النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
تفسير سورة البقرة : ٦٦
بشر بن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((وموعظة))
يقول : وتذكرة وعبرةً للمتَّقين.
القول فى تأويل قوله (للمُّقِين)
٦٦
وأمّا ((المتقون))، فهم الذين اتقوا، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، كما : -
١١٦٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر
بن عمارة قال ، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((وموعظة
للمتقين))، يقول : للمؤمنين الذين يتقون الشُّرك ويعملون بطاعتى.
٠٠
فجعل تعالى ذكرُه ما أحلّ بالذين اعتدَوْا فى السبت من عقوبته ، موعظة
للمتقين خاصّةً، وعبرة للمؤمنين ، دون الكافرين به - إلى يوم القيامة -، کالذی :-
١١٦٦ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال، حدثنى ابن إسحق ، عن
داود بن الحصين ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، عن عبد الله بن عباس فى قوله :
((وَمَوعظة للمتقين))، إلى يوم القيامة.
١١٦٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: (( وموعظة للمتقين))،أى: بعدهم.
١١٦٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، ٢٦٧/١
عن قتادة مثله .
١١٦٩ - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى:
أمّا ((موعظة للمتقين))، فهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
١١٧٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع: ((وموعظة للمتقين))، قال: فكانت موعظة للمتقين خاصَّةً.
.

١٨٢
تفسير سورة البقرة : ٦٧،٦٦
١١٧١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن ، قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج فى قوله: ((وموعظة للمتقين))، أى لمن بعدهم.
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَلَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ
يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَاَ هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ
أَكُونَ مِنَ الَجُِّلِينَّ) )
قال أبو جعفر: وهذه الآية مما وبّخ اللّه بها المخاطبين من بنى إسرائيل ،"
نَقْض أوائلهم الميثاقَ الذى أخذه الله عليهم بالطاعة لأنبيائه ، فقال لهم: واذكروا
أيضاً من نكْئكم ميثاقى، ((إذ قال مُوسى لقومه)) - وَقَوْمُه بنو إسرائيل، إذادّاراُوا
فى القتيل الذى قُتل فيهم إليه- ((إنّ اللّه يأمرُكم أن تذبحوا بقرةً" قالوا أنتخذنا هُزُوا)).
٥
و ((المزُؤُ)) اللعب والسخرية، كما قال الراجز: (١)
قَدْ عَزِئَتْ مِنِّىَ أُمُّ طَيْئَلَةْ قَالَتْ: أَرَاهُ مُعْدِمَاَ لاَ شَىءَ لهْ(٢)
يعنى بقوله: ((قد هزئت))، قد سخرت ولعبت .
ولا ينبغى أن يكون من أنبياء الله - فيما أخبرتْ عن اللّه من أمر أو نهى -
هزؤ أو لعب . فظنوا بموسى أنه فى أمره إيّاهم - عن أمر الله تعالى ذكره بذبح
البقرة عند تَدَارُتهم فى القتيل إليه - أنه هازى لاعبّ، ولم يكن لهم أن يُظنوا
ذلك بنىّ اللّه، وهو يخبرهم أنّ اللّه هو الذى أمرّهم بذبح البقرة.
(١) هو صغير بن عمير التميمى، ويقال إن القصيدة للأصمعى نفسه.
(٢) الأصمعيات: ٥٨، وأمالى القالى ٢: ٢٨٤، وانظر تحقيق ما قيل فيها فى تعليق سمط
اللآلىء الراجكوقى : ٩٣٠. وروايتهم جميعاً:
• تَهْزَأُ مِّ أَغْتُ آلِ طَيْلة .
ويروى ((معلقاً لا شىء له)) و ((مبلطاً))، وكلها بمعنى واحد: فقيراً لا شىء له.

١٨٣
همبر سورة البقرة : ٦٧
وحذفت ((الفاء)) من قوله: ((أتتخذنا ◌ُهُزُواً))، وهو جواب، لاستغناء ما قبله
من الكلام عنه، وَحَسُن السكوت على قوله: ((إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة))،
فجاز لذلك إسقاط (( الفاء )) من قوله: (أتتخذنا 'ُهُزُوًا))، كما جاز وحسن إسقاطها
من قوله تعالى ﴿قال فَمَا خَطْبُكُم أيُّها المرسَلُون . قالُوا إِنّا أُرْسِلْنَا﴾ [سورة
الحجر: ٥٧، ٥٨ / سورة الذاريات: ٣١، ٣٢]، ولم يقل: فقالوا إنا أرسلنا .
ولو قيل ((فقالوا)، كان حسناً أيضاً جائزاً. ولو كان ذلك على كلمة واحدة، لم تُسقط
منه ((الفاء)). وذلك أنك إذا قلت: ((قمت ففعلت كذا وكذا))، لم تقل :
قمت فعلت كذا وكذا))(١)، لأنها عطف، لا استفهامٌ يُوقَفُ عليه .
فأخبرهم موسى - إذْ قالوا له ما قالوا - أن المخبر عن الله جل ثناؤه بالهزء
والسخرية، من الجاهلين. (٢) وبراً نفسه مما ظنوا به من ذلك فقال: ((أعوذ بالله
أن أكونَ من الجاهلين)»، يعنى: من السفهاء الذين يرؤُون عن اللّه الكذب والباطل.
...
وكان سببُ قيل موسى لهم: ((إنّ اللّه يأمرُكم أنْ تَذبحوا بقرةً، ما : -
١١٧٢ - حدثنا به محمد بن عبد الأعلىقال، حدثنا المعتمر بن سلمان قال ،
سمعت أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : كان فى بنى إسرائيل
رجُلٌ عَقيم - أو عاقر - قال: فقتله وليُّه، ثم احتمله فألقاه فى سِبْط غير
سِبْطه. قال: فوقع بينهم فيه الشرُّ حتى أخذوا السلاح. قال: فقال أولو النُّهى:
أتقتتلون وفيكم رسول الله؟ قال: فأتوا نبى الله. فقال: اذبحوا بقرة. فقالوا:
أتتخذنا ◌ُهُزُوًا، قال: ((أعوذ بالله أن أكونَ من الجاهلين . قالوا ادع لنا ربك
يبين لنا ما هىَ قال إنه يقولُ إنها بقرةٌ))، إلى قوله: ((فذبحوها وما كادُوا يفعلون))
قال : فضُرب، فأخبرهم بقاتله. قال: ولم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهباً، قال :
(١) فى المطبوعة: ((قمت وفعلت)) وفى المطبوعة: ((ولم تقل: قمت ... )) بزيادة الواو،
وهو فاسد . وانظر معانى القرآن الفراء ١ : ٤٤.
(٢) سياق معناه: أخبرهم موسى أن الخبر عن الله بهزء وسخرية، هو من الجاهلين.

