النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
تفسير سورة البقرة : ٨٧
يأتينى؟ قالوا: نعم.(١)
وقال آخرون: ((الروح)) الذى أيّد اللّه به عيسى، هو الإنجيل " ذكر من
قال ذلك :
١٤٩٠ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
(((وأيَّدناه بروح القدس))، قال: أيد اللّه عيسى بالإنجيل رُوحاً، كما جعل القرآن
رُوحاً، كلاهما رُوحُ اللّه، كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً
مِنْ أَمْرِنَاَ﴾ [سورة الشورى: ٥٢]
٥ ٥
وقال آخرون : هو الاسم الذى كان عيسى يحيى به الموتى ، ذكر
من قال ذلك :
١٤٩١ - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بنعمارة ،عن أبى روق ،
عن الضحاك، عن ابن عباس: ((وأيّدناه برُوح القدس))، قال: هو الاسم الذى
كان يحيى عيسى به الموتى .
٥
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات فى ذلك بالصواب قولُ من قال: ((الروح))
- فى هذا الموضع - جبريل . لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيّد عيسى به ، كما
أخبر فى قوله: ﴿إِذْ قَالَ الله ◌َا عِيسَى بِنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ تِفَتِى عَلَيْك وَعَلَى ٣٢١/١
وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّ النَّاسَ فِى لَهْدِ وَكَهْلاً وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ
(١) الحديث: ١٤٨٩ - وقع فى المطبوعة ((حدثنا سلمة، عن إسحق)). وهو خطأ، صوابه ((عن
ابن إسحق)). عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى الحسين المكى: ثقة فقيه، من شيوخ الليث ومالك. مترجم فى
التهذيب، وابن أبى حاتم ٢/ ٩٧/٢. شهر بن حوشب الأشعرى: تابعى ثقة، ومن تكلم فيه فلا حجة
له . وقد فصلنا القول فى توثيقه، فى شرح المسند: ٥٠٠٧. وهو مترجم فى التهذيب، والكبير للبخارى .
٦٥٩/٢/٢ - ٢٦٠، وابن سعد ١٥٨/٢/٧، وابن أبى حاتم ٣٨٢/١/٢ - ٣٨٣. ولكن هذا
الحديث مرسل، فإن شهراً تابعى كما قلنا. ومعناه - فى تفسير ((الروح)) بأنه جبريل - ثابت فى أحاديث
صحاح متكاثرة . ذكر منها ابن كثير ١ : ٢٢٧ حديث ابن مسعود ، فى صحيح ابن حبان ، مرفوعاً :
((إن روح القدس نفث فى روعى: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا فى
الطلب)). وقد ذكرنا فى شرحنا رسالة الشافعى ، رقم : ٣٠٦ كثيراً من هذا المعنى . وهذا الحديث جزء من
حديث مطول ، سيأتى بهذا الإسناد رقم : ١٦٠٦
ج ٢ (٢١)

٣٢٢
تفسير سورة البقرة : ٨٧
الكِتَابَ وَالِحِكْمَةَ والتَّوْرَاةَ والإنجيلَ ﴾ [ سورة المائدة: ١١٠]، فلو كان
الرُّوح الذى أيده الله به هو الإنجيل، لكان قوله: ((إذا أبَّدتُك بُرُوح القدُس))،
و ((إذا علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل))، تکریر قول لا معنى له. وذلك
أنه على تأويل قول من قال: معنى ((إذ أيدتك بروح القدس))، إنما هو: إذ أيدتك
بالإنجيل - وإذْ علمتك الإنجيل. وهو لا يكون به مُؤْيَّداً إلا وهو معلّمه،
فذلك تكرير كلام واحد ، من غير زيادة معنى فى أحدهما على الآخر. وذلك
خلفٌ من الكلام، (١) والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدُهم به
فائدة. وَإذْ كان ذلك كذلك، فبيِّن فسادُ قول من زعم أن ((الروح)) فى هذا
الموضع، الإنجيلُ، وإن كان جميع كتب اللّه التى أوحاها إلى رُسله رُوحاً منه، لأنها
تحيا بها القلوب الميِّنّة، وتنتعش بها النفوس المؤلِّية، وتهتدى بها الأحلام الضَّالة.
٠ ٥
وإنما سمى الله تعالى جبريل ((رُوحاً)) وأضافه إلى ((القدس))، لأنه كان بتكوين
الله له رُوحاً من عنده، من غير ولادة والد ولدَه، فسماه بذلك ((رُوحاً))، وأضافه
إلى ((القدس)) - و(القدس))، هو الطهر - كما ◌َمى عيسى بن مريمَ ((روحاً)
اللّه، من أجل تكوينه له رُوحاً من عنده من غير ولادة والد ولدَه .
وقد بيّنا فيما مضى من كتابنا هذا، أنّ معنى (( التقديس)): التطهير ،
و((القدس)): الطهر، من ذلك. وقد اختلف أهل التأويل فى معناه فى هذا الموضع
نحو اختلافهم فى الموضع الذى ذكرناه . (٢)
١٤٩٢ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال : القدس ، البركة .
١٤٩٣ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه قال :
القدس ، وهو الرب تعالى ذكره .
(١) الخلف: الردىء الفاسد من القول. يقال فى المثل: ((سكت ألفاً ونطق خلفاً))، الرجل يطيل
الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ والخطل .
( ٢) انظر ما سلف ١ : ٤٧٥ - ٤٧٦.

