النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
تفسير سورة البقرة : ٥١
التابوت فأخذنه . فسمى باسم المكان الذى أصيب فيه ، ، وكان ذلك بمكان فيه
ماء وشجر، (١) فقيل: موسى ، ماء وشجر . كذلك : -
٩١٢ - حدثنى موسى بن هرون، قال حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن
نصر، عن السدى .(٢)
#
٠
وقال أبو جعفر : وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب
إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، فيما زعم ابن إسحق.
٩١٣ - حدثنى بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عنه. (٣)
القول فى تأويل قوله (أرْبَعِينَ لَيْلَةَ ﴾
ومعنى ذلك : وإذا وَاعَدنا موسى أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون ليلة كلها داخلة
فى الميعاد .
وقد زعم بعض نحويّى البصرة أن معناه : وإذا واعدنا موسَى انقضاء أربعين
ليلة، أى رأسَ الأربعين. ومثَّل ذلك بقوله: ﴿وأُسْأَّلِ الْقَرْيَةَ﴾ [ سورة يوسف: ٨٢]
وبقولهم: ((اليوم أربعون منذ خرج فلان))، ((واليوم يومان)). أى اليوم تمامُ
يومين ، وتمام أربعين .
· قال أبو جعفر : وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل ، وخلافُ
ظاهر التلاوة . فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين
ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، (٤) بغير برهان دالٌ على صحته.
(١) فى المطبوعة: ((وكان ذلك المكان فيه)) وليست بشىء.
(٢) الأثر : ٩١٢ تاريخ الطبرى ١: ٢٠١ فى خبر طويل .
(٣) الأثر : ٩١٣ - مختصر من خبر نسبه فى تاريخ الطبرى ١: ١٩٨.
(٤) انظر تفسير ((ظاهر)، و((باطن)) فيما سلف ص: ٥٠، والمراجع قبلها

٦٢
تفسير سورة البقرة : ٥١
٠٠٠
وأما أهل التأويل فإنهم قالوا فى ذلك ما أنا ذاكره ، وهو ما : -
٩١٤ - حدثنیبه المثنی بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر،
عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية، قوله: ((وإذ واعدْنا موسَى أربعين ليلة))،
قال: يعنى ذا القَعْدة وعشراً من ذى الحجة . وذلك حين خلّف موسى أصحابه
واستخلف عليهم هرون ، فمكث على الطُّور أربعين ليلة ، وأنزل عليه التوراةُ فى
الألواح - وكانت الألواح من بَرَد(١) - فقربه الرّب إليه نجِيًّاً وكلَّمه، وسمع
صَرِيفَ القلم. وبلغنا أنه لم يُحدث حدثاً فى الأربعين ليلةً حتى تهبط من
الطُّور .(٢)
٩١٥ - وحدثت عن عمار بن الحسن ، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع بنحوه .
٩١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحق
قال: وعد الله موسى - حين أهلك فوعون" وقومه . ونجاہ وقومه - ثلاثين ليلة
ثم أتمّها بعشر، فتمّ ميقات ربِّه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء. (٣) واستخلف
موسى هرونَ على بنى إسرائيل، وقال: إنىّ متعجِّل إلى رَبى، فاخلُفى فى قومى
ولا تَّبَع سبيلَ المفسدين. فخرجُ مُوسَى إلى ربه متعجلاً لِلُقِيِّهِ شوقاً إليه، (٤) وأقام
هرون فى بنى إسرائيلَ ومعه السامرىّ ، يسيرُ بهم على أثر موسى ليلحقهم به. (٥)
٩١٧ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا
(١) فى المطبوعة: ((وكانت الألواح من زبرجد))، والصواب ما أثبته من المخطوطة، ومما جاء
عن أبى العالية ، فى صفة الألواح ٩: ٤٦ ( بولاق).
(٢) صريف الأقلام: صوتها وصريرها وهى تجرى بما تكتبه الملائكة. وقوله: ((لم يحدث
حدثاً))، أى لم يكربه ما يكرب الناس من قضاء الحاجة.
(٣) فى المطبوعة: ((تتماه ربه فيها بما شاء)).
(٤) فى المطبوعة: ((للقائه))، وهما سواء فى المعنى.
(٥) الأثر : ٩١٦ - صدر هذا الأثر فى تاريخ الطبرى ١: ٢١٧ - ٢١٨، ولكن قطعه
الطبرى، وأتمه من خبر السدى .

٦٣
تفسير سورة البقرة : ٥١
أسباط ، عن السدى ، قال : انطلق موسى ، واستخلف هرون على بنى إسرائيل ،
وواعد هم ثلاثين ليلة، وأتمها اللّه بعشر.(١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ ثمَّ أَنَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ
وأَنْتُمْ ظُلِمُونَ﴾
وتأويل قوله: (( ثم اتخذتم العجلَ من بعده))، ثم اتخذتم فى أيام مُوا عدة
مُوسى العجلَ إلهاً، من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد. و «الهاء» فى قوله:
((من بَعْدِهِ)) عائدةٌ على ذكر موسى .
فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا صلى الله عليه وسلم من يهود بنى إسرائيل،
المكذُّبین، المخاطبين بهذه الآية - عن فعل آبائهم وأسلافهم، وتكذيبهم رُسُلهم، ٢٢٣/١
وخلافهم أنبياءَ هم، مع تتابع نِعَمه عليهم، وُشبوع آلائه لديهم، (٢)
معرّفهم بذلك أنهم - من خلاف محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به ، وجحودهم
لرسالته ، مع علمهم بصدقه (٣) - على مثل منهاج آبائهم وأسلافهم، ومحذّرّهم
من نزول سطوته بهم = بمُقامهم على ذلك من تكذيبهم = ما نزلَ بأوائلهم المكذبين
بالرسُل: منَ المسخ واللعن وأنواع النَّقِمات .
وكان سببُ اتخاذهم العجل ، ما : -
٩١٨ - حدثنى به عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادى
قال ، حدثنا سفيان بن عيينة قال ، حدثنا أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن
عباس قال : لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه ، وكان فرعونُ على فرس أدهم
(١) الأثر: ٩١٧ - فى تاريخ الطبرى فى خبر طويل ١: ٢١٨، وسيأتى تمامه فى رقم : ٩١٩.
(٢) فى المطبوعة: ((سبوغ آلائه)). وشيوع آلائه: ظهورها وعمومها حتى استوى فيها جميعهم.
وانظر ما سيأتى بعد ص: ٨١، تعليق : ٣.
(٣) فى المطبوعة: ((من خلافهم محمداً ... »

