النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
تفسير سورة البقرة : ٥٧
ولا تَدْرَن. (١)قال، وقال ابن جريج: إن أخذ الرَّجُل من المن والسلوى فوقَ طعام يوم ٢٣٧/١
قَسَدَ ، إلا أنهم كانوا يأخذون فى يوم الجمعة طعام يوم السبت، فلايصبح فاسداً .
...
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره (كُلُوا مِنْ طَّبَتِ
مَارَزَ قَكُمْ﴾
وهذا مما استُغنى بدلالة ظاهره على ما تُرك منه. وذلك أن تأويل الآية: وظللنا
عليكم الغمامَ، وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى، وقلنا لكم : كلوا من طيبات ما رزقناكم.
فترك ذكر قوله: ((وقلنا لكم))، لما بيّنا من دلالة الظاهر فى الخطاب عليه.
وعنى جلّ ذكره بقوله ((كلوا من طيبات ما رزقناكم)): كلوا من شهيّات
رزقنا الذى رزقنا كموه . (٢)
وقد قيل: عنى بقوله: ((من طيبات ما رزقناكم))، من حلاله الذى أبحناه
لكم فجعلناه لكم رزقاً .
والأول من القولين أولى بالتأويل ، لأنه وصف ما كان القوم فيه من هنىء
العيش الذى أعطاهم، فوصف ذلك؛ ((الطيب))، الذى هو بمعنى اللذة ، أحرى
من وصفه بأنه حلال مباح .
و((ما)) التى مع ((رزقناكم))، بمعنى ((الذى)). كأنه قيل: كلوا من طيبات
الرزق الذ رزقنا كموه .
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ
كَانُوا أَنْتَهُمْ يَظْلُونَ﴾ ﴾)
وهذا أيضاً من الذى استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه . وذلك أن معنى
(١) دون الثوب يدرن درناً فهو دون وأدرن: تلطخ بالوسخ.
(٢) فى المطبوعة: ((من مشتهيات))، ليست بشىء.

١٠٢
تفسير سورة البقرة : ٥٧ ، ٥٨
الكلام : كلوا من طيبات ما رزقناكم . فخالفوا ما أمرناهم به وعصوا ربهم ، ثم
رسولنا إليهم، و((ما ظلمونا))، فاكتفى بما ظهر عما ترك.
وقوله: (( وما ظلمونا )» يقول: وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، ولكن كانوا
أنفسهم يظلمون .
ويعنى بقوله: ((وما ظلمون))، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانَهم إيَّانا، موضع مضرّة
علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعُوه من أنفسهم موضع مضرّةٍ عليها ومنقصة لها. كما :-
٩٩٨ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبى روق، عن الضحاك،
عن ابن عباس: ((وما ظلمونًا ولكن كانوا أنفسَهم يظلمون))، قال : يَضرُّون.
وقد دللنا فيما مضى ، على أن أصل ((الظلم)): وضعُ الشىء فى غير موضعه - بما فيه
الكفاية ، فأغنى ذلك عن إعادته . (١)
...
وكذلك ربُّنا جل ذكره ، لاتضرُّه معصية عاص ، ولا يتحيَّف خزائنه ظلم
ظالم ، ولا تنفعه طاعةُ مطيعٍ، ولا يزيد فى ملكه عَدْلُ عادل، بل نفسَه يظلمُ
الظالمُ، وحظَّها يَبْخَسُ العاصى، وإياها ينفعُ المطيع، وحظَّها يُصيب العادلُ.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾
و ((القرية)) - التى أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخلوها، فيأكلوا منها رغداً حيث
شاؤا - فيما ذكر لنا: بيت المقدس . ذكر الرواية بذلك:
٩٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أنبأنا عبدالرزاق . قال ، أنبأنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((ادخلوا هذه القرية))، قال : بيت المقدس.
١٠٠٠ -حدثیموسی بن هرون قال ، حدثی عمرو بن حماد قال ، حدثنا
(١) انظر ما مضى ١: ٥٢٣ - ٥٢٤، وهذا الجزء ٢ : ٦٩

١٠٣
تفسير سورة البقرة : ٥٨
أسباط، عن السدّى: ((وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية))، أما القرية، فقريةُ بيت المقدس.
١٠٠١ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر،
عن أبيه، عن الربيع: ((وإذْ ◌ُقُلنا ادخلوا هذه القرية))، يعنى بيت المقدس.
١٠٠٢ -حدثنی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب ، قال : سألته ـ- يعنى ابن
زيد - عن قوله: ((ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم))، قال: هى أريحا،
وهى قريبة من بيت المقدس .
٥
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْتُ شِْتُمْ وَغَدًا)
يعنى بذلك : فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيْشاً هنيًّاً واسعاً بغير حساب .
وقد بينا معنی ((الرغد)) فیما مضى من كتابنا ، وذ کرنا أقوال أهل التأويل فيه .(١)
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ وَأَدْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا﴾
أما ((البابُ) الذى أمروا أن يدخلوه، فإنه قيل: هوباب الحِطَّة من بيت المقدس.
• ذكر من قال ذلك :
١٠٠٣ -حدثنی محمد بن عمرو الباهلی قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ادخلوا البابَ مُجَّداً))، قال: باب ٢٣٨/١
الحِطَّة ، من باب إيلياء ، من بيت المقدس .
١٠٠٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
(١) انظر ما مضى ١ : ٥١٥ - ٥١٦.

