النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
تفسير سورة البقرة : ٩٠
بالباطل، وكتمان "ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم بأن يبيتوه.(١)
قال أبو جعفر والعرب تقول: ((شريته))، بمعنى بعته. و((اشتروا))، فى هذا الموضع،
(افتعلوا)) من ((شريت)). وكلام العرب - فيما بلغنا - أن يقولوا: ((شرَيت))
بمعنى: بعت، و((اشتريت)) بمعنى: ابتعت. وقيل: إنما ◌ُسمى ((الشارى))، ٣٢٩/١
(شارياً)، لأنه باع نفسه وُدنياه بآخرته. (٢) ومن ذلك قول يزيد بن مُفرِّغ الحميرى:
وَشَرَيَتُ بُرْداً، لَيْتَنِىِ مِنْ قَبْلِ بُرْدٍ كُنْتُ هَتَهُ(٣)
ومنه قول المسيِّب بن عَلَس :
يُعْطَى بِها ثَمَنَاً فَيَنْتَعُهَ وَيَقُولُ صَاحِبُها: أَلاَ تَشْرِى؟(٤)
(١) فى المطبوعة: ((بأن بينوه))، وهو خطأ، والصواب من تفسير ابن كثير ١: ٢٣١. والمعنى:
اشتروا الكتمان بالبيان .
(٢) الشارى واحد الشراة (بضم الشين)، وهم الخوارج، وقال قطرى بن الفجاءة الخارجى فى
معنى ذلك ، ويذكر أم حكيم ، وذلك فى يوم دولاب :
فلو شَهِدْتَنَاَ يَوْمَ ذاك، وخيْلُنَاَ تُبِيحُ من الكُفَّارِ كُلّ حَرِيمِ
بِجَنَّاتِ عَدْنٍ عِنْدَهُ وَنِعِمِ
رأتْ فِتْيةً بَاعُوا الإلهَ نُفُوسَهُمْ
وقال الخوارج: نحن الشراء، لقول الله عز وجل: ((ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله))
أى يبيعها ويبذلها فى الجهاد، وثمنها الجنة، وقيل: سموا بذلك لقولهم: ((إنا شرينا أنفسنا فى طاعة الله
حين فارقنا الأئمة الجائرة)»، أى : بعناها بالجنة .
(٣) طبقات فحول الشعراء: ٥٥٥ من قصيدة له، فى هجاء عباد بن زياد، حين باع عباد ما له
فى دين كان عليه، وقضى الغرماء، وكان فيما باع غلام لابن مفرغ، يقال له ((برد))، وجارية يقال
لها ((أراكة)). وقوله: ((كنت هامه)) أى حالكاً. يقال: فلان هامة اليوم أو غد، أى قريب هلاكه ،
فإذا هو ((هامة))، وذلك زعم أبطله الله بالإسلام كان فى الجاهلية: أن عظم الميت أو روحه تصير هامة
(وهو طير كالبومة) فتطير. ورواية غيره: ((من بعد برد)).
(٤) ديوانه : ٣٥٢ (من ملحق ديوان الأعثى - والمسيب خال الأعثى، والأعشى راويته)،
ورواية الديوان ((ويقول صاحبه))، وهى الصواب . والبيت من أبيات آية فى الجودة ، يصف الغواص الفقير،
قد ظفر بدرة لا شبيه لها ، فضن بها على البيع ، وقد أعطى فيها ما يغنى من الثمن ، فأبى، وصاحبه يحضضه
على بيعها ، وبعده :
وَرَى الصَّرَارِى يَسْجُدُونَ كَمَا وَيَغُمُّهَا بَيَدَيْهِ لِنَّحْرِ
والصرارى : الملاحون ، من أصحاب الغواصين .

٣٤٢
تفسير سورة البقرة : ٩٠
يعنى به: بعتُ بُرْداً. وربما استعمل ((اشتريت)) بمعنى: بعت، و ((شريت))
فى معنى : ابتعت . والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفتُ.
٠
وأما معنى قوله: ((بغياً))، فإنه يعنى به: تعدّياً وَحسداً، كما : -
١٥٣٦ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة (( بغیاً ))، قال : أی حسداً ، وهم اليهود .
١٥٣٧ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو ، قال ، حدثنا أسباط ، عن
عن السدى: ((بغياً))، قال: بَغَوْا على محمد صلى الله عليه وسلم وحسدوه، وقالوا:
إنما كانت الرسل من بنى إسرائيل ، فما بال هذا من بنى إسماعيل ؟ فحسدوه أن
يُنزِِّ اللّهُ من فَضْلُه على من يشاءُ من عباده.
١٥٣٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية: ((بغياً))، يعنى: حسداً أن ينزّل الله من فضله على
من يشاء من عباده ، وهم اليهودُ ، كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .
١٥٣٩ -حدثت عن عمار بن الحسنقال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه،
عن الربيع مثله .
. ..
قال أبو جعفر : فمعنى الآية : بئسَ الشىء باعوا به أنفسهم ، الكفرُ بالذى
أنزل الله فى كتابه على موسى - من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والأمر بتصديقه
واتباعه - من أجل أن أنزل الله من فَضْله = وفضله : حكمته وآياته ونبوته = على
من يشاء من عباده - يعنى به: على محمد صلى الله عليه وسلم - بغياً وحسداً لمحمد
صلى الله عليه وسلم ، من أجل أنه كان من ولد إسمعيل، ولم يكن من بنىإسرائيل.
...
فإن قال قائل : وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر، فقيل: (( بئس ما
اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله ))؟ وهل يُشترَى بالكفر شىء؟
قيل: إن معنى: ((الشراء)) و((البيع)) عند العرب، هو إزالة مالك ملكه