٣٢٣
تفسير سورة البقرة : ٨٧
١٤٩٤ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
(أيَّدناه بُرُوح القدس))، قال: الله، القُدُس. وأيّد عيسى بروحه، قال :
تَعْتُ اللّه، القُدُس. وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿هُوَ الله الَّذِى لأُ إِله إلاَّ هُو المَلِكُ
الْقُدُّوسُ﴾ [سورة الحشر: ٢٣]، قال: القدس والقدُّوس، واحدٌ" .
١٤٩٥ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى عمرو بن
الحارث ، عن سعيد بن أبى هلال ، [ عن هلال ] بن أسامة، عن عطاء بن يسار
قال ، قال كعب : اللّه، القُدُس.(١)
٠ ٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَفَكُلَّمَا تَجَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا
لَ تَهْوَى أنُْكُمُ اُسْتَكْبَرْتُمْ فَقَرِبِقاً كَذَّ بُمَّ وَفَرِقًا تَقْتُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((أفكلما "جاءكم رسولٌ بما لا تهوى
أنفسُكم))، اليهودَ من بنى إسرائيل .
١٤٩٦ -حدثنى بذلك محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد .
قال أبو جعفر : يقول الله جل ثناؤه لهم: يا معشرَ يهود بنى إسرائيل ، لقد
آتينا موسى التوراة، وتابعنا من بعده بالرسل إليكم ، وآتينا عيسى بن مريم
(١) الخبر: ١٤٩٥ - هو كلمة من كلام كعب الأحبار. أما الإسناد إليه ففيه إشكال. ولعله
خطأ من الناسخين. فليس فى الرواة - فيما علمنا - من يسمى ((سعيد بن أبى هلال بن أسامة))! كما كان فى
المطبوعة . وإنما صوابه ما رجحنا إثباته ، بزياد [ عن هلال ].
فسعيد بن أبى هلال الليثى المدنى المصرى : ثقة من أتباع التابعين، يروى عنه عمرو بن الحارث (الذى
سبقت ترجمته فى ١٣٨٧). وسعيد مترجم فى التهذيب، وفى الكبير البخارى ١/٢ / ٤٧٥، وابن أبى حاتم
٧١/١/٢. وهلال بن أسامة: هو: ((هلال بن على بن أسامة المدنى))، وبعضهم نسبه إلى جده، فقال:
ابن أسامة))، كما فى التهذيب، وهو ثقة. مترجم أيضاً فى الكبير للبخارى ٤ / ٢٠٤/٢ - ٢٠٥،
وابن أبى حاتم ٤ / ٧٦/٢. وقد فصلنا القول فى ترجمته ، فى شرح المسند : ٧٣٤٦.

٣٢٤
تفسير سورة البقرة : ٨٨،٨٧
البيّنات والحجج، إذ بعثناهُ إليكم، وقوَّيناه بروح القدس ، وأنتم كلما جاءكم
رسُول من ◌ُسلى بغير الذى تهواه نُفوسُكم استكبرتم عليهم - تجبُّراً وبغياً - استكبارَ
إمامكم إبليس ، فكذبتم بعضاً منهم وقتلتم بعضاً . فهذا فعلكم أبداً برُسلى .
٠٠٠
وقوله: ((أفكلَّما))، وإن كان خرج مخرج التقرير فى الخطاب ، فهو
بمعنى الخبر .
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَقَالُواْ قُوُبْنَا غُلْفٌ﴾
٣٢٢/١
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة فى قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: ((وقالوا
قُلوبنا غُلْف)) مخففة اللام ساكنة. وهى قراءة عامة الأمصار فى جميع الأقطار.
وقرأه بعضهم: ((وقالوا ◌ُقُلوبنا غُلُف)) مثقلة اللام مضمومة.
...
فأما الذين قرأوها بسكون اللام وتخفيفها، فإنهم تأوّلوها ، أنهم قالوا: قلوبنا
فى أكِنَّة وأغطية وُغُلْف. و((الغُلْف)) - على قراءة هؤلاء - جمع ((أغلف))، وهو
الذى فى غلاف وغطاء، كما يقال للرجل الذى لم يختتن ((أغلف))، والمرأة ((غلفاء)).
وكما يقال للسيف إذا كان فى غلافه: (( سيف أغْلف ، وقوسّ غلفاء )» وجمعها
((غُلْف)). وكذلك جمع ما كان من النعوت ذكرُه على ((أفعل)) وأنثاه على ((فعلاء))،
يجمع على ((فُعْل)) مضمومة الأول ساكنة الثانى، مثل: ((أحمر وُر، وأصفر وصُفُر))،
فيكون ذلك جماعاً للتأنيث والتذكير . ولا يجوز تثقيل عين (( فُعْل)) منه، إلا فى
ضرورة شعر، كما قال طَرَفة بن العبد: (١)
أَيُّهَ الفِتْيَانُ فِى تَجْلِسِنَاَ جَرِّدُوا مِنْهَاَ وِرَادًا وَشُقُرْ(٢)
(١) ديوانه (أشعار السته الجاهليين): ٣٣١، من قصيدة نفيسة .
(٢) جردوا: قدموا الغارة. وتجرد الفرس: تقدم الحلبة فخرج منها. وتجرد فى الأمر : جد فيه.
وراد جمع ورد ( بفتح فسكون) وهو من الخيل، بين الكميت والأشقر. والأشقر: الأحمر حمرة صافية ،
يحمر منها السبيب والمعرفة والناصية . والعرب تقول: أكرم الخيل وذوات الخير منها شقرها .