١.٠٤
تفسير سورة البقرة : ٥٨
١٠٠٥ -حدثیموسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وادخلوا البابَ مُجَّدًا))، أما الباب، فباب من أبواب بيت المقدس.
١٠٠٦ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( وادخلوا البابَ سجداً)) أنه أحد
أبواب بیت المقدس ،وهو یدعی باب حطة. وأما قوله: (( سجّداً)، فإن ابن عباس
كان يتأوّله بمعنى الرُّكَّع .
١٠٠٧ -حدثنى محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيری قال ، حدثنا
سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
ابن عباس فى قوله: ((ادخلوا البابَ سِّداً))، قال: ◌ُرُكَّعاً من باب صغير.
١٠٠٨ - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعى قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن
سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد ، عن ابن عباس فى قوله :
((ادخلوا البابَ ◌ُجَّداً، قال: أمِروا أن يدخلوا ركِّعاً.
...
قال أبو جعفر: وأصل (السجود)) الانحناء لمن ◌ُجِدَ له معظَّماً بذلك. فكل"
مُنحنٍ لشىء تعظيماً له فهو ((ساجد)). ومنه قول الشاعر: (١)
بِمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِى حَجَرَاتِهِ تَرَى الأُكْمَ مِنْهُ سُجَّدَاً لِحَوَافِ(٣)
(١) هو زيد الخيل بن مهلهل الطائى، الفارس المشهور.
(٢) سيأتى بعد فى هذا الجزء ١: ٢٨٩ (بولاق) والكامل ١: ٢٥٨، والمعانى الكبير: ٨٩٠،
والأضداد لابن الأنبارى : ٢٥٦، وحماسة ابن الشجرى: ١٩، ومجموعة المعانى: ١٩٢، وغيرها.
والباء فى قوله (( بجمع)) متعلقة ببيت سالف هو :
بَنِى عَامِرٍ، هَلْ تَعْرِفِونَ إِذَا غَدَا أَبُو مِكْنَفَ قَدْ شِدَّ عَقْدَ الدَوَابِرِ؟
والبلق جمع أبلق وبلقاء : الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون):
الناحية. والأكم ( بضم فسكون، وأصلها بضمتين ) جمع إكام ، جمع أكمة : وهى تل يكون أشد ارتفاعاً
مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة. قال ابن قتيبة فى المعانى الكبير: ((يقول: إذا ضلت البلق
فيه مع شهرتها فلم تعرف ، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشمت
من وقع الحوافز)). وفى المطبوعة هنا ((فيه))، والجيد ما أثبته، والضمير فى ((منه)) للجيش أو الجميع.

١٠٥
تفسير سورة البقرة : ٥٨
يغنى بقوله: ((سجَّداً)) خاشعة خاضعة. ومن ذلك قول أعشى
بنى قيس بن ثعلبة .
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَات الَلِيكِ، طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً جُوَارَا(١)
فذلك تأويل ابن عباس قوله: ((سجّداً) ركعاً. لأن الراكعُ مُنحنٍ،
وإن كان الساجدُ أشدّ انحناءً منه .
٠ ٠ ٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾
وتأويل قوله: ((حِطَّة))، فِعْلةٌ، من قول (القائل: حَطّ الله عنك خطاياك
فهو يُحُطَّها حِطَّة))، بمنزلة الردّة والحِدّة والمِدّة، من حددتَ وَمَدّدت.
...
واختلف أهل التأويل فى تأويله . فقال بعضهم بنحو الذى قلنا فى ذلك .
ذكر من قال ذلك: (٢)
١٠٠٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر:
(((وُقُولوا حِطَّة))، قال قال: الحسن وقتادة: أى احطُطْ عنا خطايانا.
١٠١٠ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: «وقولوا
(١) ديوانه: ٤١، وسيأتى فى ١٨: ٢٨ (بولاق)، ومعه بيت آخر فى ١٤: ٨٢ (بولاق)
راوح يراوح مراوحة : عمل عملين فى عمل ، يعمل ذامرة وذا مرة ، قال لبيد يصف فرماً .
وَلَى عامداً لِيَاتٍ فَلْجٍ يُرَاوِحُ بَيْنَ صَونٍ وابتذالِ
وقوله: ((من صلوات)) ((من)) هنا لبيان الجنس، مثل قوله تعالى: ((يحلون فيها من أساور
من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً من سندس واستبرق)). وحذف ((بين)) التى تقتضيها ((يراوح))، لدلالة ما يأتى
عليها، وهو قوله: ((طوراً ... وطوراً)). والجزار: رفع الصوت بالدعاء مع تضرع واستغاثة وجزع.
جار إلى ربه يجار جزاراً .
(٢) فى المطبوعة: ((ذلك منهم)) بالزيادة.

١٠٦
تفسير سورة البقرة : ٥٨
حِطَّة))، يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئتكم.(١)
١٠١١ - حدثنا القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج
قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: ((قولوا حطّة)) قال: يحط عنكم خطاياكم.
١٠١٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان ، عن الأعمش،
عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: ((حِطَّة))، مغفرة.
١٠١٣ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع، قوله: ((حِطّة))، قال: يحط عنكم "خطاياكم.
١٠١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، أخبرنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: قال لى عطاء فى قوله: ((وقولوا حِطَّةً))، قال: سمعنا أنه: يحطّ
عنهم خطاياهم .
٠
٠٠
وقال آخرون: معنى ذلك: قولوا ((لا إله إلاّ اللّه))، كأنهم وجهوا تأويله:
قولوا الذى يحطّ عنكم خطاياكم، وهو قول لا إله إلا الله . . ذكر من قال ذلك:
١٠١٥ - حدثنى المثنى بن إبراهيم وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى
قالا ، أخبرنا حفص بن عمر ، قال حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة: « وقولوا
حِطَّة))، قال: قولوا، ((لا إله إلا الله))
...
وقال آخرون بمثل معنى قول عكرمة ، إلا أنهم جعلوا القول الذى أمروا بقيله :
الاستغفار . . ذكر من قال ذلك :
١٠١٦ - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعى، حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان،
عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: (( وقولوا
حِطَّةً))، قال : أمِروا أن يستغفروا.
(١) فى المطبوعة: ((وخطاياكم)).