٣٤٣
تفسير سورة البقرة : ٩٠
إلى غيره ، بعوض يعتاضه منه. ثم تستعمل العربُ ذلك فى كل معتاضٍ من عمله
عِوَضاً، شرًّا أو خيراً. فتقول: ((نعم ما باع به فلانٌ نفسه)) و (( بئسَ مَا باع
به فلان نفسه »، بمعنی : نعم الکسب أکسبها ، وبتس الكسب أكسبها - إذا أورثها
بستعيه عليها خيراً أو شرًّا. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: ((بئس ما اشتروا به
أنفسهم )) - لما أوْبَقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأهلكوها ،
خاطبهم اللّه والعربَ بالذى يعرفونه فى كلامهم، فقال: ((بئس ما اشتروا به
أنفسهم))، يعنى بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم، وبئس العوض اعتاضوا،
من کفرهم بالله فی تكذیهم محمداً ، إذ كانوا قد رَضُوا عوضاً من ثواب الله وما
أعدّ لهم - لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه - بالنار وما أعد لهم بكفرهم
بذلك .
وهذه الآية - وما أخبر اللّه فيها عن حسد اليهود محمداً صلى اللّه عليه وسلم
وقومه من العرب، من أجل أنّ اللّه جعل النبوة والحكمة فيهم دون اليهود من بنى
إسرائيل ، حتى دعاهم ذلك إلى الكفر به ، مع علمهم بصدقه ، وأنه اللّه نبىٌّ
مبعوثٌ ورسولٌ مُرْسل ـ(١) نظيرةُ الآية الأخرى فى سورة النساء ، وذلك قوله :
﴿أَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِباً مِنَ الكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هُؤْلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً. أُولَئِكَ أَِّينَ
لَهُمُ اله وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فإذًا لاَ
يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً، أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَاَ ٣٣٠/١
آلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ والِحِكْمَةَ وَآتَيْنَهُمْ مُلْكَاً عَظِيماً﴾ [سورة النساء: ٥١-٥٤]
(١) قوله ((- نظيرة الآية ... )) خبر قوله فى صدر هذه الفقرة: ((وهذه الآية -)»
. . 7

٢٤٤
تفسير سورة البقرة : ٩٠
القول فى تأويل قوله ﴿أَنْ يُنَزَّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَآء
مِنْ عِبَادِه)
قال أبو جعفر : قد ذكرنا تأويل ذلك وبينًا معناه ، ولكنا نذكر الرِّواية
بتصحيح ما قلنا فيه : -
١٥٤٠ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال، حدثنى ابن إسحق ، عن
عاصم بن عمر بن قتادة الأنصارى، عن أشياخ منهم، قوله: (( بغياً أن يُنزِّل الله من
"فَضْله على "من"يَشاء من عباده))، أى أن الله تعالى جعله فى غيرهم .(١)
١٥٤١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال: ◌ُهُمُ اليهود. ولما بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بُعِث من
غيرهم ، كفروا به - حسداً للعرب - وهم يعلمون أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،
يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة .
١٥٤٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية مثله .
١٥٤٣ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع مثله .
١٥٤٤ -حدثی موسی قال، حدثناعمرو بنحماد قال، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال: قالوا: إنما كانت الرسُل من بنى إسرائيل، فما بال هذا من بنى إسمعيل ؟
١٥٤٥ -حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن علىّ الأزدى. قال: نزلتْ فى اليهود. (٢)
(١) الأثر: ١٥٤٠ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠.
(٢) الأثر: ١٥٤٥ - انظر التعليق على رقم: ١٥٢٣، ١٥٢٤.

٣٤٥
تفسير سورة البقرة : ٩٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ فَآءو بِغَضَبٍ عَلَىُ غَضَبٍ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((فباؤوا بغضَب عَلى غضَب))،(١) فرَجعت
اليهودُ من بنى إسرائيل - بعد الذى كانوا عليه منّ الاستنصار بمحمد صلى اللّه
عليه وسلم والاستفتاح به ، وبعد الذى كانوا يخبرون به الناس من قبل مبعثه
أنّه نبىٌّ مبعوث- مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبيًّا مُرَسلاً، فباؤوا بغضب
من الله = استحقُّوه منه بكفرهم بمحمد حین بُعث، وجُحودهم نبوته ، وإنكارهم
إیاه أن یکون هو الذی یجدون صفته فی کتابهم ، عناداً منهم له وبغياً، وحسداً له
والعرب = على غضب سالف ، كان من اللّه عليهم قبل ذلك، سابقٍ غضبه الثانى،
لكفرهم الذى كان قبلَ عيسى بن مريم ، أولعبادتهم العجل ، أو لغير ذلك من
ذنوب كانت لهم سلفت ، يستحقون بها الغضب من اللّه، كما : -
١٥٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل : قال ، حدثنى
ابن إسحق ، عن محمد بن أبى محمد ، فيما روى عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ،
عن ابن عباس: ((فباؤوا بغضَب على غضَب))، فالغضَب على الغضب ، غضبُهُ
عليهم فيما كانوا ضيَّعوا من التوراة وهى معهم ، وغضبٌ بكفرهم بهذا النبى الذى
أحدثَ اللّه إليهم. (٢)
١٥٤٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن قالا ،
حدثنا سفيان، عن أبى بكير، عن عكرمة: ((فباؤوا بغضَب على غضَب)) قال:
كُفْرٌ بعيسى، وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. (٣)
١٥٤٨ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يحيى بن يمان قال ، حدثنا سفيان
(١) انظر تفسير. ((باء)) فيما سلف من هذا الجزء ٢ : ١٣٨
(٢) الأثر: ١٥٤٦ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠.
(٣) الأثر: ١٥٤٧ - فى الدر المنثور: ((كفرهم)) فى الموضعين، وهما سواء.