٦٤
تفسير سورة البقرة : ٥١
ذَنُوبِ حِصَّان ، فلما هجم على البحر ، هابَ الحصان أن يقتحم فى البحر ،
فتمثل له جبريل على فرس أنثى وَديق، فلما رآها الحصان تفحّ خلفها. (١) قال:
وعرف السامرىُّ جبريل ، لأن أمه حين خافت أن يُذبح خلّفته فى غار وأطبقت
عليه ، فكان جبريل يأتيه فيغذُوه بأصابعه ، فيجد فى بعض أصابعه لبناً ، وفى
الأخرى عسلاً ، وفى الأخرى سمناً ، فلم يزل يغذوه حتى نشأ . فلما عاينه فى
البحرَ عَرَفه ، فقبض قبضةً من أثر فَرَسه ، قال : أخذ من تحت الحافر
قَبضةً . - قال سفيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسٍ
الرَّسُولِ﴾ [سورة له: ٩٦] -
قال أبو سعيد قال، عكرمة ، عن ابن عباس: وألقى فى رُوْع السامرىّ: (٢)
إنك لا تُلقيها على شىء فتقول: ((كن" كذا وكذا))، إلا كان. فلم تزل القَبْضة
معه فى يده حتى جاوز البحرَ . فلما جاوز ◌ُوسى وبنو إسرائيل البحرَ ، وأغرق
اللّه آل فرعون ، قال موسى لأخيه هرون : اخلفتی فی قومی وأصلح. ومضى موسی
لموعد ربّه. قال: وكان مع بنى إسرائيل حَلْىٌّ من حَلْىٍ آل فرعون قد تعوَّرُوه، (٣)
فكأنهم تأثّموا منه، فأخرجوه لتنزلَ النارُ فتأكله . فلما جمعوه، قال السامرى بالقبضة
التى كانت فى يده هكذا ، (٤) فقذفها فيه ــ وأوماً ابن إسحق بيده هكذا - وقال:
کن عجلاً جسداً له ◌ُخوارٌ . فصار عجلاً جسداً له خوارٌ، وكان تدخل الريح فى
◌ُدُبُرُه وتخرج من فيه، يسمع له صوت ، فقال: هذا إلهكم وإله مُوسى . فعكفوا
على العجل يعبدُونه ، فقال هرون: يا قوم، إنما فُتِنّم به، وإن ربّكم الرحمنُ
فاتَّبعونى وأطيعوا أمرى! قالوا: لن تَبرَح عليه عاكفين حتى يرجعَ إلينا مُوسى.
٩١٩ -حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
(١) انظر آخر الأثر رقم: ٩٠٩ فهو هذا بنصه، ثم يأتى تمامه.
(٢) الروع (بضم الراء): القلب والعقل. وقع ذلك فى روعى: أى فى نفسى وخلدى وبالى.
(٣) تعور الشى واستعاره: أخذه عارية، كما تقول: تعجب واستعجب.
(٤) قال بالقبضة: رفعها مشيراً بيده ليلقيها. وقد مضى تفسير ذلك فى ص: ٥٤ تعليق: ٣

٦٥
تفسير سورة البقرة : ٥١
أسباط بن نصر ، عن السدى : لما أمر الله موسى أن يخرج ببنى إسرائيل - يعنى
من أرض مصر - أمر موسى بنى إسرائيل أن يخرجوا ، وأمرهم أن يستعيروا الحلى
من القِبْط. فلما نجَّى اللهُ موسى ومن معه من بنى إسرائيل من البحر ، وغرق
آل فرعون، أتى جبريلُ إلى موسى يذهب به إلىَ اللّه. فأقبل على فرسٍ،
فرآه السامرىُّ فأنكره وقال: إنه فَرَسُ الحياة! فقال حين رآه: إنّ لهذا لشأناً!
فأخذ من تربة الحافر - حافر الفرس - فانطلقَ موسى ، واستخلف هرون على
بنى إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها اللّه بعشر. فقال لهم هرون: يا بنى
إسرائيل، إن الغنيمة لا تحلّ لكم، وإن حلى القبط إنّما هو غنيمة، فاجمعوها
جميعاً واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء ◌ُمُوسى فأحلَّها أخذتموها ، وإلاّ كان
شيئاً لم تأكلوه . فجمعوا ذلك الحلى فى تلك الحفرة ، وجاء السامرى بتلك القبضة
فقذفها، فأخرج الله من الحلى عجلاً جسداً له ◌ُخُوَار. وعدَّت بنو إسرائيل
موعِدَ موسى، فعدُّوا الليلة يوماً واليومَ يوماً. فلما كان تمام العشرين ، خرج لم ٢٢٤/١
العجلُ . فلما رأوهُ قال لهم السامرى: هذا الحكم وإله مُوسَى فَنسِيَ - يقول ترك
مُوسى إلهه ههنا وذهب يطلبه . فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشى.
فقال لهم هرون : يا بنى إسرائيل إنما فُتنتم به - يقول: إنما ابتليتم به ، يقول :
بالعجل - وإنّ ربکم الرّحمن. فأقام هرون ومن معه من بنى إسرائيل لا يقاتلونهم،
وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه ، فلما كلّمه قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى؟
قال : هم أولاءٍ على أكَرِى وَعجلتُ إليكَ ربِّ لترضى. قال: فإنا قد فتنًّاً قومك
من بعْدِك وأضلَّهُم السامرىّ: فأخبره خبرهم. قال موسى؛ يارب ، هذا السامرىّ
أمرهم أن يتخذوا العجلَ ، أرأيت الرّوح من نَفَخها فيه؟ قال الرب: أنا. قال:
ربّ أنت إذاً أضلَلْتَهم .(١)
٩٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال : كان
(١) الأثر: ٩١٩ - مضى صدره فى رقم: ٩١٧. وفى التاريخ ١: ٢١٨.
ج ٢ (٥)