١٨٤
تفسير سورة البقرة : ٦٧
ولو أنهم أخذُوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم. فلم يُورَّث قاتل بعد ذلك.(١)
١١٧٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنى أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية فى قول الله: ((إنّ اللّه بأمرُكم أن تذبحوا "بقرةً)). قال:
كانَ رجل من بنى إسرائيل ، وكان غنيًا ولم يكن له ولد، وكان له قريبٌ وارثه،
٢٦٨/١ فقتله ليرثُه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، (٢) وأتى موسى فقال له: إنّ قريبى
◌ُتل وأتى إلىّ أمرٌ عظيم، وإنى لا أجد أحداً يبين لى مَنْ قتله غيرك يا نبى الله .
قال : فنادى موسى فى الناس: أنشُدُ اللّه مَنْ كان عنده من هذا علم إلا بيِّنْه
لنا. فلم يكن عندهم علمه. فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نى اللّه ، فاسأل
لنا ربك أن يبيّن لنا. فسأل ربه، فأوحى الله إليه: ((إن الله يأمرُكم أن تذبحوا
"بَقرة)). فعجبوا وقالوا: ((أتتخذنا هُزُواً قال أعوذ بالله أن أكونَ من الجاهلين .
قالوا ادعُ لنا ربَّكُ يبين لنا ما هى، قال إنه يقولُ إنها بقرة لا فارضٌ)) -
يعنى: لا هرمة - ((ولا بكر)) - يعنى: ولا صغيرة - ((عوان بين ذلك)) - أى:
نَصّف، بين البكر والهرمة - ((قالوا ادْعُ لنا رَبَّك يبيّن لنا ما لونها، قال: إنه
يقولُ إنها بقرةٌ صفراء فاقعٌ لونها)) - أى: صاف لونها - ((تسُر الناظرين))
- أى: تعجب الناظرين- ((قالوا ادْعُ لنا ربك يبين لنا ما هىَ إن البقر تشابه"
علينا وإنا إن شاء اللّه لمهتدون ، قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول)) - أى: لم يُذللها
العمل - ((تثير الأرض)) - يعنى ليست بذلول فتثير الأرض - ((ولا تَسفى
الحَرْث)) - يقول: ولا تعمل فى الحَرْث - (( مُسلِّمة))، يعنى مسلَّمة من العيوب،
((لاشية فيها)) - يقول: لا بياض فيها - ((قالوا الآنَ جئتَ بالحق فذبحوها وما
(١) الأثر : ١١٧٢ - عبيدة، بفتح العين وبعد الباء الموحدة ياء تحتية: هو عبيدة السلمانى.
وهذا الأثر نقله ابن كثير ١ : ١٩٧ - ١٩٨، من رواية ابن أبى حاتم ، من طريق هشام بن حسان
((عن محمد بن سيرين، عن عدة السلمانى)). ثم أشار إلى رواية الطبرى هذه.
وقد مضى أثر آخر: ٢٤٥ من رواية أيوب وابن عون، عن ابن سيرين، عن ((عبيدة)). ورجحنا
هناك أن صوابه ((عبيدة)) .. فهذا الإسناد الذى هنا يزيد ما رجحنا.
(٢) مجمع الطريق: هو حيث يلتقى الناس ويجتمعون، أو حيث تلتقى الطرق.

١٨٥
تفسير سورة البقرة : ٦٧
كادُوا يَفعلون)). قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة ، استعرضوا بقرة
من البقر فذ بجوها، (١) لكانتْ إياها، ولكنهم شدَّدوا على أنفسهم فشدد اللّه
عليهم. ولولا أنّ القوم استثنوا فقالوا: ((وإنا إن شاء اللّه لمهتدون))، لما هُدُوا
إليها أبداً. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التى نُعِتَتْ لهم، إلا عند عجوز عندَها يَتَامَى،
وهى القيّمة عليهم. فلما علمت أنهم لا يَزْكو لهم غيرها، (٢) أضعفت عليهم الثمن.
فأتوا موسى فأخبروه أنّهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة ، وأنها سألتهم أضعاف
ثَمنها . فقال لهم موسى: إنّ اللّه قد كان خفف عليكم فشدَّدَتم على أنفسكم ،
فأعطوها رضَاها وُحكمها . ففعلوا ، واشتروها فذبحوها . فأمرهم موسى أن يأخذوا
عَظْماً منها فيضربُوا به القتيل . ففعلوا ، فرجع إليه روحه ، فسمَّ لهم قاتله ، ثم
عاد ميتاً كما كان . فأخذوا قاتله - وهو الذى كان أتى موسى فشكى إليه - فقتله
الله على أسوأ عمله .
١١٧٤ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو ، قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((وإذْ قال مُوسَى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)). قال:
كان رجل من بنى إسرائيل مكثراً من المال ، وكانت له ابنة ، وكان له ابن أخ
محتاجٌ. فخطب إليه ابنُ أخيه ابنته، فأبى أن يزوِّجه إياها، فغضب الفتى وقال :
والله لأقتُلنَّ عمى، ولآخذن" ماله، ولأنكحن" ابنته، ولآ كلن" ديته! فأتاه الفتى،
وقد قدم تجارٌ فى أسباط بنى إسرائيل، فقال: ياعم ، انطلق معى فخذْلى من
تجارة هؤلاء القوم، لتَعلِّى أصيب منها، (٣) فإنهم إذا رأوك معى أعطَوْنى. فخرج
العم مع الفتى ليلاً ، فلما بلغ الشيخُ ذلك السِّبْطَ ، قتله الفتى ، ثم رجع إلى أهله .
(١) استعرضوا: أخذوا من عرض البقر (بضم العين وسكون الراء) فلم يبالوا أيها أخذوا. والعرض:
الوجه والناحية، أى ما يعرض لك من الشىء.
(٢) تقول: ((هذا الأمر لا يزكو بفلان))، أى لا يليق به ولا يصلح له. فقوله: ((لا يزكولهم غيرها»،
أى لا يصلح لهم غيرها ولا ينفع فيما أمرهم الله به.
(٣) فى المطبوعة: ((أصيب فيها))، وهو خطأ، والصواب من تفسير ابن كثير ١: ٢٠٠. أصاب
الإنسان من المال وغيره: تناول وأخذ. ويريد أصيب منها ربحاً.