٣٢٥
تفسير سورة البقرة : ٨٨
يريد: شقْراً، إلاّ أن الشعر اضطرّه إلى تحريك ثانية فحركه . ومنه الخبر
الذى : -
١٤٩٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان قال ،
حدثنا عمرو بن قيس الملائى ، عن عمرو بن مُرة الجَملى ، عن أبى البخترى ، عن
◌ُحُذَيَفة قال: القلوبُ أربعة - ثم ذكرها - فقال فيما ذكر: وقلب أغلف
مَعصوبٌ عليه ، فذلك قلب الكافر . (١)
٠
• ذكر من قال ذلك - يعنى : أنها فى أغطية - :
١٤٩٨ - حدثنا ابن حميد : قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق
(١) الخبر: ١٤٩٧ - هذا موقوف على حذيفة، وإسناده جيد، إلا أنه منقطع، كما سنبين ،
إن شاء الله.
الحكم بن بشير بن سلمان النهدى الكوفى : ثقة ، مترجم فى التهذيب ، ووقع هناك خطأ مطبعى فى
اسمى أبيه وجده. وله ترجمة عند البخارى فى الكبير ٣٤٠/١/٢، وابن أبى حاتم ١ /١١٤/٢.
((عمرو بن قيس الملائى)»: مضت ترجمته: ٨٨٦. و((عمرو بن مرة الجملى)) و((أبو البخترى)»
وأسمه ((سعيد بن فيروز)» مضيا فى : ١٧٥.
وانقطاع الإسناد ، هو بين أبى البخترى ، المتوفى سنة ٨٣، وبين حذيفة بن اليمان ، المتوفى أوائل
سنة ٣٦ بعد مقتل عثمان بأربعين يوماً. ونص فى التهذيب على أن أبا البخترى لم يدرك حذيفة .
وهذا الخبر ذكره الطبرى مختصراً - كما ترى - وجاء به السيوطى كاملا ١: ٨٧، ونسبه لابن أبى شيبة
وابن أبى الدنيا فى كتاب الإخلاص ، وابن جرير ، فذكر نحوه ، موقوفاً على حذيفة .
وقد ورد معناه مرفوعاً: فروى أحمد فى المسند: ١١١٤٦ (ج ٣ ص ١٧ حلبي)، عن أبى النضر،
عن أبى معاوية ، وهو شيبان بن عبد الرحمن النحوى ، عن ليث ، وهو ابن أبى سليم ، عن عمرو بن مرة ،
عن أبى البخترى ، عن أبى سعيد الخدرى . وهذا إسناد صحيح . ويظهر منه أن أبا البخترى كان عنده هذا
الحديث ، عن أبى سعيد مرفوعاً متصلا ، وعن حذيفة بن اليمان موقوفاً منقطعاً. ومثل هذا كثير ، ولا نجعل
إحدى الروايتين علة للأخرى .
وحديث أبى سعيد هذا: ذكره السيوطى ١: ٨٧، ونسبه لأحمد ((بسند جيد)). وذكره الهيشمى فى
مجمع الزوائد ١: ٦٣، وقال: ((رواه أحمد، والطبرانى فى الصغير، وفى إسناده ليث بن أبى سليم)).
كأنه يريد إعلاله بضعف ليث ، وليث بن أبى سليم : ليس بضعيف بمرة ، ولكن فى حفظه شىء ، وحديثه
عندنا صحيح، إلا ما ظهر خطؤه فيه، كما بينا فى شرح المسند: ١١٩٩، وقد ترجمه البخارى فى الكبير
٢٤٦/١/٤، فلم يذكر فيه حرجاً .

٣٢٦
تفسير سورة البقرة : ٨٨
قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن
عباس: ((وَقالوا قلوبنا غلف))، أى فى أكنة .
١٤٩٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية بن
صالح ، عن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((قلوبنا غلف))، أى فى غطاء.
١٥٠٠ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثی أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((وقالوا قلوبنا غلف))، فهى القلوب
المطبُوع عليها .
١٥٠١ - حدثنی عباس بن محمد قال، حدثنا حجاجقال، قال ابن جريج:
أخبرنى عبد الله بن كثير، عن مجاهد قوله: ((وقالوا قلوبنا غلف))، عليها غشاوة .
١٥٠٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل قال،
أخبرنى عبد الله بن كثير، عن مجاهد: ((وقالوا قلوبنا غلف))، عليها غشاوة .
١٥٠٣ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال ،
حدثنا شريك، عن الأعمش قوله: ((قلوبنا غلف))، قال: هى فى ◌ُغُلُف .
١٥٠٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة: ((وقالوا قلوبنا ◌ُغلف))، أى لا تفقه .
١٥٠٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة: ((وقالوا قلوبنا غلف)) قال: هو كقوله: ﴿قُلُوُبْنَا فِى أَكِنَّةِ﴾
[ سورة فصلت: ٥]
١٥٠٦ - حدثنى المفى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن
معمر، عن قتادة فى قوله: ((قلوبنا ◌ُغُلْفٌ)) قال: عليها طَابَعٌ ، قال: هو
كقوله: ((قلوبنا فى أكنة)).
١٥٠٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((قلوبنا غلف))، أى لا تفقه .

٣٢٧
تفسير سورة البقرة : ٨٨
١٥٠٨ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((وقالوا قلوبنا غلف))، قال: يقولون: عليها غلافٌ، وهو الغطاء.
١٥٠٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
(( قلوبنا غلف))، قال يقول: قلبى فى غلاف فلا يخلُص إليه مما تقول شىء، (١)
وقرأ ﴿ وَقَلُوا قُلُوُبُنَا فِى أَكِنَّة مما تَدْعُونَاَ إليه﴾ [سورة فصلت: ٦].
٣٢٣/١
قال أبو جعفر: وَأما الذين قرأوها ((ُغلُف)) بتحريك اللام وضَمها، فإنهم
تأوّلوها أنهم قالوا: قُلوبنا غُفِ للعلم، بمعنى أنها أوعية.
قال: و((الغلف)) على تأويل هؤلاء جمع ((غلاف)). كما يجمع ((الكتاب
كتُب، والحجاب ◌ُحُجُب، والشهابُ شُهُب)). فمعنى الكلام على تأويل قراءة من
قرأ (( ◌ُغُلُف)) بتحريك اللام وضمها، وقالت اليهود: قلوبنا ◌ُغُلُف للعلم وأوعيةٌ
له ولغيره « ذ کر من قال ذلك :
١٥١٠ - حدثنى عبيد بن أسباط بن محمد قال ، حدثنا أبى ، عن فضيل
ابن مرزوق، عن عطية: ((وقالوا قُلوبنا غُلُف))، قال: أوعية للذكر.
١٥١١ - حدثنى محمد بن عمارة الأسدى قال، حدثنا عبيد الله بن موسى
قال، أخبرنا فضيل، عن عطية فى قوله: قُلوبنا غلُف))، قال: أوعية للعلم. (٢)
١٥١٢ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازی قال: حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
فضيل، عن عطية مثله .
١٥١٣ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ،
عن الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: ((وَقالوا قلوبنا ◌ُغُلُف))، قال: مملوءة
علماً، لا تحتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره .
٠
والقراءة التى لا يجوز غيرها فى قوله: ((قلوبنا غلف))، هى قراءة من قرأ (غلْف))
(١) فى المطبوعة: ((شىء)) ساقطة، واستدركتها من ابن كثير ١ : ٢٢٩.
(٢) الخبر: ١٥١١ - محمد بن عمارة الأسدى، شيخ الطبرى: لم أجد له ترجمة ولا ذكراً،
إلا فى رواية الطبرى عنه فى التاريخ أيضاً مراراً .

