ، فأنساها الله ما تنزل به ،
فبقيت مكانها، (١) وجعلها الله كوكباً .- فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال:
هذه التى فتنت هاروت وماروت ! - فلما كان الليلُ أرادا أن يصعدًا فلم يستطيعا،
فعرفا الهُلْك، (٢) فخيِّرا بين عذاب الدنيا والآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا من
عذاب الآخرة ، فعلّقا ببابل ، فجعلا يكلمان الناس كلا مهما ، وهو السحر .
١٦٨٧ -حدثی المثی بن إبراهيم قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى
جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال: لما وقع الناس من بعد آدم فيما وقعوا فيه من
(١) فى ابن كثير ١: ٢٥٩: ((فثبتت مكانها)).
(٢) فى ابن كثير ١: ٢٥٩: ((الهلكة))، وهما سواء.

٤٣٢
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
المعاصى والكفر بالله، قالت الملائكة فى السماء : أىّ ربّ، هذا العالم إنما خلقتهم
لعبادئك وطاعتك ، وقد ركبوا الكفرّ وقتل النفس الحرام وأكلّ المال الحرام
والسرقة والزنا وشربَ الخمر ! فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذِرونهم ، فقيل لهم : إنهم
فى غَيْبْ. (١) فلم يعذروهم ، فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين آمرُهما بأمرى
وأنهاهما عن معصيتى. فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وجُعل
بهما شهوات بنى آدم، (٢) وأميرا أن يُعبدا اللّه ولا يُشركا به شيئاً، ونهيا عن قتل
النفس الحرام ، وأكل المال الحرام ، والسرقة ، والزنا ، وشرب الخمر . فلبثا على
ذلك فی الأرض زماناً يحكمان بين الناس بالحق - وذلك فى زمان إدريس . وفى
ذلك الزمان امرأة ◌ُحسنها فى سائر الناس كحُسن الزُّهَرة فى سائر الكواكب، وأنها
أنت عليهما(٣)، فخضعا لها بالقول، وأرَاداها على نفسها، وأنها أبت إلا أن
يكونا على أمرها ودينها ، وأنهما سألاها عن دينها التى هى عليه ، فأخرجت لهما
صنماً وقالت : هذا أعبد . فقالا : لا حاجة لنا فى عبادة هذا ! فذهبا فغيرا ما
شاء اللّه، (٤) ثم أتيا عليها فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها، فقالت : لا،
إلا أن تكونا على ما أنا عليه . فقالا : لا حاجة لنا فى عبادة هذا ! فلما رأت أنهما
أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا الصنم،
أو تقتلا النفْس، أو تشربا الخمر . فقالا : كل هذا لا ينبغى ، وأهونُ الثلاثة
◌ُشرب الخمر. فسقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها . فمر
بهما إنسان ، وهما فى ذلك، فخشيا أن يُفشى عليهما فقتلاه . فلما أن ذهب عنهما
السكر، عرفا ما وقعا فيه من الخطيئة ، وأرادا أن يصعد إلى السماء، فلم يستطيعا ،
(١) ما أدرى ما يعنى بقوله: ((إنهم فى غيب))، إلا أن يكون أراد الغيب: وهو ما غيبك من
الأرض ، لبعد، وانقطاعه ، وهبوطه عما حوله. کانہ یقول : إنهم فی مکان غيهم عما تشهدون أنتم - أيتها
الملائكة - من آيات ربكم. وانظر ص : ٤٣٣
(٢) فى تفسير ابن كثير ١: ٢٥٧: ((فجعل لهما ... »
(٣) فى تفسير ابن كثير: ((أتيا عليها)).
(٤) فى المطبوعة: ((فصبرا ما شاء الله))، وفى ابن كثير: ((فعبرا)). وغير: مكث وبقى .