١٨٦
تفسير سورة البقرة : ٦٧
فلما أصبح ، جاء كأنه يطلب عمه ، كأنه لا يدرى أين هو ، فلم يجده . فانطلق
نحوه ، فإذا هو بذلك السُّبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمىّ فأدوا إلىّ
دیته . وجعل یبکی ویُثُو الترابعلى رأسه وُینادی : وا عمّاہ! فرفعهم إلى موسى،
فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا ربَّك حتى يبين له مَنْ
صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة، (١) فوالله إنّ ديته علينا لهيئة، ولكنا نستحى
أن نُعيِّر به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ((وإِذْ قَتلَمُ نفساً فادًّارَأتم فيها
واللّه مخرجٌ ما كنتم تكتمون)). فقال لهم موسى: ((إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)).
قالوا : نسألك عن القتيل وعمَّن قتله ، وتقول: اذبحوا بقرة ! أتهزأ بنا ؟ قال
موسى: ((أعوذُ باللّه أن أكون من الجاهلين)) - قال ، قال ابن عباس : فلو
٢٦٩/١ اعْتَرَضُوا بقرةً فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا وتعنَّتوا موسى فشدد الله
عليهم - (٢) فقالوا: ((ادعُ لناربك يبين لنا ما هى قال إنه يقول إنها بقرة لافارض"
ولا بكر عَوَانٌ بين ذلك)) - والفارضُ: الهرمة التى لا تلد، والبكر: التى لم
تلد إلا ولداً واحداً، والعوان: النَّصّف التى بين ذلك، التى قد وَلدَت ووَلدَ
ولدُها - ((فافعلوا ما تؤمرون، قالوا ادْعِ رّبك يبيِّنْ لنا ما لَوْنُها قال إنه يقولُ
إنها بقرة صفراء فاقعٌ لونُها تسُر الناظرين)) - قال: تعجب الناظرين- ((قالوا
ادْع كنا ربّك ◌ُبيِّن لنا ما هىَ إن البقر تشابه علينا وإنّا إن شاء الله مهتدون.
قال إنه يقول إنها بَقْرَة لاذَلولٌ تُثير الأرض وَلا تَسقى الحرثَ مُسلِّمة لاشية"
فيها)) - من بَياض ولا سواد ولا ◌ُرة - ((قالوا الآنَ جئتَ بالحق)). فطلبوها
فلم يقدروا عليها .
وكانَ رجلٌ من بنى إسرائيل، من أبرُّ الناس بأبيه، وإنّ رجلاً مَرّ به
معه لؤلؤ يبيعه ، فكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح ، فقال له الرجل : تشترى
(١) فى المطبوعة: ((ادع لنا حتى يتبين)). ونص ابن كثير فى تفسيره ١: ٢٠٠ ((ادع لنا
ربك حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب القضية)).
(٢) أعنته وتعنته: سأله عن شىء أراد به البس عليه والمشقة.

١٨٧
تفسير سورة البقرة : ٦٧
منى هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً ؟ فقال له الفتى : كما أنْتَ حتى يستيقظ أبى فآخذه
بثمانين ألفاً : فقال له الآخر : أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً . فجعل التاجر
يُحُط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً، وزادَ الآخر على أن ينتظر حتى يستيقظ أبوه ،
حتى بلغ مئة ألف . فلما أكثر عليه قال : لا والله ، لا أشتريه منك بشىء أبداً .
وأبى أن يوقظ أباه ، فعوَّضه الله من ذلك اللؤلؤأن جعل له تلك البقرة. فمرّت به
بنو إسرائيل يطلبون البقرة ، فأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرَةً
بقرة ، فأبى ، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشراً ، فأبى ، فقالوا: والله
لانتركك حتى تأخذها منك . فانطلقوا به إلى موسى فقالوا : يا نبيَّ اللّه ، إنا وجدنا
البقرة عند هذا فأبى أن يعطيناها ، وقد أعطيناه ثمناً . فقال له موسى : أعطهم
بقرتك . فقال : يا رسول الله، أنا أحقُّ بمالى. فقال: صدقت. وقال للقوم :
أَرْضُوا صاحبكم . فأعطوه وزنها ذهباً فأبى ، فأضعفوا له مثلَ ما أعطوه وزنها ،
حتى أعطوْه وزنها عشر مرات، فباعهم إياها وأخذثمنها. فقال: اذبحوها. فذبحوها فقال:
اضرُ بوه ببعضها . فضربوه بالبَضْعة التى بين الكتفين، فعاشَ ، فسألوه : من قتلك؟
فقال لهم: ابن أخى، قال: أقتلُه، وآخُذُ ماَ له، وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.
١١٧٥ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة -
١١٧٦ - وحدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد، عن مجاهد -
١١٧٧ - وحدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة . قال ، حدثنا شبل ،
قال حدثی خالد بن یزید ، عن مجاهد -
١١٧٨ - وحدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا إسمعيل بن عبد الكريم
قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهباً يذكر -
١١٧٩ ۔ وحدثی القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج عن مجاهد - وحجاج عن أبى معشر ، عن محمد بن كعب القرظى ،
ومحمد بن قیس -