٣٤٦
تفسير سورة البقرة : ٩٠
عن أبى بكير، عن عكرمة: ((فباؤوا بغضّب على غَضَب))، قال: كفرهم بعيسى
ومحمد صلى الله عليه وسلم .
١٥٤٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثوری ، عن أبى بكير ، عن عكرمة مثله .
١٥٥٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشَّعبى
قال : الناس يوم القيامة على أربعة منازل : رجل كان مؤمناً بعيسى وآمن بمحمد
صلى الله عليهما ، فله أجران . ورجل كان كافراً بعيسى فآمن بمحمد صلى الله
عليه وسلم ، فله أجْر . ورجل كان كافراً بعيسى ، فكفر بمحمد ، فباءَ بغضب
على غضب . ورجل كان كافراً بعيسى من مُشرکی العرب ، فمات بكفره قبل
٢٢١/١ محمد صلى الله عليه وسلم، فياء بنضب.
١٥٥١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((فباؤوا بغضب على غضب))، غَضِب اللّه عليهم بكفرهم بالإنجيل
وبعيسى ، وَغضِب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم .
١٥٥٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد: ((فباؤوا بغضَب))، اليهودُ، بما كان من تبديلهم التوراة
قبل خروج النبي صلى اللّه عليه وسلم، (( على غضَبٍ))، جحودُ هم النبي صلى الله عليه
وسلم ، وكفرُهم بما جاء به .
١٥٥٣ - حدثنا المثی قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع،
عن أبى العالية: ((فباؤوا بغضَب على غضب))، يقول: غضَب الله عليهم بكفرهم
بالإنجيل وعيسى ، ثم غضبه عليهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن .
١٥٥٤ - حدثنى موسى قال، حدثناعمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى:
(((فباؤوا بغضَب على غضَب))، أما الغضب الأول فهو حين غضب الله عليهم فى
العينجل؛ وأما الغضَب الثانى فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
:

٣٤٧
تفسير سورة البقرة : ٩٠
١٥٥٥- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج، عنابن
جريج وعطاء وعبيد بن عمير قوله: (( فباؤوا بغضب على غضب ))، قال: غضِب
الله عليهم فيما كانوا فيه من قبل خروج النبى صلى اللّه عليه وسلم - من تبديلهم
وكفرهم-، ثم غضب عليهم فى محمد صلى الله عليه وسلم - إذ خَرَج، فكفروا به.
٠٠٠
قال أبو جعفر : وقد بينا معنی (( الغضب )) من الله على من غضب عليه من
خلقه. واختلاف المختلفين فى صفته- فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته. (١)
٠
٥٠
القول فى تأويل قوله تعالى (وَلِلْكُفِرِينَ عَذَابٌ مُِّنٌ) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (( وللكافرين عذابٌ مهین ))، وللجاحدین
نبوّةَ محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، عذابٌ من اللّه، إمّا فى الآخرة ،
وإمّا فى الدنيا والآخرة، ((مهين)) هو المذِل" صاحبه، المُخزى، المُلبسُهُ هَوَاناً وذلة .
٥
٥
فإن قال قائل : وأى عذاب ◌ُهُو غيرُ ◌ُمُهين صاحبَه، فيكون للكافرين
المهين منه ؟
قيل: إن المهين هو الذى قد بينًا أنّه المورِث صاحبه ذلة وهواناً ، الذى يخلُد
فيه صاحبه ، لا ينتقل من هوانه إلى عز وكرامة أبداً. وهو الذى خصّ اللّه به
أهلَ الكفر به وبرسله . وأما الذى هو غير مهين صاحبه ، فهو ما كان تمحيصاً
لصاحبه . وذلك هو كالسارق من أهل الإسلام ، يسرق ما يجب عليه به القطعُ
فتقطعُ يده ، والزانى منهم يزنى فيقام عليه الحدّ، وما أشبه ذلك من العذاب والنَّكال
الذى جعله الله كفارات للذنوب التى عُذَّب بها أهلها، وكأهل الكبار من أهل
(١) انظر ما سلف ١: ١٨٨ - ١٨٩، وما مضى فى هذا الجزء ٢: ١٣٨ هذا وقد كان فى
المطبوعة بعد قوله: ((عن إعادته)) ما نصه: ((والله تعالى أعلم»، وليس لها مكان هنا، وهى بلا شك
زيادة بعض النساخ ، فلذلك تركتها .

٣٤٨
تفسير سورة البقرة : ٩١،٩٠
الإسلام الذين يعذَّبون فى الآخرة بمقادير أجرامهم التى ارتكبوها ، يمحَّصوا من
ذنوبهم، ثم يدخلون الجنة. فإنّ كل ذلك، وإن كان عذاباً، فغيرُ مهين من ◌ُعَذِّبٌ
به. إذا كان تعذيب اللّه إياه به يمحِّصه من آثامه، ثم يورده معدن العزّ والكرامة،
ويخلّده فى نعيم الجنان .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ،امِنُواْ بِمَآ أَنْزَلَ
آلْه قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وإذا قيل لهم))، وإذا قيل لليهود
من بنى إسرائيل - الذين كانوا بين ظهْرانى مُهاجر رسول الله صلى الله عليه
وسلم -: ((آمنوا))، أى صدقوا، ((بما أنزل الله))، يعنى بما أنزل الله من القرآن
على محمد صلى الله عليه وسلم ، ((قالوا: نؤمن))، أى نصدِّق ((بما أنزل علينا))، يعنى:
بالتوراة التى أنزلها الله على موسى.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَ وَرَآَهُ﴾
قال أبو جعفر: یعنی جل ثناؤه بقوله: (( ويكفرون بما وراءه ))، ويجحدون،
(((بما وراءه))، يعنى: بما وراء التوراة .
٠
قال أبو جعفر: وتأويل ((وَرَاءه)) فى هذا الموضع: ((سوى)). كما يقال للرجل
٣٣٢/١
للرجل المتكلم بالحسن: ((ما وراء هذا الكلام شىء)) يراد به: ليس عند المتكلم
به شىء سوى ذلك الكلام. فكذلك معنى قوله: (( ویکفرون بما وراءه )»، أى