٤٣٣
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
فحيل بينهما وبين ذلك . وكشف الغطاء بينهما وبين أهل السماء ، فنظرت الملائكة
إلى ما وقعا فيه من الذنب، فعجبوا كل العجب، وعلموا أنّ من كان فى غَيْب
فهو أقل خشية (١)، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن فى الأرض - وأنهما لما وقعا فيما
وقعا فيه من الخطيئة قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذابَ الآخرة! فقالا: أما
عذاب الدنيا فإنه ينقطع ، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له . فاختارا عذاب الدنيا،
فجُعلا ببابل، فهما يعذبان .(٢)
١٦٨٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا فرج بن فضالة ،
عن معاوية بن صالح ، عن نافع قال : سافرت مع ابن عمر ، فلما كان من آخر ٣٦٥/١
الليل قال : يا نافع انظر ، طلعت الحمراء؟ قلت: لا - مرتين أو ثلاثاً - (٣) ثم
قلت: قد طلعت ! قال: لا مَرْحباً ولا أهلاً! قلت : سبحان اللّه، نجم
مسخَّر سامعٌ مُطيع! قال: ما قلت لك إلاما سمعت من رسول الله صلى الله عليه
وسلم، (٤) وقال: قال لى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إن الملائكة قالتْ:
يارب، كيف صبرك على بنى آدم فى الخطايا والذنوب؟ قال: إنّى ابتليتُهم وعافيتكم.
قالوا : لوكنا مكانَّهم ما عصيناك ! قال : فاختاروا ملكين منكم . قال : فلم
يألوا أن يختاروا ، فاختارُوا هاروت وماروت (٥)
(١) انظر ص : ٤٣٢ تعليق : ١
(٢) الأثر: ١٦٨٧ - فى تفسير ابن كثير ١: ٢٥٧ - ٢٥٨ عن أبى حاتم قال: « أخبرنا
عصام بن رواد ، أخبرنا آدم ، أخبرنا أبو جعفر ، حدثنا الربيع بن أنس ، عن قيس بن عباد ، عن
ابن عباس رضى الله عنهما)»، وهو غير إسناد ابن جرير، وكلاهما من طريق أبى جعفر عن الربيع بن
أنس، ولكن ابن جرير لم يرفعه إلى ابن عباس. ونصهما واحد إلا بعض خلاف يسير فى بعض اللفظ .
(٣) فى المطبوعة: ((قالها مرتين أو ثلاثاً))، والصواب من ابن كثير فى تفسيره ١ : ٢٥٥،
والدر المنثور ١ : ٩٧.
(٤) فى ابن كثير: ((أو قال - قال لى رسول الله ... ))
(٥) الحديث: ١٦٨٨ - هذا إسناد ضعيف. الحسين: هو ابن داود، ولقبه (سنيد))،
وقد ترجنا له فى : ١٤٤، ونزيد هنا أنه ترجم له الخطيب فى تاريخ بغداد ٨: ٤٢ - ٤٤، وقوى
أمره . وهو كما قال .
الفرج بن فضالة التنوخى القضاعى: ضعيف، قال البخارى: ((منكر الحديث))، وهو مترجم
.ح)، (٢٨)

٤٣٤
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
١٦٨٩ - حدثنى المتى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: وَأَمّا شأن هاروت وماروت ، فإن الملائكة عجبت
من ظلم بنى آدم ، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات . فقال لهم ربهم : اختاروا
منكم ملكين أنزلهما يحكمان فى الأرض بين بنى آدم . فاختاروا هاروت وماروت .
فقال لهما حين أنزلهما : عجبتما من بنى آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم ، وإنما تأتيهم
الرسل والكتب من وراء وراء، (١) وأنتما ليس بينى وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا
كذا وكذا. فأمرهما بأمر ونهاهما. (٢)ثم نزلا على ذلك، ليس أحد لله أطوع منهما. فحكما
فى التهذيب، والكبير ١٣٤/١/٤، والصغير: ١٩٢، ١٩٩، والضعفاء البخارى: ٢٩،
والنسائى: ٢٥، وابن أبى حاتم ٨٥/٢/٣ - ٨٦.
وهذا الحديث هنا مختصر . وقد رواه الخطيب فى قرحة سنيد ، مطولا، من طريق عبد الكريم بن
الهيثم ، عن سنيه ، بهذا الإسناد .
وهذه الأخبار ، فى قصة هاروت وماروت ، وقصة الزهرة ، وأنها كانت امرأة فسخت كوكباً -
أخبار أعلها أهل العلم بالحديث . وقد جاء هذا المعنى فى حديث مرفوع، رواء أحمد فى المسند : ٦١٧٨،
من طريق موسى بن جبير ، عن نافع ، عن ابن عمر . وقد فصلت القول فى تعليله فى شرح المسند ،
ونقلت قول ابن كثير فى التفسير ١: ٢٠٥ ((وأقرب ما يكون فى هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن
كعب الأحبار، لا عن النبى صلى الله عليه وسلم)) . واستدل بروايتى الطبرى السالفتين: ١٦٨٤، ١٦٨٥
عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار .
