النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
تفسير سورة البقرة : ٤٩
وقال السدى : جعلهم فى الأعمال القذرة ، وجعلَ يقتل أبناءهم ويستحبى
نساءهم :
٨٩٠ -حدثی بذلك موسی بنهرون قال، حدثناعمرو بنحماد قال، حدثنا
أسباط ، عن السدى(١).
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يُذَّجُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآ ءَكُمْ)
قال أبو جعفر : وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون بينى
إسرائيل = منْ سَوْمهم إياهم ◌ُسوء العذاب، وذَ بجهم أبناء هم، واستحيائهم
نساء هم = إليهم ، دون فرعون - وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كانَ بقوّة
فرعون، وعن أمره - لمباشرتهم ذلك بأنفسهم. فبيِّنٌ بذلك أنّ كل مباشرٍ قَتلَ
نفس أو تعذيبَ حَىّ بنفسه، وإن كان عن أمْر غيره ، ففاعله المتولّى ذلك هو
المستحقُّ إضافةَ ذلك إليه ، وإن كان الآمر قاهراً الفاعلَ المأمورَ بذلك - سلطاناً
كان الآمرُ، أو لصًّا خارباً، أو متغلباً فاجراً (٢). كما أضاف جلّ ثناؤه ذَبْح
أبناء بنى إسرائيل واستحياء نسائهم، إلى آل فرعون دون فرعون ، وإن كانوا
بقوة فرعون وأمرِه إياهم بذلك، فعلوا ما فعلوا ، مَعَ غلبته إياهم وقهره لهم . فكذلك
كل قاتلٍ نفساً بأمر غيره ظلماً ، فهو المقتولُ عندنا به قِصَاصاً، وإن كان قتله
[ ياَ ها بإكراه غيره له على قتله (٣).
(١) الأثر: ٨٩٠ - من خبر طويل فى تاريخ الطبرى ١: ٢٠٠، وانظر ما سيأتى رقم: ٨٩٥ .
(٢) الخارب: اللص الشديد الفساد، من قولهم: فلان صاحب خربة (بضم فسكون) أى فساد
وريبة ، ومنه الخارب : من شدائد الدهر. وأما أصحاب اللغة فيقولون : الخارب: سارق الإبل خاصة ،
ثم نقل إلى غيره من اللصوص اتساعاً .
(٣) فى المطبوعة: ((وإن كان قتله إياه))، وهو تصرف لا خير فيه.

٤٢
تفسير سورة البقرة : ٤٩
وأما تأويل ذبحهم أبناء بنى إسرائيل واستحيائهم نساءهم (١) ، فإنه كان فيا
ذُ کر لنا عن ابن عباس وغيره ، کالذی : -
٨٩١ - حدثنا به العباس بن الوليد الآملى، وتميم المنتصر الواسطى قالا، حدثنا
يزيد بن هرون قال، أخبرنا الأصبغ بن زيد [ الجهنى] قال، حدثنا القاسم ابن
أبی أیوب قال، حدثنا سعيد بن جبير ،عن ابن عباس قال: تذاكر فرعون وجلساؤه
ما كان اللّه وعدَ إبراهيم خليله -: أن يجعل فى ذرّيته أنبياء وملوكاً ؛ وائتمروا
وأجمعوا أمرَهم على أن يبعثَ رجالاً معهم الشِّفَارَ (٢) ، يطوفون فى بنى إسرائيل ،
فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا "ذبحوه. ففلعوا . فلما رأوا أنّ الكبار" من بنى إسرائيل
يموتون بآجالهم ، وأن الصغار يذبحون ، قال : توشيكون أن تفنوا بنى إسرائيل ،
فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يَكفُونكم ! فاقتلوا عاماً كل
مولود ذكر ، فتقلّ أبناؤهم؛ ودعوا عاماً . فحملتْ أم موسى بهارونَ فى العام
الذى لا يُذْبحَ فيه الغلمانَ ، فولدته علانية آمنة ، حتى إذا كان القابل حملتْ
بموسى (٣).
٨٩٢ - وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرَّمادى
(١) فى المطبوعة: ((ذبح))، مكان (ذبحهم))، وسقط من المخطوطة قوله: ((أبناء».
(٢) الشفار جمع شفرة: وهى السكين العريضة العظيمة الحديدة، تمتهن فى قطع اللحم وغيره.
(٣) الأثر: ٨٩١ - هذا موقوف، وإسناده صحيح إلى ابن عباس. أما صحة المتن، فلا نستطيع
أن نجزم بها ، لعله مما كان يتحدث به الصحابة عن التاريخ القديم نقلا عن أهل الكتاب .