٣٢٨
تفسير سورة البقرة : ٨٨
بتسكين اللام - بمعنى أنها فى أغشية وأغطية ، لاجتماع الحجة من القرأة وأهل
التأويل على صحتها ، وشذوذ من شذّ عنهم بما خالفه، من قراءة ذلك بضم ((اللام).
وقد دللنا على أن ما جاءت به الحجة متفقة عليه، حجةٌ على من بلغه . وما جاء
به المنفردُ، فغير جائز الاعتراضُ به على ما جاءت به الجماعة التى تقوم بها الحجة
نقلا وقولاً وعملاً، فى غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته فى هذا المكان . (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ بَل لََّنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِمِمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (بل لعنهم الله))، بل أقصاهم الله وأبعد هم
وطردهم وأخزاهم وأ هلكهمْ بكفرهم، وُجحودهم آيات اللّه وَبَيّناته، وما ابتعث
به رسله ، وتكذيبهم أنبياءه . فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما
كانوا يفعلون من ذلك .
...
وأصل ((اللعن)) الطرد والإبعاد والإقصاء يقال: ((لعن الله فلاناً يلعنه لعناً، وهو
ملعون)). ثم يُصرف (مفعول)): فيقال: هو ((عين)). ومنه قول الشماخ بن ضرار:
ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ مَكَنَ الذَّتْبِ كَالرَّجُلِ الَِّينِ (٢)
٥
#
قال أبو جعفر: فى قولَ الله تعالى ذكرُه ((بل لعنهمُ اللّه بكفرهم)) تكذيبٌ
منه للقائلین من اليهود: (( قلوبنا غلف)). لأن قوله: «بل) دلالة على جحده جل
(١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ : ٢١٠، ٢٩٥،٢٦٥،٢١١
(٢) ديوانه: ٩٢، ومجاز القرآن ٤٦١، وسيأتى فى ٢: ٣٣ (بولاق)، وروايته هناك وفى
ديوانه، ((مقام الذئب)) والضمير فى ((به)) إلى ((ماء)) فى قوله قبله:
ومَاءُ قَدْ وردت لوَصْلِ أَرْوَى عَلَيْهِ الطَّيْرِ كَالوَرَقِ اللَّجِينِ
وأراد فى البيت : مقام الذئب الطريد اللعين كالرجل . والرجل اللعين المطرود لا يزال منتبذاً عن الناس ،
شبه الذئب به ، يعنى فى ذله وشدة مخافته وذعره .

٣٢٩
تفسير سورة البقرة : ٨٨
ذكره وإنكاره ما ادعوا من ذلك، إذا كانت ((بل)) لا تدخل فى الكلام إلا نقضاً
لمجحود . فإذْ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن معنى الآية: وقالت اليهود: قُلوبنا"
أكنة مما تدعونا إليه يا محمد . فقال الله تعالى ذكره: ما ذلك كما زعموا ، ولكن
الله أقصى اليهود وأبعد هم من رحمته، وطردهم عنها ، وأخزاهم بجحودهم له ولرسله ،
فقليلا ما يؤمنون .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((فقليلاً ما يُؤمنون)).
فقال بعضهم ، معناه فقليلٌ منهم من يؤمن، أى لا يؤمن منهم إلا قَليلٌ » ذكر
من قال ذلك :
١٥١٤ - حدثنا بشر من معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون))، فلعمرى لمن
رَجَع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب ، إنّما آمن من أهل الكتاب
رَهْطٌ يَسير .
١٥١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة: ((فقليلاً ما يؤمنون))، قال: لا يؤمن منهم إلاّ قليل" .
٣٢٤/١
٠٠٠
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلا بقليل مما فى أيديهم . ذكر
من قال ذلك :
١٥١٦ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن
معمر ، عن قتادة ((فقليلاً ما يؤمنون))، قال : لا يؤمن منهم إلاّ قليل . قال
معمر : وقال غيره : لا يؤمنون إلا بقليل مما فى أيديهم .
٥
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات فى قوله: ((فقليلاً ما يؤمنون)) بالصواب،

٣٣٠
تفسير سورة البقرة : ٨٨
ما نحن مُتقنوه إن شاء الله. وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف
صفتهم فى هذه الآية ، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم. ولذلك نصب قوله: ((فقليلاً))، لأنه نعت للمصدر المتروك
ذكره . ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم، فإيماناً قليلاً ما يؤمنون . فقد تبين إذاً بما
بينا فسادُ القول الذىرُوى عن قتادة فى ذلك . لأن معنى ذلك ، لو كان على ما
روی من أنه یعنی به: فلا يؤمن منهم إلا قليل، أو فقليل منهم من يؤمن ، لكان
((القليل)) مرفوعاً لا منصوباً. لأنه إذا كان ذلك تأويله، كان (( القليل)) حينئذ
مرافعاً ((ما)). فإذا نصب ((القليل)) - و((ما)) فى معنى ((مَنْ)) أو ((الذى)) -
[فقد] بقيت ((ما)) لا مُرافع لها.(١) وذلك غير جائز فى لغة أحد من العرب .
فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا فى معنى ((ما)) التى فى قوله: ((فقليلا ما يؤمنون)).
فقال بعضهم : هى زائدة لا معنى لها ، وإنما تأويل الكلام : فقليلاً يؤمنون ، كما
قال جل ذكره ﴿فَبِاَ رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [ سورة آل عمران: ١٥٩]
وما أشبه ذلك، فزعم أن (( ما)) فى ذلك زائدة، وأن معنى الكلام: فبرحمة من اللّه لِنت
لهم، وأنشدَ فى ذلك - محتجاً لقوله ذلك - بيت مهلهل:
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءٍ يَخْطُهَ خُضِّبَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمٍ(٣)
وزّعم أنه يعنى: ◌ُخُضُّب أنفُ خاطب بدم، وأن ((ما)) زائدة .
...
وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول فى ((ما))، فى الآية وفى البيت الذى
(١) فى المطبوعة: ((وإن نصب القليل))، وكأن الأجود ما أثبته. والزيادة بين القوسين واجبة.
(٢) الكامل ٢: ٦٨، ومعجم ما استعجم: ٩٦، وشرح شواهد المغنى: ٢٤٧ وغيرها، قال
أبو العباس: «أبان جبل: وهما أبانان: أبان الأسود ، وأبان الأبيض ، قال مهلهل ، وكان نزل فى
آخر حربهم - حرب البسوس - فى جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك، وهو مذحج، وجنب حى
من أحيائهم وضيع ، وخطبت ابنته ومهرت أدماً فزوجها وقال قبله :
أنْكَجَهَا فَقْدُهَا الأَرَاقِمَ فى جَنْبٍ وَكَانَ الِبَاهُ من أُدَمِ