وقد أشار ابن كثير أيضاً فى التاريخ ١: ٢٧ - ٣٨، قال: ((فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين،
وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار ، وتلقاه عنه طائفة من السلف ، فذكروه على سبيل الحكاية والتحدث
عن بنى إسرائيل)). وقال أيضاً، بعد الإشارة إلى أسانيد أخر: ((وإذا أحسنا الظن قلنا: هذا من
أخبار بنى إسرائيل، كما تقدم من رواية ابن عمر عن كعب الأحبار . ويكون من خرافاتهم التى لا يعول
عليها )) .
وقال فى التفسير أيضاً ١: ٢٦٠، بعد ذكر كثير من الروايات التى فى الطبرى وغيره: ((وقد
روى فى قصة هاروت وماروت، عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدى والحسن البصرى ، وقتادة ،
وأبى العالية، والزهرى، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين ، من
المتقدمين والمتأخرين. وحاصلها راجع فى تفصيلها إلى أخبار بنى إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع
صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذى لا ينطق عن الهوى. وظاهر سياق القرآن إجمال
القصة، من غير بسط ولا إطناب فيها. فنحن نؤمن بما ورد فى القرآن، على ما أراده الله تعالى. واقه
أمل بحقيقة الحال)).
وهذا هو الحق ، وفيه القول الفصل . والحمدـ .
(١) فى ابن كثير ١: ٢٥٩: (( أعجبتم من بنى آدم ... وإنكما ليس بينى وبينكما رسول))
(٢) فى ابن كثير: ((فأمرهما بأمور ونهاهما)).

٤٣٥٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
فعدلا . فكان يحكمان النهار بين بنى آدم ، فإذا أمسا عَرَجا وكانا مع الملائكة ،
وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزُّهرة - فى أحسن
صورة امرأة - تخاصم، فقضيا عليها . فلما قامت ، وجد كل واحد منهما فى
نفسه ، فقال أحدهما لصاحبه: وجدتَ مثل ما وجدتُ ؟ قال: نعم. فبعثا إليها:
أنْ ائتينا نَقْضِ لك. فلما رجعت، قالالها - وقضيا لها -: اثتينا !فأتهما، (١)
فكشفا لها عن عورتهما ، وإنما كانت شهوتهما فى أنفسهما ، ولم يكونا كبنى آدم
فى شهوة النساء ولذَها. فلما بلغا ذلك واستحلاّه وافتُتِنا، طارت الزُّهَرة فرجعت
حيث كانت. فلما أمسيا عَرَجا فرُدًّا ولم يؤذن لهما، (٢) ولم تحملهما أجحتهما،
فاستغاثا برجل من بنى آدم ، فأتياه فقالا : ادعُ لنا ربك ! فقال : كيف يشفع
أهل الأرض لأهل السماء ؟ قالا : سمعنا ربك بذكرك بخير فى السماء ! فوعدهما
يوماً ، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما فاستُجيب له ، فخيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب
الآخرة. فنظر أحدهما لصاحبه فقالا: نعلم أنّ أنواعَ عذاب الله فى الآخرة كذا
وكذا فى الخلد، ومع الدنيا سبع مرات مثلها. (٣) فأميرا أن ينزلا ببابل، فَثَمْ
عذابهما. وزعم أنهما معلَّقان فى الحديد مَطويّان، يصفِّقان بأجنحتهما(٤)
قال أبو جعفر: وحكى عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ: ((وما أنْزِل على
المَلِكَيْن)) ، يعنى به رجلين من بنى آدم. وقد دللنا على خطأ القراءة بذلك من جهة
الاستدلال ، (٥) فأما من جهة النقل، فإجماع الحجة - على خطأ القراءة بها - من
(١) فى ابن كثير: ((قالا وقضيا لما فأتتهما))، وليس بصواب.
(٢) فى ابن كثير: ((فزجرا ولم يؤذن لهما)»، وهما سواء.