العباس بن الوليد بن مزيد الآملى البيروق : ثقة، مترجم فى التهذيب ، وترجمه ابن أبى حاتم ١/٣/
٢١٤ - ٢١٥. وتميم بن المنتصر بن تميم الواسطى: ثقة، مترجم فى التهذيب، وترجمه ابن أبى حاتم
٤٤٤/١/١-٤٤٥. والأصبغ بن زيد بن على الجهنى الواسطى الوراق : ثقة ، وثقه ابن معين وغيره،
مترجم فى التهذيب، وترجمه البخارى فى الكبير ٢/١/ ٣٦، وابن أبى حاتم ٣٢٠/١/١ - ٣٢١.
القاسم بن أبى أيوب الأسدى الواسطى: ثقة، مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٤ /١٦٨/١ - ١٦٩،
وابن أبى حاتم ١٠٧/٢/٣. ووقع فى المطبوعة هنا ((القاسم بن أيوب))، وهو خطأ.
وهو فى تاريخ الطبرى بتمامه ١: ٢٠٢، مع اختلاف يسير فى اللفظ . وفى المخطوطة فى هذا الموضع
أخطاء من الناسخ تجافينا عن ذكرها. وفى المطبوعة والمخطوطة: ((فولدته علانية أ.ه))، والصواب من
التاريخ .

٤٣
تفسير سورة البقرة : ٤٩
قال، حدثنا سفيان بنعيينة قال ، حدثنا أبو سعيد ، عنعكرمة ، عن ابن عباس
قال : قالت الكهنة لفرعون : إنه يولد فى هذا العام مولود يذهبُ بملكك، قال :
فجعل فرعونُ على كل ألف امرأة مؤ" رجل ، وعلى كل مئة عشرة ، وعلى كل
عشرة رجلا ، فقال: انظروا كلّ امرأة حاملٍ فى المدينة، فإذا وضعت حَمْلها ٢١٥/١
فانظروا إليه ، فإن كان ذكراً فاذبحوه ، وإن كان أنثى فخلُّوا عنها . وذلك قوله :
((يذَّ بجون أبناءكم ويستحيونَ نساء كمُ وفى ذلكم بلاءً من ربكم عظيم)(١).
٨٩٣ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ،
عن الربيع، عن أبى العالية فى قوله: ((وإذ نجَّنا كمْ منْ آل فرعونَ يَسوُمُونكم
◌ُسُوءَ العذاب))، قال : إن فرعون ملكهم أربعمئة سنة ، فقالت الكهنة إنه
سيولد العامَ بمصر غلامٌ يكون هلاكُكَ على يديه. فبعث فى أهل مصر نساءً
قَوابل(٢)، فإذا ولدت امرأةٌ غلاماً، أتى به فرعون فقتله ، ويستحي الجوارى.
٨٩٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق بن الحجاج قال ، حدثنا عبد الله
ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، فى قوله: ((وإذْ نجَّيناكم من
آل فرعون) الآية، قال: إن فرعون ملكهم أربعمئة سنة ، وإنه أتاه آتٍ
فقال : إنه سينشأ فى مصر غلامٌ من بنى إسرائيل، فيظهرُ عليك ، ويكون هلاكُك
على يديه . فبعث فى مصر نساء . فذكر نحو حديث آدم .
٨٩٥ ۔۔ وحدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بنحماد قال ، حدثنا
(١) الأثر: ٨٩٢ - وهذا كالذى قبله، موقوف، إسناده إلى ابن عباس صحيح. وقد رواه
الطبرى بهذا الإسناد، فى التاريخ أيضاً ١: ٢٢٥.
عبد الكريم بن الهيثم بن زياد القطان: ثقة مأمون، مات سنة ٢٧٨ . ترجمه الخطيب فى تاريخ
بغداد ١١ : ٧٨ - ٧٩، وياقوت فى معجم الأدباء ٤: ١٥٤. إبرهيم بن بشار الرمادى: ثقة، يهم
فى الشىء بعد الشىء. مترجم فى التهذيب، وفى الكبير ٢٧٧/١/١، وابن أبى حاتم ١ / ٨٩/١ - ٠٩٠
أبو سعيد - الراوى عن عكرمة : هو عبد الكريم بن مالك الجزرى .
ولم أجد الأثر فى مكانه من تاريخ الطبرى .
(٢) قوابل جمع قابلة: وهى المرأة التى تتلقى الولد عند الولادة.

