النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ ٠٠ تفسير سورة البقرة : ٦٩ يعنى بقوله: ((ُهنَّ صُفر))، هن ◌ُسود وذلك إن وُصِفت الإبل به، فليس مما توصف به البقر . مع أنّ العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد - إذا وصفته بالشدة - بالحلوكة ونحوها، فتقول: ((هو أسود حالك" وحَانك وحلكوك، وأسود غِرْبِيبٌ ودَجوجى)) - ولا تقول: هو أسودُ فاقع. وإنما تقول: ((هو أصفر فاقعٌ)). فوصفه إياه بـ ((الفقوع، من الدليل البين على خلاف التأويل الذى تأوّل قوله: ((إنّها بَقرَة صَفراء فاقعٌ)) المتأوَّلُ، بأن معناه سوداء شديدة السواد.(١) # ٥ ٥ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَقِعٌ أَوْنُهاَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى: خالص لونُها. و ((الفقوع)) فى الصفرة، نظير (( النُّصُوع » فى البياض ، وهو شدته وصفاؤه، كما : - ١٢٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، قال قال قتادة: ((فاقعٌ لونُها ))، هى الصافی لونها . ١٢٢٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع، عن أبى العالية: ((فاقعٌ لونُها))، أى صاف لونها . ١٢٢٧ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله . ١٢٢٨ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى : ((فاقعٌ ))، قال : نَقِىٌّ لونها . ١٢٢٩ - حدثنى محمد بنسعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((فاقعٌ لونها ))، شديدةُ الصفرة ، تكاد (١) مجرى العبارة: الذى تأول المتأول بأن معناه. ((المتأول)) فاعل مرفوع. تفسير سورة البقرة : ٦٩ ٢٠٢ من صُفْرتها تبيضُ. وقال أبو جعفر: أُرَآه أبيض!(١) ١٢٣٠ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((فاقع لونها))، قال : شديدة صُفرَتها . ٠ يقال منه: ((فقع لونه يفقَعُ ويفقُعُ فَقعاً وُفقوعاً، فهو فاقعٌ))، كما قال الشاعر: حَمَلْتُ عليهِ الوَرْدَ حَّى تَرَكْتُهُ ذَلِيلاً يَسُفُ الثَّرْبُ وَاللّوْنُ فَقِعُ(٣) ٠ ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿تَسُرُّ النَّظِرِينَ﴾ ﴾ قال أبو جعفر: یعنی بقوله (( تسرالناظرين ))، ثُعجب هذہ البقرة ـ- فی ◌ُحسن ختلقها وَمنظرها وَهيئتها - الناظر إليها، كما : - ١٢٣١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (((تسر الناظرين))، أى تعجب الناظرين. ١٢٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا إسمعيل بن عبد الكريم. قال، حدثنى عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهباً: ((تسر الناظرين))، إذا نظرت إليها يخيَّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها . ١٢٣٣ - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((تسرّ الناظرين))، قال: تعجب الناظرين . ٠ (١) كأن أبا جعفر أراد أن يعترض على قوله: ((تكاد من صفرتها تبيض)»، فقال ما معناه: لوصح ذلك لكان قوله: ((فاقع لونها))، أى أبيض، والصفرة تشتد، فإذا خفت ابيضت . هذا هو معنى ما قاله فيما أرجع. (٢) لم أعرف قائله. والورد : فرسه . ٢٠٣ تفسير سورة البقرة : ٧٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالُوا أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يَيِّنْ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ) ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((قالوا))، قال قوم موسى - الذين أمِروا بذبح البقرة - لموسى. فترك ذكر ◌ُمُوسى، وذكر عائد ذكره، اكتفاءً بما دل عليه ظاهرُ الكلام. وذلك أن معنى الكلام: قالوا له: ادعُ ربك. فلم يذكر ((له)) لما وصفنا. ٢٧٥/١ وقوله: ((يبيّن لنا ما هى))، خبرٌ من الله عن القوم بجَهْلةٍ منهم ثالثة . وذلك أنهم لو كانوا، إذْ أمروا بذبح البقرة، ذبحوا أيَّها تيسرتُ مما يقع عليه اسمُ بقرة، كانت عنهم مجزئة ، ولم يكن عليهم غيرُها، لأنهم لم يكونوا كلِّفُوها بصفة دون صفة. فلما سألوا بيانها بأىّ صفة هى، بين لهم أنها بسنّ من الأسنان دون سِنِّ سائر الأسنان، (١) فقيل لهم: هى عوان بين الفارض والبكر والضرع. (٢) فكانوا - إذ بيِّنْت لهم سنّها - لو ذبحوا أدنى بَقرَة بالسنّ التى بُيُّنت لهم، كانت عنهم مُجزئة، لأنهم لم يكونوا كُلِّفْوها بغير السن التى حُدَّتْ لهم، ولا كانوا حُصِروا على لون منها دون لون. فلما أبوا إلا أن تكون معرَّفَة لهم بنعوتها، مبينةً بحدودها التى تفرِّق بينها وبين سائر بها ثم الأرض، فشدَّدوا على أنفسهم - شدَّد الله عليهم بكثرة سؤالهم نبيهم واختلافهم عليه . ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته : - ١٢٣٤ - (( ذرُونى ما تركتُكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشىء فأتوه ، وإذا نهيتكم عن شىء انتهوا عنه ما استطعتم)). (٣) ..: (١) فى المطبوعة: ((فبين لهم أنها بسن ... ))، والفاء لا مكان لها هنا .. (٢) الضرع : الضعيف الضاوى الجسم. (٣) الحديث: ١٢٣٤ - رواه هنا دون إسناد. وهو من حديث أبى هريرة. ووقع فى آخره خطأ، قلب معناه . واللفظ الصحيح، بالمعنى الصحيح؛ ((فإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم)). هذا لفظ البخارى. وقد أفاض الحافظ فى شرحه، فى الفتح ١٣ : ٢١٩- ٢٠٤ تفسير سورة البقرة : ٧٠ قال أبو جعفر: ولكنّ القوم لما زَادوا نبيَّهم موسى صلى الله عليه وسلم أذَّى وتعنُّتاً ، زادهم الله عقوبة وتشديداً ، كما : - ١٢٣٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام بن على ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لو أخذُوا أدنى بقرة ا کتفوا بها، لكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم. ١٢٣٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر قال ، سمعت أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال: لو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم . (١) ١٢٣٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن أيوب - ١٢٣٨ - وحدثنى المثنى قال: حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن هشام بن حسان - جميعاً، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلمانى قال: سألوا وشدّدوا فشُدُّد علیهم . ١٢٣٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة قال : لو أخذ بنو إسرائيل بقرةً ٢٢٦. ورواه أيضاً أحمد: ٧٣٦١، بنحو معناه. وأشرنا هناك إلى كثير من طرقه فى المسند وغيره. وكذلك رواه مسلم ٢: ٢٢١، بنحوه، من طرق. وكذلك رواه ابن حبان فى صحيحه، من طرق : ١٧، ١٨، ١٩، ٢٠ (بتحقيقنا) وفى رواية ابن حبان: ١٧، «قال ابن عجلان: فحدثت به أبان بن صالح، فقال لى: ما أجود هذه الكلمة، قوله: فأتوا منه ما استطعتم)). وهو الحديث التاسع من الأربعين النووية، وقد شرحه ابن رجب ، فى جامع العلوم والحكم ، شرحاً مسبباً. ولعل الخطأ الذى وقع هنا خطأ من الناسخين . فما أظن الطبرى يخفى عليه ما فى هذا اللفظ من تهافت . (١) الخبر: ١٢٣٦ - جاء شيخ الطبرى هنا باسم ((عمرو بن عبد الأعلى))! وما وجدت راوياً يسمى بهذا. وإنما هو ((محمد بن عبد الأعلى الصنعانى))، من شيوخ مسهم وأبى داود وغيرهما، كما مضى مثل هذا الإسناد على الصواب : ١١٧٢. ومحمد بن عبد الأعلى: بصرى ثقة، مات سنة ٢٤٥، مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ١٧٤/١/١، وابن أبى حاتم ٤ / ١٦/١. ٤٠٠ تفسير سورة البقرة : ٧٠ لأجزأت عنهم. ولولا قولهم: ((وإنا إن شاء اللّهُ المهتدون))، لما وجدُوها . ١٢٤٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وإذ قال ◌ُوسى لقومه إنّ اللّه يأمرُكم أن تذبحوا بقرة))، لو أخَذُوا بقرةً ما كانت، لأجزأت عنهم. ((قالوا ادْعُ لنا ربك يبين لنا مَا هىَ قَال إنه يقول إنها بقرةٌ لا فارض ولا بكرٌ))، قال: لو أخذوا بقرةً من هذا الوصف لأجزأت عنهم. ((قالوا ادْع لنا ربّك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراءُ فَاقعٌ لونُها تسر الناظرين))، قال : لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم. ((قالوا ادعُ لنا ربك يبين لنا مَا هى))، ((قال إنّه يقول إنها بقرةٌ لا ذَلُولٌ تُثيرُ الأرْضَ ولا تسفى الحرث)) الآية. ١٢٤١ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد بنحوه - وزاد فيه : ولكنهم شدّدوا فشُدد عليهم . ١٢٤٢ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج قال، مجاهد: ((لو أخذوا بقرة مَّا، كانتْ أجزأت عنهم . قال ابن جريج، قال لى عطاء: لو أخذوا أدنىَ بقرة كفَتْهم . قال ابن جريج ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أمرُوا بأدْنى بقرة، ولكنهم لما شدَّدوا على أنفسهم شدد اللّه عليهم؛ وَايْمُ اللّه لو أنهم لم يستثنوا لما بُيِّنْت لهم آخرَ الأبد.(١) ١٢٤٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن ٢٧٦/١ الربيع ، عن أبى العالية قال : لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة ، استعرضوا (١) الخبر: ١٢٤٢ - جاء فى آخره حديث مرفوع، ذكره ابن جريج. وهو مرسل لا تقوم به حجة. وسيأتى أيضاً : ١٢٤٤، عن قتادة مرسلا. وذكر معناه ابن كثير ١ : ٢٠٣، من تفسيرى ابن أبى حاتم وابن مردويه، بإسناديهما ، من رواية الحسن، عن أبي رافع ، عن أبى هريرة ، مرفوعاً ، بنحوه . قال ابن كثير: ((وهذا حديث غريب من هذا الوجه . وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبى هريرة كما تقدم مثله عن السدى )» . ٢٠٦ تفسير سورة البقرة : ٧٠ بقرةً فذَبجوها، لكانت إيّاها ، ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: ((وإنا إن شاء اللّه لمهتدون))، لما ◌ُهَدُوا إليها