(٣) فى ابن كثير: ((فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله ... وفى الدنيا تسع مرات مثلها)).
وفى الدر المنثور: ((فقالا: فعلم أن أفواج عذاب الله ... نعم، ومع الدنيا سبع مرات ... "
وقوله ((ومع الدنيا ... )) أى إذا قيس بعذاب الدنيا، كان سبعة أمثال عذابها.
(٤) الأثر: ١٦٨٩ - فى تفسير ابن كثير ١: ٢٥٩ - ٢٦٠، وفى الدر المنثور ١: ١٠٢
(٥) انظر ما سلف ص : ٤٢٥ - ٤٢٦

٤٣٦
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
الصحابة والتابعين وُقُرّاء الأمصار . وكفى بذلك شاهداً على خطئها .
٠٠٠
وأما قوله (( بابيل))، فإنه اسم قرية أو موضع من مَواضع الأرض. وقد اختلف
أهل التأويل فيها. فقال بعضهم: إنها ((بابل دُنْاوَنْد)):
١٦٩٠ - حدثنى بذلك موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدی (١)
...
وقال بعضهم: بل ذلك ((بابل العراق)) . ذكر من قال ذلك:
١٦٩١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن أبى الزناد ، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة - فى قصّة ذكرتها
عن امرأة قدمت المدينة ، فذكرت أنها صارت فى العراق ببابل ، فأتت بها هاروت
وماروت، فتعلَّمت منهما السحر (٢)
٣٦٦/١
. .
قال أبو جعفر: واختُلف فى معنى ((السحر)). فقال بعضهم: هو خدع
وتخاريقُ وَمعانٍ يفعلها الساحر، حتى يُخيّل إلى المسحور الشىءُ أنه بخلاف ما هو
به ، نظيرَ الذى يرَى السَّراب من بعيد فيخيَّل إليه أنه ماءٌ، ويرى الشىء من
بعيد فيُثبته بخلاف ما هو على حقيقته. وكراكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً، يخيّل
إليه أنّ ما عاين من الأشحار والجبال سائرٌ معه . قالوا: فكذلك المسحور ذلك
صفته: يحسب بعدَ الذى وصَل إليه من سحر الساحر، أنّ الذى يراه أو يفعله
بخلاف الذی هو به على حقيقته ، کالذی : -
(١) الأثر : ١٦٩٠ - هو الأثر السابق ١٦٨٦.
(٢) الأثر: ١٦٩١ الحسين: هو سنيد، كما مضى مراراً.
حجاج : هو ابن محمد المصيصى الأعور ، وهو ثقة رفيع الثأن ، من شيوخ أحمد وابن معين .
مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٣٧٦/٢/١، وابن أبى حاتم ١٦٦/٢/١، وتاريخ بغداد ٨:
٢٣٦ - ٢٣٩ .
وهذا الخبر قطعة من خبر مطول ، سيأتى : ١٦٩٥، من طريق ابن أبي الزناد أيضاً .

٤٣٧
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
١٦٩٢ - حدثنى أحمد بن الوليد وسفيان بن وكيع ، قالا ، حدثنا يحيى بن
سعيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة: أنَّ النبى صلى الله عليه
وسلم لما ◌ُعر، كان يخيّل إليه أنه يفعل الشىء ولم يفعله.(١)
١٦٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير ، عن هشام بن عروة ،
عن أبيه ، عن عائشة قالت: مصر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودى من يهود
بنى زُرَيق يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يُحَيَّل إليه أنه يفعلُ الشىء وَمَا يفعله. (٢)
(١) الحديث: ١٦٩٢ - أحمد بن الوليد، شيخ الطبرى: لم أعرف من هو ؟ وسفيان بن وكيع بن
الجراح: ضعيف، قال البخارى فى التاريخ الصغير ، ص: ٢٤٦ ((يتكلمون فيه لأشياء، لقنوه)). وقال النسائى
فى الضعفاء، ص: ١٦ ((ليس بشىء)). بل اتهمه أبو زرعة بالكذب. ودفع عنه أبو حاتم هذه السبة،
وإنما جاءه ذلك من وراقه، أفسد عليه حديثه. وهو مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ١/٢/ ٢٣١ -
٢٣٢، والمجروحين لابن حبان (مخطوط مصور)، رقم: ٤٧٠. وليس ضعفه بسبب لضعف هذا الحديث
فقد جاء بأسانيد صحاح ، سنشير إليها فى الحديث التالى .