٣٣١
تفسير سورة البقرة : ٨٨، ٨٩
أنشده ، وقالوا : إنما ذلك من المتكلّمّ على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع
الأشياء، إذ كانت ((ما)) كلمة تجمع كلّ الأشياء، ثم تخصّ وتعم ما عمته
بما تذكره بعدها .
وهذا القول عندنا أولى بالصواب . لأن زيادة ما لا يفيد من الكلام معنىً فى
الكلام ، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه .
٠
ولعل قائلاً أن يقول : هل كان للذين أخبر اللّه عنهم أنّهم قليلاً ما يؤمنون -
من الإيمان قليل أو كثير ، فيقال فيهم: ((فقليلا ما يومنون))؟
قيل: إن معنى ((الإيمان)) هو التصديق. وقد كانت اليهود التى أخبر الله
عنها هذا الخبر تصدّق بوحدانية الله، وبالبعث والثواب والعقاب ، وتكفر بمحمد
صلى الله عليه وسلم ونبوّته ، وكلّ ذلك كان فرضاً عليهم الإيمان به ، لأنه فى
كتبهم ، وما جاءهم به موسى ، فصدقوا ببعض - وذلك هو القليل من إيمانهم -
وكذبوا ببعض ، فذلك هو الكثير الذى أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به .
وقد قال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشىء، وإنما قيل: ((فقليلاً"
مَا يُؤمنون))، وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: ((قلما رأيتُ مثلَ هذا
قط)). وقد روى عنها سماعاً منها: ((مررت ببلاد قلما تُنبت إلاّ الكرّاث والبصل))
يعنى : ما تنبت غير الكرّاث والبصل ، وما أشبه ذلك من الكلام الذى يُنطق
به بوصف الشىء بـ ((القلة))، والمعنى فيه نفى جميعه.
٠ ٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَّمَّا جَآءُهُمْ كِتَبٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ
مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ولما جَاءَ هُم كتابٌ من عند الله ٣٢٥/١
(١) انظر ما سلف ١: ٥٥٤، تعليق: ١، وانظر معانى القرآن الفراء ١: ٥٩ - ٦٠
:

٣٣٢
تفسير سورة البقرة : ٨٩
◌ُمُصدّق لما معهم))، ولما جاء اليهودَ من بنى إسرائيل الذين وصف جل ثناؤه
صفتهم - (( كتابٌ من عند الله)) = يعنى بـ ((الكتاب)) القرآن الذى أنزله الله على
محمد صلى الله عليه وسلم = ((مصدق لما معهم))، يعنى مصدق الذى معهم من
الكتب التى أنزلها الله من قبل القرآن ، كما :-
١٥١٧ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((ولما جاءَ هُم كتابٌ من عند الله مصدّقٌ لما معهم))، وهو القرآن الذى
أنزلَ على محمد ، مصدقٌ لما معهم من التوراة والإنجيل.
١٥١٨ -حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع فى قوله: (( ولما جاءهم كتابٌ من عند الله مصدق لما معهم))،
وهو القرآن الذى أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، مصدق لما معهم من التوراة
والإنجيل .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَكَاَ نُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفَتِحُونَ
عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَا جَبْهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوْا بِهِ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (( وكانوا من قبلُ يَستفتحون على
الذين كفروا))، أى: وكان هؤلاء اليهود - الذين لما جاءهم كتابٌ من عند الله
مصدق لما معهم، من الكتب التى أنزلها الله قبل الفُرْقان ، كفروا به ـــ يَستفتحون
بمحمد صلى الله عليه وسلم = ومعنى ((الاستفتاح))، الاستنصار = (١) يستنصرون
الله به على مشركى العرب من قبل مبعثه ، أى من قبل أن يبعث ، كما : -
١٥١٩ -حدثنى ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنى ابن إسحق، عن
(١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ : ٢٥٤