٦٦
تفسير سورة البقرة : ٥٩
- فيماُذكر لى - أن موسى قال لبنى إسرائيلَ فيما أمرهُ اللّه به: استعيروا منهم
- يعنى من آل فرعون - الأمتعة والحلى والثياب، فإنى مُنفُلكم أموالهم مع هلاكهم.
فلما أذن فرعون فى الناس، كان مما يحرِّض به على بنى إسرائيل أنْ قالَ : حين
ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم ، حتى ذهبوا بأموالكم معهم! (١)
٩٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنى محمد بن إسحق
عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان السامری
رجُلًا من أهل باجَرْمَا، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان ◌ُحبّ عبادةِ البقر
فى نفسه ، وكان قد أظهر الإسلام فى بنى إسرائيل . فلما فَصَل هرون فى بنى
إسرائيل ، وفصل موسى إلى ربه ، (٢) قال لهم هرون: أنتم قد حملتم أوزاراً من زينة
القوم - آل فرعون - وأمتعةً، وحليًّا، فتطهّروا منها فإنها نَجَس" . وأوقد لهم
ناراً فقال: اقذ فوا ما كان معكم من ذلك فيها . قالوا : نعم . فجعلوا يأتون بما كان
فيهم من تلك الأمتعة وذلك الحلى ، (٣) فيقذفون به فيها. حتى إذا تكسّر الحلى
فيها، ورأى السامرىّ أثر فرس جبريل، فأخذ تراباً من أثر حافزه، (٤) ثم أقبل إلى
النار فقال لهرون: (٥) يانبي الله، ألقى ما فى يدى؟ قال: نعم. ولا يظن هرون إلا
أنه كبعض ما جاء به غيرُه من ذلك الحلى والأمتعة، فقذفه فيها وقال: (( کن عجلا
جسداً له خوار))، فكان ، للبلاء والفتنة . فقال: هذا إلهكم وإلهُ موسى. فعكفوا
عليه، وأحبُّوه حبًّاً لم يحبّوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: ﴿فَنَسِىَ﴾ ،
[سورة: له ٨٨] أى ترك ما كان عليه من الإسلام - يعنى السامرى - ﴿أَفَلاَ
(١) الأثر: ٩٢٠ - فى تاريخ الطبرى ١: ٢١٦. وفى المطبوعة ((أن يخرجوا بأنفسهم))،
وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ . نفله الشىء : جعله نفلا ، أى غنيمة مستباحة .
(٢) فصل فلان عن البلد يفصل فصولا: إذا خرج وفارقها .
(٣) فى المطبوعة: ((بما كان معهم))، غيروه ليستقيم على دارج ما ألفوه.
(٤) فى المطبوعة: ((أخذ تراباً))، حذفوا الفاء نيستغيم على .. بيتهم، فيما زعموا.
(٥) فى تاريخ الطبرى: ((ثم أقبل إلى الحفرة ... ؟

٦٧
تفسير سورة البقرة : ٥١
يَرَوْنَ أَنْ لاَ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلاَ نَفْعاً﴾ [سورة
له: ٨٩] وكان اسم السامرىّ. ◌ُوسى بن ظَفَرَ - وقع فى أرض مصر فدخل فى
بنى إسرائيل. (١) فلما رأى هرون ماوقعوا فيه قال: ﴿يا قَوْمِ إَِّا فُتْمُ به وإنّ رَبْكُمْ
الرَّْنُ فَاتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوا أَمْرِى. قَالُوالَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ
إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [سورة له: ٩٠ - ٩١]. فأقام هرون فيمن معه من المسلمين ممن لم
يُفتَّن، وأقام من يعبُد العجل على عبادة العجل، وتخوّف هرون، إنْ سار بمن
معه من المسلمين، أن يقول له موسى: فرّقت بين بنى إسرائيل ولم ترقُبْ
قَوْلى. وكان له هائباً مطيعاً (٢).
٩٢٢ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال
ابن زيد : لما أنجى الله عز وجل بنى إسرائيل من فرعون ، وأغرق فرعون ومن معه ،
قال موسى لأخيه هرون: اخلفى فى قومى وأصْلح ولا تتبع سبيلَ المفسدين . قال:
لما خرج موسى وأمر هرون بما أمره (٣)، وخرج موسى مُتعجِّلاً مسروراً إلى الله،
قد عرف موسى أنّ المرء إذا أنجح فى حاجة سيده ، كان يسرُّه أن يتعجّل إليه (٤).
قال: وكان حين خرجوا استعاروا حلياً وثياباً من آل فرعون ، فقال لهم هرون: ٢٢٥/١
إنّ هذه الثياب والخلْ لا تحلُّ لكم ، فاجمعوا ناراً فألقوه فيها فأحرقوه . قال :
فجمعوا ناراً . قال : وكان السامرىُّ قد نظر إلى أثر دابة جبريل، وكان
على فرس أنثى - وكان السامرى فى قوم موسى - قال: فنظر إلى أثره فقبض
منه قبضة ، فيبست عليها يده . فلما ألقى قومُ موسى الحلى فى النار، وألقى السامرى
(١) هو كما ذكر فى أول الخبر من أهل ((باجرما))، وباجرما: قرية من أعمال البليخ قرب
الرقة، من أرض الجزيرة، (ياقوت). ويقال: موضع قبل نصيبن (معجم ما استعجم). وقال الميدانى
فى شرح المثل: [ خطب يسير فى خطب كبير] أن الزباء كانت من أهل باجرما وتتكلم العربية .
(٢) الأثر: ٩٢١ - فى تاريخ الطبرى ١ : ٢١٩ - ٢٢٠.
(٣) فى المطبوعة: ((بما أمره به)).
(٤) فى المطبوعة: ((نجح))، وأنجح: أدرك طلبته وبلغ النجاح. وإن كنت أخشى أن يكون
فى الكلمة تصحيف خنى على .