يحي بن سعيد: هو القطان الإمام الحافظ.
(٢) الحديث: ١٦٩٣ - هو تكرار الحديث السابق بإسناد آخر، رواه سفيان بن وكيع ،
عن ابن غير .
ابن نمير: هو عبد الله بن نمير الهمدانى: ثقة صاحب سنة، روى عنه الأئمة، أحمد، وابن المدينى.
مترجم فى التهذيب، وابن سعد ٦ : ٢٧٤ - ٢٧٥ . وابن أبى حاتم ١٨٦/٢/٢.
وهذا الحديث - بطريقيه - مختصر من حديث مطول: أما من رواية ابن نمير ، فقد رواه أحمد فى
المسند ٦: ٥٧ (حلى) عن ابن نمير. ورواه مسلم فى صحيحه ٢: ١٨٠، عن أبى كريب. ورواه
ابن ماجة : ٣٥٤٥، عن أبى بكر بن شيبة - كلاهما عن ابن نمير ، به مطولا.
وقد رواه كثير من الثقات الأثبات عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة :
فرواه أحمد فى المسند ٦: ٦٣، من طريق معمر. ورواه أحمد أيضاً ٦: ٦٣، من طريق
أبي أسامة حماد بن أسامة، وكذلك رواه البخارى ١٠: ٢٠١، ومسلم ٢: ١٨٠ - كلاهما من طريق
أبى أسامة . ورواه أحمد أيضاً ٦: ٩٦، وابن سعد ٤/٢/٢ - كلاهما من طريق وهيب. ورواه
البخارى ١٠: ١٩٢ - ١٩٧، من طريق عيسى بن يونس. و ١٠: ١٩٩ - ٢٠١، من طريق ابن
عيبئة. و ١٠: ٤٠٠، من طريق سفيان، وهو ابن عيينة. و١١ : ١٦٣، من طريق أنس
ابن عياض أبى ضمرة . ورواه أيضاً ٦: ٢٣٩، معلقاً من رواية اليث بن سعد، - كل هؤلاء رووه
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقال البخارى ١٠: ١٩٧، عقب رواية عيسى بن يونس :
(تابعه أبو أسامة، وأبو ضمرة، وابن أبى الزقاد - عن هشام)). وفى رواية ابن عيينة ١٠ : ١٩٩
أنه سمعه قبل ذلك من ابن جريج ((يقول: حدثى آل عروة عن عروة)).، وأنه - أى ابن عيينة -
سأل هشاماً عنه ، فحدثه به عن أبيه عن عائشة .

٣
٤٣٨
تفسير سورة البقرة : ١٠٣
١٦٩٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى يونس ، عن
ابن شهاب قال ، کان 'عروة بن الزبير وسعید بن المسیبمحدّثان : أن يهود بنى
زُرَيْق عقدوا عُقَدَ سْر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلوها فى بئر
حزم، حتی کان رسول الله صلى الله عليه وسلم بنکر بصره. و دلَّه الله علی ما صنعوا،
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر حزم التى فيها العُقد فانتزعها . فكان
وذكر ابن كثير بعض طرقه، فى تفسير سورة الفلق ٩ : ٣٥٣ - ٣٥٤. وإنما فصلنا القول فى
طرقه هنا ، لأن الطبرى لم يذكره هناك فى موضعه .
وقد ثبت مثل هذه القصة من حديث زيد بن أرقم :
فرواه أحمد فى المسند٤ : ٣٦٧ (حلبي)، عن أبى معاوية، عن الأعمش، عن يزيد بن حيان ،
عن يزيد بن أرقم، به . وهذا إسناد صحيح . يزيد بن حيان أبو حيان التيمى: تابعى ثقة ، مترجم فى
التهذيب، وانكبير البخارى ٤ /٣٢٤/٢ -٣٢٥، وابن أبى حاتم ٢٥٥/٢/٤ - ٢٥٦.