أبداً. ١٢٤٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: إنما أمير القوم بأدنى بقرة ، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شُدد عليهم . والذى نفس محمد بيده ، لو لم يستثنوا لما بُيِّنْت لهم آخرَ الأبد . ١٢٤٥ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى : فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح . عن ابن عباس قال : لو اعترضُوا بقرة فذ بحوُها لأجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا وتعنَّتوا موسى فشدد اللّه عليهم .. ١٢٤٦ - حدثنا أبو كريب قال: قال أبو بكر بن عياش ، قال ابن عباس: لو أن القوم نظروا أدنى بقرة - يعنى بنى إسرائيل- لأجزأت عنهم، ولكن شدّدوا فشدّد عليهم ، فاشتروها بملء جلدها دنانير .(١) ١٢٤٧ -حدثنی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : لو أخذوا بَقرَة كما أمرهم الله كفاهم ذلك، ولكنّ البلاء فى هذه المسائل ، فقالوا ادعُ لنا ربك يبين لنا ما هى ، فشدّد علیهم، فقال: (( إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا یکر عَوان بين ذلك»، فقالوا: (( ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ، قال إنه يقول إنها بقرة صفراءٌ فاقعٌ لونها تسر الناظرين))، قال: وشدد عليهم أشدّ من الأوّل، فقرأ حتى بلغ: ((مسلّمة لاشية فيها))، فأبوا أيضاً فقالوا: ((ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إنّ البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)) فشدد علیهم، فقال: (( إنه يقولُ إنها بقرة لا ذلول تثير الأرضَ ولا تسفى الحرثَ مُسلَّمة لاشية فيها)»، (١) الخبر: ١٢٤٦ - هذا الإسناد منقطع بين أبى بكر بن عياش وابن عباس، كما هو ظاهر. لأن أبا بكر إنما يروى عن التابعين، ومولده بعد موت ابن عباس بدهر. وهذا الخبر ذكره السيوطى ١ : ٧٧، ونسبه لابن جرير ، وابن أبى حاتم ((من طرق)). ٢٠٧ تفسير سورة البقرة : ٧٠ قال : فاضطروا إلى بقرة لا يُعلم على صفتها غيرُها، وهى صفراءُ ليس فيها سواد ولا بياض" . (١) قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التى ذكرناها عمن ذكرناها عنه - من الصحابة والتابعين والخالِفين بعدهم، من قولهم إنّ بنى إسرائيل لو كانوا أخذُوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا فشدّد الله عليهم - من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أنّ حكم اللّه، فيما أمر ونهى فى كتابه وعلى لسانِ رُسوله صلى الله عليه وسلم، على العموم الظاهر ، دون الخصوص الباطن، (٢) إلا أن يخص بعضَ ما عمَّه ظاهرُ التنزيل، كتابٌ من اللّه أو رسولُ اللّه؛ وأن التنزيل أو الرسول، إن خصّ بعض ما عمَّ ظاهرُ التنزيل بحكمٍ خلافٍ ما دلّ عليه الظاهر ، فالمخصوص من ذلك خارجٌ من حكم الآية التى عمَّت ذلك الجنس خاصة، وسائرُ ◌ُحُكم الآية على العموم ؛ على نحوما قد بيناه فى كتابنا ( كتاب الرسالة ) من ( لطيف القول فى البيان عن أصول الأحكام ) - فى قولنا فى العموم والخصوص، وموافقة قولهم فى ذلك قولنا ومذهبهم مذهبنا، وَتخطئتهم قول القائلين بالخصوص فى الأحكام ، وشهادتهم على فساد قول من قالَ: حُكمْ الآية الجائية مجىء العموم على العموم، ما لم يختصّ منها بعض ما عمّته الآية. فإن ◌ُخُص منها بعضٌ، فحكم الآية حينئذ على الخصوص فيما خصّ منها، وسائر ذلك على العموم. وذلك أن جميع مَنْ ذكرنا قوله آنفاً - ممن عابَ على بنى إسرائيل مسألتهم نبيَّهم صلى الله عليه وسلم عن صِفة البقرة التى أمروا بذبحها وسِنُها وحِليتها - رأوا أنهم كانوا فى مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مُوسى ذلك مخطئين، وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر - إذْ أمروا بذبحها بقوله: ((إن الله ٢٧٧/١ يأمركم أن تَذْبحوا بقرة)»، فذبحوها - كانوا للواجب عليهم من أمر الله فى ذلك (١) الأثر : ١٢٤٧ - سيأتى تمامه فى رقم : ١٢٧٣. (٢) انظر ما مضى فى تفسير ((الظاهر، والباطن)): ٢: ١٥ والمراجع ٢٠٨ تفسير سورة البقرة : ٧٠ مؤدّين، وللحق مُطيعين، إذ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع، وسنّ دون سنّ . ورأوا مع ذلك أنهم - إذْ سألوا موسى عن سنها فأخبرهم عنها، وحصرهم منها على سنّ دون سنّ ونوع دون نوع ، وخصّ من جميع أنواع البقر نوعاً منها - كانوا فى مسألتهم إياه فى المسألة الثانية، بعد الذى خصّ لهم من أنواع البقر ، من الخطأ على مثل الذى كانوا عليه من الخطأ فى مسألتهم إيّاه المسألة الأولى. وكذلك رأوا أنهم فى المسألة الثالثة على مثل الذى كانوا عليه من ذلك فى الأولى والثانية ، وأن اللازمَ كان لهم فى الحالة الأولى، استعمالُ ظاهر الأمر ، وَذبح أىِّ بهيمة شاؤُوا مما وقع عليها اسم بقرة . وكذلك رأوا أنّ اللازم كان لهم فى الحال الثانية ، استعمالُ ظاهر الأمر وذبح أى بهيمة شاؤوا مما وقع عليها اسم بقرة عَوَان لا فارض ولا بكر ، ولم يَرَوا أنّ حكمهم - إذْ ◌ُخصّ لهم بعض البقر دون البعض فى الحالة الثانية - انتقل عن اللازم الذى كان لهم فى الحالة الأولى، من استعمال ظاهر الأمر إلى الخصوص. ففى إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك - مع الرواية التى رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموافقة لقولهم - دليلٌ واضح على صحّة قولنا فى العموم والخصوص ، وأنّ أحكام الله جل ثناؤه فى آى كتابه - فيما أمر ونهى - على العموم، ما لم يَخْصَ ذلك ما يجبُ التسليم له. وأنه إذا ◌ُخُصّ منه شىء ، فالمخصوص منه خارجٌ حكمه من حكم الآية العامة الظاهر ، وسائر حُكم الآية على ظاهرها العام - ومؤيدٌ حقيقةَ ما قلنا فى ذلك، (١) وشاهدٌ عدلٌ على فساد قول من خالف قولنا فيه . (١) فى المطبوعة: ((ويؤيد حقيقة ما قلنا ... ))، وهو خطأ، وقوله ((ومؤيد حقيقة ما قلنا)) معطوف على قوله آنفاً: ((فى إجماع جميعهم ... دليل واضح ... ومؤيد حقيقة ما قلنا ... وشاهد عدل ٠٠ ٠) ٢٠٩ تفسير سورة البقرة : ٧٠ وقد زعم بعض من عظمت جهالته ، واشتدت حيرُتُه ، أنّ القوم إنما سألوا مُوسى ما سألوا بعد أمر الله إياهم بذبح بقرة من البقر، لأنهم ظنوا أنهم أمِروا بذبح بقرة بعينها خُصَّت بذلك، كما خُصّت عصا موسى فى معناها، فسألوه أن يحلِّيها لهم ليعرُّ فوها . ولو كان الجاهلُ تدبَّر قوله هذا، لسهل عليه ما استصعب من القول . وذلك أنه استعظمّ من القوم مسألتهم نبيَّهم ما سألوه تشدداً منهم فى دينهم ، ثم أضاف إليهم من الأمر ما هو أعظم مما استنكرهُ أن يكونَ كانَ منهم. فزعم أنهم كانوا يرون أنه جائز أن يفرضَ الله عليهم فرضاً، ويتعبَّدهم بعبادة ، ثم لا يبيّن لهم ما يفرض عليهم ويتعبَّدهم به ، حتى يسألوا بيانَ ذلك لهم! فأضاف إلى الله تعالى ذكرُه ما لا يجوز إضافته إليه، وَنسب القومَ من الجهل إلى مالاً يُنسَب المجانين إليه ! فزعم أنهم كانوا يسألون ربهم أن يفرض عليهم الفرائض، فنعوذ بالله من الخَيْرة ، ونسأله التوفيق والهداية . ... وأما قوله: ((إنّ البقر تشابه علينا))، فإن ((البقر)) جماع بقرة . وقد قرأ بعضهم: ((إنّ الباقِرِ))، وذلك - وإن كانَ فى الكلام جائزاً ، لمجيئه فى كلام العرب وأشعارها ، كما قال ميمون بن قيس: (١) وَمَا ذَنْبُهُ أَنْ عافَتِ الماءِ بَقِرٌ وَمَا إِنْ تَعَفُ المَاءَ إِلَّ لِيُضْرَبًا(٢) (١) يعنى الأعشى الكبير . (٢) ديوانه: ٩٠، والحيوان١: ١٩ (وانظر أيضاً ١: ٣٠١، ٦: ١٧٤)، واللسان ( ثور) وغيرها . من قصيدة يقولها لبنى قيس بن سعد ، وما كان بينه وبينهم من قطيعة بعد مواصلة ومودة ، وقبل البيت : كَيُعْلَمُ مَنْ أَمْسى أَعَقَّ وَأَخْرَ بَا وإِّى وما كلّفتمونى - وربُّكُمْ وَمَا ذَنْهُ إنْ عافتِ المَاءَ مَشْرَباً لَكَاَ الثَّوْرِ، والجِّىُّ يَضْرُب ظَهْرَهُ قال الجاحظ: ((كانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب، إما لكدر الماء أو لقلة العطش، ضربوا الثور ليقتحم الماء ، لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل، وكما تتبع أتن الوحش الحمار ... وكانوا يزعمون (١٤) ٢١٠ تفسير سورة البقرة : ٧٠ وكما قال أمية : (١) وَيَسُوقُون باِرَ السَّهْلِ لِطَ وْدٍ مَهَزِيلَ خَشْيَةً أَنْ تَبُوءًا(٢) - فغير جائزة القراءةُ به، لمخالفته القراءة الجائية مجىء الحجّة، بنقل منْ لا يجوز عليه - فيما نقلوه مجمعين عليه - الخطأ والسهو والكذب. ... وأما تأويل قوله: ((تشاَ بهَ علينا))، فإنه يعنى به: التَّبَس علينا. والقرَأةُ مختلفة ٢٧٨/١ فى تلاوته. (٣) فبعضهم كانوا يتلونه: ((تَشَابَةَ" علينا))، بتخفيف الشين ونصب الهاء، على مثال ((تفاعل))، ويذكِّر الفعلَ، وإن كان ((البقر)) جماعاً. لأن من شأن العرب تذكيرُ كلّ فعلِ جمع كانت وِحْدَانُهُ بالهاء، وجمعه بطرح الهاء - وتأنيثُهُ، (٤) كما قال الله تعالى فى نظيره فى التذكير: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَزُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [ سورة القمر: ٢٠]، فذكَّر ((المنقعر)) وهو من صفة النخل، لتذكير لفظ ((النخل)) - وقال فى موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [ سورة الحاقة: ٧]، فأنّث ((الخاوية)) - وهى من صفة ((النخل)) - بمعنى النخل. (٥) لأنها وإنْ كانت فى لفظ الواحد المذكر على ما وصفنا قبل- فهى جماع ((نخلة)). أن الجن هى التى تصد الثيران عن الماء ، حتى تمسك البقر عن الشرب، حتى تهلك ... كأنه قال : إذا كان يضرب أبداً لأنها عافت الماء، فكأنها إنما عافت الماء ليضرب)). (١) يعنى : أمية بن أبى الصلت. (٢) ديوانه: ٣٥، والحيوان ٤: ٤٦٧، والأزمنة والأمكنة ٢: ١٢٤، وغيرها. وفى الأصل المطبوع: ((باقر