١٠٧
تفسير سورة البقرة : ٥٨
وقال آخرون نظيرَ قول عكرمة، إلا أنهم قالوا: القولُ الذى أمروا أن يقولوه، ٢٣٩/١
هو أن يقولوا : هذا الأمر حقّ كما قيل لكم . . ذكر من قال ذلك:
١٠١٧ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر ، عن أبى روق ، عن
الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: ((وقولوا حِطَّة))، قال: قولوا: هذا الأمر حقّ
کما قيل لكم.
...
واختلف أهل العربية فى المعنى الذى من أجله رُفعت ((الحطة)).
فقال بعض نحوبى البصرة: رفعت (الخطة)) بمعنى ((قولوا))، ليكن منك حِطَّةٌ
لذنوبنا، كما يقول للرجل : سَبْعُكَ .
وقال آخرون منهم : هى كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعةً ، وفرض عليهم
قيلها كذلك .
وقال بعض نحوبى الكوفيين: رُفعت ((الحطة)) بضمير ((هذه))، كأنه
قال: وقولوا: ((هذه)) حطة.(١)
وقال آخرون منهم : هى مرفوعة بضميرٍ معناهُ الخبر ، كأنه قال : قولوا
ما هوَ حطةٌ. فتكون ((حطة )) حينئذ خبراً ا ((ما )»
...
قال أبو جعفر : والذى هو أقرب عندى فى ذلك إلى الصواب ، وأشبه بظاهر
الكتاب: أن يكون رفع (( حطة)) بنيّة خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة ،
وهو: دخولُنا البابَ ◌ُجَّداً حطةٌ، فكفى من تكريره بهذا اللفظ، ما دلّ عليه
الظاهر من التنزيل، وهو قوله: ((وادخلوا البابَ ◌ُجداً))، كما قال جل ثناؤه:
(١) الضمير: المضمر أو الإضمار، كما سلف فى ١: ٤٢٧ تعليق: ١، وقد رأيتها أيضاً
فى كلام نقله الشريف المرتضى فى أماليه ١: ٣٣٤ عن أبى بكر بن الأنبارى قال: ((كاد ، لا
تضمر ، ولا بد من أن يكون منظوقاً بها ، ولو جاز ضميرها لجاز: قام عبد الله، بمعنى كاد عبد الله
يقوم ... ))، وهى هنا بمعنى الإضمار لا شك. وسيأتى فى الفقرة التالية أيضاً، بمعنى المضمر.

٧٠١
تفسير سورة البقرة : ٥٨
﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَومَ اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيداً
قَالُوا مَنْذِرَةٌ إِلَى رَبُّكُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١٦٤]،(١) يعنى: موعظتنا إياهم
معذرة إلى ربكم. فكذلك عندی فی تأويل قوله: (( وقولوا حطة »، يعنى بذلك: وإذا
قلنا ادخلوا هذه القرية، وادخلوا الباب ◌ُجّداً، وقولوا: دخولنا ذلك ◌ُجداً حطةٌ
لذنوبنا . وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد ، الذى
ذكرناه آنفاً .
(٢) قال أبو جعفر: وأما على تأويل قول عكرمة، فإن الواجب أن تكون القراءةُ
بالنصب فى ((حطة))، لأن القومَ إن كانوا أمروا أن يقولوا: ((لا إله إلا الله))، أو أن
يقولوا: (( نستغفر الله ))، فقد قيل لهم: قولوا هذا القول ، فـ « قولوا )) واقع حينئذ
على ((الحطة))، لأن ((الحطة)) على قول عكرمة - هى قول ((لا إله إلا الله)).
وإذا كانت هی قول ((لا إله إلا الله)، فالقول عليها واقع ، کما لو أمر رجل رجلاً
بقول الخير فقال له: ((قل خيراً)) نَصْباً، ولم يكن صواباً أن يقول له: ((قل
خیر )) ، إلا على استكراه شدید .
وفى إجماع القرّأة على رفع ((الخطة))(٣) بيان" واضح على خلاف الذى قاله
عكرمة من التأويل فى قوله: ((وقولوا حطة)). وكذلك الواجب على التأويل الذى رويناه
عن الحسن وقتادة فى قوله: ((وقولوا حطة))، (٤) أن تكون القراءة فى ((حطة))
نصباً . لأن من شأن العرب - إذا وضعوا المصادرَ مواضع الأفعال، وحذفوا الأفعال-
أن ينصبوا المصادر . كما قال الشاعر : (٥)
(١) قراءتنا: ((معذرة)) بالنصب فى مصاحفنا. وقد ذكر الطبرى فى تفسير الآية ٩: ٦٣
(بولاق) أن الرفع قراءة عامة قراء الحجاز والكوفة والبصرة، وقرأ بعض أهل الكوفة ((معذرة)) بالنصب.
(٢) من هنا أول جزء فى التجزئة القديمة التى نقل عنها كاتب مخطوطتنا. وأولها :
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّر بِرَحْمَتِكَ
(٣) فى المطبوعة ((القراء))، كما جرت عليه فى كل ما مضى.
(٤) انظر رقم: ١٠١٠ فيما سلف .
(٥) هو الفرزدق .
:

١٠٩
تفسير سورة البقرة : ٥٨
أُبِيِدُوا بِأَيْدِى عُصْبَةٍ، وسُفُهُمْ عَلَى أُمََّتِ الَامِ ضَرْبًا شَآَمِياً(١).
وكقول القائل للرجل: ((سمعاً وطاعةٌ)) بمعنى: أسمعُ سمعاً وأطيع طاعة، وكما
قال جل ثناؤه: ﴿ معاذَ الله﴾ [ سورة يوسف: ٢٣، ٧٩]، بمعنى: نعوذ بالله.
٠ ٥
۵
القول فى تأويل قوله تعالى (تَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
يعنى بقوله ((نغفرْ لكم)) نتغمَّد لكم بالرّحمة خطايا كم، ونسترها عليكم ، فلا
تفضحكم بالعقوبة عليها .
...
وأصل (( الغفر)) التغطية والستر ، فكل ساتر شيئاً فهو غافرُه . ومن ذلك قيل
لبيضة من الحديد التى تُتخذُ جُنّة للرأس: ((مِغْفر))، لأنها تغطى الرأس وُتُجُنَّه.
ومثله ((غِمْدُ السيف))، وهو ما تغمّده فواراه. (٢) ولذلك قيل لزثبر الثَّوب: (غفْرة))،
لتغطيته الثوب، (٣) وَحَوْلِه بين الناظر والنظر إليه . ومنه قول أوس بن حجر :
(١) ديوانه: ٨٩٠ فى قصيدة يمدح فيها - يزيد بن عبد الملك، ويذكر إيقاعه بيزيد بن
المهلب فى سنة ١٠٢ ( انظر خبره فى تاريخ الطبرى ٨: ١٥١ - ١٦٠). ورواية ديوانه :
((أنَخُوا بِأيدى طَاعةٍ ، وسيوفهم))
وقوله: ((أناخوا))، أى ذلوا وخضعوا، أو صرعوا نماتوا، كأنهم إبل أناخت واستقرت. وقوله:
(( أيدى طاعة))، أى أهل طاعة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ومنه غمد السيف))، وهذا يجعل الكلام مضطرباً مقحماً، فرجح
عندى أن تكون ((ومنه))، و((مثله)) لأنه فسر ((نغفر)) بقوله ((نتغمد)». وفى المطبوعة: ((ما يغمده
فيواريه))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((غفر)). والغفر جمع غفرة، وزئبر الثوب: هو ما يعلو الثوب الجديد من
مائه، كالذى يعلو القطيفة والخز، ويسمونه ((درز الثوب)) أيضاً. وفى المطبوعة: ((لتغطيته العورة ...
والنظر إليها))، وهى عبارة غريبة فاسدة، والذى فى المخطوطة (لتغطيته الثوب)) كما أثبتناها، يعنى الزئير كما

١١٠
تفسير سورة البقرة : ٥٨
فَلاَ أَعْتِبُ أَبْنَ العَمِّ إِنْ كَانَ جَاهلاً وَأَغْفِرُ عَنْهُ الجَهْلَ إِنْ كَانَ أَجْهَلاَ (١)
یعنی بقوله: (( وأغفرُ عنه الجهل)»، أستر عليه جهله بحلمى عنه .
٢٤٠/١
٥
القول فى تأويل قوله تعالى (خَطَيْكمْ﴾
(والخطايا)) جمع ((خطية))، بغير همز، كما (المطابا)) جمع (مطبّة))، و((الخشايا)) جمع
((حَشِيَّة)). وإنما تُرك جمع (الخطايا) بالهمز، لأن ترك الهمز فى (( خطيئة)) أكثر من
الهمز، فجمع على ((خطايا))، على أن واحدتها غير مهموزة. ولو كانت ((الخطايا))
مجموعةً على (( خطيئة)) بالهمز: لقيل: خطائى، على مثل قبيلة وقبائل ، وصحيفة
وصحائف. وقد تجمع ((خطيئة)) بالتاء، فيهمز فيقال ((خطيئات)). و((الخطيئة))
فعيلة، من ((خطىء" الرجل بخْطَأْ خِطًاً))، وذلك إذا عَدَل عن سبيل الحق. ومنه
قول الشاعر : (٢)
وإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَهُ لَعَمْرُ اللّه قَدْ خَطِئَا وَخَبَا(٣)
يعنى : أضَلاَّ الحق وأثِما .
٠ ٥
وصفنا . ويقال غفر الثوب : إذا أثار زئبره ، يكون كالمنتفش على وجه الثوب .
هذا ، وقد انتهت المخطوطة التى اعتمدنا عند قوله: ((لتغطيته الثوب)). ويأتى بعدها خرم طويل
سيستغرق أجزاء برمتها ، كما سنبينه فى مواضعه .
(١) ديوانه، قصيدة: ٣١. وهذه الرواية جاءت فى شرح شواهد المغنى: ١٣٧، وأما فى سائر
الكتب: ((إن كان ظالماً))، وهى أجود. وقوله: ((أجهل)) بمعنى جاهل، كما قالوا ((أوجل)) بمعنى
وجل، وأميل بمعنى مائل، وأوحد بمعنى واحد، وغيرها. ورواية صدر البيت على الصواب: ((ألا
أعتب)) كما فى المفضليات ٥٩٠ وغيره، أو ((وقد أعتب)) كما فى القرطين ٢: ٦٩. ويروى ((ولا أشتّ
ابن العم)). يقول: أبلغ رضاه إذا ظلم أو جهل ، فأترك له ما لا يحب إلى ما يرضاه .
(٢) هو أمية بن الأسكر (طبقات فحول الشعراء : ١٥٩ - ١٦٠)
(٣) أمالى القالى ٣: ١٠٩، وكتاب المعمرين: ٦٨ والخزانة ٢: ٤٠٥، ويروى صدره