٣٣٣
تفسير سورة البقرة : ٨٩
عاصم بن عمر بن قتادة الأنصارى ، عن أشياخ منهم قالوا : فينا واللّه وفيهم -
يعنى فى الأنصار، وفى اليهود = الذين كانوا جيرانهم - نزلت هذه القصة = يعنى:
(( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وَكانوا منْ قبلُ يَستفتحون
على الذين كفروا)) = قالوا: كنا قد علوناهم دهراً فى الجاهلية -(١) ونحن أهل
الشرّك، وهم أهل الكتاب -(٢) فكانوا يقولون: إن نبيًّا الآنَ مبعثُه قد أظلَّ زمانه ،
يقتلكم قتل عادٍ وإرم . (٣) فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قریش واتبعناه،
كفروا به. يقول الله: ((فلما جاءهم ما ◌َرَفوا كفروا به)). (٤)
١٥٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق قال ،
حدثی محمد بن أبى محمد مولى آل زيد ثابت ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة
مولى ابن عباس، عن ابن عباس: ((أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج
برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه . فلما بعثه الله من العرب كفروا به ،
وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البَرَاء بن معرور
أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا اللّه وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا
بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهلُ شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا
بصفته! فقال سلام بن مِشْكم أخو بنى النضير: ما جاءنا بشىء نعرفه ، وما هو
بالذى كنا نذكر لكم! فأنزل الله جل ثناؤه فى ذلك من قولهم: ((ولما جَاءَ هم
(١) فى سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠ ((علوناهم ظهراً)).
(٢) فى سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠ ((ونحن أهل شرك، وهم أهل كتاب)).
(٣) فى سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠ ((نقتلكم معه ... ))، وكذلك هوفى ابن كثير ١: ٢٣٠،
وكأنه الصواب .
(٤) الخبر: ١٥١٩ - هذا له حكم الحديث المرفوع ، لأنه حكاية عن وقائع فى عهد النبوة ،
كانت سبباً لنزول الآية، تشير الآية إليها . الراجح أن يكون موصولا . لأن عاصم بن عمر بن قتادة
الأنصارى الظفرى المدنى: تابعى ثقة، وهو يحكى عن ((أشياخ منهم))، فهم آله من الأنصار. وعن هذا
وجحنا اتصاله . وقد نقل السيوطى ١ : ٨٧ هذا الخبر ، ونسبه لابن إسحق ، وابن جرير ، وابن المنذر ،
وأبى نعيم ، والبيهقى ، كلاهما فى الدلائل .

٣٣٤
تفسير سورة البقرة : ٨٩
كتابٌ من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبلُ يَستفتحون على الذين كفروا
فلما جاءَ هم ما عرفُوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)) .! ١)
١٥٢١ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا ابن
إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد مولى آل زيد بن ثابت قال ، حدثنى
سعید بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس مثله .
١٥٢٢ - حدثنی محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمی قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((وكانوا من قبلُ يَستفتحون على الذين
٣٢٦/١ كفروا))، يقول: يستنصرُون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركى العرب
- يعنى بذلك أهل الكتاب - فلما بعث اللّه محمداً صلى الله عليه وسلم ورأوه من
غيرهم ، كفروا به وحسدوه .
١٥٢٣ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنى عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن على الأزدى فى قول الله: ((وكانوا من قبلُ يَستفتحون عَلى
الذين كفروا))، قال: اليهودُ ، كانوا يقولون: اللهم ابعث لنا هذا النبى يحكم بيننا
وبین الناس، یستفتحون ۔۔ یستنصرون - به على الناس.
١٥٢٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن على الأزدى - وهو البارقى - فى قول الله جل ثناؤه: (( وکانوا
من قبلُ يَستفتحون))، فذكر مثله(٢)
١٥٢٥ - حدثنا بشربن معاذ قال : حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن
قتادة قوله: ((وكانوا من قبلُ يَستفتحون على الذين كفروا))، كانت اليهود
(١) الخبر: ١٥٢٠ - فى سيرة ابن هشام ٢ : ١٩٦.
(٢) الأثر : ١٥٢٣، ١٥٢٤ - على الأزدى البارق، هو على بن عبد الله أبو عبد الله بن أبى
الوليد البارق، روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبى هريرة، وعبيد بن عمير، وأرسل عن زيد بن حارثة.
وعنه مجاهد بن جبر ، وهو من أقرانه . قال ابن عدى: ليس عنده كثير حديث ، وهو عندى لابأس به
(تهذيب التهذيب ٧ : ٣٥٨، ٣٥٩).

٣٣٥
تفسير سورة البقرة : ٨٩
تستفتح بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب من قبلُ ، وقالوا: اللهم ابعثْ
هذا النبىَّ الذى نجدُهُ فى التوراة يعذبهم وَيَقتلهم ! فلما بعث اللّه محمداً صلى
اللّه عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسداً للعرب ، وهم يعلمون أنه
رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة: ((فلما جاءَ هم
ما عَرَفوا كفروا به)).
١٥٢٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية قال : كانت اليهودُ تستنصر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم
على مُشركى العرب ، يقولون : اللهم ابعث هذا النبى الذى نجده مكتوباً عندنا
حتى يعذّب المشركين ويقتلهم! فلما بعث اللّه محمداً ، ورأوا أنه من غيرهم ، كفروا
به حسداً للعرب ، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال الله:
((فلما جَاءَ هم ما عَرَفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)).
١٥٢٧ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى:
(( ولما جاءَ هم كتابٌ من عند اللّهُ مُصدّقٌ لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على
الذين كفروا فلما جاءهم مَا تَرَفوا كفروا به)). قال: كانت العرب تَمُرّ باليهود
فيؤذونهم ، وكانوا يجدون محمداً صلى الله عليه وسلم فى التوراة، ويسألون اللّه أن
يبعثه فيقاتلوا معه العربَ . فلما جاءهم محمد كفروا به ، حين لم يكن من بنى
إسرائيل .
١٥٢٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: ((وكانوا منْ قبلُ يَستفتحون على الذين
كفروا)»، قال : كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبى صلى الله عليه وسلم
ويرجُون أن يكون منهم . فلما خرج ورأوه ليس منهم ، كفروا وقد عرفوا أنه الحق ،
وأنه النبىّ. قال: ((فلما جاءهم "مَا تَرَفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)).
١٥٢٩ - قال حدثنا ابن جريج، وقال مجاهد: يستفتحون بمحمد صلى الله