ورواه أيضاً ابن سعد ٦/٢/٢، عن موسى بن مسعود، عن سفيان الثورى، عن الأعمش ، عن
ثمامة المحلمى ، عن زيد بن أرقم. وهذا إسناد صحيح أيضاً. موسى بن مسعود النهدى: سبق توثيقه :
٢٨٠. و((ثمامة بن عقبة المحلمى)): ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ١٧٦/٢/١،
والجرح ٤٦٥/١/١ - ٤٦٦. و((المحلمى)): بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر اللام المشددة بعدهما
ميم، نسبة إلى ((محل بن تميم)).
وذكره الهيشى فى مجمع الزوائد ٦: ٢٨١، بروايتين، وقال: ((رواه النسائى باختصار))،
ثم قال: ((رواه الطبرانى بأسانيد، ورجال أحدما رجال الصحيح)).
وذكره الحافظ فى الفتح ١٠: ١٩٤ أنه ((مصحه الحاكم وعبد بن حميد)).
وقصة السحر هذه عرض لها كثير من أهل عصرنا بالإنكار ؛ وهم فى إنكارهم مقللون ، ويزعمون
أنهم بعقلهم يهتدون . وقد سبقهم إلى ذلك غيرهم ، ورد عليهم العلماء :
فقال الحافظ فى الفتح ١٠: ١٩٢ ((قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا
أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها ! قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل . وزعموا أن تجويز هذا
يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع ؛ إذ يحتمل على هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم ! وأنه
يوحى إليه بشىء ولم يوح إليه بشىء !! قال المازري: وهذا كله مردود. لأن الدليل قد قام على صدق
النبي صلى الله عليه وهم فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته فى التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه.
فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل . وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التى لم يبعث لأجلها ، ولا كانت
الرسالة من أجلها - فهو فى ذلك عرضة لما يعترض البشر، كالأمراض . فغير بعيد أن يخيل إليه فى
أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك من أمور الدين». ثم أفاض الحافظ
فى هذا البحث الدقيق ، بقوته المعروفة، فى جمع الروايات وتفسيرها ، بما لا يدع شكاً عند من ينصف.
وعقد القاضى عياض فصلا جيداً فى هذا البحث، فى كتاب الشفاء. انظره فى شرح العلامة على
القارى ٢: ١٩٠ - ١٩٣ من طبعة بولاق سنة ١٢٥٧.

٤٣٩
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سحرتنى يهود بنى زُرَيَق.(١)
٠
٠٠
وأنكر قائلو هذه المقالة أن يكون الساحر يقدر بسحره على قلب شىء عن
حقيقته، واستسخارشىء من خلق الله - إلاّ نظير الذى يقدر عليه من ذلك سائر
بنى آدم - أو إنشاء شىء من الأجسام سوى المخاريق والحُدَع المتخيَّة لأبصار
الناظرين بخلاف حقائقها التى وصفنا . وقالوا : لو كان فى وسع السحرة إنشاءُ
الأجسام وقلب حقائق الأعيان عما هى به من الهيئات ، لم يكن بين الحق والباطل
فصْل، (٢) ولجاز أن تكون جميع المحسوسات مما سحرته السحرة فقلبت أعيانها . قالوا:
وفى وصف اللّه جل وعز ◌َحرةَ فرعون بقوله: ﴿فإِذَا حِبَالُهُم وعِصِيُّهم يُخَيَّل إِلَيْهِ
مِنْ سِحْرِهِمٍ أَنّهَا تَسْعَى﴾ [سورة طه: ٦٦]، وفى خبر عائشة عن رسول اللّه صلى اللّه
اللّه عليه وسلم أنه كان إذْ سحر يخيل إليه أنه يفعل الشىء ولا يفعله ، أوضح الدلالة
على بُطولٍ دعوى المدعين = : أن الساحر ينشىء أعيان الأشياء بسحره، ويستسخر
ما يتعذر استسخاره على غيره من بنى آدم ، كالموات والجماد والحيوان = وصحة
ما قلنا . (٣)
وقال آخرون : قد يقدر الساحر بسحره أن يحوّل الإنسان حماراً ، وأن يسحر
الإنسان والحمار ، وينشىء أعياناً وأجساماً ، واعتلوا فى ذلك بما : -
١٦٩٥ - حدثنا به الربيع بن سليمان قال ، حدثنا ابن وهب قال ، أخبرنا
ابن أبى الزناد قال ، حدثنى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة زوج
(١) الحديث : ١٦٩٤ - هذا فى معنى الحديثين قبله. ولكن هذا مرسل . وقد روى ابن سعد
٥/٢/٢، نحوه مختصراً، عن الزهرى، ((عن ابن المسيب وعروة بن الزبير، قالا : فكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: محرتنى يهود بنى زريق)). وقد أشار الحافظ فى الفتح ١٠: ١٩٣ إلى أن
مرسل سعيد بن المسيب رواه عبد الرزاق ، وذكر من بعض ألفاظه ما يدل على أنه أطول مما هنا . وقوله :
(( بئر حزم))، لا يعرف. والذى فى الروايات جميعا: ((بئر ذروان)»
(٢) فى المطبوعة: ((فضل))، وهو خطأ.