١٨٨
تفسير سورة البقرة : ٦٧
١١٨٠ - وحدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى ، قال ، حدثنى عمى
قال ، أخبرنى أبی ، عن أبيه ، عن ابن عباس-
- فذكر جميعهم أن السبب الذى من أجله قال لهم موسى: ((إن الله يأمركم
أن تذبحوا بقرة))، نحو السبب الذى ذكره عبيدة وأبو العالية والسدى، غير أن
بعضهم ذكر أنّ الذى قتل القتيل الذى اختُصم فى أمره إلى موسى ، كان أخا
المقتول ، وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه ، وقال بعضهم : بل كانوا جماعة ورثة
استبطأوا حياتَهُ . إلا أنهم جميعاً مجمعون على أن موسى إنما أمرهم بذبح البقرة من
أجل القتيل إذ احتكموا إليه - عن أمر الله إياهم بذلك - (١) فقالوا له : وما ذبح
البقرة ؟ يبيّن لنا خصومتنا التى اختصمنا فيها إليك فى قتل من قتل، فادُّعِى على
بعضنا أنه القاتل ! أتهزأ بنا ؟ كما : -
٢٧٠/١
١١٨١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: قُتِل
قتيل من بنى إسرائيل ، فطُرح فى سبط من الأسباط، فأتى أهل ذلك القتيل إلى
ذلك السبط فقالوا : أنتم والله قتلتم صاحبنا . قالوا: لا والله. فأتوا مُوسى فقالوا:
هذا قتيلنا بين أظهرهم، وهمْ واللّه قتلوه! فقالوا: لا والله يانبى الله، طُرِح علينا !.
فقال لهم موسى: إنّ اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة. فقالوا: أتستهزئ بنا؟ وقرأ
قول الله جل ثناؤه: ((أتتخذنا ◌ُهُزُواً)). قالوا: نأتيك فنذكرقتيلنا والذى نحن فيه ،
فتستهزئ بنا؟ فقال موسى: أعوذُ باللّه أنْ أكون من الجاهلين.
١١٨٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد - وحجاج ، عن أبى معشر - عن محمد بن كعب القرظى،
ومحمد بن قيس : لما أتى أولياءُ القتيل والذين ادَّعبوا عليهم قتل صاحبهم - مُوسَى
وقصوا قصّهم عليه، أوحى الله إليه أن يذبحوا بَقرَة، فقال لهم موسى: ((إنّ اللّه
يأمرُكم أن تَذبحوا بقرةً قالوا أنتخذنا هُزُواً قال أعوذُ باللّه أن أكونَ من
(١) الأجود أن يكون ((عن أمر الله إياه بذلك)).

١٨٩
تفسير سورة البقرة : ٦٧ ، ٦٨
الجاهلين)). قالوا: وما البقرةُ والقتيل؟ قال: أقول لكم: ((إنّ اللّه يأمركم أن
تذبحُوا بقرةً))، وتقولون: ((أتتخذنا ◌ُهُزُواً)).
. .
القول فى تأويل قوله ﴿قَالُوا أَدْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيِّنْ أَنَا مَا هِىَ
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّ بَقَرَةٌ لَأَفَرِضٌ﴾(١).
قال أبو جعفر: فقال الذين قيل لهمُ: ((إنّ اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة)) -
بعد أنْ علموا واستقرّ عندهم ، أنّ الذى أمرهم به موسى عليه السلام من ذلك
عن أمر الله من "ذبْح بقرة - جدّ وحقّ، (٢) ((ادُع لنا ربك يبين لنا ما هِّ))،
فسألوا موسى أن يسأل ربه لهم ما كان الله قد كفاهم بقوله لهم: ((اذبحوا بقرة)).
لأنه جل ثناؤه إنما أمرهم بذبح بقرة من البقر - أىّ بقرة شاؤا ذبحها من غير أن
يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع أو صنف دون صنف - فقالوا بجفاء أخلاقهم
وغِلَظ طبائعهم، وُسوء أفهامهم، وتكلُّف ما قد وضع اللّه عنهم مَؤُونته، تَعنَّاً منهم
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما : -
١١٨٣ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثنی عمی قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال: لما قال لهم موسى :: ((أعوذُ بالله
أن أكونَ من الجاهلين)). قالوا له يتعنَّتونه: ((ادعُ لنا ربك يبين لنا ما هى)).
فلما تكلَّفوا جهلاً منهم ما تكلّفوا - من البحث عما كانوا قد كُفُوه من
صيغة البقرة التى أميروا بذبحها، تعثُّناً منهم نبيِّهم مُوسَى صلوات الله عليه، بعد
الذى كانوا أظهروا له من سوء الظنّ به فيما أخبرهم عن الله جل ثناؤه ، بقولهم :
((أتتخذنا هزواً)(٣) - عاقبهم عز وجل بأن حصرّ ذَبح ما كان أمرهم بذبحه
(١) الآية كلها ساقطة من الأصول، فوضعتها فى موضعها .
(٢) قوله ((جد وحق))، خبر قوله ((أن الذى أمرهم به موسى ... ))
(٣) سياق العبارة: ((فلما تكلفوا جهلا منهم ما تكلفوا ... عاقبهم ... ))، وما بينهما فصل.

١٩٠
تفسير سورة البقرة : ٦٨
من البقر، على نوع منها دون نوع ، (١) فقال لهم جل ثناؤه - إذا سألوه فقالوا:
ما هى؟ ما صفتها؟ وما حِلْتها؟ حَلُها لنا لنعرفها! (٢) - قال: ((إنّها "بَقْرَةٌ
لا فَارضّ ولا بكرٌ)) .
يعنى بقوله جل ثناؤه: ((لا فارضٌ)، لأُ مسِنَّةٌ هرمة. يقال منه: ((فرضتْ
البقرة تَفرِضُ فُروضاً))، يعنى بذلك: أسَنَّتْ . ومن ذلك قول الشاعر:
يَا رُبَّ ذِىِ ضِغْنٍ عَلَىَّ فَارِضٍ لَهُ قُرُوهُ كَقُرُوءِ الحَائِضِ(٣)
يعنى بقوله: ((فارض))، قديم. يصف ضغناً قديماً. ومنه قول الآخر:
لَا زِجَاجٌ وَلَاةٌ فَارِضُ حَدْلاَءِ كَاَلَوَ طْبٍ نَحَاهُ الَاخِضُ(٤)
(١) فى المطبوعة ((بأن خص بذبح ما كان أمرهم))، وعبارة الطبرى فيما أرجح هى ما أثبته، وقد
وقد قال آنفاً: ١٨٩ (( من غير أن يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع))، وسيقول بعد : ١٩٧
:((قحصروا على نوع دون سائر الأنواع)).
(٢) الحاية ( بكسر فسكون) الصفة والصورة: حلى الرجل يحليه تحلية : وصف صورته
وهيأته . وتحليت الرجل : عرفت صفته .
(٣) مجالس ثعلب: ٣٦٤، والمعانى الكبير : ٨٥٠، ١١٤٣، والحيوان ٩ : ٦٦ - ٦٧،
والأضداد: ٢٢، وكتاب القرطين ١: ٤٤، ٧٧، واللسان (فرض)، وغيرها، وصواب إنشاده :.
يا رُبَّ مَوْلَى حاسِدٍ مباغِضِ عَلَىّ ذِى ضِعْنٍ وَضَبّ فارِضٍ
والضب: الغيظ والحقد تضمره فى القلب. وقروه وأقراء بمع قرء (بضم فسكون): وهو وقت الحيض.
قال ابن قتيبة: ((أى له أوقات تهيج فيها عداوته))، وقال الجاحظ: ((كأنه ذهب إلى أن حقده يخبو ثم
يستعر ، ثم يخبو ثم يستعر)) .
(٤) البيت الأول فى اللسان (زجج)، والثانى فى المخصص ١: ١٦٢. وكان فى الأصل:
لهُ زجاج ولهاة فارض هدلاء كالوطب تجاه الماخض
وهو تصحيف. والزجاج جمع زج: وهو الحديدة التى تركب فى أسفل الرمح يركز به فى الأرض .
فاستعاره للأنياب . واللهاة: لحمة حمراء فى الحنك، معلقة على عكدة اللسان، مشرفة على الحلق . والفارض
فى هذا البيت : الواسع العظيم الضخم يقال: لحية فارض، وشقشقة فارض. (وهى لهاة البعير) ،
ودلو فارض ، قال أبو محمد الفقعى يذكر دلواً واسعاً (وهو الغرب)