٣٤٩
تفسير سورة البقرة : ٩١
بما سوى التوراة، وبما بعده من كُتب اللّه التى أنزلها إلى رسله، (١) كما : -
١٥٥٦ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(((ويكفرون بما وراءه))، يقول: بما بعده.
٠ ١٥٥٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((ويكفرون بما وراءه))، أى بما بعدَه ـ- يعنى: بما بعد
التوراة .
١٥٥٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع: ((ويكفرون بما وراءه))، يقول: بما بعده .
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَهُوَ أَلْحَقُّ مُصَدِّقَاً لِّمَاَ مَهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وهُوَ الحق مُصَدقاً))، أى:
ما وراء الكتاب- الذى أنزل عليهم من الكتب التى أنزلها الله إلى أنبيائه - الحقّ.
وإنما يعنى بذلك تعالى ذكرُه القرآن الذى أنزله إلى محمد صلى الله عليه سلم، كما : -
١٥٥٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((وَإِذا قيل لهمْ آمنوا بما أنزلَ الله قالوا نؤمنُ بما أُنزِلَ عَلينا ويكفرون
بما وَرَاءه ))، وهو القرآن. يقول الله جل ثناؤه: ((وَهُو الحقُّ مصدّقاً لما معهم)).
وإنما قال جل ثناؤه (( مصدقاً لما معهم))، لأن کتبالله يصدق بعضها بعضاً . ففى
الإنجيل والقرآن من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان به وبما جاء
به ، مثلُ الذی من ذلك فی توراة موسی علیه السلام . فلذلك قال جل ثناؤه لليهود ...
إذ أخبرهم ◌َمّاً وراء كتابهم الذى أنزله على موسى صلوات الله عليه ، من الكتب
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٦٠.
٠
:

٣٥٠
تفسير سورة البقرة : ٩١
التى أنزلها إلى أنبيائه -: إنه الحقّ مصدّقاً للكتاب الذى معهم، يعنى: أنه له
موافق فيما اليهود به مُكذّبون.
قال : وذلك خبرٌ من الله أنهم من التكذيب بالتوراة ، على مثل الذى هم
عليه من التكذيب بالإنجيل والفُرقان ، عناداً لله، وخلافاً لأمره ، وبغياً على
رُسله صلوات الله عليهم .
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاء اللّهِ مِنْ قَبْلُ إِن كُتْمُ
مُؤمِينَ) ٥)
قال أبو جعفر: يعنى جل ذكره بقوله: ((ُقُلْ فلمّ تقتلون أنبياءَ اللّه))، قل
يا محمد ، ليهود بنى إسرائيل - الذين إذا قلت: لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا :
نؤمن بما أنزل علينا -: لم تقتلون = إن كنتم يامعشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم=
أنبياءَه، وقد حرم الله فى الكتاب الذى أنزّل عليكم قتلهم، بل أمر كم فيه باتباعهم
وطاعتهم وتصديقهم؟ وذلك من الله جل ثناؤه تكذيبٌ لهم فى قوله: ((نُؤْمِنُ بما
أنزِل عَلينا))، وتعبيرٌ لهم، كما : -
١٥٦٠ - حدثنیموسی قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى
قال: قال الله تعالى ذكره - وهو يعيرهم - يعنى اليهود: ((فلم تُقتلون أنبياء الله
من قبلُ إن كنتم مؤمنين)) ؟
...
فإن قال قائل: وكيف قيل لهم: ((فلم تقتلون أنبياءَ اللّه من قبلُ))، فابتدأ
الخبر على لفظ المستقبل ، ثم أخبر أنه قد مضى ؟
قيل : إن أهل العربية مختلفون فى تأويل ذلك. فقال بعض البصريين: معنى

٣٥١
تفسير سورة البقرة : ٩١
ذلك: فلم قتلتُم أنبياء الله من قبل، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو
الشَّيَاطِينُ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢]، أى: ما تلت، (١) وكما قال الشاعر: (٢)
وَلَقَدْ أمُّ عَلَى الَِّ يَثُّبِنِى فَمَضَيْتُ عَنْهُ، وَقُلْتُ لاَ يَغْنِى(٣)
يريد بقوله: ((ولقد أمرُّ)) ولقد مررت. وَاستدلّ على أنّ ذلك كذلك،
بقوله: ((فمضيت عنه))، ولم يقل: فأمضى عنه. وزعم أن ((فعل)) و((يفعل)) ٣٣٣/١
قد تشترك فى معنى واحد ، واستشهد على ذلك بقول الشاعر : (٤)
وَإِنِى لاَّ تِيِكُمْ تَشَكَّرَ مَا مَضَى مِنِ الأُمْرِ، وَاسْتِيجَبَ مَا كَانِ فِى غَدِ(٥)
يعنى بذلك : ما يكون فى غد ، وبقول الحطيئة :
شَهِدَ العُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلَى رَّبَهُ أَنَّ الوَلِيِدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ (٦)
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٦٠ - ٦١ .
(٢) هو رجل من بنى سلول .
(٣) سيبويه ١: ٤١٦، الخزانة ١: ١٧٣، وشرح شواهد المغنى: ١٠٧ وغيرها كثير. وروايتهم
جميعاً ((ثمت قلت)). وبعده بيت آخر:
غَضْبَنَ مُمْلئاً عَلَىَّ إِهَابُهُ إِنّى وربِّك ◌ُخْطُهُ مُرْضِينِى
(٤) هو الطرماح بن حكيم الطائى.
(٥) ديوانه: ١٤٦، وسيأتى فى ٤: ٩٧ (بولاق)، وحماسة البحترى: ١٠٩، واللسان (كين).
وقد كان فى هذا الموضع ((بشكرى))، وهو خطأ، سيأتى من رواية الطبرى على الصواب. وروى اللسان:
((واستنجاز ما كان)). وصواب الرواية: ((فإنى لآتيكم)) فإن قبله:
يَرُوحُ بِهَا فِيمَاَ يَرُوحُ وَيَغْتَدِى
مَنْ كانَ لاَ يَأْتِيكَ إِلاَّ لِحَاجَّةٍ
فإنِى لَآتيكم
(٦) ديوانه: ٨٥، ونسب قريش: ١٣٨، والاستيعاب: ٦٠٤، وأنساب الأشراف ٥: ٣٢،
وسمط اللالىء : ٦٧٤. قالها الحطيئة فى الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان من رجالات قريش همة
وتخاء . استعمله أبو بكر وعمر وعثمان، فلما كان زمان عمان، رفعوا عليه أنه شرب الخمر، فعزله عثمان
وجلده الجد ، وكان لهذا شأن كبير ، فقال الحطيئة يعذره ويمدحه ، ويذكر عزله :