٤٤
تفسير سورة البقرة : ٤٩
أسباط بن نصر ، عن السدى ، قال : كان من شأن فرعون أنه رأى فى مَنامه
أنّ ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط
وتركت بنى إسرائيل، وأخربت بيوت مصر. فدعا السِّحَرة والكهنة والعافية والقافة
والحازة فسألهم عن رؤياه(١)، فقالوا له: يخرجُ من هذا البلد الذى جاء بنو إسرائيل
منه - یعنون بيت المقدس - رجل يكون على وجهه هلاك مصر. فأمر ببنى إسرائيل
أن لا يولد لهم غلام إلاّ ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تُركت، وقال للقبط:
انظروا تمْلوكيكم الذين يعملون خارجاً فأدخلوهم، واجعلوا بنى إسرائيلَ يلُون تلك
الأعمال القذرة . فجعل بنى إسرائيل فى أعمال غلمانهم ، وأدخلوا غلمانهم . فذلك
حين يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ فِرْ عَوْنَ عَلَاَ فِىِ الْأَرْضِ) - يقول: تجبَّر فى
الأرض - ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعاً ﴾ - يعنى بنىإسرائيل ، حین جعلهم فى الأعمال
القذرة - ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءُهُمْ﴾ [سورة القصص:٤]. فجعل
لاَ يُولِدُ لبنى إسرائيل مولودٌ إلاّ ◌ُذبح، فلا يكبر الصغير. وَقذف اللّهُ فى
مشيخة بنى إسرائيل الموتَ ، فأسرع فيهم . فدخل رؤوس القبط على فرعون
فكلموه ، فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت ، فيوشك أن يقع العمل على
غلماننا ! نذبح أبناءهم، فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار!(٢) فلو أنك كنت ◌ُبيقى
من أولادهم! فأمر أن يذَبجوا سنة ويتركوا سنة . فلما كان فى السنة التى لا يذبحون
(١) الكهنة جمع كاهن: وهو الذى يتعاطى الخبر عن الكائنات فى مستقبل الزمان. والعافة جمع
عائف: وهو الذى يتعاطى العيافة، وهو تكهن كان فى الجاهلية، ذكروا أنها زجر الطير والتفاؤل
بأسمائها وأصواتها . وفى السان ( حزا): العائف: العالم بالأمور، ولا يستعاف إلا من على وجرب وعرف.
فلعل الذى وصفه أصحاب كتب اللغة إنما هو ضرب واحد من ضروب العيافة. والقافة جمع قائف: وهو
الذى يتبع الآثار ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، وليست من السحر والكهانة ولا الجبت .
ولعل زيادة ذكرها هنا زيادة من النساخ، فإن الذى جاء فى رواية التاريخ: ((القافة))، ولم يذكر
(العافة))، فلعل الذى فى التاريخ تصحيف صوابه ((العافة))، والجازة جمع حاز، والحجازى: هو الذى
ينظر فى النجوم وأحكامها بظنه وتقديره ، فربما أصاب، وهو الجزاء (بتشديد الزاى).
(٢) فى المطبوعة: ((بذبح أبنائهم))، والصواب من التاريخ .. ..

٤٥
تفسير سورة البقرة : ٤٩
فيها، وُلُدَ هارون فترك. فلما كان فى السنة التى يذبحون فيها ، حملت بموسى (١).
٨٩٦ - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال: 'ذكر
لى أنه لما تقارب زمان موسى، أتى منجِّمُو فرعون وحُزاته إليه (٢)، فقالوا له: تَعلَّم
أنَّا نجد فى علمنا أن مولوداً من بنى إسرائيل قد أظلّك زمانه الذی یولد فيه(٣)،
يسلُبك ملكك، ويغلبك على سلطانك ، ويخرُجُك من أرْضك ، ويبدّلُ دينك .
فلما قالوا له ذلك ، أمر بقتل كل مولود يُولد من بنى إسرائيل من الغلمان، وأمرَ
بالنساء يُستحيَيْن. فجمع القوابل من نساء [أهل] مملكته، فقال لهن: لا يسقطنَّ
على أيديكُنَ" غلام من بنى إسرائيل إلا قتلتُنَّه . فكنّ يفعلن ذلك . وکان یذبحُ
مَنْ فَوقَ ذلك من الغلمان، ويأمُر بالحبالى فيعذّ بنَ حَتى يطرَحنَ ما فى بطونهن(٤)
٨٩٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق، عن ٢١٦/١
عبد الله بن أبى نجيح ، عن مجاهد قال: لقد ذكر [لى] أنه كان ليأمُر بالقصب
فيُشقّ حتى يُجعل أمثالَ الشَّفار، ثم يُصَفُّ بعضُه إلى بعض، ثم يأتى بالحبالى
من بنى إسرائيل فيوقفهنّ عليه(٥)، فيحزّ أقدامهن. حتى إن المرأة منهن لتمصَع
بولدها فيقع من بين رجليها(٦)، فتظل تطؤه تتَّقى به حَدَّ القصب عن رجلها ،
لما بلغ من جهدِها ، حتى أسرْق فى ذلك وكاد يُفنيهم. فقيل له: أفنيت الناس
(١) الأثر: ٨٩٥ - فى تاريخ الطبرى ١: ٢٠٠، وإسناده هناك هو الإسناد الذى يدور فى
فى التفسير وتمامه: (( ... عن السدى فى خبره عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس - وعن
مرة الهمدانى، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... )).