١٩١
تفسير سورة البقرة : ٦٨
وبمثل الذى قلنا فى تأويل ((فارض)) قال المتأولون . ذكر من قال ذلك:
١١٨٤ - حدثنى على بن سعيد الكندى قال، حدثنا عبد السلام بن حرب،
عن خصيف، عن مجاهد: ((لافارض))، قال: لا كبيرة .(١)
١١٨٥ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن عطية قال ، حدثنا شريك ،
عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - أو عن عكرمة ، شك
شريك -: ((لافارض))، قال: الكبيرة .
١١٨٥ م -حدثنى محمد بن سعد قال، أخبرنی ابی قال، حدثی عمی قال، ٢٧١/١
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((لا فارض))، الفارض: الهَرِمة .
١١٨٦ - حُدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبى روق ، عن
الضحاك، عن ابن عباس: ((لا فارض ))، يقول: ليست بكبيرة هرمة .
١١٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، قال
قال ابن جريج، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس: ((لا فارض))،
الهرمة .
١١٨٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ((الفارضُ)) الكبيرة .
١١٨٩ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال،
• والغَرْبُ غَرْبٌ بَقَرِىٌّ فَارِضُ .
وحدلاء وأحدل : وهو الذى يمثى فى شق، وفى منكبيه ورقبته إقبال على صدره، وانحناء. والوطب :
سقاء البن، يكون من جلد. وفحاه: صرفه وأماله. والماخض: من مخض اللبن: إذا وضع فى المبخضة ،
ليخرج زبده. لعله يهجو امرأته ، ويذكر قبح أنيابها ، وسعة لهاتها ، من شدة شرهها . ويصف
مشيتها مائلة على شق ، وتكدس بدنها بعضه على بعض ، كأنها وطب أماله الماخض يمنة ويسرة يحركه .
(١) الخبر ١١٨٤ - على بن سعيد بن مسروق الكندى، شيخ الطبرى: كوفى ثقة، مترجم فى
التهذيب، وابن أبى حاتم ١٨٩/١/٣ - ١٩٠، مات سنة ٢٤٩. عبد السلام بن حرب الملائى الكوفى ،
الحافظ : ثقة حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وترجمه ابن أبى حاتم ١/٣/ ٤٧.

١٩٢
تفسير سورة البقرة : ٦٨
حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد قوله: ((لا فارض))، قال : الكبيرة .
١١٩٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((لا فارض))، يعنى: لا هَرِمة.
١١٩١ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع مثله .
١١٩٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد، قال حدثنا سعيد ، عن قتادة:
((الفارض)»، الهرمة .
١١٩٣ -حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، قال معمر ،
قال قتادة: ((الفارض)) الهرمة. يقول: ليست بالهرِمة ولا البكر، عَوَانٌ بين ذلك.
١١٩٤ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((الفارض))، الهرمة التى لا تلد .
١١٩٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((الفارض))،
الكبيرة .
٥
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلاَ بَكْرٌ)
قال أبو جعفر: و((البكر)) من إناث البهائم وبنى آدم، ما لم يفتَحِلْه
الفَحْل، وهى مكسورة الباء. لم يسمع منه ((فَعَل)) ولا ((يفعل)). وأما ((البَكْرُ)) بفتح
الباء ، فهو الفتىُّ من الإبل .
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله (( وَلا بِكْرٌ )) ولا صغيرة لم تلد ، كما : -
١١٩٦ - حدثنى على بن سعيد الكندى قال ، حدثنا عبد السلام بن حرب ،
عن خصيف، عن مجاهد: ((ولا بكر))، صَغيرة .

١٩٢
تفسير سورة البقرة : ٦٨
١١٩٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة . قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((البكر))، الصغيرة .
١١٩٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا شريك،
عن خصيف، عن سعيد، عن ابن عباس - أوعكرمة، شك -: (( ولا بکر))،
قال : الصغيرة .
١١٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج ، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس: ((ولا بِكْر))، الصغيرة.
١٢٠٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى أبو سفيان ،
عن معمر، عن قتادة: ((ولا بكر))، ولا صغيرة .
١٢٠١ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر ، عن أبى روق ، عن
الضحاك، عن ابن عباس: ((ولا بكر))، ولا صغيرة ضَعيفة .
١٢٠٢ - حدثنىالمثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع،
عن أبى العالية: ((ولا بكر))، يعنى: ولا صغيرة .
١٢٠٣ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع مثله .
١٢٠٤ - وحدثنیموسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ،
عن السدى: فى ((البكر))، لم تلد" إلا ولداً واحداً .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿عَوَانٌ﴾
قال أبو جعفر: ((العوَان)) النَّصّف التى قد ولدتَ بَطناً بعد بطن، وليست
بنعت للبكر. يقال منه: ((قد عَوَّنت))، إذا صَارت كذلك .
وإنما معنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لا فارض ولا بكر "بَلْ عوانٌ
ج ٢ (١٣).