الطود السهل))، وفى الديوان والحيوان ((باقراً يطرد السهل))، وصواب الرواية ما أثبته من الأزمنة . قال الجاحظ فى ذكر نيران العرب: (( ونار أخرى : وهى النار التى كانوا يستمطرون بها فى الجاهلية الأولى . فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات ، وركد عليهم البلاء ، واشتد الجدب ، واحتاجوا إلى الاستمطار ، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ، ثم عقدوا فى أذنابها وبين عراقيبها السلع والعشر، ثم صعدوا بها فى جبل وعر ، وأشعلوا فيها النيران ، وضجوا بالدعاء والتضرع، فكانوا يرون أن ذلك من أسباب السقيا))، وقال ابن الكلبى: ((كانوا يضرمون تفاؤلا البرق)) والمهازيل جمع مهزول، مثل هزيل وجمعه هزلى: وهى التى ضعفت ضعفاً شديداً وذهب سمنها . وتبور : تهلك . (٣) فى المطبوعة: ((والقراء))، ورددتها إلى ما جرى عليه لفظ الطبرى، كما سلف مراراً. (٤) وحدان جمع واحد: ويعنى أفراده. وقوله ((وتأذيئه)) معطوف على قوله ((تذكير كل فعل)) (٥) السياق: ((فأنث (الخاوية) ... بمعنى النخل))، يعنى أنثها من أجل معناه وهو جمع مؤنث ، ولم يذكره من أجل لفظه ، وهو مذكر . ٢١١ تفسير سورة البقرة : ٧٠ ٠ ٠ وكان بعضهم يتلوه: ((إنّ البقرَ تَشَّابهُ علينا))، بتشديد الشين وضم الهاء ، فيؤنث الفعل بمعنى تأنيث ((البقر))، كما قال: ((أعجاز نخل خاوية))، ويدخل فى أول ((تشابه))(تاء)) تدل على تأنيثها، ثم تُدغم التاء الثانية فى ((شين)) ((تشابه)) لتقارب مخرجها ومخرج (الشين))، فتصير ((شيناً) مشدّدة، وتُرْفع (الهاء) بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب. ٠٠ ٠ وكان بعضهم يتلوه: ((إنّ البقرَ يَشَّابِهُ علينا))، فيخرج (( يَشَّبِه)) مُخرج الخبر عن الذّكر، لما ذكرنا من العلة فى قراءة من قرأ ذلك ((تَشَابه)) بالتخفيف ونصْب ((الهاء))، غير أنه كان يرفعه ؛ ((الياء)) التى يحدثها فى أول ((تشابه)) التى تأتى بمعنى الاستقبال، وتدغم (التاء)) فى (الشين)) كما فعله القارئ فى ((تَشَّبه))؛ ((التاء) والتشديد . قال أبو جعفر: والصواب فى ذلك من القراءة عندنا: ((إنّ البقرَ تَشَابة علينا))، بتخفيف ((شين)) ((تشابه) ونصب ((هائه))، بمعنى ((تفاعل))، لإجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك، ودفعهم ما سواه من القرآت.(١) ولا يعترض على الحجَّة بقول مَنْ يجوز عليه فيما نقل السهوُ والغفلة والخطأ . ٠ وأما قوله ((وإنا إن شاءَ اللّه لمهتدونَ))، فإنهم عنوا: وإنّا إن شاء اللّهُ لمبيَّنٌ لنا ما التبسَ علينا وتشابه من أمر البقرة التى أمرنا بذبحها. ومعنى ((اهتدائهم)) فى هذا الموضع معنى: ((تبيُّهم)) أىُّ ذلك الذى لزمهم ذبحه مما سواه من أجناس البقر. (٢) (١) فى المطبوعة: ((ورفعهم))، والصواب ما أثبته. (٢) يعنى أن ذلك من قولهم: هداه، أى بين له، ومنه قوله تعالى: ((وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَ يْنَهُمْ))، أى بينا لهم طريق الهدى . ٢١٢ تفسير سورة البقرة : ٧١ : القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَأَ ذَلُولٌ ◌ُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الحرْثَ) قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: قال موسى: إن الله يقول إنّ البقرةَ التى أمرتكم بذَبجها بقرة لاَ ذلولٌ. ويعنى بقوله: ((لا ذلولٌ))، أى لم يُذلّلها العمل. فمعنى الآية : إنها بقرة لم تُذلّلها إثارة الأرض بأظلافها، ولا سُنِىَ عليها الماءُ فيُسقى عليها الزرع. (١) كما يقال الدابة التى قد ذلّلها الركوب أو العمل: ((دابة "ذلول بينةُ الذَّل)) بكسر الذال. (٢) ويقال فى مثله من بنى آدم: (( رجل "ذليل بين الذِّلِّ والذّلة)). ١٢٤٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((إنها "بَقرَة لا ذلولٌ))، يقول: صعبة لم يُذلها عملٌ، (( تثير الأرض، ولا تَسفى الحرْث)). ١٢٤٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((إنّها "بَقرَة لا "ذلولٌ تُثير الأرض))، يقول: بقرة ليست بِذكول يُزْرع عليها ، وليست تَسقى الحرث . ١٢٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبى العالية: ((إنها بقرةٌ لاذلول))، أى لم يذللها العمل. ((تُثير الأرض)) يعنى: ليست بذلول فتثير الأرض. ((ولا تسقى الحرث))، يقول: ولا تعمل فى الحرث . ١٢٥١ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن (١) سنت الناقة تسنو، وسنا الرجل يسنوسنواً وسناية: إذا سعى الأرض. والسانية: هى الناضحة، وهى الناقة أو غيرها فما يستى عليها الزرع ، والجمع : السواقى . (٢) الذل : الين ، ضد الصعوبة . ٢١٣ تفسير سورة البقرة : ٧١ الربيع: ((إنّها بقرة لاَ ذلول))، يقول: لم يذلَّها العملُ، ((تثير الأرض))، يقول: تثير الأرض بأظلافها، (١) ((ولا تسقى الحرث))، يقول: لا تعمل فى