٦٨
تفسير سورة البقرة : ٥١
معهم القبضة ، صَوَّر الله جل وعز ذلك لهم عحلاً ذهباً ، فدخلته الريحُ فكان
له خُوَار. فقالوا: ما هذا؟ فقال السامرىُّ الخبيث: ﴿هُذَا إِلْهَكُمْ وَإِلُهُ مُوسَى
فَسَى﴾، الآية - إلى قوله ﴿حَتّى يَرْجِحَ إلَيْنَا مُوسَى﴾ [سورة له: ٨٨ - ٩١]
قال: حتى إذا أتى موَسَى الموعدَ قال الله: ﴿مَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِك يا مُوسَى
قالَ هُمْ أُوْلاَئِى عَلَى أَثَرِى) فقرأحتى بلغ ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ﴾
[ سورة عمله: ٨٤ - ٨٦ ]
٩٢٣ - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج، عن مجاهد فى قوله: (( ◌ُثم اتخذتم العجل من بعده)). قال:
العجل : حَسِيلُ البقرة(١). قال: حلىّ استعاروه من آل فرعون ، فقال لهم
هرون : أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه . وكان السامرى أخذَ قبضة من أثر فرس
جبريل فطرحه فيه ، فانسبك ، فكان له کالجوف تهوی فیه الرياح .
٩٢٤ -حدثی المثنی بن إبراهيم قال،حدثنا آدم قال،حدثنا أبو جعفر ،عن
الربيع، عن أبى العالية قال: إنما ◌ُمىّ العِجل، لأنهم عَجِلوا فاتخذوه قبل أن
یأتیہم ◌ُمُوسی .
٩٢٥ - حدثنى محمد بن عمرو الباهلى قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنى
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، بنحو حديث القاسم عن الحسن .
٩٢٦ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد بنحوه(٢)
٠ ٥
(١) الحسيل ( يفتح فكسر): ولد البقرة.
(٢) الأثران: ٩٢٥، ٩٢٦ - فى المخطوطة ساق إسناد الأثرين جميعاً فى موضع واحد قال:
((قال حدثنا عيسى - وحدثنى المثنى بن إبراهيم، قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل - جميعاً
عن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((ثم اتخذتم العجل)) قال: العجل: حسيل البقرة ... ) ثم ساق
قص ما فى الأثر : ٩٢٤ فآثرت ترك ما فى المطبوعة على حاله .

٦٩
تفسير سورة البقرة : ٥١ ، ٥٢
تأويل قوله ﴿وَأَنْثُمُ ظْلِمُونَ ﴾ ﴾)
يعنى : وأنّمُ واضعو العبادة فى غير موضعها، لأن العبادة لا تَنبغى إلا لله
عز وجل ، وعبدتُم أنتم العجل ظلماً منكم ، ووضعاً للعبادة فى غير موضعها .
وقد دلنا - فى غير هذا الموضع مما مضى من كتابنا - أنّ أصلَ كل ظُلم، وضع
الشىء فى غير مَوْضعه. فأغنى ذلك عن إعادته فى هذا الموضع (١) .
...
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره (ثُمْ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ
ذُلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾﴾)
قال أبو جعفر: وتأويل قوله: ((ثم عفونا عنكم من بعد ذلك))، يقول : تركنا
معاجلتكم بالعقوبة، ((من بعد ذلك))، أى من بعد اتخاذكم العجل إلهاً ، كما :-
٩٢٧ -حدثیبه المثی بن إبراهيم قال ، حدثنا آدم العسقلانى قال ، حدثنا
أبو جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية: ((ثم عَفونا عنكم من بعد ذلك))، يعنى:
من بعد ما اتخذتم العجل .
٠
٠
وأما تأويل قوله: ((لعلكم تشكرون))، فإنّه يعنى به: لتشكروا. ومعنى ((لعل))
فى هذا الموضع معنى ((كى)). وقد بينتُ فيما مضى قبلُ أن أحد معانى ((لعل))
((كى ))، بما فيه الكفاية عن إعادته فى هذا الموضع (٢).
٠٠٠
فمعنى الكلام إذاً : ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلهاً ، لتشكرونى
على عفوى عنكم ، إذا كان العفوُ يوجب الشكر على أهل اللب والعقل.
(١) انظر ما مضى ١ : ٥٢٣ - ٥٢٤.
(٢) انظر ما مضى ١ : ٣٦٤ - ٣٦٥.

٧٠
تفسير سورة البقرة : ٥٣
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ وَإِذْ ،َتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَّبَ وَالْقُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((وإذا آتينا موسى الكتاب )»: واذكروا
أيضاً إذْآتينا موسى الكتاب والفُرقان. ويعنى: ((الكتاب)): التوراة، وب (الفرقان)):
الفصل بين الحق والباطل، کما : -
٩٢٨ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن
أنس، عن أبى العالية فى قوله: ((وَإِذ آتينا ◌ُمُوَسى الكتابَ والفرقان))، قال:
فَرَق به بينَ الحقّ والباطل.
٢٢٦/١ ٩٢٩ -حدثی محمد بن عمرو الباهلى قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وإذْآتينا ◌ُمُوسَى
الكتاب والفرقان))، قال: الكتاب: هو الفرقان، فرقانٌ بين الحق والباطل(١).
٩٣٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٩٣١ - وحدثنى القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى
حجاج، عن ابن جريج ، عن مجاهد، قوله: ((وإذْآتينا ◌ُمُوسَى الكتابَ
والفرقَان))، قال: الكتاب هو الفُرقان ، فرق بين الحق والباطل .
٩٣٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج قال، وقال ابن عباس: ((الفُرقان)) جمَاعُ اسم التوراة والإنجيل
والزَّبور والفُرْقَان .
وقال ابن زيد فى ذلك بما : -
٩٣٣ - حدثنى به يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب. قال ،
(١) فى المخطوطة: ((هو الفرقان بين الحق والباطل))، والذى فى المطبوعة أجود.