٣٣٦
تفسير سورة البقرة : ٨٩
عليه وسلم تقول: إنه - يخرج. ((فلما "جَاءَهم مَا عرفوا) - وكان من غيرهم -
كفروا به (١).
١٥٣٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال: حدثنى حجاج قال: قال
ابن جريج- وقال ابن عباس : كانوا يستفتحون على كفار العرب .
١٥٣١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحمانى قال ، حدثنى شريك ، عن
أبى الجحاف، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير قوله: ((فلما جاءهم ما عَرَفوا
كفروا به ))، قال : هم اليهود ، عرفوا محمداً أنه نبيٌّ وكفروا به .
٣٢٧/١
١٥٣٢ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبى روق، عن الضحاك،
عن ابن عباس فى قوله: (( وكانوا من قبل یستفتحون علىالذین کفروا ))، قال: كانوا
یستظهرون ، يقولون : نحن نعین محمداً عليهم. وليسوا كذلك، يكذبون .
١٥٣٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، سألت ابن زيد عن
قول الله عز وجل: ((وكانوا من قبل يَستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم
ما عرفوا كفروا به)). قال: كانت يهودُ يَستفتحون على كفار العرب، يقولون:
أما والله لو قد جاء النبيُّ الذى بشّر به موسى وعيسى، أحمدُ، لكان لنا عليكم!
و کانوا یظنون أنه منهم ، والعربُ حولهم ، و کانوا یستفتحون عليهم به ، ويستنصرون
به. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وَحسدوه، وقرأ قول الله جل ثناؤه :
(كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [سورة البقرة: ١٠٩].
قال: قد تبين لهم أنه رسول ، فمن هنالك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون
منهم أن نبيًّاً خارج .
#
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فأين جوابُ قوله: ((ولما جاءَ هم كتاب من عند
اللّهُ مُصدَّقٌ لما معهم))؟
قيل: قد اختلف أهل العربية فى جوابه . فقال بعضهم : هو مما تُرك جوابُه ،
استغناءً بمعرفة المخاطبين به بمعناه، وبما قد ذكر من أمثاله فى سائر القرآن. (٢)
(١) الأثر: ١٥٢٩ - هذا إسناد قد سقط صدره، فما أدرى ما هو. وهو مضطرب اللفظ أيضاً.
(٢) أنا فى شك من هذه الجملة الأخيرة ، أن يكون فيها تحريف .

٣٣٧
تفسير سورة البقرة : ٨٩
وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام ، فتأتى بأشياء لها أجوبة، فتحذف أجوبتها ،
الاستغناء سامعيها - بمعرفتهم بمعناها - عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه:
﴿وَلَوْ أُنَّ قُرْآنَا سُيَِّتْ بِ الْجِبَلِ أَوْ قُلِّمَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ
بِهِ الْمَوْنَى بَلْ لِلْه الأمْرُ جَمِيعاً﴾ [سورة الرعد: ٣١]، فترك جوابه. والمعنى: ولو أن
قرآنا سوى هذا القرآن ◌ُسيِّرت به الجبال، السيِّرت بهذا القرآن- استغناءً بعلم السامعين
بمعناه. قالوا: فكذلك قوله: ((ولما جاءَ هم كتابٌ منْ عند اللّه مصدقٌ لما معهم)).
٠ ٥
وقال آخرون: جواب قوله: ((ولما جاءَهم كتابٌ من عند الله)) فى ((الفاء))
التى فى قوله: ((فلما جاءَهم ما عَرَفوا كفروا به))، وجواب الجزاء يْن فى (( كفروا
به))، كقولك: ((لما قمتَ، فلما جئتنا أحسنتَ))، بمعنى: لما جئتنا إذ قمتَ أحسنتَ(١)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ فَلَمْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَّفِرِينَ ﴾ (٨)
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى: ((اللعنة))، وعلى معنى (( الكفر))،
بما فيه الكفاية . (٢)
٠ ٠
فمعنى الآية: فخِزْىُ اللّه وإبعاده على الجاحدين ما قد عَرَفوا من الحق عليهم
لله ولأنبيائه ، المنكرين لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
ففى إخبار اللّه عز وجل عن اليهود - بما أخبر اللّه عنهم" بقوله: ((فلما جاءهم ما عرفوا
كفروا به)» - البيانُ الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، بعد
قيام الحجة بنبوته عليهم، وقَطْع اللّهُ عُذرَهم بأنه رسوله إليهم.
٠
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٥٩.
(٢) انظر ما سلف (الكفر) ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٥٢، وهذا الجزء (اللعنة) ٢: ٣٢٨
ج ٢ (٢٢)

٣٣٨
تفسير سورة البقرة : ٩٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ بْسَماَ أَشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ
يَكْفُرُوْاْ بَمَآ أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً)
قال أبو جعفر ومعنى قوله جل ثناؤه: (( بئسَ مَا اشتروا به أنفسهم)): ساء
ما اشتروا به أنفسهم .
وأصل ((بِئْسَ)) ((بَئِسَ)) من ((البؤس))، سُكِّنت همزتها ، ثم نقلت حركتها
إلى ((الباء))، كما قيل فى ((ظلِلت)) ((ظِلْت))، وكما قيل ((للكَبَد))، ((كِبْد)) -
فنقلت حركة ((الباء)) إلى ((الكاف))، لما ◌ُسُكّنت ((الباء)).
وقد يحتمل أن تكون ((بئس))، وإن كان أصلها ((بَئِس))، من لغة الذين ينقلون
حركة العين من ((فَعِل)) إلى الفاء ، إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق
الستة، كما قالوا من ((لَعِبَ)) ((لِعْبَ)) ومن ((سَئِمَ)) ((سِئْمَ))، وذلك -
فيما يقال - لُغة قاشية فى تميم .
ثم جُعلت دالة على الذم والتوبيخ، ووُصلتبـ((ما)).
...
واختلف أهل العربية فى معنى ((ما)) التى مع (( بئسما)). فقال بعض نحوبى
البصرة: هى وحدها اسم، و((أن يكفروا)) تفسير له، (١) نحو: ((نعم رجلاً
زيدٌ))، و((أن يُنزل الله)) بدل من ((أنزل الله)).
٥
٠
٠
٣٢٨/١
وقال بعض نحوبى الكوفة : معنى ذلك : بئس الشىء اشتروا به أنفسهم
أنْ يَكفروا. ف((ما)) اسم ((بئس))، و((أن يكفروا)) الاسم الثانى. وزعم أن: ((أنْ
يكفروا)) إن شئت جعلت ((أن)) فى موضع رفع ، وإن شئت فى موضع
خفض. (٢) أمّا الرفع: فبئس الشىء هذا أن يفعلوه. وأمّا الخفض: فبئس
(١) ((التفسير)) هو ما اصطلح البصريون على تسميته ((التمييز))، ويقال له التبيين أيضاً، (همع
الهوامع ١ : ٢٥٠) .
(٢) فى المطبوعة: ((وزعم أن أن ينزل من فضله إن شئت جعلت ... ))، وهو مهو من النساخ،
وصوابه ما أثبته من معانى القرآن الفراء ١ : ٥٦.