١١١
تفسير سورة البقرة : ٥٨
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَسَنَزَ يدُ الْمَحْسِنِينَ﴾ (٨)
وتأويل ذلك ما روى لنا عن ابن عباس، وهو ما :-
١٠١٨ - حدثنا به القاسم بن الحسن قال : حدثنا الحسين قال ، حدثنى
حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: (( وَستزيد المحسنين))، من
كان منكم محسناً زيدَ فى إحسانه، ومن كان مخطئاً نغفر له خطيئته .
#
فتأويل الآية : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية مباحاً لكم كل ما فيها من الطيبات،
مُوسَّعَاً عليكم بغير حساب؛ وادخلوا البابَ ◌ُجَّداً، وقولوا: سجودنا هذا اللّه حِطَّةٌ
من ربنا لذنوبنا يحُطُّ به آثامنا، نتغمَّدْ لكم ذنوبَ المذنب منكم فنسترها عليه ،
ونحط أوزارَه عنه، وَستزيد المحسنَ منكم - إلى إحساننا السالف عنده - إحساناً.
ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيم جهالتهم، وسوء طاعتهم ربّهم، وعصيانهم
لأنبائهم ، واستهزائهم برُسله - مع عظيم آلاء اللّه عز وجل عندهم، وعجائب
ما أراهم من آياته وعِبرَه؛ موَبّخاً بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، ومعلِّمتهم
أنهم إنْ تَعدَّوْا(١) - فى تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وجحودهم نبوته،مع
عظيم إحسان اللّه بمبعثه فيهم إليهم ، وعجائب ما أظهر على يديه من الحجج بين
أظهرهم - أن يكونوا كأسلافهم الذين وصفَ صفتهم ، وقص علينا أنباءَ هم فى
(( أتاه مهاجران تكنفاه)). وأما عجزه فاختلفت رواياته: ((بترك كبيره خطئاً ... )) و ((ليترك شيخه
خطئاً ... ))، ((ففارق شيخه، .. )) وكان أمية قد أسن، عمر فى الجاهلية عمراً طويلا، وألفاه
الإسلام هرماً. ثم جاء زمن عمر، فخرج ابنه كلاب غازياً، وتركه هامة اليوم أو غد. فقال أبياتاً
منها هذا البيت، فلما سمعها عمر، كتب إلى سعد بن أبى وقاص: أن رحل كلاب بن أمية بن الأسكر ،
فرحله . وله مع عمر فى هذه الحادثة قصة جيدة (فى القالى ١ : ١٠٩)
(١) سياق الجملة: (( .. إن تعدوا ... أن يكونوا))، و((إن)) هنا، نافية بمعنى ((ما)»،
كالتى فى قوله تعالى: ((قل إن أدرى أقريب ما توعدون)) ، وقوله: ((إن أدرى لعله فتنة لكم)).

١١٢
تفسير سورة البقرة : ٥٩
هذه الآيات، فقال جل ثناؤه: ((فبدَّلَ الذين ظلموا قولاً "غير الذى قيل لهم"
فأنزلنا على الذينَ "ظلمُوا رجزاً من السماء)) الآية.
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً
غَيْرَ الَّذِىِ قِيلَ لَهُمْ)
وتأويل قوله: ((فبدَّل))، فغيِّر. ويعنى بقوله: (الذين ظلموا))، الذين فعلوا
ما لم يكن لهم فعله . ويعنى بقوله: (( قولاً غیر الذىقيل لهم )، بدَّلوا قولاً غير الذى
أميروا أن يقولوه، فقالوا خلافه . وذلك هو التبديل والتغيير الذى كان منهم . وكان
تبديلُهم - بالقول الذى أمروا أن يقولوا - قولاً غيره، (١) ما :-
١٠١٩ - حدثنا به الحسن بن یحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن همام بن منبه ، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: قال اللّه لبنى إسرائيل: ((ادخلوا الباب ◌ُجَّداً وُقُولواحِطَّةٌ نغفر لكم خطاياكم))،
فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبَّة فى شعيرة. (٢)
١٠٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة وعلى بن مجاهد قالا ، حدثنا
محمد بن إسحق ، عن صالح بن كيسان ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبى هريرة،
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : -
١٠٢١ - وحدثتعن محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت ، عن سعید
(١) قوله: ((قولا)) مفعول ((تبديلهم)). وأما خبر ((كان)) فهو قوله: ((ما حدثنا به
الحسن ... »
(٢) الحديث: ١٠١٩ - رواه أحمد فى المسند: ٨٢١٣ (ج ٢ ص ٣١٨ حلى)، عن
عبد الرزاق، بهذا الإسناد، لكن بلفظ ((حبة فى شعرة)). وكذلك رواه البخارى ٦: ٣١٢،
و٨: ٢٢٨ - ٢٢٩ ( فتح البارى)، من طريق عبد الرزاق. وذكر الحافظ (٨: ٢٢٩) أن لفظ
((شعرة)) رواية أكثر رواه البخارى، وأن رواية الكشميبنى («شعيرة)). وذكره ابن كثير ١: ١٨٠،
ونسبه أيضاً لمسلم والترمذى ، من رواية عبد الرزاق .

١١٣
تفسير سورة البقرة : ٥٩
ابن جبير ، أو عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبى صلى الله عليه وسلم -
قال: دخلوا الباب - الذى أمروا أن يدخلوا منه سُجَّداً - يزحفون على أستاههم،
يقولون : حنطة فى شعيرة . (١)
١٠٢٢ - حدثنى محمد بن عبد الله المحاربى قال ، حدثنا عبد الله بن المبارك،
عن معمر، عن همام، عن أبى هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فى قوله: ((حطة))،
قال : بدلوا فقالوا : حبة .(٢)
١٠٢٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال، حدثنا ٢٤١/١
سفيان، عن السدى، عن أبى سعيد، عن أبى الكنود، عن عبد الله: ((ادخُلوا
الباب ◌ُجَّدًا وقولوا حِطَّة))، قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. فأنزل الله: ((فبدّل الذين
ظَلَمُوا قولاً غيرَ الذى قيل لهم)).
١٠٢٤ -حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال ، حدثنا
سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن بن
عباس فى قوله: ((ادخلوا البابَ سجِّداً)) - قال: ركوعاً - من باب صغير ،
فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم ويقولون: حنطةٌ . فذلك قوله: ((فبدَّل الذين
ظَلمُوا قولاً غيرَ الذى قيل لهم)).
١٠٢٥ - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعى قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن
سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد، عن ابن عباس قال : أمِروا
(١) الحديث: ١٠٢٠، ١٠٢١ -هوالحديث السابق، ولكن رواة الطبرى هنا بإسنادين ، أحدهما
صحيح متصل، والآخر ضعيف فيه راو مبهم بين ابن إسحق ومحمد ابن أبى محمد.
صالح بن كيسان المدفى : تابعى ثقة . وصالح مولى التوأمة: هو ابن نبهان، وهو ثقة أيضاً ،
إلا أنه تغير بأخرة، فمن روى عنه قديماً فحديثه صحيح . وصالح بن كيسان قديم ، وهو بلديه ، فالراجح
أن يكون ممن سمع منه قبل تغيره .
(٢) الحديث: ١٠٢٢ - هو مختصر من الحديث: ١٠١٩. وقد رواه أحمد فى المسند:
٨٠٩٥ (ج ٢ ص ٣١٢ حلبى) عن يحي بن آدم، عن ابن المبارك، بهذا الإسناد، مطولا. وكذلك
رواه البخارى ٨: ١٢٥ (فتح البارى)، مطولا، من طريق عبد الرحمن بن مهدى. عن ابن المبارك.
ج ٢ (٨)