٧١
تفسير سورة البقرة : ٥٣
سألته - يعنى ابن زيد - عن قول الله عز وجل: ((وإذْآتينا مُوسَى الكتابَ والفرقان))
فقال: أمّا (( الفُرْقان)) الذى قال الله جل وعز: ((﴿يَوْمَ الْفَرْقَنِ يَوْمَ
الْتَقَى الْجَمْعَنِ﴾ [سورة الأنفال: ٤١]، فذلك يومُ بدر، يومَ فَرَق الله بين الحق
والباطل ، والقضاءُ الذى فرق به بين الحق والباطل . قال: فكذلك أعطى الله
موسى الفُرْقان، فرق اللّه بَيْهم، وسلَّمه وأنجاه، فرقَ بينهم بالنصر. فكما جعل
الله ذلك بين محمد صلى اللهعليهوسلم و بینالمشرکین،فكذلك جعلهبینموسى وفرعون.(١)
٠ ٠
٥
قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية ، (٢) ما روى عن ابن
عباس وأبى العالية ومجاهد: من أنّ ((الفرقان))، الذى ذكر الله أنه آتاه موسى
فى هذا الموضع، هو الكتاب الذى فرّق به بين الحق والباطل، وهو نعتٌ للتوراة وصفة لها.
فيكون تأويل الآية حينئذ : وإذ آتينا موسى التوراة التى كتبناها له
فى الألواح وَفَرَقنا بها بين الحق والباطل .
فيكون ((الكتاب)) نعتاً للتوراة أقيم مقامها، استغناء به عن ذكر التوراة ، ثم
عَطف عليه بـ ((الفرقان)) ، إذ كان من نعتها .
٠
٠
وقد بينا معنى (الكتاب)) فيما مضى من كتابنا هذا، وأنه بمعنى المكتوب. (٣)
وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالآية ، وإن كان محتملاً غيرُه من التأويل، لأن
الذى قبله من ذِكْر (الكتاب))، وأن معنى ((الفرقان)) الفصل (٤) .. وقد دلنا على ذلك
فيما مضى من كتابنا هذا(٥) -، فإلحاقُه، إذْ كان كذلك ، بصفة مَا وَليه ،
أولى من إلحاقه بصفة ما بَعُد منه .
(١) فى المطبوعة: ((بين محمد والمشركين))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((فأولى هذين التأويلين.
(٣) انظر ما مضى ١ : ٩٧ - ٩٩ .
(٤) فى المطبوعة: ((لأن الذى قبله ذكر الكتاب)) بإسقاط ((من)).
(٥) انظر ما مضى ١ : ٩٨ - ٩٩.

٧٢
تفسير سورة البقرة : ٥٣ ، ٥٤
وأما تأويل قوله: ((لعلكمْ تَهتدون)، فنظيرُ تأويل قوله: ((لعلكم تشكرون))،
ومعناه لتهتدوا (١).
وكأنه قال: واذكروا أيضاً إذ آتينا موسى التوراةَ التى تَفرُق بين الحق
والباطل لتهتدوا بها ، وتتبعوا الحق الذى فيها ، لأنى جعلتها كذلك 'هُدَى لمن
اهتدی بها ، واتَّبعما فيها .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ
◌َيُقَوْمِ إِنْكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنُْكُمْ بِالْمَذِكُمُ الْمِجْلَ فَتُوبُوا
إِلَى بَارِبِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذُلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِبِكُمْ
فَتَبَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ مُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (٦)
وتأويل ذلك : واذكرُوا أيضاً إذ قال موسى لقومه من بنى إسرائيل : يا قوم
إنكم ظلمتم أنفسكم. وظُلمهم إياها، كانَ فعلّهم بها ما لم يكن لهم أن يفعلوه بها، مما
أوجبَ لهم العقوبةَ من اللّه تعالى. وكذلك كل فاعلٍ فعلاً يستوجب به العقوبة"
من اللّه تعالى، فهو ظالمٌ لنفسه بإيجابه العقوبة لها من اللّه تعالى. وكان الفعل الذى
فعلوه فظلموا به أنفسهم، هو ما أخبر اللّه عنهم: من ارتدادهم باتخاذهم العجل
ربًّا بعد فراق موسى إياهم .
ثم أمرّهم موسى بالمراجعة من ذنبهم ، والإنابة إلى الله من رِدّتهم، بالتوبة
٢٢٧/١ إليه، والتسليم لطاعته فيما أمرهم به . وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذى ركبوه
قتْلُهم أنفسهم .
٠٠٠
وقد دللنا فيما مضى على أن معنى ((التوبة)): الأوبة مما يكرهه الله إلى مايرضاه
(١) انظر ما مضى ٢ : ٦٩.

٧٣
تفسير سورة البقرة : ٥٤
من طاعته .(١)
٥ ٥
فاستجاب القوم لما أمرهم به موسى من التوبة مما ر کبوا من ذنوبهم إلى ربهم،
على ما أمرهم به ، كما : -
٩٣٤ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة بن الحجاج ، عن أبى إسحق ، عن أبى عبد الرحمن أنه قال فى هذه الآية :
((فاقتلوا أنفسكم))، قال: عَمَدُوا إلى الخناجر فجعل يطعُن بعضُهم بعضاً .
٩٣٥ ۔ حدثتی عباس بن محمد قال ، حدثنا حجاج بن محمد ، قال ابن
جريج ، أخبرنى القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهداً قالا : قام
بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتُل بعضهم بعضاً ، لا يحنُّ رجلٌ على رجل قريب
ولا بعيد ، (٢) حتى ألْوَى موسى بثوبه، (٣) فطرَحوا ما بأيديهم ، فتكشَّف عن
سبعين ألف قتيل. وإنّ اللّه أوحى إلى موسى: أنْ حَسْبى، فقد اكتفيت !
فذلك حين ألوی بثوبه . (٤)
٩٣٦ - حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال ، حدثنا إبراهيم بن بشار قال ،
حدثنا سفيان بن عيينة قال ، قال أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال :
قال موسى لقومه: (( ◌ُوُبُوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم
فتابَ عليكمْ إنه هو التَّوّاب الرحيم)). قال: أمر موسى قومه - عن أمر ربه عز
وجل - أن يقتلوا أنفسهم ، قال : فاحتى الذين عكفوا على العجل فجلسوا ، (٥)
(١) انظر ما سلف ! : ٥٤٧.
(٢) حن عليه: عطف عليه. وفى ابن كثير ١: ١٦٩ (( لا يحنو))، وهو مثله فى المعنى.
(٣) ألوى بثوبه: لمع به وأشار. يأمرهم موسى بالكف عما هم فيه .
(٤) فى المطبوعة: ((قد اكتفيت، فذلك حين ألوى ... )). وفى المخطوطة ((بذلك))، واخترت
ما نقله ابن كثير ١ : ١٦٩ .
(٥) فى المخطوطة: ((فاختباً الذى عكفوا ... ))، وفى ابن كثير ١: ١٦٩: ((فأخبر))،
وهو خطأ محض. واحتى بثوبه: ضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ، يشده عليها ، وقد
يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب. وانظر البغوى ١: ١٦٩، فهو دال على صواب ما استظهرته فى
قراءة الكلمة .