(٢) فى المطبوعة: ((فرعون وأحزابه))، وهو خطأ محض، صوابه فى المخطوطة وتاريخ الطبرى.
والحزاة جمع حاز أيضاً، كقاض وقضاة. والحازى: سلف شرحه فى ص: ٤٤، تعليق : ٢.
(٣) فى المطبوعة: ((نعم، إنا نجد فى علمنا)»، وهو خطأ معرق. وتعلم (بتشديد اللام):
بمعنى: اعلم، وهى فاشية فى سيرة ابن إسحق وغيره. وانظر تعليقنا فيما مضى ١: ٢١٧. وأظلك: صار
كالظل ، أى قارب ودنا دفواً شديداً .
(٤) الأثر : ٨٩٦ - فى تاريخ الطبرى ١: ١٩٩، والزيادة بين القوسين، والتصحيح منه.
(٥) فى المطبوعة: ((ثم يؤتى ... فيوقفن))، بالبناء للمجهول. وذاك نص التاريخ والمخطوطة.
(٦) مصعت المرأة بولدها: زحرت زحرة واحدة فرمته من بطنها وألقته.

٤٦
تفسير سورة البقرة : ٤٩
وقطعتَ النسل! وإنهم خوَلَك وُمَّالك! فأمر أن يُقتل الغلمانُ عاماً ويُستحيَوَا
عاماً. فُوُلِد هارون فى السَّنة التى يستحيّى فيها الغلمان، وولدُوسى فى السنة التى
فيها يُقتلون(١)
...
قال أبو جعفر : والذى قاله من ذكرنا قوله من أهل العلم : كان ذبحُ
آل فرعون أبناءَ بنى إسرائيل واستحياؤهم نساءهم(٢)، فتأويل قوله إذاً - على
ما تأوله الذين ذكرنا قولهم -: (ويستحيونَ" نساءكم))، يستبقونهن فلا يقتلونهن.
وقد يجبُ - على تأويل من قال بالقول الذى ذكرنا عن ابن عباس وأبى العالية
والربيع بن أنس والسدى فى تأويل قوله: ((وَيَستحيون نساء كم))، أنه تركُهمُ
الإناثَ من القتل عند ولادتهنّ إياهن - أن يكون جائزاً أن يُسمَّى الطفلُ من
الإناث فى حال صباها وبعد ولادها: ((امرأة ))(٣) ، والصبايا الصغارُ وهنّ أطفال:
(نساء)). لأنهم تأولوا قولالله عز وجل: (( ویستحیون نساءكم))، یستبقون الإناث من
الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن .
وقد أنكر ذلك من قوليهم ابنُ جريج، فقال بما :-
٨٩٨ - حدثنا به القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين بن داود قال ،
حدثنى حجاج، عن ابن جريج قوله: ((ويستحيون نساءكم)) قال: يَسترِقُون
نساء كم .
(١) الأثر : ٨٩٧ - فى تاريخ الطبرى ١ : ١٩٩ - ٢٠٠.
(٢) هذه بجملة سقط منها خبر ((كان))، وهى هكذا فى الأصول، وأظن أن صوابها: كان ذبح
آل فرعون أبناء بنى إسرائيل واستحياؤه نساهم، أن فرعون أمر، بقتل كل مولود يولد من أبناء بنى إسرائيل،
وباستحياء نسائهم)، كما فى الأثرين: ٨٩١، ٨٩٦، فكأن سطراً سقط من الناسخ .
(٣) فى المطبوعة: ((الطفلة من الإناث). والعرب تقول: جارية طفل وطفلة، وجاريتان
طفل، وجوار طفل، قال تعالى: ((ثُمّ يُخْرِ جُكُمْ طِفْلاً))،وقال: ((أُوِ الطَّفْلِ الّذِينَ
لمَ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النَّماءِ ».