٣٥٢
تفسير سورة البقرة : ٩١
يعنى : يَشهد، وكما قال الآخر :
فَمَا أُضْحِى وَلاَ أَمْسَيْتُ إلاَّ أَرَانِ مِنْكُمُ فِى كَوَّفَان (١)
فقال: ((أضحى))، ثم قال: ((ولا أمْسيتُ))
وقال بعض نحوبى الكوفيين: إنما قيل ((فَلِيمَ تَقتلون أنبياء الله من قبلُ )) ،
فخاطبهم بالمستقبل من الفعل ومعناه الماضى ، كما يعنِّف الرجلُ الرجلَ على
ما سلف منه من فعل فيقول له: ويحك، لمَ تكذب؟ ولم ◌ُبغِّض نفسك إلى الناس؟
كما قال الشاعر :
أنَّ الوَليدَ أُحقُّ بِالْعُذْرِ
شهد الحطيئةُ حينَ ◌َلَی ربّه
تَرَكُوا عِنَانك لم تَزَلْ تَجْرِى
خَلَمُوا عِنَانَك إِذ ◌َرَيْتُ ،وَلَوْ
يُعْطِى على الميسورِ والمُسْرِ
ورَأُوا شَمَائِلَ مَاجِدٍ أَنِفٍ
تُرْدَدْ إِلى عَوَزٍ ولا فَقْرِ
فَتَزَعْتَ، مَكَذُوبَا عليكُ، وَلَمَّ
قال مصعب بن عبد الله الزبيرى فى نسب قريش: ((فزادوا فيها من غير قول الخطيئة:
أ أزيدكُمْ؟ ◌َمِلاَ ولا يَدْرِى
نادَى وقد تمَّتْ صَلاَتُهُمُ
ليزيدُهُمْ خمساً، ولو فعلُوا مَرَّتْ صَلاَتُهُمُ على العَشْرِ))
وقد أكثر الناس فيما كان من خبر الوليد ، وما كان من شعر الخطيئة فيه . وهذا نص من أعلم قريش
بأمر قريش ، على أن البيتين قد نحلهما الحطيئة ، متكذب على الوليد ، لما كان له من الشأن فى أمر عثمان
رضى الله عنه . ولقد جلد الوليد بن عقبة مكذوباً عليه كما قال الخطيئة، فاعتزل الناس. وروى أبو العباس
المبرد فى التعازى والمراثى (ورقة: ١٩٦) قال :: ((قال الوليد بن عقبة عند الموت، وهو بالبليغ من
أرض الجزيرة: ((اللهم إن كان أهل الكوفة صدقوا على، فلا تلق روحى منك روحاً ولا ريحاناً، وإن
كانوا كذبوا على فلا ترضهم بأمير ولا ترض أميراً عنهم. انتقم لى منهم ، واجعله كفارة لما لا يعلمون من
ذنوبى)). فليت أهل الشر كفوا ألسنتهم عن رجل من عقلام الرجال وأشرافهم .
(١) لم أعرف قائله، وهو فى اللسان (كوف) والصاحبى: ١٨٧. والكوفان ( بتشديد الواو):
الاختلاط والشدة والعناء . يقال: أنا منه فى كوفان، أى فى عنت وشقاء ودوران واختلاط .

٣٥٣
تفسير سورة البقرة : ٩١
إذا مَا انْتَسَبْنَاَ، لَمْ تَلِفِى لَئِيمَةٌ وَلَ تَجِدِى مِنْ أَنْ يُقِرَّى بِهِ بَدًّا (١)
فالجزاءَ للمستقبل، والولادة كلها قد مضت . وذلك أن المعنى معروف،
فجاز ذلك. قال: ومثله فى الكلام: ((إذا نظرتَ فى سيرة مُمر، لم تجدْهُ يسىء)).(٢)
المعنى: لم تجده أساء . فلما كان أمر عمر لا يشك فى مُضِيّه، لم يقع فى الوهم أنه
مستقبل. فلذلك صلحت ((من قبلُ)) مع قوله: ((فلم تقتلون أنبياء الله من قبلُ)).
قال : وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة، إنما قتل الأنبياءَ أسلافُهم الذين
مَضَوْا ، فتولَّهم على ذلك ورضوا به، فنسب القتل إليهم. (٣)
قال أبو جعفر: والصواب فيه من القول عندنا، أن الله خاطب الذين أدر كوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بنى إسرائيل - بما خاطبهم فى سورة البقرة
وغيرها من سائر السور - بما سلف من إحسانه إلى أسلافهم ، وبما سلف من
كفران أسلافهم نعمه، وارتكابهم معاصِیه ، واجترائهم عليه وعلى أنبيائه ، وأضاف
ذلك إلى المخاطَبين به، نظيرَ قول العرب بعضُها لبعض : فعلنا بكم يوم كذا كذا
وكذا ، وفعلتم بنا يوم كذا كذا وكذا - على نحو ما قد بيناه فى غير موضع من
كتابنا هذا -، (٤) يعنون بذلك: أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم ، وأن أوائلنا
فعلوا ذلك بأوائلكم. فكذلك ذلك فى قوله: ((فلم تقتُلُون أنبياءَ اللّه من قبلُ ))،
إذ كان قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين به، خبراً من الله تعالى ذكره عن فعل
(١) سلف تخريجه فى هذا الجزء ٢ : ١٦٥
(٢) فى معانى القرآن الفراء: ((لم يسىء))، بحذف ((تجده)).
(٣) فى المطبوعة: ((فتلوهم على ذلك ورضوا. فنسب ... ))، والصواب ما أثبته من معانى القرآن
الفراء ١: ٦٠ - ٦١، وهذا الذى نقله الطبرى هو نص كلامه .
(٤) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢: ٣٠٢ تعليق: ١ والمراجع
ج ٢ (٢٣)