الحرث. ١٢٥٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج قال ، قال ابن جريج، قال الأعرج، قال مجاهد، قوله: ((لا ذلول تُثير الأرْض ولا تَسقى الحرث))، يقول : ليست بذلول فتفعل ذلك . ١٢٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن ٢٧٩/١ معمر ، عن قتادة: ليست بذلول تثير الأرض ولاَ تسقى الحرث . ... قال أبو جعفر: ويعنى بقوله ((تُثير الأرض))، تقلبُ الأرض للحرث . يقال منه: ((أكثرت الأرض أثيرها إثارة))، إذا قَلَبتها للزرع. وإنما وصفها جل ثناؤه بهذه الصفة، لأنها كانت - فيما قيل - وحشِية. ١٢٥٤ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا جويبر ، عن كثير بن زياد، عن الحسن قال: كانت وَحْشِيَّة .(٢) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿مُسَلَّةٌ﴾ قال أبو جعفر: ومعنى ((مُسلَّمة)) ((مفعّلة)) من ((السَّلامة)). يقال منه: ((سُمتْ تُسلَّم فهى مُسلَّمة)). ثم اختلف أهل التأويل فى المعنى الذى ◌ُسُلِّمت منه، فوصفها اللّه بالسلامة منه . فقال مجاهد بما : - ١٢٥٥ - حدثنا به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((مسلَّمة))، يقول: مسلمة من الشِّيّة، و((لا شية فيها))، (١) فى المطبوعة: ((تبين الأرض))، وهو تصحيف. (٢) الأثر : ١٢٥٤ - سلف قريباً برقم: ٠١٢٢١ ٢١٤ تفسير سورة البقرة : ٧١ لا بیاض فیها ولا سواد . ١٢٥٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله . ١٢٥٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ((مسلمة))، قال: مسلَّمة من الشية، ((لاشِيَةَ فيها ، ، لا بياض فيها ولا سواد . ٠٠ وقال آخرون : مسلّمة من العيوب . ذكر من قال ذلك : ١٢٥٨ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((مسلَّمة لاشية فيها))، أى مسلّمة من العيوب. ١٢٥٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة: ((مسلّمة ))، يقول: لا عيب فيها . ١٢٦٠ - حدثنى المتى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع، عن أبى العالية: ((مسلَّمة))، يعنى : مسلمة من العيوب. ١٢٦١ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله . ١٢٦٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج، قال ابن عباس قوله: ((مسلمة))، لا عَوارَ فيها.(١) ٠ ٠ قال أبو جعفر : والذى قاله ابن عباس وأبو العالية ومن قال بمثل قولهما فى تأويل ذلك ، أولى بتأويل الآية مما قاله مجاهد . لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوَى لون جلدها، لكان فى قوله: ((مسلَّمة)» مُكتفى عن قوله: ((لاشِيَةَ فيها)). وفى قوله ((لاشية فيها))، ما يوضح عن أنّ معنى قوله: ((مسلَّمة))، غيرُ معنى قوله: ((لاشية فيها)). وإذْ كان ذلك كذلك ، فمعنى الكلام : إنه (١) العوار (بفتح العين، وتضم): العيب. ٢١٥ تفسير سورة البقرة : ٧١ يقول إنها بقرة لم تُذلَّلها إثارة الأرض وَقلبُها للحراثة، ولا السُّنُوُّ عليها للمزارع، (١) وهى مع ذلك صحيحةٌ مسلّمة من العيوب . ٠ ٠ ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لاَشِيَّةَ فِيهَا﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((لاشية فيها))، لا لونَ فيها يخالف لونَ جلدها . وأصله من ( وشی النَّوب))، وهو تحسین عيوبه التى تكون فيه ، بضروب مختلفة من ألوان سداه ولُحمته. (٢) يقال منه: ((وَشيب الثوب فأنا أشِيه شِيةٌ وَوَشْياً))، ومنه قيل للساعى بالرجل إلى السلطان أو غيره: ((وَاشٍ))، لكذبه عليه عنده، وتحسينِه كذَّبَه بالأباطيل. يقال منه: ((وَشَيْتُ به إلى السلطان وِشايةٌ))، ومنه قول کعب بن زهير : تَنْعَى الْمُشَةُ جَنَابَيْهاَ، وقَوْلُهُمُ : إنّكَ يَا ابْنَ أَبِ سُلْمَى لَمَقْتُوُلُ(٣) و ((الوُشاة جمع واش))، يعنى أنهم يتقوّلون بالأباطيل، ويخبرونه أنه إن لحق بالنبى صلى الله عليه وسلم قَتّله . وقد زعم بعض أهل العربية أن ((الوشىَ))، العلامة . وذلك لا معنى له ، إلا أن يكون أراد بذلك تحسينَ الثَّوب بالأعلام. لأنه معلوم أن القائل: (( وشَيْت بفلان إلى فلان)»، غيرُ جائز أن يتوهم عليه أنه أراد: جعلت له عنده علامة . (١) انظر ما سلف فى هذا الجزء: ٢١١ تعليق: ١ (٢) السدى: الأسفل من الثوب، واللحمة : الأعلى منه يداخل السدى. (٣) ديوانه: ١٩، وسيرة ابن هشام ٤: ١٥٣، والروض الأنف ٢: ٣١٤، والفائق (قحل)، ورواية الديوان ((بجنبيها)) ورواية ابن هشام: ((تسعى الغواة)). وقوله: ((جنابيها)). والجناب: الناحية، ويريد ناحية الجنب. يقال: ((جنبيه، وجانبيه، وجنابيه)). والضمير فى قوله: ((جنابيها)) لناقته التى ذكرها قبل. وقوله: ((وقولهم: إنك ... »، حال، أى: وهم يقولون، والمعنى يكثرون القول عليه: إنك يا ابن أبى سلمى لمقتول، كأنهم لا يقولون غير ذلك ، ترهيباً له وتخويفاً. ٢١٦ تفسير سورة البقرة : ٧١ وإنما قيل: ((لاشيةَ فيها)) وهى من ((وَشَيَت))، لأن (الواو)) لما أسقطت من ٢٨٠/١ أوّلها أبدلتْ مكانَها ((الهاءُ)) فى آخرها. كما قيل: ((وَزنته زنة)) و((وسين سنة))(١) و((وعدته عِدة)) و((ودَيْتُهُ دِية)). ٥ ٠ وبمثل الذى قلنا فى معنى قوله: ((لاشيةَ فيها))، قال أهل التأويل: ١٢٦٣ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((لاشية فيها))، أى لا بياض فيها . ١٢٦٤ - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله . ١٢٦٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبى العالية: ((لا شية فيها))، يقول: لا بياض فيها . ١٢٦٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((لا شية فيها))، أى لا بياض فيها ولاسواد . ١٢٦٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبى نجیح، عن مجاهد مثله . ١٢٦٨ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية: ((لا شية فيها ))، قال: لونها واحد ، ليس فيها سوَى لونها . ١٢٦٩ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((لا شية فيها))، من بياض ولا سواد ولا حمرة . ١٢٧٠ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: ((لا شية فيها)»، هى صفراء ، ليس فيها بياض ولا سواد . ١٢٧١ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربیع: « لا شية فيها ))، يقول : لا بیاض فيها . ٠٠٠ (١) فى المطبوعة: ((ووسيته سية)»، وهو كلام لا أصل له، وكأنه مصحف ما أثبت. ٢١٧ تفسير سورة البقرة : ٧١ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالُوا أَلَّنَ جئتَ بالحقُ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله ؟ ((قالوا الآن جئتَ بالحق)). فقال بعضهم : معنى ذلك: الآن بيَّنت لنا الحق، فتبيّنَاه، وَعَرَفنا أيَّة بقرة عنيتَ. (١) وممن قال ذلك، قتادة : ١٢٧٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((قالوا الآنَ جئتَ بالحق))، أى الآن بيَّنتَ لنا . ... وقال بعضهم : ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوْم أنهم نسبوا نبي الله موسى صلواتُ الله عليه ، إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق فى أمر البقرة قبل ذلك . ومن روى عنه معنى هذا القول ، عبد الرحمن بن زيد : ١٢٧٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : اضطُرُّوا إلى بقرة لا يعلمون على صفتها غيرها ، وهى صفراء ليس فيها سواد ولا بياض، فقالوا: هذه بقرةُ فلان: ((الآن جئت بالحق))، وقبل ذلك والله قد جاءَهم بالحق . (٢) . . قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندنا بقوله: ((قالُوا الآنَ جِئتَ بالحق))، قولُ قتادة. وهو أن تأويله: الآن بيَّنت لنا الحق فى أمر البقر، فعرفنا أيُّها الواجبُ علينا ذبحها منها. (٣) لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذ بحوها، بعد (١) فى المطبوعة: ((فتبيناه وعرفناه أنه بقرة عينت))، تصحيف وتحريف، وهو فاسد جداً. مضى فى ص : ٢٠٩ نقض الطبرى لقول من زعم أنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها. فسألوه أن يصفها لهم ليعرفوها، وسمى قائل ذلك: جاهلا، وشفى فى بيان جهله، فلو كان اللّه تعالى ((عينها)) لهم، لبين لهم ما عين ، إذا أمر بذبحها . (٢) الأثر: ١٢٧٣ - بعض الأثر: ١٢٤٧، وهنا زيادة عليه من تمامه. (٣) فى المطبوعة: ((الآن بينت لنا الحق فى أمر البقرة، فعرفنا أنها الواجب علينا ذبحها منها))، و((البقرة)) و((أنها)) تصحيف وتحريف، يفسد معنى ما قال الطبرى آنفاً ص: ٢٠٩، وما سيأتى بعد هذه الجملة . وانظر التعليق السالف رقم : ١ ٢١٨ تفسير سورة البقرة : ٧١ قيلهم هذا. مع غلظ مؤونة "ذبحها عليهم، وثقل أمرها، فقال: ((فذَبحوها وما كادوا يفعلون))، وإن كانوا قد قالوا - بقولهم: الآن بيَّنَت لنا الحق - 'هراءً من القول، وأتوا خطأٌ وَجهلاً من الأمر. وذلك أن نبيَّ اللّه موسى صلى اللّه عليه وسلم كانَ مَبيِّناً لهم - فى كل مسألةٍ سألوها إياه، وردُّ رادُّوه فى أمر البقر - (١) الحقَّ. وإنما يقال: ((الآن بينت لنا الحق))، لمن لم يكن مبيِّناً قبلَ ذلك، فأما من كان كُلّ قيله - فيما أبانَ عن اللّه تعالى ذكره - حقًّا وبياناً، فغير جائز أن يقال له = فى بعض ما أبانَ عن الله فى أمره ونهيه، وأدى عنه إلى عباده من فرائضه التى أوجبها عليهم =: ((الآن جئتَ بالحق))، كأنه لم يكن جاءهم بالحق قبل ذلك! ٠ وقد كان بعض من سلف يزُعم أن القوم ارتدُّوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى: ((الآن جئتَ بالحق))، ويزعم أنهم نفوْا أن يكون موسى أتاهم بالحق فى أمر البقرة قبل ذلك ، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر . وليس الذى قال مِنْ ذلك عندنا كما قال، لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن ٢٨١/١ كان قيلُهم الذى قالوه لموسى جَهْلَةً منهم، وَهَفوَةً من هفواتهم. القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَدُوا يَفْعَلُونَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((فذ بحوها))، فذبح قوم موسى البقرة، التى وَصفها الله لهم وأمرَهم بذبحها . ويعنى بقوله: ((وَمَا كادُوا يَفعلونَ))، أى: قاربوا أن يَدَعوا ذبحها، ويتركوا فرضَ الله عليهم فى ذلك . ٠ ثم اختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله كادوا أن يُضِيعوا فرضَ الله عليهم ، فى ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك . فقال بعضهم : ذلك السببُ كان (١) السياق: ((كان مبيناً لهم ... الحق))، ما بينهما فصل، كعادته فى الفصل. ٢١٩ تفسير سورة البقرة : ٧١ غلاءَ ثمن البقرة التى أميروا بذبحها، وُبيِّنْت لهم صفتها . ذكر من قال ذلك: ١٢٧٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا أبو معشر المدنى ، عن محمد بن كعب القُرَظىّ فى قوله: ((فذ بحوها وما كادُوا يَفعلون)) قال : لغلاء ثمنها . ١٢٧٥ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد الهلالى قال ، حدثنا عبد العزيز ابن الخطاب قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظى: ((فذ بحوها وما كادُوا يفعلون))، قال: من كثرة قيمتها .(١) ١٢٧٦ - حدثنا القاسم قال ، أخبرنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد - وحجاج، عن أبى معشر ، عن محمد بن كعب القُرظى ومحمد بن قیس - فی حدیث فيه طول ، ذ کر أن حديث بعضهم دخل فى حديث بعض - قوله: ((فذبحوها وماكادُوا يَفعلون))، لكثرة الثمن، أخذوها بملء مَسْكها ذهباً من مال المقتول، (٢) فكان سواءً ، لم يكن فيه فَضْل، فذبحوها . ١٢٧٧ - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((فذبحوها وَمَا كادُوا يفعلون))، يقول: كادُوا لاَ يفعلون، ولم يكن الذى أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها : وكل شىء فى القرآن ((كاد)) أو ((كادوا)) أو ((لو))، فإنه لا يكون . وهو مثل قوله : ﴿أَ كَادُ أُخْفِيهَاَ﴾ [سورة طه: ٢٠] ... وقال آخرون : لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة ، إن أطلع الله على (١) الخبر: ١٢٧٥ - محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالى، شيخ الطبرى: ثقة، روى عنه أيضاً أبو داود والنسائى وابن ماجة وغيرهم. مترجم فى التهذيب ، ولم أجد له ترجمة فى غيره . عبد العزيز ابن الخطاب الكوفى أبو الحسن: ثقة، روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما ، مترجم فى التهذيب ، وابن أبى حاتم ٢/ ٣٨١/٢. أبو معشر: هو بمجيح - بفتح النون - بن عبد الرحمن السندى - بكسر السين - المدنى، وهو ضعيف. البخارى فى الكبير ١١٤/٢/٤، وقال: ((منكر الحديث)). وابن أبى حاتم ٤ /٤٩٥/١ . محمد بن كعب القرظى : تابعى ثقة معروف . (٢) المسك (بفتح فسكون ) : جلد البقرة وغيرها من الحيوان . ٢٢٠ تفسير سورة البقرة : ٧١ قاتل القتيل الذى اختصموا فيه إلى موسى . ٠ ٠٠. قال أبو جعفر : والصواب من التأويل عندنا : أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرّهم الله به من ذبح البقرة ، للخلَّتين كلتيهما: إحداهما: غلاء ثمنها، مع ما ما ذكر لنا من صِغّر خطرها وقلة قيمتها؛ والأخرى: خوفُ عظيم الفضيحة على أنفسهم ، بإظهار اللّه نبيَّه موسى صلوات الله عليه وأتباعه - على قاتله . ٠ فأما غلاءُ ثمنها ، فإنه قد رُوى لنا فيه ضروب من الروايات : ١٢٧٨ ۔۔ فحدثنی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى . قال : اشتروها بوزنها عشر مرات ذهباً ، فباعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها . ١٢٧٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: اشتروها بملء جلدها دنانير. ١٢٨٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: كانت البقرة لرجل يَبرُّ أمَّه، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له ، فباعها بملء جلدها ذهباً . ١٢٨١ -حدثی المثی قال،حدثنا أبو حذيفة قال،حدثنا شبل قال، حدثنى خالد بن يزيد، عن مجاهد قال: أعطوا صاحبتها ملء مَسْكُها ذهباً فباعها منهم. ١٢٨٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل ، أنه سمع وهباً يقول : اشتروها منه على أن يملأوا له جلدها دنانير، ثم ذبحوها فعمدوا إلى جلد البقرة فملأوه دنانير ، ثم دفعوها إليه. ١٢٨٣ -حدثنی محمد بن سعد قال حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى (١) (١) فى المطبوعة: ((محمد بن سعيد قال حدثنى أبى، قال حدثنى يحيى))، وهذا، خطأ، والصواب ما أثبته . وقد مضى الكلام على هذه الإسناد وفى ١ : ٢٦٣ - ٢٦٤، وهو كثير الدوران فى تفسير الطبری»، وسيأتى بعد فى رقم: ١٢٩٠ على الصواب .