٤٧
تفسير سورة البقرة : ٤٩
فحادّ ابن جريج ، بقوله هذا ، عما قاله من ذ کرنا قوله فى قوله: (( ويستحيون
نساءكم)): إنه استحياء الصَّبايا الأطفال، إذ لم يجدهُنَّ يلزمُهن اسم ((نساء))(١)،
ثم دخل فيما هو أعظمُ مما أنكر، بتأويله ((ويستحيون))، يسترٍقُّون. وذلك تأويلٌ
غير موجود فى لغة عربية ولا أعجمية(٢). وذلك أن (الاستحياء))، استفعال، من
الحياة(٣)، نظيرُ ((الاستبقاء)) من ((البقاء))، و((الاستسقاء)) من ((السفى)). وهو
من معنى الاسترقاق بمعزل .
٥
وقد تأوّلَ آخرون قوله (٤): (ُيُذبّحون أبناء كم))، بمعنى، يذبّحون رجالكم
آباءَ أبنائكم، وأنكروا أن يكون المذبوحون الأطفال ، وقد قرَن بهم النساء.
فقالوا : فى إخبار الله جل ثناؤه أنّ المستحيَيْن هم النساء، الدلالةُ الواضحةُ على
أن الذين كانوا يُذبَّحون هم الرجال دون الصبيان، لأن المذبَّحين لوكانوا هم الأطفال،
لوجب أن يكون المستحيَوْن هم الصبايا . قالوا : وفى إخبار اللّه تعالى ذكره أنهم
النساء ، ما بيَّن أن المذبَّحين هم الرّجال(٥) .
قال أبو جعفر: وقد أَغْفَل قائلو هذه المقالة - مع خروجهم من تأويل
أهل التأويل من الصحابة والتابعين - موضعَ الصواب. وذلك أن اللّه جل ثناؤه
قد أخبر عن وَحيه إلى أمّ موسى أنه أمرَها أن تُرضع موسى ، فإذا خافت عليه
أن تُلْقيه فى التابوت، ثم تلقيه فى اليمّ . فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنما كانوا
يقتلون الرجال ويتركون النساء ، لم يكن بأمّ موسى حاجةٌ إلى إلقاء موسى فى اليم ؛
أو لو أنّ موسى كان رجلا لم تجعله أمه فى التابوت .
(١) فى المطبوعة: (قال: إذا لم يجدهن)) بزيادة ((قال))، وهو فساد.
(٢) فى المطبوعة: ((عجمية)).
(٣) فى المطبوعة: ((إنما هو الاستفعال من الحياة))، وليس بشىء.
(٤) فى المطبوعة: ((وقد قال آخرون ... ))، وليست بشىء.
(٥) فى المطبوعة: ((ما يبين أن المذبحين ... ).

٤٨
تفسير سورة البقرة : ٤٩
ولكنّ ذلك عندنا على ما تأوله ابن عباس ومن حكينا قَوْله قبلُ: من ذبْح
آل فرعون الصِّبيانَ وتركهم من القتل الصَّبايا. وإنما قيل: ((ويستحيون نساء كم))،
إذا كان الصَّبايا داخلات مع أمهاتهن - وأمهاتهن لا شك نساء - فى الاستحياء،
لأنهم لم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبارهن، فقيل: ((ويستحيون نساء كم)) ،
٢١٧/١ يعنى بذلك الوالداتِ والمولودات، كما يقال: ((قد أقبلَ الرجال))، وإن كان
فيهم صبيان . فكذلك قوله: ((ويستحيون نساءكم)). وأما من الذكور ، فإنه
لما لم يكنُ يذبح إلا المولودون، قيل: ((يذبحون أبناء كم))، ولم يقل: يذبحون
رجالكم .
٥
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَفِ ذَلِكُمْ بَّهُ مِنْ رَبَّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٦)
أما قوله: ((وفى ذلكُم بَلاءٌ من رَبَكم عَظيمٌ))، فإنه يعنى: وفى الذى
فعلنا بكم، من إنجاثنا كم(١) - مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم ، على
ما وصفتُ - بلاءٌ لكم من ربكم عظيم .
٥٠٠
ويعنى بقوله ((بلاء)): نعمةٌ ، كما :-
٨٩٩ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس، قوله: ((بلاءٌ
من ربكم عظيم )) ، قال : نعمةٌ.
٩٠٠ - وحدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى فى قوله: ((وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم))، أما البلاء فالنعمة.
(١) فى المطبوعة: ((من إنجائنا إياكم))، بدلوه ليجرى على دارج كلامهم

٤٩
تفسير سورة البقرة : ٤٩
٩٠١ - وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن رجل ، عن
مجاهد: ((وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم))، قال: نعمةٌ من ربكم عظيمة .
٩٠٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثل حديث ◌ُسفيان .