٧٤
تفسير سورة البقرة : ٥٤
وقام الذين لم يعكفوا على العجل ، وأخذوا الخناجر بأيديهم ، وأصابتهم ظلمة
شديدةٌ ، فجعل يقتل بعضهم بعضاً ، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجْلَوْا عن
سبعين ألف قتيل، (١) كلّ من قُتل منهم كانت له توبة ، وكل من بقى كانت
له توبة .
٩٣٧ -حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى قال : لما رجع موسى إلى قومه قال: ﴿يُقَوْمِ أَمَّ يَعِدْ كُمْ
رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ إلى قَوْله ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِىُّ﴾ [سورة
له: ٨٦ - ٨٧]. فألقى موسى الألواحَ وأخذ برأس أخيه يجره إليه ﴿قَالَ يَبْنَوَمَّ
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِ وَلاَ بِرَأْسِ إِنِّى خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْت بَيْنَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ
وَلَّ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾ [سورة له: ٩٤]. فترك هرونَ ومال إلى السامرى، فقال:
﴿مَا خَطْبُكَ يا سَاِرِىُّ) إلى قوله {ثُمَّ لَنَفْسِفَنَّهُ فِى الَمِّ نَسْفَا﴾ [سورة طه: ٩٥ - ٩٧]
ثم أخذه فذبحه ، ثم حرقه بالمبرد ، (٢) ثم نرَّاہ فی اليم، فلم يبق بحر يجرى يومئذ
إلا وقع فيه شىء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا ، فمن كان يحبه
خرج على شاربيه الذهب . فذلك حين يقول: ﴿وَأَشْرِ بُوا فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِمٍ﴾
[سورة البقرة: ٩٣]. فلما ◌ُسقِط فى أيدى بنى إسرائيل حين جاء موسى، ورأوا أنهم
قد ضلوا قالوا: (الْن لم يَرَمنا رَبُّنَا وَيغفرلنا لنكونن من الخاسرين)). فأبى الله أن
يقبل توبة بنى إسرائيل، إلا بالحال التى كرهوا أن يقاتلهم حين عبدوا العجل، (٣) فقال
لهمموسی : ((یا قوم إنکم ظلمتم أنفسكم باتخاذ کمُ العجل فتوبوا إلى بارثكم فاقتلوا
أنفسكم)). قال : فصَفُوا صَفَّين، ثم اجتلدوا بالسيوف. فاجتلد الذين عبدوه
(١) أجل عن كذا : انكشف عنه .
(٢) حرق الحديد بالمبرد حرقاً، وحرقه (بتشديد الراء): برده وحك بعضه ببعض. وكذلك جاء
عن ابن إسحاق فى تاريخ الطبرى ١: ٢٢٠ قال: «سمعت بعض أهل العلم يقول: إنما كان إحراقه
محمله)). والسحل: السحق والحك بالمبرد.
(٣) فى المطبوعة :: ((أن يقاتلوهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وتاريخ الطبرى.

تفسير سورة البقرة : ٥٤
والذين لم يعبدوه بالسيوف ، فكان من قتل من الفريقين شهيداً ، حتى كثُر القتل ،
حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قُتل بينهم سبعون ألفاً، حتى دعا موسى وهرون(١):
ربَّنا هلكت بنو إسرائيل ! ربنا البقية البقية! (٢) فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب
عليهم ، فكان من قتل شهيداً ، ومن بقى كان مكفَّراً عنه . فذلك قوله: (( فتاب
عليكم إنه هو التوابُ الرحيم )). (٣)
٩٣٨ - حدثنى محمد بن عمرو الباهلى قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله تعالى: ((باتخاذكم العجل))، ٢٢٨/١
قال : كان موسى أمر قومه - عن أمر ربه - أن يقتل بعضُهم بعضاً بالخناجر،
فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده ، فتاب الله عليهم .
٩٣٩ - وحدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((باتخاذكم العجل))، قال : كانَ أمر موسى قومه
- عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضاً ، ولا يقتل الرجل أباه ولا أخاه . فبلغ
ذلك فى ساعة من نهار سبعين ألفاً . (٤)
٩٤٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع،
عن أبى العالية فى قوله: ((وإذْ قَالَ مُوسَى لقومه يَاقوم إنكم ظلمتم أنفسكم))
الآية، قال: فصاروا صَفَّين، فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فبلغ القتلى ما شاء الله .
ثم قيل لهم : قد تِيبَ على القاتل والمقتول .
٩٤١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى الليث قال ،
حدثنى عقيل ، عن ابن شهاب قال : لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها ، برزوا
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وحتى دعا موسى))، وأثبت ما فى التاريخ بحذف واو العطف
(٢) البقية: الإبقاء عليهم، يدعوان ربهما أن يبقى بقية، فلا يستأصلهم بقتل أنفسهم.
(٣) الأثر : ٩٣٧ - فى تاريخ الطبرى ١ : ٢١٩.
(٤) الأثر : ٩٣٩ - سقط هذا الأثر كله من المطبوعة .