٣٣٩
تفسير سورة البقرة : ٩٠
الشىء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا. قال: وقوله ﴿لَبِئْسَ
مَا قَدَّمتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ الله عَلَيْهِمِ﴾ [سورة المائدة: ٨٠] كمثل ذلك.
والعرب تجعل ((ما)) وحدها فى هذا الباب، بمنزلة الاسم التام، كقوله: ﴿فَنِعِمَّا هِىَ)
[ سورة البقرة: ٢٧١]، و((بئسما أنت))، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرجاز:
لاَ تَعْجَلاَ فِى السَّيْرِ وَادْلُوهَا لَبِنْسَمَا بُطْءٌ وَلاَ نَرْعَاهَا(١)
قال أبو جعفر: والعربُ تقول ((لبئسما تَزويجٌ ولا مَهرٌ))، فيجعلون ((ما))
وحدها اسماً بغير صلة. وقائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذى يلى ((بئس))
معرفة مُوَقَّنة، وخبره معرفة مُوَقَّتة. وقد زعم أن ((بئسما)) بمنزلة: بئس الشىء اشتروا
به أنفسهم. فقد صارت ((ما)) بصلتها اسماً مُوَقَّاً، لأن ((اشتروا)) فعل ماض من
صلة ((ما))، فى قول قائل هذه المقالة. وإذا وصلت بماض من الفعل ، كانت
معرفة مُوَقََّة معلومة، فيصير تأويل الكلام حينئذ : بئس شراؤهم كفرهم . وذلك
عنده غير جائز: فقد تبين فسادُ هذا القول . (٢)
وکان آخر منهم یزعم أن ((أن ) فى موضع خفض إن شئت، ورفع إن شئت .
فأمّا الخفض: فأنْ تردّه على ((الهاء)) التى فى، (( به))، على التكرير على
كلامين. كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر. وأمّا الرفع: فأن يكون مكروراً
على موضع ((ما)) التى تلى ((بئس)). (٣) قال: ولا يجوز أن يكون رفعاً على قولك:
(بئس الرجلُ عبدُ اللّه))(٤)
٥
وقال بعضهم: ((بئسما)) شىء واحد يرافع ما بعده. (٥) كما حكى عن العرب :
(١) لم أعرف الراجز، والبيتان فى اللسان (دلو). دلوت الناقة دلواً: ستتها سوقاً رفيقاً رويداً.
ورعى الماشية وأرعاها : أطلقها فى المرعى .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٥٦ - ٥٧، كأنه قول الكسائى. والمعرفة المؤقتة: وهى المعرفة
المحددة. وانظر شرح ذلك فيما سلف ١ : ١٨١، تعليق: ١ .
(٣) فى المطبوعة: ((مكرراً))، والصواب من معانى القرآن الفراء ١: ٥٦.
(٤) هذه الفقرة هى نص كلام الفراء فى معانى القرآن ١ : ٥٦.
(٥) فى المطبوعة: ((يعرف ما بعده))، والصواب ما أثبت.

٣٤٠
تفسير سورة البقرة : ٩٠
(( بئسما تزویچٌ ولا مھرٌ )). فرافع(( تزویج)) (( بنسما))،(١) کما یقال: (( بئسما زید،
وبئس ما عمرو))، فيكون ((بئسما)) رفعاً، بما عاد عليها من ((الهاء)). كأنك قلت:
بئس شىء الشىء اشتروا به أنفسهم، وتكون ((أن)) مترجمة عن ((بئسما)).(٢)
٠ ٠٠
وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من جعل (( بئسما)) مرفوعاً بالراجع من
((الهاء)) فى قوله: ((اشتروا به))، كما رفعوا ذلك بـ ((عبدالله)) إذا قالوا: ((بئسما
عبدُ اللّه))، وجعل ((أن يكفروا)) مترجمة عن ((بئسما)).(٢) فيكون معنى الكلام
حينئذ : بئس الشىء باع اليهود به أنفسهم ، كفرُهم بما أنزل الله بغياً وَحسداً
أن ينزل الله من فضله. وتكون ((أن)) التى فى قوله: ((أن ينزل الله))، فى موضع
نصب. لأنه يعنى به ((أن يكفروا بما أنزل الله)): من أجل أن ينزل الله من فضله
على من يَشاءُ من عباده. موضع ((أن)) جزاءٌ. (٣) وكان بعض أهل العربية
من الكوفيين يزعم أن ((أن)) فى موضع خفض بنية ((الباء)). وإنما اخترنا فيها النصب
لتمام الخبر قبلها، ولا خافض معها يخفضها . والحرف الخافض لا يخفضُ مضمراً.
٠ ٠
وأما قوله: ((اشتروا به أنفسهم))، فإنه يعنى به: بأُعوا أنفسهم، كما : -
١٥٣٤ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: (( بئسما اشتروا به أنفسهم))، يقول: باعوا أنفسهم ((أن يكفروا بما
أنزل الله بغياً)).
١٥٣٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال مجاهد: ((بئسما اشتروا به أنفسهم))، يهودُ، شرَوا الحقَّ
(١) فى المطبوعة: ((فرفع))، والصواب ما أثبت.
(٢) الترجمة: هو ما يسميه البصريون: ((عطف البيان) و(البدل))، فقوله ((مترحاً عن بثسما))،
أى عطف بيان .
(٣) الجزاء: المفعول لأجله هنا، وفى المطبوعة: ((جر))، وهو خطأ، وصوابه فى معانى القرآن
الفراء ١ : ٥٨ .