٣٥٤
تفسير سورة البقرة : ٩٢،٩١
السالفين منهم -(١) على نحو الذى بينًا - جاز أن يقال ((من قبل))، إذ كان
معناه : قل: فلم يقتلُ أسلافُكم أنبياءَ اللّه من قبل ؟ وكان معلوماً بأن قوله :
(فلم تقتلون أنبياء الله من قبل))، إنما هو خبر عن فعل سلفهم.
٠٠
وتأويل قوله ((من قبل » ، أى : من قبل اليوم .
١٠
وأما قوله: ((إن كنتم مؤمنين))، فإنه يعنى: إن كنتم مؤمنين بما نزّل الله
عليكم كما زعمتم . وإنما عنى بذلك اليهود الذين أدر كوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأسلافتهم - إن كانوا وكنتم ، كما تزعمون أيها اليهود ، مؤمنين . وإنّما عيرهم
جل ثناؤه بقتل أوائلهم أنبياءَه ، عند قولهم حين قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله . قالوا :
نؤمن بما أُنْزِل علينا. لأنهم كانوا لأوائلهم - الذين تولّا قتل أنبياء الله، مع
قيلهم : نؤمنُ بما أنْزِل علينا - متولّين، وبفعلهم راضين. فقال لهم: إن كنتم كما
تزعمون مُؤمِنين بما أنْزِلِ عليكم، فلم تتولّون قتلة أنبياء الله؟ أى: تَرضَوْن أفعالهم.(٢)
٣٣٤/١
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جَاءَ كُمْ مُوسَى بِأَلْتَيْنَّتِ أُمْ
أَخَذْتُمُ الْسِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَلِمُونَ))
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (ولقد جاءكمْ مُوسَى بالبينات))، أى جاءكم
بالبينات الدالة على صدقه وصحة نبوته، (٣) کالعصا التی تحوّلت ثعباناً مبيناً، ويده التى
(١) فى المطبوعة: ((وإن كان قد خرج على لفظ الخبر ... ))، والصواب: ((إذ ... »
كما أثبته .
(٢) فى المطبوعة: ((أى وترضون ... » بزيادة واو لا خير فيها."
(٣) فى المطبوعة: ((وحقية نبوته))، وليست مما يقوله أبو جعفر، وقد مضى آنفاً مثل هذا التبديل
من النساخ ، وكان فى المخطوطة العتيقة ، على مثل الذى أثبته، وانظر ما سلف ٢ : ٣١٨

٣٥٥
تفسير سورة البقرة : ٩٢
أخرجها بيضاءَ للناظرين. وفلْقِ البحر ومصير أرضه له طريقاً يَبَساً ، والجراد
والقُمَّل والضفادع، وسائر الآيات التى بيّنت صدقه وصحة نبوته.(١)
وإنما سماها اللّه ((بينات))، لتبينها للناظرين إليها أنها معجزة لا يقدر على أن
يأتى بها بَشرٌ، إلا بتسخير الله ذلك له. وإنما هى جمع ((بينة))، مثل: ((طيبة
وَطَيبات)).(٢)
٠ ٥
#
قال أبو جعفر : ومعنى الكلام : ولقد جاءكم - يا معشر يهود بنى إسرائيل -
موسى بالآيات البينات على أمره وصدقه وصحة نبوته . (١)
...
وقوله: (( ثم اتخذتمُ العجل من بعده وأنتم ظالمون))، يقول جل ثناؤه لهم: ثم
اتخذتم العجل من بعد مُوسى إلهاً. فـ((الهاء)) التى فى قوله: ((من بعده))، من ذكر
موسى ، وإنما قال : من بعد موسى ، لأنهم اتخذوا العجل من بعد أن فارقهم
موسى ماضياً إلى ربه لموعده - على ما قد بيّنا فيما مضى من كتابنا هذا. (٣)
وقد يجوز أن تكون ((الهاء)) التى فى ((بعده)) إلى ذكر المجىء . فيكون تأويل
الكلام حينئذ: ولقد جاءكم موسى بالبينات، ثم اتخذتم العجل من بعد مجىء البينات
وأنتم ظالمون. كما تقول: ((جئتنى فكرهتُه))، يعنى: كرهت مجيئك.
وأما قوله: ( ((وأنتم ظالمون))، فإنه يعنى بذلك: أنكم فعلتم ما فعلتم من عبادة
العجل وليس ذلك لكم ، وعبدتم غير الذى كان ينبغى لكم أن تعبدوه . لأن العبادة
لا تنبغى لغير الله. وهذا توبيخ من الله اليهود ، وتعبير منه لهم ، وإخبار منه لهم
أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا - من اتخاذ العجل إلهاً وهو لا يملك لهم ضرا ولا نفعاً،
بعد الذى علموا أنّ ربّهم هو الرّب الذى يفعل من الأعاجيب وبدائع الأفعال
(١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢: ٣١٨، ٣٥٤
(٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢: ٣١٨، ٣١٩
(٣) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢: ٦٠ - ٦٩