١٩٤
تفسير سورة البقرة : ٦٨
بين ذلك. ولا يجوز أن يكون ((عوَانٌ)) إلا مبتدأ. لأن قوله ((بين ذلك))،
كناية عن الفارض والبكر ، فلا يجوز أن يكون متقدّماً عليهما، ومنه قول الأخطل :
وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ شُظٍ مُفِّةٍ وَمَا بِشْرِبَ مِنْ عُونٍ وَأَبْكَارٍ (١)
وَجمعها (ُعُون)). يقال: ((امرأة "عَوَانٌ، من نسوة عُون)). ومنه قول تميم بن مقبل:
٢٧٢/١
ومَأْتَمِ كالدُّعَى حُورٍ مَدَامِعُهاَ لَمَّ تَبْسِ الْقَيْشَ أَبْكَارَ اوَلاَ عُونًا(٣)
وبقرة ((عَوَانٌ، وَبَقرعُونٌ). قال: ورُبما قالت العرب: ((بقر ◌ُوُنْ))
مثل ((رُسُلٌ))، يطلبون بذلك الفرق بين جمع (((عَوَان)) من البقر، وجمع ((عَانَة))
من الحُمُر. ويقال: ((هذه حرب عَوَان))، إذا كانت حرباً قد قوتل فيها مرة بعد
مرة. يُمثَّلُ ذلك بالمرأة التى ولدت بَطناً بعد بطن. وكذلك يُقال: ((حاجة
عَوَانٌ))، إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة .
(١) ديوانه: ١١٩، وهو يخالف ما رواه الطبرى، وقبله :
إِنِّى حَلَفْتُ برَبِّ الرَّاقصَاتِ وَمَا أَضْحَى بِمَلَّهُ مِنْ حُجْبٍ وأسْتَارِ
فى يوم نُْكٍ وتشريقٍ وتَنْحَارِ
وبالحَدِىِّ - اذا اْحَرَّتْ مَذَارِعُها
وَمَا بَيَثْرِبَ مِنْ عُونٍ وَأَبَكَارِ
وَمَا بَزَمْزَمَ من شُعْطٍ مُحُلِّقَةٍ
يعنى: حلقوا رؤوسهم، وقد تحلوا من إحرامهم وقضوا حجتهم، والشمط جمع أشمط: وهو الذى
خالط سواد شعره بياض الشيب. فإن صحت رواية الطبرى ((شمط محفلة))، فكأنها من الحفيل والاحتفال:
وهو الجد والاجتهاد ، يقال منه : رجل ذو حفيل، وذو حفل وحفلة: له جد واجتهاد ومبالغة فيما أخذ
فيه من الأمور . فكأنه عنى : مجتهدون فى العبادة والنسك .
(٢) جمهرة أشعار العرب: ١٦٢، من جيد شعر تميم بن أبى بن مقبل. والمأتم عند العرب: جماعة
النساء - أو الرجال - فى خير أو شر. قالوا: والعامة تغلط فتظن أن ((المأتم)) النوح والنياحة. والدمى
جمع دمية: الصورة أو التمثال.، يتنوق فى صنعتها ويبالغ فى تحسينها، والعرب تكثر من تشبيه النساء
بالدمى. والحور جمع حوراء. والحور أن يشتد بياض بياض العين، وسواد سوادها، وتستدير حدقتها،
وترق جفونها، ويبيض ها حولها، وقوله: (لم تبأس)) أى لم يلحقها بؤس عيش، أو لم تشك بؤس عيش.
بئس يبأس بؤساً، فهو بائس وبئيس، افتقر واشتد عليه البؤس. وفى الأصل المطبوع ، وفى اللسان
(أتم): ((لم تيأمن)) بالياء المثناة، وهو خطأ.

١٩٥
تفسير سورة البقرة : ٦٨
١٢٠٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب، أنّ ابن زيد أنشده :
عَوَانِ مِنَ الْحَجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا (١)
قُعُودٌ لَدَى الْأَبْوَابِ طُلَّبُ حَاجَةٍ
قال أبو جعفر : والبيتُ للفرزدق .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك تأوَّله أهلُ التأويل . ذكر من قال ذلك :
١٢٠٦ -حدثنا علی بن سعید الکندى، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن
خصيف، عن مجاهد: ((عَوَانٌ بين ذلك))، وَسَطٌ، قد ولدَت بَطناً أو
بطنين . (٢)
١٢٠٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
1
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((عوان))، قال: ((العوان))، العانِسُ النَّصَف.
١٢٠٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((العوان))، النَّصَف .
١٢٠٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال ، حدثنا شريك ،
عن خصیف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - أو عكرمة ، شك شريك -
((عَوَان))، قال: بين ذلك.
١٢١٠ - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر، عن أبى روق ، عن
الضحاك، عن ابن عباس: ((عوان))، قال : بين الصغيرة والكبيرة ، وهی أقوى
(١) ديوان الفرزدق: ٢٢٧، وطبقات فحول الشعراء: ٢٥٦، وتاريخ الطبرى: ١٣٨،
وغيرها . وسيأتى فى ٧: ١٨٨ (بولاق)، والشعر فى زياد ، وقبله :
دَعَنى زِيادٌ لِلِطَاءُ وَلَمَّ أَكَنْ الْأَقْرَبَهُ مَا سَقَ ذُو حَسَبٍ وَفْرًا
رجالٌ كثيرٌ قدْ يَرَى بِهِمُ فَقْرًا
وعِندَ زِيادٍ، لَوْ يُرِيدُ عَطَاءُمُ،
ويروى: ((قعوداً))، ورواية ابن سلام ((طالب حاجة))، ونصب ((أو حاجة بكرا))، عطفاً
على محل ((حاجة عوان))، فمحلها نصب بقوله: ((طلاب)).
(٢) الخبر: ١٠٢٦ - ((على بن سعيد الكندى)): ترجمنا له فى: ١١٨٤، وفى الأصول هنا
((سعد)) بدل (سعيد)»، وهو خطأ.