٩٠٣ - حدثنى القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((وفى ذلكم من ربكم عظيم))، قال: نعمة عظيمة (١).
٠٠
وأصل ((البَلاء)) - فى كلام العرب - الاختبارُ والامتحان، ثم يستعمل
فى الخير والشر . لأن الامتحان والاختبار قد یکون بالخیر کما یکون بالشر ، كما
قال ربُّنا جل ثناؤه: ﴿وَبَوْنَهُمْ بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِسُونَ﴾
[سورة الأعراف: ١٦٨]، يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره: ﴿وَ نَبْلُوَّكُمْ
بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [سورة الأنبياء: ٣٥]. ثم تسمَى العربُ الخيرَ (بلاءً)) والشر
((بلاءً). غير أن الأكثر فى الشر أن يقال: ((بلوته أبلوه "بَلاءً))، وفى الخير:
((أبلیْتُه أبلِیه إبلاءً وبلاءً؛ ، ومن ذلك قول زهير بن أبى سلمی :
وَأَبْلَهُمَا خَيْرَ البَلَاءِ الَّذِى يَبْلُو(٢)
جَزَی الله بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ
فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النّعم التى يختبرُ بها عبادَه.
(١) الأثر: ٩٠٣ - مقدم فى المخطوطة على الذى قبله.
(٢) ديوانه: ١٠٩، وروايته ((رأى الله ... فأبلاهما)). وهذا بيت من قصيدة من جيد شعر
زهير وخالصه .
ج ٢ (٤ )

٥٠
تفسير سورة البقرة : ٥٠
القول فى تأويل قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾
أما تأويلُ قوله: ((وإذ فرقنا بكم))، فإنه عطفٌ على ((وإذ نجَّيْناكم))،
بمعنى: واذكروا نعمتى التى أنعمتُ عليكم، واذكروا إذ نجَّينا كم من آل فرعون،
وإذ فرَقنا بكم البحر .
ومعنى قوله: (فَرَقنا بكم))، فَصَلنا بكم البحر. لأنهم كانوا اثنى عشر سِبْطاً؛
ففرَقَ البحرَ اثنى عشر طريقاً، فسلك كل سِبْط منهم طريقاً منها . فذلك فَرْقُ
اللّه بهم عز وجلّ البحر" وفصلُه بهم، بتفريقهم فى طرُقه الاثنى عشر،
کا ۔۔
٩٠٤ - حدثیموسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط بن نصر، عن السدى: لما أتى موسى البحر كَنَّه ((أبا خالد»، وضربَه فانفلق،
فكان كل فِرْق كالطَّوْد العظيم، فدخلت بنوإسرائيل . وكان فى البحر اثنا عشر
طريقاً ، فى كل طريق سِبْط (١).
٠
وقد قال بعض نحوبى البصرة: معنى قوله: ((وإذْ فرقنا بكم البحر))، فرَقْنا
بينكم وبين الماء. يريد بذلك: فَصَلنا بينكم وبينه ، وحجزناه حيث مَرَرَّتم به .
وذلك خلاف ما فى ظاهر التلاوة، (٢) لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فَرَق
البحرّ بالقوم ، ولم يحبر أنه فرّق بين القوم وبين البحر ، فيكونَ التأويلُ ما قاله
قائلو هذه المقالة . وفرقُه البحر بالقوم، إنما هو تفريقه البحر بهم ، على ما وصفنا
من افتراق سبیله بهم ، على ما جاءت به الآثار
...
(١) الأثر ٩٠٤ - من خبر طويل فى تاريخ الطبرى، وهذه الفقرة منه فى ١ : ٢١٤، وانظر
أيضاً رقم ٩١٠
(٢) انظر تفسير ((الظاهر)) فيما مضى: ٢: ١٥، والمراجع

٥١
تفسير سورة البقرة : ٥٠
القول فى تأويل قوله ﴿فَأَنْجَيْنَكُمْ وَأَغْرَقْنََّ ،الَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ ٢١٨/١
تَنْظُرُونَ﴾ @
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل وکیف غرق الله جل ثناؤه آلَ فرعون ونجِّی
بى إسرائيل ؟
قبل له ، كما : -
٩٠٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن كعب القرظى، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: لقد ذكر لى أنه خرج
فرعونُ فى طلب موسى على سبعين ألفاً من دُهْ الخيل ، سوى ما فى جنده من
مُشُهْب الخيل. (١) وخرج موسى، حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه مُنصرف،
طلع فرعونُ فى جنده من خلفهم. ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَنِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى
إِنَّالمُدْرَ كُون، قَالَ) - موسى - ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ) [سورة
الشعراء: ٦٢،٦١] أى للنجاة، وقد وعدنى ذلك، ولا خُلف لوْعده. (٢)
٩٠٦ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق قال :
أوحى الله إلى البحر فيما ذ کرلی : إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات
البحر يضرب بعضه بعضاً فَرَقاً من الله وانتظاره أمره. (٣) فأوحى الله عز وجل
إلى موسى أنِ اضْرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سلطان اللّه الذى أعطاه،
فانفلق فكانَ كل فِرْق كالطَّوْد العظيم، أى كالجبل على نشرٍ من الأرض(٤).