(٣) سياق العبارة: ((أوضح الدلالة على بطول دهوى المدعين ... وصحة ما قلنا)) معطوفاً.

٤٤٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٣
النبى صلى الله عليه وسلم أنها قالت : قدمت علىّ امرأة من أهل ◌ُدُومة الجندل،
جاءت تبتغى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثةَ ذلك ، (١) تسأله عن
شىء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به . قالت عائشة لعروة : يا ابن أختى،
فرأيتها تبكى حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها! (٢) كانت تبكى
حتى إنىّ لأرحمها ! وتقول: إنى لأخاف أن أكونَ قد هلكت ! كان لى زوج
فغاب عنى ، فدخلتْ علىَّ عجوز فشكوت ذلك إليها ، فقالت : إن فعلتِ
٣٦٧/١ ما آمرك به ، فأجعله يأتيك ! فلما كان الليل جاءتنى بكليين أسودين ، فركبت
أحدهما وركبت الآخر ، فلم يكن كشىء حتى وقفنا ببابل، (٣) فإذا برجلين
معلَّقين بأرجلهما ، فقالا : ما جاء بك؟ فقلت: أتعلّم السحر ! فقالا : إنما نحن
فتنةٌ، فلا تكفرى وَارْجعى. فأبيت وقلت: لا. قالا: فَاذهبى إلى ذلك التنُّور فبولى
فيه. (٤) فذهبت ففزعت فلم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا : أفعلت ؟ قلت : نعم .
فقالا : فهل رأيت شيئاً ؟ قلت : لم أر شيئاً ! فقالا لى : لم تفعلى ، ارجعى إلى
بلادك ولا تكفرى فأربيتُ وأبيتُ، (٥) فقالا: اذهبى إلى ذلك التنوّر فبولى فيه .
فذهبت فاقشعرَرْت ، ثم رجعت إليهما فقلت : قد فعلت . فقالا : فما رأيت ؟
(١) يقال: ((کان ذلك فىحدثان كذا وكذا) (بكسر فسكون)، و «قحداثته»: أى على قرب عهد به.
(٢) يشفيها: أى يجيبها بما يبلغ بها سكينة القلب فتبرأ من حيرتها. ومنه: ((شفاء العي السؤال)).
والجهل والحيرة مرض يسقم القلوب والنفوس .
(٣) فى ابن كثير ١: ٢٦٠: ((فلم يكن شىء))، والصواب ما هنا وفى الدر المنثور ١: ١٠١
وقولها: ((فلم يكن كثىء)) عبارة جيدة، بمعنى: لم يكن ما مضى كثىء يعد، بل أقل من القليل.
والعرب تقول : تأخرت عنك شيئاً، أى قليلا . ومنه قول عمر بن أبي ربيعة .
وَقَالَتْ لَهُنَّ: أَرْبَعْنَ شَيْئًا، لمْنِ وَإِنْ لَمَِّ فِياَ ارْتَأَنْتُ مُلِمُ
أى قفن قليلا. ويقولون فى مثل ذلك أيضاً: ((لم يكن إلا كلاولا)»، كل ذلك بمعنى السرعة الخاطفة.
(٤) فى المطبوعة: ((فقالا، اذهبى ... ))، وأثبت ما فى الدر المنثور وابن كثير، فهى أجود.
(٥) فى المطبوعة: (فأبيت)) بحذف ((فأربيت)). وأرب بالمكان لزمه ولم يبرحه. والزيادة من
ابن كثير فى الموضعين .
ـع