١٩٦
تفسير سورة البقرة : ٦٨
ما تكون من البقر والدواب، وأحسنُ ما تكون .
١٢١١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال ،حدثی حجاج قال، قال ابن
جريج، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس: ((عوان))، قال: النَّصّف .
١٢١٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((عوان))، نَصّف .
١٢١٣ - وحدثت عن عمار، عن ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع ، مثله .
١٢١٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ،
عن قتادة: ((العوان))، نصف بين ذلك .
١٢١٤ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال ، حدثنا
شريك، عن خصيف، عن مجاهد: ((عوان))، التى تُنتج شيئاً بشرط أن تكون
التى قد نُتِجت بَكْرة أو بكْرتين .
١٢١٥ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى :
((العوان))، النصف التى بين ذلك، التى قد ولدت وولد وَلَدُها .
١٢١٦ - حدثنى يونس، قال أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد :
((العوان))، بين ذلك، ليست بيكر ولا كبيرة.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿بَيْنَ ذَلِكَ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله (( بين ذلك)) بين البكر والهرمة، كما : -
١٢١٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((بين ذلك))، أى بين البكر والهرمة.
٠٠
فإن قال قائل: قد علمت أن ( بين)) لا تصلح إلا أن تكون مع شيئين

١٩٧
تفسير سورة البقرة : ٦٨
فصاعداً، فكيف قيل: ((بين ذلك))، و((ذلك)) واحد فى اللفظ ؟
قيل: إنما صَلحت مع كونها واحدة، لأن ((ذلك)) بمعنى اثنين، والغرب
تجمع فى ((ذلك)) و((ذاك)) شيئين ومعنيين من الأفعال ، كما يقول القائل:
((أظن أخاك قائماً، وكان عمرو أباك)، (١) ثم يقول: ((قد كانَ ذاك، وأظنّ ذلك)).
فيجمع : ((ذلك)) و((ذاك)) الاسمَ والخبر، الذى كان لابد لـ ((ظنّ)) و((كان))
منهما . (٢)
فمعنى الكلام : قال إنه يقول إنها بقرة لا مسنة هرمة ، ولا صغيرةٌ لم تلد ،
ولكنها بقرة نَصَفٌ قد ولدت بَطناً بعد بطن، بين الهرم والشباب. فجمع ((ذلك)) ٢٧٣/١
معنى الهرم والشباب لما وصفنا . ولو كان مكان الفارض والبكر اسما شخصين، لم
يجمع مع ((بين)) ((ذلك)). وذلك أن ((ذلك)) لا يؤدّى عن اسم شخصين. وغيرٌ
جائز لمن قال: (( كنت بين زيد وعمرو))، أن يقول: (( کنت بین ذلك))، وإنما
يكونُ ذلك مع أسماء الأفعال دون أسماء الأشخاص. (٣)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَفْعَلُوا مَا تُؤْتَرُونَ) (٦٨)
قال أبو جعفر: يقول الله لهم جل ثناؤه : افعلوا ما آمركم به ، تُدْرِكوا
حاجاتكم وطلباتكم عندى؛ واذبحوا البقرة التى أمرتكم بذبحها، تصلوا - بانتهائكم إلى
طاعتى بذبحها - إلى العلم بقاتل قتيلكم .
(١) عبارة الغراء هنا أوضح قال: ((فلا بد ( ((كان)) من شيئين))، ولا بد ( ((أظن)) من شيئين،
ثم يجوز أن تقول: ((قد كان ذاك، وأظن ذلك)). معانى القرآن ١: ٤٥.
(٢) كان فى المطبوعة: ((الذى كان لا بد الظن وكان منهما))، وهو كلام يضطرب.
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٤٥.

١٩٨
تفسير سورة البقرة : ٦٩
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ قَالُوا أُدْعُ لَنَا رَبَّكَ مُبَيِّنْ لَّنَا
مَا لَوْتُهَا قَلَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآء )
قال أبو جعفر : ومعنى ذلك : قال قومُ موسى لموسى : ادْع لنا ربك يبين
لنا ما لونها ؟ أى لون البقرة التى أمرتنا بذبحها . وهذا أيضاً تعنُّت آخرُ منهم بعد
الأول، وتكلُّف طلب ما قد كانوا كُفُوه فى المرة الثانية والمسألة الآخرة . وذلك أنهم
لم يكونوا حصروا فى المرة الثانية - إذ قيل لهم بعد مسألتهم عن حلية البقرة التى كانوا
أمروا بذبحها ، فأبوا إلا تكلف ما قد كُفُوه من المسألة عن صفتها ، فحُصِروا على
نوع دون سائر الأنواع ، عقوبةً من اللّه لهم على مسألتهم التى سألوها نبيَّهم صلى
اللّه عليه وسلم ، تعنُّتاً منهم له . ثم لم يحصُرهم على لون منها دون لون، فأبوا إلا
تكلف ما كانوا عن تكلُّفُه أغنياء، فقالوا - تعنُّتاً منهم لنبيهم صلى اللّه عليه وسلم،
كما ذكرابن عباس -: ((ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها))، فقيل لهم عقوبةً لهم:
((إنها بقرةٌ صفراءُ فَاقعٌ لوُنها تسر الناظرين)). فحُصِروا على لون منها دون لون.
ومعنى ذلك : أنّ البقرة التى أمرتكم بذبحها صفراءُ فاقعٌ لونها .
قال أبو جعفر: ومعنى قوله: ((يبين لنا ما لونُها)»، أىُّ شىء لونُها؟ فلذلك
كان اللون مرفوعاً، لأنه مُرَافع ((ما)). وإنّما لم ينصب ((ما)) بقوله: ((يبين لنا))،
لأن أصل ((أى))، و((ما))، جمعُ متفرق الاستفهام. يقول القائل(١): بَيِّنْ لنا
أسوداءُ هذه البقرةُ أم صفراءُ؟ فلما لم يكن لقوله: (( بين لنا)) أن يقع على الاستفهام
متفرُّقاً، لم يكن له أن يقعَ على ((أىّ))، لأنه جمعُ ذلك المتفرق. (٢) وكذلك كل ما كان
من نظائره فالعمل فيه واحد ، فى ((ما)) و ((أىِّ)).
(١) فى الأصل المطبوعة ((كقول القائل))،، وهو فساد.
(٢) كانت هذه الجملة فى المطبوعة: ((فلما لم يكن كقوله: بين لنا، ارتفع على الاستفهام
منصرفاً، لم يكن له ارتفع على أى ... »، وهو كلام ضرب عليه التصحيف ضرباً. وانظر ما جاء فى
معانى الفراء ١ : ٤٦ - ٤٨، ففيه بيان شاف كاف .