١١٤
تفسير سورة البقرة : ٥٩
أن يدخلوا رُكَّعاً ويقولوا: حِطَّة . قال : أمروا أن يستغفروا ، قال : فجعلوا
يدخلون من قبل أستاههم من باب صغير ويقولون : حِنْطة - يستهزئون . فذلك
قوله: ((فبدَّل الذين ظلموا قولاً غير الذى قيل لهم)).
١٠٢٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أنبأنا عبد الرزاق قال ، أنبأنا معمر ،
عن قتادة والحسن: ((ادخلوا البابَ سَجِّداً)) قالا: دخلوها على غير الجهة التى
أمروا بها ، فدخلوها متزَحُّفين على أوْرَاكهم، وبدّلوا قولاً غير الذى قيل لهم،
فقالوا : حبَّة فى شعيرة .
١٠٢٧ - حدثنى محمد بن عمرو الباهلى . قال ، حدثنا أبو عاصم قال ،
حدثنا عيسى ، عن ابن نجيح ، عن مجاهد قال : أمر موسى قومه أن يدخلوا
الباب سجَّدًا ويقولوا: حِطَّةٌ، وُطوطِىء لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا ، ودخلوا
على أدبارهم، وقالوا: حِنْطة .(١)
١٠٢٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا المسجد ويقولوا : حطة .
وُطُوطِئء لهم الباب ليخفضوا رؤسهم ، فلم يسجدوا ودخلوا على أستاههم إلى الجبل
- وهو الجبل الذى تجلى لهُ ربُّه - وقالوا: حِنْطة. فذلك التبديل الذى قال الله
عز وجل: ((فبدَّل الذين ظلموا قولاً غيرَ الذى قيل لهم)).(٢).
١٠٢٩ - حدثنى موسى بن هرون الهمدانى [ قال، حدثنى عمرو بن حماد
قال، حدثنا أسباط، عن السدىّ، عن مرّة الهمدانى]، عن ابن مسعود أنه قال:
إنهم قالوا: ((هطى سمقا يا ازبة هزبا))، وهو بالعربية : حبة حنطة حمراء مثقوبة
فيها شعيرة سوداء. فذلك قوله: ((فبدَّل الذين ظلموا قولاً غيرَ الذى قيل لهم)).
١٠٣٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش،
(١) الأثر: ١٠٢٧. سيأتى تمامه فى رقم: ١١١٦.
(٢) الأثر: ١٠٢٨ - انظر ما سيأتى رقم: ١١١٧، فهو منه .
:

١١٥
تفسير سورة البقرة : ٥٩
عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ((وادخلوا البابَ ◌ُجَّدًا))
قال : فدخلوا على أستاههم ◌ُقنعی رؤُسهم .
١٠٣١ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن النضر بن عدى ،
عن عكرمة: ((وادخلوا الباب سجداً)، فدخلوا مُقنعى رؤسهم - ((وقولوا حِطَّةً))
فقالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. فذلك قوله: ((فبدَّل الذين ظلموا قولاً غير الذى
قيل لهم)).
١٠٣٢ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع بن أنس: ((وادخلوا البابَ ◌ُجَّداً وقولوا حِطَّةٌ))، قال: فكان
سجود أحدهم على خدّه. و(«قولوا حطة)) نحط عنكم خطاياكم، فقالوا: حنطة .
.وقال بعضهم: حبة فى شعيرة، ((فبدّل الذين ظلموا قولا غير الذى قبل لهم)).
١٠٣٣ -حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب. قال ، قال ابن زيد :
((وادخلوا البابَ ◌ُجَّدًا وقولوا حطة))، يحطّ اللّه بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم، قال:
فاستهزأوا به - يعنى بموسى - وقالوا: ما يَشاءُ موسى أن يلعب بنا إلاّ لعب بنا،
حِطَّةٌ حِطَّةٌ !! أى شىء حطة ؟ وقال بعضهم لبعض : حنطة .
١٠٣٤ - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنى الحسين قال ، حدثنى
حجاج ، عن ابن جريج ، وقال ابن عباس: لما دخلُوا قالوا : حبة فى شعيرة .
١٠٣٥ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى سعدُ بن محمد بن ٢٤٢/١
الحسن قال ، أخبرنى عمى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما دخلوا الباب
قالوا: حبة فى شعيرة، ((فبدّلوا قولاً غير الذى قيل لهم)).
٠