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((من شية الخيل))، وشية الفرس: لونه، فكان الأجود أن يقول:
((من شيات الخيل)). وفى التاريخ. ((من شهب الخيل))، كما أثبتناه. والشهب جمع أشهب، والشهبة فى
ألوان الخيل: أن تشق معظم لونه شعرة أو شعرات بيض ، كميتاً كان الفرس أو أشقر أو أدهم.
(٢) الأثر: ٩٠٥ - فى تاريخ الطبرى ١: ٢١٧، وفيه ((ولا خلف لمرعوده)). والموعود
كالوعد ، وهو من المصادر التى جاءت على مفعول .
(٣) فى المطبوعة: ((فشاب البحر ... ))، وهو تصحيف، والصواب فى المخطوطة والتاريخ.
وفى المطبوعة: ((وانتظار أمره))، وفى التاريخ ((وانتظاراً لأمره))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو جيد.
(٤) فى المطبوعة: ((على يبس من الأرض))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ. والنشر: المتن
المرتفع من الأرض - أو ما ارتفع عن الوادى إلى الأرض، وليس بالغليظ .

٥٢
تفسير سورة البقرة : ٥٠
يقول الله لموسى: ﴿فَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقً فى الْبَحْرِ يَبَسَلاَ تَخَافُ دَرَكَاً وَلاَ تَخْشَى﴾
[سورة له: ٧٧]. فلما استقرلهُ البحر على طريق قائمة "يَبَسٍ، (١) سلك فيه
موسى ببنى إسرائيل وأتْبَعه فرعون بجنوده. (٢)
٩٠٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن إسحق ،
عن محمد بن كعب القرظى، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد الليثى قال: 'ُحدّثت
أنه لما دخلت بنو إسرائيل البحر فلم يبق منهم أحد ، أقبلَ فرعون وهو على حِصَان
له من الخيل، حتى وقف على تشفير البحر، وهو قائم على حاله ، فهاب الحصان
أن ينفذ. (٣) فعرض له جبريل على فرس أنثى وَدِيقٍ، (٤) فقرَّبَها منه، فشمها
الفحل، فلما شمَّها قَدَّمها، (٥) فتقدّم معها الحصان عليه فرعون. فلما رأىُ جُندُ
فرعون فرعون قد دخل ، دخلوا معه وجبر یل أمامه، وهم يتبعون فرعون ، ومیکائيل
على فرَس من خلف القوم يسوقهم، يقول: ((الحقُوا بصاحبكم)). حتى إذا فَصّل
جبريلُ من البحر ليس أمامه أحد ، ووقف میکائیل علی ناحیته الأخرى ، وليس
حلفه أحد ، طبَّق عليهم البحرُ ، ونادى فرعون - حين رأى من سلطان الله
عز وجل وُقُدرته ما رأى، وعرف ◌ُذُلَّه، وخذَلته نفسه (٦) -: ﴿لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِى
آَمَّنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَ مِنَ الْمُسْلِينَ﴾(٢) [سورة يونس
(١) فى المطبوعة: ((فلما استقر لهم ... )).
(٢) الأثر: ٩٠٦ - فى تاريخ الطبرى ١ : ٢١٧.
(٣) هكذا فى المخطوطة والمطبوعة (أن ينفذ))، وفى التاريخ: ((أن يتقدم))، وكأنها الصواب،
والآخر تحريف ، سقط الميم من آخره .
(٤) فرس وديق : مريدة الفحل تشتهيه.
(٥) فى المطبوعة: ((فلما شمها تبعها))، وهو خطأ وخلط. والصواب ما فى المخطوطة والتاريخ.
وقوله: ((قدمها)) أى زجرها، بقولهم الفرس: ((أقدم)) أى امضى قدماً إلى أمام.
(٦) فى المطبوعة وحدها: ((ذلته)).
(٧) الأثر: ٩٠٧ - فى تاريخ الطبرى ١: ٢١٧. وفى المطبوعة: ((آمنت أنه لا إله
إلا الذى ... )) وفى التاريخ: ((نادى أن لا إله إلا الذى .. )). وأثبت ما فى المخطوطة.