٧٦
تفسير سورة البقرة : ٥٤
ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف، (١) وتطاعنوا بالخناجر ، وموسى رافع يديه .
حتى إذا فتر ، أتاه بعضهم فقالوا: يانبي الله، ادعُ اللّه لنا. وأخذوا بعضديه
يسندون يديه . (٢) فلم يزل أمرهم على ذلك ، حتى إذا قبل اللّه توبتهم قبض أيدى
بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح . وحزن موسى وبنو إسرائيل الذى كان من
القتل فيهم ، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: "مَا يحزنك؟ (٣) أما من قتل منكمُ، فحىّ
عندى يرزق ؛ وأما من بنى، فقد قبلت توبته! فبشّر بذلك موسى بنى إسرائيل(٤).
٩٤٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن الزهرى وقتادة فى قوله: ((فاقتلوا أنفسكم))، قال: قاموا صَفَّين يَقتل بعضهم
بعضاً ، (٥) حتى قيل لهم: كُفُّوا ! قال قتادة : كانت شهادةً للمقتول وتوبة
للحىّ .
٩٤٣ -حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسین بن داود قال ، حدثی
حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال لى عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول :
قام بعضهم إلى بعض، يقتل بعضهم بعضاً، مَا يَتراباً الرجل أخاه ولا أباه ولا ابنه
ولا أحداً، حتى نزلت التوبة .(٦)
قال ابن جريج ، وقال ابن عباس: بلغ قتلاهم سبعين ألفاً، ثم رفع الله جل
وعز عنهم القتل وتاب عليهم .
(١) فى المطبوعة: ((فتضاربوا)) وأثبت ما فى المخطوطة وابن كثير ١: ١٧٠. وتضارب الرجلان
بسيفيهما واضطربا : تجالدا بالسيف، بمعنى واحد .
(٢) فى المطبوعة: ((يشدون))، والصواب من المخطوطة وابن كثير. يريد: يسندون يديه
ومومی رافع يديه يدعو الله .
(٣) فى المطبوعة: ((لا يحزنك))، والصواب من المخطوطة وابن كثير.
(٤) فى المطبوعة وابن كثير: ((فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل)).
(٥) فى المطبوعة: ((فقتل بعضهم بعضاً))، ليست بشىء.
(٦) فى المطبوعة ((ما يتوق الرجل))، وفى المخطوطة ((ما يترانا)). ورابات فلاناً: اتقبته واتقانى.
ومن مادته: ((أربأ بك عن كذا)). أى أرفعك عنه ولا أرضاء لك. ويقال: ((ما عبأت به ولا ربأت)): أى
ما باليت به ولا حفلت. فقوله: ((ما يتراباً)) أى ما يبالى الرجل أن يقتل أخاه.

٧٧
تفسير سورة البقرة : ٥٤
قال ابن جريج : قاموا صَفّين فاقتتلوا بينهم، فجعل الله القتل لمن قتل منهم
شهادةٌ، وكانت توبةٌ لمن بقى. وكان قتلُ بعضهم بعضاً: أنّ اللّه علم أنّ ناساً
منهم علموا أن العجلَ باطل ، فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال ، فلذلك
أمر أن يقتُل بعضهم بعضاً .
٩٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال : لما رجع
موسى إلى قَوْمه - وأحرق العِجل وذَرَّاه فى اليمّ، (١) وخرج إلى ربّه بمن اختار من
قومه ، فأخذتهم الصاعقة ، ثم بعثوا - سأل موسى ربَّه التوبة لبنى إسرائيل من
عبادة العجل ، فقال : لا ، إلا أن يقتلوا أنفسهم . قال : فبلغنى أنهم قالوا لموسى:
نصبرُ لأمر الله! فأمرموسى من لم يكن عَبَد العجلَ أن يقتُلَ منَ عَبَده. فجلسوا
بالأفنية ، وأصْلتَ عليهم القوم السيوف ، (٢) فجعلوا يقتلونهم . وبكى موسى،
وَبَهِش إليه النساءُ والصبيانُ يطلبون العفو عنهم، (٣) فتابَ عليهم وعفا عنهم،
وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف . (٤)
٩٤٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد : لما رجع موسى إلى قومه وكان سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هرون العجل
لم يعبدوه ، فقال لهم موسى : انطلقوا إلى موعد ربكم . فقالوا : يا موسى، أمّاً من
توبة ؟ قال : بلى ! (( اقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتابَ عليكم ))
(١) فى صدر هذا الخبر من التاريخ ١: ٢٢٠ أن إحراق العجل: سمحله، كما مضى فى ص : ٧٤
تعليق : ٢
(٢) فى المطبوعة: ((وسلت القوم عليهم السيوف)). وأثبت ما فى تاريخ الطبري وابن كثير
١ : ١٧٠. وأصلت السيف : جرده من غيده .
(٣) بيش إليه: أقبل عليه وأسرع إليه، وتهيأ البكاء.
(٤) الأثر: ٩٤٤ - فى تاريخ الطبرى ١: ٢٢١، وابن كثير ١: ١٧٠، وفى التاريخ
وحده : ((أن يرفع عنهم السيف)).
هذا، وفى النسخة المخطوطة التى اعتمدناها، خرم من عند قوله فى هذا الأثر: ((سأل ربه التوبة
لبنى إسرائيل من عبادة)) - إلى أن يأتى قوله: ((القول فى تأويل قوله تعالى: ((ثم بعثناكم من بعد موتكم)).
وهو أول المجلد الثانى من هذه النسخة ، وتدل وثيقة الوقف التى كتبت على ظهر هذا المجلد ، أن هذه
النسخة مجزأة فى اثنين وعشرين جزءاً .

٧٨
تفسير سورة البقرة : ٥٤
الآية . فاخترطوا السيوف والجِرَزة والخناجرّ والسكاكين. (١) قال: وبعث عليهم
ضبابةً . قال : فجعلوا يتلاَ مسون بالأيدى، ويقتل بعضهم بعضاً . قال: ويلقى
الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدرى، ويتنادون فيها: رحم الله عبداً صبر نفسه حتى
٢٢٩/١ يبلغ الله رضاه. (٢) وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَافِيهِ بَلاَء
مُبِين﴾ [سورة الدخان: ٣٣]. قال: فقتلاهم شهداء، وتِيبَ على أحيائهم ،
وقرأ: ((فتابَ عليكم إنه هو التوابُ الرحيم)). (٣)
٥
فالذى ذكرنا - عمن روينا عنهُ الأخبار التى رويناها - كان توبةُ القوم
من الذنب الذى أتوه فيما بينهم وبين ربهم ، بعبادتهم العجلَ ، مع ندمهم على
ما سلفَ منهم من ذلك .
. ..
وأما معنى قوله: ((فتوبوا إلى بارئكم))، فإنه يعنى به: ارجعوا إلى طاعة خالقكم ،
وإلى ما يرضيه عنکم ، كما : -
٩٤٦ - حدثنى به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر،
عن الربيع ، عن أبى العالية: ((فتوبُوا إلى بارئكم))، أى: إلى خالقكم.
...
وهو من (بَرَأْ اللّه الخلق يبرؤه فهو بارئ)). و((البريَّة)): الخَلق. وهى ((فعيلة))
بمعنى ((مفعولة))، غير أنها لا تُهمز. كما لا يهمز (( مَلَك)) وهو من ((لأك))، لكنه
جری بترك الهمز کذلك . (٤) قال نابغة بنی ذبيان :
إلاَّ سُلَيَْنَ إذْ قَالَ الْعَلَيَكُ لَهُ: قُمْ فِى الْبَرِيَّةَ فَاحْدُدْهَا عَنِ الفَنَدِ (٥)
(١) اخترط السيف: سله. والجرزة (بكسر الجيم وفتح الزاى) جمع جرز (بضم فسكون )،
وهو عمود من الحديد ، سلاح يقاتل به .
(٢) فى المطبوعة: ((صبر حتى يبلغ)) بحذف ((نفسه)). والزيادة من ابن كثير ١ : ١٧٠
(٣) الأثر : ٩٤٥ - فى ابن كثير ١ : ١٧٠ .
( ٤) انظر ما مضى ١ : ٤٤٤ - ٤٤٧
(٥) ديوانه: ٢٩، من قصيدته التى قالها يذكر النعمان ويعتذر إليه، وقبل البيت:

٧٩
تفسير سورة البقرة : ٥٤
وقدقيل: إنّ(البرية)) إنما لم تُهمز، لأنها (فعيلة)) من ((البَرَى))، والبَرَى: التراب.
فكأن تأويله على قول من تأول كذلك : أنه مخلوقٌ من التراب .
٠٠
وقال بعضهم: إنما أخذت (البريّة)) من قولك: ((بريتُ العود)). فلذلك لم يُهمز.
٠
قال أبو جعفر: وترك الهمز من ((بارٹكم)» جائز، والإبدال منها جائز.
فإذ كان ذلك جائزاً فى ((باريكم))، فغير مستنكر أن تكون (البرية) من: (( بری
اللّه الخلق))، بترك الهمزة.
وأما قوله: ((ذلكم خيرٌ لكم عند بَارِئِكم))، فإنه يعنى بذلك: توبتُكم بقتلكم
أنفسكم ، وطاعٹُکم ربکم ، خیر لکم عند بارٹکم، لأنكم تنجون بذلك من عقاب
الله فى الآخرة على ذنبكم، وتستوجبون به الثواب منه .
٠٠٠
وقوله: (( فتاب عليكم))، أى: بما فعلتم مما أمركم به من قتل بعضكم بعضاً .
وهذا من المحذوف الذي استغنى بالظاهر منه عن المتروك . لأن معنى الكلام :
فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ، ذلكم خير لكم عند بارئكم ، فتُبتم، فتاب عليكم.
فترك ذكر قوله: ((فتبتم)، إذْ كان فى قوله: ((فتاب عليكم)) دلالةٌ بينة على اقتضاء
الكلام (فتتم )) .
٠
ويعنى بقوله: (فتاب عليكم))، رجعَ لكم ربكم إلى ما أحبيتم : من العفو عن
ذنوبكم وعظيم ماركبتم، والصفح عن جرمكم، «إنه هو التواب الرحيم)) يعنى:
الراجعُ لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه.
ويعنى : ((الرحيم))، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته .
وَلَا أُحَشِى مِنِ الأقْوامِ مِنْ أَحَدٍ
وَلَا أَرَى فَعِلاً فِىِ النَّاسِ يَشْبِهُهُ
حددت فلان عن الشر : منعته وحبسته . والفند : الخطأ فى الرأى وفى القول.

٨٠
تفسير سورة البقرة : ٥٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يُوسَىْ لَنْ نُؤْمِنَ لَكْ حَتَّى
فَرَى اللهَ جَهْرَةٌ ﴾
قال أبو جعفر: وتأويل ذلك : واذكروا أيضاً إذ قلتم ياٍُسِى لن نصدّقُك
ولن نُقِرَّ بما جئتنا به، حتى نرى الله جهرة - عِياناً برفع الساتر بيننا وبينه، وكشف
الغطاء دوننا وُدُونه، حتى ننظر إليه بأبصارنا، كما تُجهرَ الرَّكيَّةُ . وذلك إذا كان
ماؤها قد غطّاهُ الطين، فنُقِّى ما قد غطاه حتى ظهرَ الماء وَصفًا. يقال منه: (١)
«قد جهرت الر کیة أُجهرُها جهراً وجهرة)» . (٢) ولذلك قيل: « قد جاهر فلان بهذا
الأمر ◌ُجاهَرَة وجهاراً)، (٣) إذا أظهره لرأى العين وأعلنه، كما قال الفرزدق بن
غالب :
مِنَ اللَّئِ يَظَلُّ الألفُ مِنْهُ مُنِيخَاً مِنْ مَخَافَتِهِ جِهَارًا (٤)
(١) هذا نص كلام الأخفش (اللسان جهر). وفى المطبوعة ((فنى ما قد غطاء))، ولا بأس
بها ، ولكنى أثبت ما فى اللسان .
(٢) قوله ((وجهرة))، مصدر لم أجده فى اللسان ولا فى غيره.
(٣) فى المطبوعة: ((جهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهاراً))، وليس حسناً أن يقال كذلك. فإن
((مجاهرة)) لا تكون مصدر ((جهر)) ألبتة، وإن جاز أن يكون ((جهار)) مصدراً له كما فى اللسان:
(جهر بكلامه يجهر جهراً وجهاراً)). فمن أجل ذلك آثرت أن أضع مكان ((جهر)) ((جاهر)»، حتى
يستقيم على الجمادة.
(٤) ديوانه: ٤٤٣، والنقائض: ٢٥٥، يهجو جريراً، وقبل البيت:
عَوَى، فأثَرَ أَغْلَبَ صَيْفَيِيًّا فَوَيْلَ ابنِ المَرَاغَةِ! مَا اسْتَثَارًا؟
وقوله ((عوى)) يعنى جريراً. وقوله ((من اللائى))، أصله: من اللائين. و((اللاون)) جمع ((الذى))
من غير لفظه، بمعنى ((الذين)). وفيه لغات: اللاؤون، فى الرفع، واللائين، فى الخفض والنصب.
واللاؤو، بلا فون، واللانى ، بإثبات الياء فى كل حال . يستوى فيه الرجال والنساء ، ومنه قول عباد بن
طهفة، وهو أبو الربيس ، شاعر أموى :
مِنَ النَّغَرِ اللائى الَّذِينَ إِذَا هُمُ يَهَبُ الَّامُ خَلْقَةَ الْبَابِ قَنْقَعُوا
وأجاز أبو الربيس أن يجمع بين ((اللائى)) و((الذين))، لاختلاف اللفظين، أو على إلغاء أحدهما.