١١٦
تفسير سورة البقرة : ٠٩
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا
مِنَ السَّمَاءِ﴾
يعنى بقوله: ((فأنزلنا على الذين ظلمُوا))، = على الذين فعلوا ما لم يكن لهم
فِعلُه، من تبديلهم القولَ - الذى أمرهم الله جل وعز أن يقولوه - قولاً غيره ،
ومعصيتهم إياه فيما أمرهم به ، وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه، = (( رجزاً من
السماء بما كانوا يفسقون)).
و ((الرُّجز))، فى لغة العرب، العذابُ. وهو غير ((الرُّجْز)).(١) وذلك أنّ
((الرُّجز)): البَشْر، (٢) ومنه الخبر الذى روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى
الطاعون أنه قال : إنه رِجْز ◌ُعُذِّب به بعضُ الأمم الذين قبلكم.
١٠٣٦ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى
يونس ، عن ابن شهاب قال ، أخبرنى عامر بن سعد بن أبى وقاص ، عن أسامة
ابن زيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا الوَجع - أو السُّعْم -
رِجْزٌ عُذِّب به بعض الأمم قبلكم. (٣)
١٠٣٧ - وحدثنى أبو شيبة بن أبى بكر بن أبى شيبة قال ، حدثنا عمر بن
حفص قال ، حدثنا أبى ، عن الشيبانى ، عن رياح بن عبيدة ، عن عامر بن
سعد قال : شهدتُ أسامة بن زيد عند سعد بن مالك يقول : قال رسول الله صلى
(١) الرجز (بضم فسكون)، وهو الذى جاء فى قوله تعالى فى سورة المدثر: ((والرجز فاهجر)).
وذكر الطبرى فرق ما بينهما فى ٢٩: ٩٢ (بولاق) فقال: ((الرجز بضم الراء ... الأوثان)»
(٢) البثر: خراج صغار، كالذى يكون من الطاعون والجدرى.
(٣) الحديث: ١٠٣٦ - إسناده صحيح. وقد ذكره ابن كثير ١: ١٨٢، وقال: ((وهذا
الحديث أصله مخرج فى الصحيحين ، من حديث الزهرى ، ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم
أبي النضر - عن عامر بن سعد، بنحوه)». ورواه أحمد فى المسند، من طريق الزهرى (٢٠٧:٥-
٢٠٨ حلبى). ورواه أيضاً (٥: ٢٠٩)، من طريق حبيب بن أبى ثابت، عن إبرهيم بن سعد،
عن أسامة بن زيد ، مطولا .

١١٧
تفسير سورة البقرة : ٥٩
الله عليه وسلم: إن الطاعون رِجْزٌ أنزل على من كان قبلكم - أو على بنى إسرائيل.(١)
#
وبمثل الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل .. ذكر من قال ذلك :
١٠٣٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة فى قوله: ((رِجْزاً))، قال : عذاباً .
١٠٣٩ -حدثنی المثی قال، حدثنا آدم العسقلانى قال، حدثنا أبو جعفر،
عن الربيع، عن أبى العالية فى قوله: ((فأنزلنا على الذين ظلمُوا رِجْزًا من السماء)»،
قال : الرجز ، الغضب .
١٠٤٠ -حدثنی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد : ما
قِيل لبنى إسرائيل : - ادخلوا الباب سجّدًا، وقولوا: حطّة، فبدَّل الذين ظلموا
منهم قولاً غير الذى قيل لهم - بعث الله جل وعزّ عليهم الطاعون ، فلم يبق منهم
أحداً . وقرأ: ((فأنزلنا على الذين ظلموا رِجْزاً من السماء بما كانوا يفسقون»، قال:
وَبَقى الأبناء = ففيهم الفضلُ والعبادةُ - التى توصف فى بنى إسرائيل - والخيرُ =
وَهلك الآباء كلُّهم ، أهلكهم الطاعون .
١٠٤١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد :
الرِّجز، العذابُ. وكل شىء فى القرآن ((رِجْز))، فهو عذاب .
(١) الحديث ١٠٣٧ - وهذا إسناد آخر صحيح، الحديث السابق. أبو شيبة بن أبى بكر بن أبى شيبة:
هو ((إبرهيم بن عبد الله بن محمد))، وهو ثقة، روى عنه أيضاً النسائى وأبو زرعة وأبو حاتم، مترجم
فى التهذيب، وابن أبى حاتم ١١٠/١/١. عمر بن حفص بن غياث: ثقة، روى عنه البخارى ومسلم
فى الصحيحين . أبوه حفص بن غياث: ثقة مأمون، معروف، أخرج له الجماعة. الشيبانى: هو أبو
إسحق ، سليمان بن أبى سليمان ، ثقة حجة. رياح بن عبيدة: هو بكسر الراء وفتح الياء التحتية المخففة،
ووقع فى المطبوعة ((رباح)) بالموحدة، وهو تصحيف. و((عبيدة)) بفتح العين وكسر الباء الموحدة،
ورياح هذا بصرى ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وهو مترجم فى التهذيب ٣ : ٢٩٩ - ٣٠٠،
والكبير البخارى ٣٠٠/١/٢، وابن أبى حاتم ٥١١/٢/١، والمشتبه الذهبى، ص: ٢١٢. وهو
غير ((رياح بن عبيدة السلمى الكوفى))، فرق بينهما المزى فى التهذيب. والذهبى فى المشتبه. وأنكر الحافظ
ابن حجر ذلك على المزى ، ولكنه تبع الذهبى فى تبصير المنتبه ، ولم يعقب عليه ، وهو الصواب ،
إن شاءالله.