١٩٩
تفسير سورة البقرة : ٦٩
واختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ((صفراء)) . فقال بعضهم : معنى
ذلك: سودَاء شديدةُ السواد . ذكر من قال ذلك منهم :
١٢١٨ - حدثنى أبو مسعود إسماعيل بن مسعود الجحدرى قال ، حدثنا نوح
ابن قيس، عن محمد بن سيف، عن الحسن: ((صَفراء فاقعٌ لونها))، قال :
سوداء شديدة السواد . (١)
١٢١٩ - حدثنى أبوزائدة زكريا بن يحيى بن أبى زائدة . والمثنى بن إبراهيم .
قالا ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا نوح بن قيس ، عن محمد بن سيف
أبى رجاء ، عن الحسن مثله .(٢)
٠
٠
وقال آخرون: معنى ذلك: صفراء القَرْن والظُّلف. ذکر من قال ذلك:
١٢٢٠ - حدثنى هشام بن يونس النهشلى قال ، حدثنا حفص بن غياث ،
عن أشعث، عن الحسن فى قوله: ((صفراء فاقعٌ لونها))، قال: صفراء القَرن
والظّلّف. (٣)
١٢٢١ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنى هشيم قال، أخبرنا جويبر ،
عن كثير بن زياد، عن الحسن فى قوله: ((صفراء فاقع لَوْنُها))، قال: كانت وَحشِيَّةً. (٤)
(١) الخبر: ١٢١٨ - أبو مسعود إسمعيل بن مسعود الجحدرى البصرى: ثقة، روى عنه أيضاً
النسائى وأبو حاتم. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢٠٠/١/١. مات سنة ٢٤٨. نوح بن قيس بن رباح الأزدى
الحدانى: ، ثقة، مترجم فى التهذيب، والكبير ١١١/١/٤ - ١١٢، وابن أبي حاتم ٤ / ٤٨٣/١.
(٢) الخبر: ١٢١٩ - أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبى زائدة: ثقة، روى عنه أبو حاتم وغيره،
وذكر بعضهم أن البخارى روى عنه. وهو مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢/١/ ٦٠١ - ٦٠٢.
مسلم بن إبرهيم: هو الأزدى الفراهيدى الحافظ. محمد بن سيف: ترجمنا له فيما مضى: ١٣٥، وكنيته
((أبو رجاء))، ووقع هنا فى المطبوعة ((محمد بن سيف عن أبى رجاء)). وهو خطأ، صوابه حذف ((عن)).
(٣) الخبر: ١٢٢٠ - هشام بن يونس بن وابل النهشلى اللؤلؤى: ثقة، روى عنه الترمذى، وسمع
منه أبو حاتم . مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٤ / ٢/ ٧٢ .
(٤) الخبر: ١٢٢١ - كثير بن زياد أبو سهل البرسانى - بضم الموحدة وسكون الراء - الأزدى
المتكى: ثقة من أكابر أصحاب الحسن. مترجم فى التهذيب، والكبير ٤ / ٢١٥/١، وابن أبى حاتم
١٥١/٢/٣. والإسناد ضعيف، من أجل ((جويبر بن سعيد، كما ذكرنا ضعفه فى: ٢٨٤. وسيأتى
قريباً برقم : ١٢٥٤ .

٢٠٠
تفسير سورة البقرة : ٦٩
١٢٢٢ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا مروان بن معاوية ، عن إبراهيم ، عن
٢٧٤/١ أبي حفص، عن مَغْراء - أو عن رجل -، عن سعيد بن جبير: ((بقرةٌ صَفراء
فاقعٌ لونها))، قال: صفراء القرن والظلف.(١)
١٢٢٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: هى صفراء.
١٢٢٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا الضحاك بن مخلد ، عن
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إنها بقرة صَفراءُ فاقعٌ لونُها ))،
قال : لو أخذوا بقرة صفراءَ لأجزأت عنهم .
...
قال أبو جعفر: وأحسب أن الذى قال فى قوله: ((صفراء))، يعنى به
سوداء، ذهب إلى قولهم فى نعت الإبل السود: (٢) ((هذه إبل صُفر، وهذه ناقة
صفراء))، يُعنىَ بها سوداء . وإنما قيل ذلك فى الإبل، لأن سوادها يضرب إلى
الصُّفْرة، ومنه قول الشاعر: (٣)
تِكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِ، هُنَّ صُفْرٌ، أَوْلاَدُهَا كالزَّبِيبٍ (٤)
(١) الخبر : ١٢٢٢ - مروان بن معاوية: هو الفزارى الكوفى الحافظ، من شيوخ أحمد
وإسحق والأئمة . مغراء، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة: تابعى روى عن ابن عمر ، وذكره ابن حبان
فى الثقات، وترجمه البخارى فى الكبير ٦٥/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤ / ٤٢٩/١، فلم يذكرا فيه جرحاً .
ولكن هذا الإسناد ضعيف ، لتردد الراوى : أنه عن مغراء ، أو عن رجل ، فتردد بين ثقة وبين مبهم .
(٢) فى المطبوعة: ((ذهب إلى قوله))، وليس بشىء.
(٣) هو الأعشى الكبير .
(٤) ديوانه: ٢١٩، والأضداد: ١٣٨، واللسان (صفر)، وغيرها . من قصيدة يمدح بها
أبا الأشعث قيس بن معد يكرب الكندى. وكان فى الأصل: ((تلك خيل منها)) وهو خطأ ، فسياق الشعر:
إِنَّ قَيْسَاً، قيسَ الفَعَالِ أبا الأدْ مَثِ أمْسَتْ أَمْدَاؤُهُ لِشَّعُوبِ
◌ِندَ وَضْعِ الِنَانِ أوْ بِنَجِيبٍ
كُلَّ كَمٍ يُمِدُّفِى مَجِمُوْمٍ
...
تلك خیلی منه
...
وما أظن الطبرى يخطىء فى رواية هذا الشعر ، والركاب : الإبل التى يسار عليها ، لا واحد لها من
لفظها، واحدتها راحلة. والزبيب: ذاوى العنب، وأسوده أجوده، ولكنه ليس خالص السواد. يقول:
كل ما أملك من خيل ، ومن إبل قد ولدت لى خير ما تلد الإبل ، فهو من جود أبى الأشعث .