٣٥٦
تفسير سورة البقرة : ٩٢، ٩٣
ما أجراه على يدى موسى صلوات الله عليه ، من الأمور التى لا يقدر عليها أحد
من خَلْقَ اللّه، ولم يقدر عليها فرعونُ وجُنده مع بطشه وكثرة أتباعه ، وقرب
عهدهم بما عاينوا من عجائب حكم الله - فهم إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم
وجحودٍ ما فى كتبهم = التى زعموا أنَّهم بها مؤمنون = من صفته ونعته ، مع
بُعد ما بينهم وبين عهد موسى من المدة - أسْرَع (١)، وإلى التكذيب بما جاءهم به
موسی من ذلك أقرب .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ أُخَذْنَاَ مِيثُّفَكُمْ وَرَفَعْنَا
فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَآءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَانْتَمُوا قَالُواْ عَمْنَا
وَعَصَيْنَا﴾.
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وإذ أخذْنا ميثاقكم))، واذكروا إذ
أخذْنا ◌ُهود كم، بأنْ (خذوا ما آتيناكم من التوراة - التى أنزلتها إليكم أنْ تعملوا
بما فيها من أمرى، وتَنتَهوا عما نهيتكم فيها - بجدّ منكم فى ذلك ونشاط ، فأعطيتم
على العمل بذلك ميثاقكم ، إذ رفعنا فوقكم الجبل. (٢)
وأما قوله:( واسمعوا))، فإن معناه: واسمعوا ما أمرتكم به وتقبلوه بالطاعة، کقول
الرجل للرجل يأمره بالأمر: ((سمعتُ وأطعت))، يعنى بذلك: سمعت قولك ، وأطعت
أمرك ، كما قال الراجز :
السَّْعُ وَالطَّاعَةُ وَالَّسْلِمْ خَيرٌ وَأَعْنَى ◌ِبَنِ تَيِمْ(٣)
(١) سياق هذه الجملة المفصلة :... ((وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا ...
فهم إلى تكذيب محمد ... أسرع))، وكل ما بين ذلك فصول متتابعة كدابه.
(٢) سلف شرحه الألفاظ هذه الآية: ((ميثاق)، ((الطور))، ((الإيتاء))، ((قوة))، فاطلبه
فى المواضع الآتية ٢: ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠ والمراجع
(٣) قائله رجل من ضبة، من بنى ضرار يدعى جبير بن الضحاك، ومن خبره أن عبد الله بن
عمرو بن غيلان الثقفى والى البصرة فى سنة ٥٥، خطب على منبرها فحصبه جبير هذا ، فأمر به عبد الله بن
عمرو فقطعت يده. فقال الرجز. ورفعوا الأمر إلى معاوية فعزله ( تاريخ الطبرى ٦ : ١٦٨).

٣٥٧
تفسير سورة البقرة : ٩٣
يعنى بقوله: ((السمع))، قبول ما يَسمع، و((الطاعة)) لما يؤمر. فكذلك
معنى قوله: ((واسمعوا))، اقبلوا ما سمعتم واعملوا به.
قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذ أخذنا ميثاقكم أنْ ◌ُخذوا ما آتيناكم
بقوة ، واعملوا بما سمعتم ، وأطيعوا الله، ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك .
. . .
وأما قوله: ((قالوا سمعنا))، فإن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد أن
كان الابتداء بالخطاب، فإن ذلك كما وصفنا، (١) من أنّ ابتداء الكلام ، إذا
كان حكايةً ، فالعرب تُخاطب فيه ثم تعود فيه إلى الخبرَ عن الغائب، وتخبر ٣٣٥/١
عن الغائب ثم تخاطب ، كما بينا ذلك فيما مضى قبل . (٢) فكذلك ذلك فى هذه
الآية، لأن قوله: ((وإذ أخذنا ميثاقكم))، بمعنى: قلنا لكم، فأجبتمونا .
وأما قوله: ((قالوا سمعنا))، فإنه خبر من الله - عن اليهود الذين أخذ ميثاقهم
أن يعملوا بما فى التوراة، وأن يطيعوا الله فيما يسمعون منها - أنهم قالوا حين قيل
لهم ذلك : سمعنا قولك ، وعصينا أمرك .
٠٠ ٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَأَشْرِ بُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
بِكُفْرِهِمْ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم : وأشربوا
فى قلوبهم حبّ العجل ، ذکر من قال ذلك :
١٥٦١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر،
عن قتادة: ((وأشربوا فى قلوبهم العجل))، قال: أشربوا ◌ُحُبَّه، حتى خلَص
ذلك إلى قلوبهم .
(١) فى المطبوعة: ((مما وصفنا))، ليست شيئاً.
(٢) انظر ما سلف ١: ١٥٣ - ١٥٤، وهذا الجزء ٢ : ٢٩٤،٢٩٣

٣٥٨
تفسير سورة البقرة : ٩٣
١٥٦٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((وأشرِبُوا فى قلوبهم العجلَ))، قال: أشربوا ◌ُحُبَّ العجل
بکفرهم.
١٥٦٣ - حدثنی المثنى قال حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع: ((وأشربُوا فى قلوبهم العجلَ))، قال: أشربوا ◌ُحُبَّ العجل
فی قلوبهم .
٠
وقال آخرون : معنى ذلك أنهم ◌ُقوا الماءَ الذَى ذُرِّى فيه ◌ُحالة العجل.(١)
· ذکر من قال ذلك :
١٥٦٤ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى : لما رجع موسى إلى قومه ، أخذ العجل الذى وجد هم عاكفين عليه
فذبحه ، ثم حَرَقَه بالمبرد، (٢) ثم ذَرَّاه فى اليم، فلم يبق بحر يومئذ يجرى إلاّ وقع
فيه شىء منه . ثم قال لهم موسى: اشربُوا منه. فشَربوا، فمن كان يحبه خَرَج
على شاربه الذهب. فذلك حين يقول الله عز وجل: ((وأشْرِبُوا فى قُلوبهم العجلَ"
بكفره)). (٢)
١٥٦٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: لما ◌ُحِل فألقى فى اليم ، استقبلوا جِرية الماء، فشربوا حتى ملأوا
بطونهم، فأورث ذلك مَنْ فَعَله منهم جبناً.
٠
٠ ٠
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه: ((وأشربوا
(١٠) السحالة: ماسقط من الذهب والفضة ونحوهما إذا محلا، أى بردا بالمبرد.
(٢) حرقه: برده بالمبرد، وانظر ما سلف من هذا الجزء ٢: ٧٤
(٣) الأثر : ١٥٦٤ - سلف برقم : ٩٣٧.