١١٨
تفسير سورة البقرة : ٥٩
١٠٤٢ - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبى روق ، عن
الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: ((رِجْزًا))، قال: كل شىء فى كتاب الله
من ((الرجز))، يعنى به العذاب.
٠
وقد دللنا على أن تأويل ((الرجز)) العذاب . وعذابُ اللّه جل ثناؤه أصناف
مختلفة . وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفْنا أمرهم الرجزَ من السماء.
وجائز أن يكون ذلك طاعوناً ، وجائز أن يكون غيره . ولا دلالة فى ظاهر القرآن
ولا فى أثر عن الرسول ثابت ، (١) أى أصناف ذلك كان .
فالصواب من القول فى ذلك أن يقال كما قال الله عز وجل : فأنزلنا عليهم
رجزاً من السماء بفسقهم .
غير أنه يغلب على النفس صحة ما قاله ابن زيد، للخبر الذی ذکرتُ عنرسول
اللّه صلى الله عليه وسلم، فى إخباره عن الطاعون أنه رِجْز، وأنه ◌ُعُذِّب به قوم قبلنا.
وإن كنتُ لا أقول إنّ ذلك كذلك يقيناً، لأن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا بيان فيه أيُّ أمَّةً عذبت بذلك. وقد يجوز أن يكون الذين عذبوا به، كانوا غير
٢٤٣/١ الذين وصفَ اللّه صفتهم فى قوله: ((فبدَّل الذين ظلموا قولاً غير الذى قيل لهم)).
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ بَمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾
وقد دللنا - فيما مضى من كتابنا هذا - على أن معنى ((الفِسْق))، الخروج
من الشئء . (٢)
(١) انظر تفسير قوله ((ظاهر القرآن)» فيما مضى: ٢: ١٥ والمراجع.
(٢) انظر ما سلف ١: ٤٠٩ - ٤١٠، وقد ذكر الآية هناك فى أثر عن ابن عباس، فيه:
(( أى بما بعدوا عن أمرى))، (ص ٤١٠).

١١٩
تفسير سورة البقرة : ٦٠
فتأويل قوله: (( بما كانوا يفسقون)) إذاً: بما كانوا يتر كون طاعة الله عز وجل،
فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ
فَقُلْنَا أَضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ فَاَ نْفَجَرَتْ مِنْهُ أُتْنَا عَشْرَةَ عَيْنَا قَدْ عَلِمَ
كلُّ أُنَسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾
يعنى بقوله: ((وإذ اسْتَسْقَى مُوسَى لقومه))، وإذ اسْتسقانا موسى لقومه ،
أى سألنا أن نسفى قومه ماءً. فترك ذكر المسئول ذلك، والمعنى الذى سأل موسى، (١)
إذا كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى ما تُرك.
. وكذلك قوله ((فقلنا اضرب بعصاك الحجرَ فانفجرت منه اثنتا عشر عيناً))،
مما استغنى بدلالة الظاهر على المتروك منه . وذلك أن معنى الكلام : فقلنا اضرب
بعصاك الحجر ، فضربه ، فانفجرت . فترك ذكر الخبر عن ضَرْب موسى الحجر،
إذ کان فیما ذکر دلالة على المراد منه .
وكذلك قوله: ((قد علم كل أناس مشربهم ))، إنما معناه : قد علم كل
أناس منهم مشربهم. فترك ذكر ((منهم)) لدلالة الكلام عليه .
...
وقد دللنا فيما مضى على أن ((أناس)) جمع لا واحد له من لفظه، (٢) وأن
((الإنسان)) لو جمع على لفظه لقيل: أناسىّ وأناسية. (٣)
٥
(١) قوله ((والمعنى الذى سأل موسى))، يعنى ((والشىء)) وهو الماء.
(٢) فى المطبوعة: ((أن الناس جمع لا واحد له))، وقد مضى ذلك، ولكنه هنا أراد ((أناس))،
المذكور فى الآية، وهو أيضاً جمع لا واحد له من لفظه، وإن قال بعضهم إنه جمع إنس .
(٣) انظر ما سلف ١ : ٢٦٨.

١٢٠
تفسير سورة البقرة : ٦٠
وقومُ موسى ، هم بنو إسرائيل ، الذين قصّ اللّه عز وجل قصَصهم فى هذه
الآيات. وإنما استسقى لهم ربَّه الماءَ فى الحال التى تاهوا فيها فى التّيه، كما :-
١٠٤٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد
ابن أبى عروبة ، عن قتادة قوله: ((وإذ اسْتسقىُ مُوسَى لقومه)) الآية، قال :
كان هذا إذْ هم فى البرِّيَّة، اشتكوا إلى نبيهم الظمأ، فأمروا بحجر طُورِىٌّ - أى من
الطور - أن يضربه موسى بعصاه . فکانوا يحملونه معهم ، فإذا نزلوا ضربه موسى
بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سِبْط عينٌ معلومة مستفيضٌ ماؤها لهم.
١٠٤٤ -حدثی تميم بن المنتصر قال ، حدثنا یزید بن هرون قال ، حدثنا
أصبغ بن زيد ، عن القاسم بن أبى أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
قال: ذلك فى التيه ؛ ظلّل عليهم الغمامَ ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى ، وجعل
لهم ثياباً لا تبلى ولا تتّسخ، وُجعل بين ظهرانيهم "حجر مربَّع، وأُمر موسى فضرب
بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، فى كل ناحيةٍ منه ثلاثُ عيون ،
لكل سبط عين ؛ ولا يَرْتحلون منقلةً إلا وجدُوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذى
کان به معهم فى المنزل الأول . (١)
١٠٤٥ -حدثیعبد الکريم قال ، أخبرنا إبراهيم بن بشار قال ، حدثنا
سفيان ، عن أبى سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ذلك فى التيه .
ضرَب لهم موسى الحجرَ فصار فيه اثنتا عشرة عيناً من ماء، لكل سِبْطٍ منهم
عین یشربون منها .
١٠٤٦ - وحدثی محمد بنعمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه
اثنتا عشرة عیناً )) ، لکل سبطمنهم عین . کل ذلك کان فی تیهم حين تاهوا .
١٠٤٧ - حدثنا القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج،
(١) المنقلة: المرحلة من مراحل السفر، والجمع مناقل .