٣٥٩
تفسير سورة البقرة : ٩٣
فى قلوبهم العجل)) تأويلُ من قال: وأشربوا فى قلوبهم ◌ُحب العجل. لأن الماءَ
لا يقال منه: أشْرِب فلانٌ فى قلبه، وإنما يقال ذلك فى حب الشىء، فيقال منه:
((أُشْرِب قلبُ فلان ◌ُحب كذا))، بمعنى: ◌ُفى ذلك حتى غلب عليه وَخالط قلبه ،
كما قال زهير :
فَصَحَوْتُ عَنْهَا بَعْدَ حُبٍ دَاخِلٍ
وَالحُبُ يُشْرِبُهُ فُؤَادُكَ دَاءِ(١)
قال أبو جعفر: ولكنه ترك ذكر ((الحب)) اكتفاءً بفهم السامع لمعنى الكلام.
إذ كان معلوماً أن العجلَ لا يُشْرِبُ القلبَ، وأنّ الذى يشرب القلبَ منه ◌ُحُبُّه، كما
قال جل ثناؤه: ﴿وَاسْأَلَّهُمْ عن القَرْيَةِ الّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [سورة
الأعراف: ١٦٣]، ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ أَّتِى كُنَّا فِيها والِيرَ أَّى أَقْبَلْنَاَ فِيهاَ﴾ [ سورة
يوسف: ٨٢]، وكما قال الشاعر : (٢)
أَلاَ إِنَّنِى سُّقِّيتُ أَسْوَدَ حَالِكاً أَلَّ بَجَلِ مِنَ الشَّرَابِ أَلاَ يَجَلْ!(٣)
(١) ديوانه: ٣٣٩، وهو هناك ((تشربه)) بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء، ونصب
((فؤادك))، وشرحه فيه دليل على ذلك، فإنه قال: ((تدخله)) وقال: ((تشربه)) تلزمه ولكن استدلال
الطبرى، كما ترى يدل على ضبطه مبنياً للمجهول، ورفع ((فؤادك)). وحب داخل، وداء داخل: قد
خالط الجوف فأدخل الفساد على العقل والبدن .
(٢) هو طرفة بن العبد .
(٣) ديوانه: ٣٤٣ (أشعار السته الجاهلين)، ونوادر أبى زيد: ٨٣، واللسان (سود).
واختلف فيما أراد بقوله: ((أسود)). قيل: الماء، وقيل: المنية والموت. قال أبوزيد فى نوادره: ((يقال
ما سقانى فلان من سويد قطرة، (سويد: بالتصغير ) هو الماء، يدعى الأسود)). واستدل بالبيت . والصواب
فى ذلك أن يقال كما قال الطبرى، ويعنى به: سوء ما لتى من هم وشقاء حالك فى حب صاحبته الحنظلية، التى ذكرها
فى شعره هذا فقال لها قبل البيت :
إِلَيْها، فَإِنَّى وَاصِلٌ حَبْلَ مَنْ وَصَلْ
فقُلْ لِخَيَالِ الحَنْظَلِيَّةِ يَتَقْلِبُ
يُرْثُمَ قاسٍ، كُلُّ مَا بَعْدَهُ جَلَلْ
ألاَ إِنََّا أَبْكِى لِيوْمِ لَقِيتُهُ
بِه حينَ يأتى -لاَ كِذَابٌ وَلا عِلَلْ
إذَا جاءَ مَا لاَ بُدَّ مِنْهِ فَمَرْحَباً
ألا إنّنی

٣٦٠
تفسير سورة البقرة : ٩٣
يعنى بذلك: سَمّا أسود، فاكتفى بذكر ((أسود)) عن ذكر ((السُم))، لمعرفة
السامع معنی ما أراد بقوله: (( سقیت أسود )). ویروی:
• أَلاَ أَنِى سُقُيتُ أُسْوَدَ سَالِخًا(١).
وقد تقول العرب: ((إذا سرك أن تنظر إلى السَّخاء فانظر إلى هرم، أو إلى
حاتم ))، (٢) فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله ، إذا كان معروفاً بشجاعة
أو سنخاء أوما أشبه ذلك من الصفات ، ومنه قول الشاعر :
يَقُولُونَ: جَاهِدْ يَاَ جِيلُ بِفَزْوَةٍ! وَإنَّ جِهَدًا طِّبِىُّ وَقِتَلُهَا(٣)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ بِسْماَ يَأْمُرُ كُمْ بِهِ إِمُنُكُمْ
إن كُنْثُم مُؤْمِنِينَ) )
٣٣٦/١
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : قل ، يا محمد ليهود بنى إسرائيل :
بئس الشىء يأمركم به إيمانكم؛ إن كان يأمركم بقتل أنبياء الله ورُسُلُه،
ويروى: ((ألا بجل من الحياة)»، وهى أجود ... ورواية الديوان واللسان: (ألا إننى شربت)،
والتى هنا أجود. وقوله: ((بجل))، أى حسبى ما سقيت منك ومن الحياة.
(١) السالخ من الحيات: الأسود الشديد السواد، وهو أقتل ما يكون إذا سلخ جلده فى إيانه
من كل عام .
(٢) هرم بن سنان، صاحب زهير بن أبى سلمى، وحاتم: هو الطائى الذى لا يخفى له ذكر. وأكثر
هذا فى معانى القرآن الفراء ١ : ٦١ - ٦٢.
(٣) معانى القرآن الفراء ١: ٦٢، ومجالس ثعلب: ٧٦، والمسان (غزا)، ونسبه الجميل ،
ولا أظنه إلا أخطأ ، لذكر جميل فى البيت ، ولمشابهته لقول جميل :
وأىِّ جِهَدٍ غَيْرَهنَّ أُريدُ؟
يُقُولُونَ: جَاهِدْ ياجميلُ بَغَزْوةِ!
ولكن البيت من شعر آخر ، لم أهتد إليه بعد البحث ، ويريد الأول : وإن الجهاد جهاد طىء
وقتالها، فحذف واجتزاً .