تفسير سورة البقرة : ٥٠
٩٠٨ - حدثنا الحسن بن یحیی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا معمر ،عن
أبى إسمق الهمدانى، عن عمرو بن ميمون الأودى فى قوله: ((وإذ فَرَقنا بكم البحرّ
فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعونَ وأنتم تَنظُرُون))، قال: لما خرج موسى ببنى إسرائيل،
بلغَ ذلك فرعونَ فقال: لا تتبعوهم حتى يَصيحَ الديك. قال: فوالله ما صاح
ليلتَئِذٍ ديك حتى أصبحوا : فدعا بشاة فذُ بِحت، ثم قال: لا أفرُغ من كبدها
حتى يجتمع إلىّ ستمئة ألف من القِبْط. فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه
ستمئة ألف من القبط. ثم سار ، فلما أتى موسى البحر، قال له رجل من أصحابه
يقال له يوشع بن نون : أين أمرَك رَبّك يا موسى؟ قال: أمامك. يشير إلى البحر .
فأقْحم يوشع فرسه فى البحر حتى بلغ الغَمْرَ ، فذهب به ، ثم رجع. (١) فقال أين
أمرك ربّكیا موسی؟ فوالله ما کذ بت ولا گُذبتَ: ففعل ذلك ثلاثمرات. ثم أوحى
الله جل ثناؤه إلى موسى: ﴿أَنِ أُضْرِبْ بِعَصَّاكَ الْبَحْرَ فَنْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [سورة الشعراء: ٦٣] - يقول: مثل جبل - قال: ثم سارَ مُوسى
ومن معهُ وأتبعهم فرعونُ فى طريقهم، حتى إذا تامُّوا فيه أطبقه اللّه عليهم . فلذلك
قال: ((وأغرَقنا آل فرْعَوْن وأنتُم تنظرون)). قال معمر، قال قتادة : كان مَعَ
مُوسى ستمئة ألفٍ، وأتيعه فرعونُ على ألفِ ألفٍ ومئة ألف حصان .
٩٠٩ - حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال ، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادى ،
قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال :
أُوحی الله جل وعز إلی موسی أن أسربعبادیلیلا إنکم مُنَّبعون . قال: فسریموسی
بنى إسرائيل ليلاً ، فاتّبعهم فرعونُ فى ألف ألف حصان سوى الإناث ، وكان
موسى فى ستمئة ألف. فلما عاينهم فرعونُ قال: ﴿إنَّهُؤْلاَءَ لَشِرْزِمَةٌ قَلِيلُونَ.
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ، وَإِنّا لَجَمِيعٌ حَدِرُنَ) [سورة الشعراء: ٥٤-٥٦] فسریموسی بینی
إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم بر ھچدوابفرعون، فقالوا : یاموسی،
(١) فى ابن كثير ١: ١٦٥ ((فذهب به الغمر، ثم رجع)).

٥٤
تفسير سورة البقرة : ٥٠
أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا! هذا البحر أمامنا،وهذا فرعون قد رهقنا بمن
معه!(١) قال: عسى ربُّكم أنُ يُهلك عدوًّ كم ويستخلفكم فى الأرض فينظر كيف تعملون.
قال : فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى أن اضرب بعصاكَ البحْر، وأوحى إلى البحر
أن استمع لموسى وأطع إذا ضربك. قال: فبات البحرُ له أفكَل(٢) - يعنى: له
رِعِْدة - لا يدرى من أىِّ جوانبه يضربه. قال: فقال يوشع لموسى: بماذا أمرت؟
قال : أمرت أن أضربّ البحر . قال : فاضربه . قال : فضرب مُوسى البحر
بعصاه ، فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقاً ، كل طريق كالطَّوْد العظيم؛ فكان
لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه . فلما أخذوا فى الطريق قال بعضهم لبعض :
ما لنا لا نرى أصحابنا ؟ قالوا لموسى : أين أصحابنا لا نراهم ؟ قال : سيروا فإنهم
على طريق مثل طريقكم . قالوا : لا نرضى حتى تَرَاهم .
قال سفيان ، قال عمار الدُّهنى : قال موسى : اللهم أعنِّى على أخلاقهم
السيئة. قال: فأوحى الله إليه أنْ قُلْ بعصاكَ هكذا. وأوماً إبراهيم بيده يُديرها
على البحر. قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا، (٣) فصار فيها كُوَّى ينظر بعضهم
إلى بعض .
قال سفيان : قال أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : فساروا حتى
خَرَجوا من البحر . فلما جاز آخر قوم موسى ، هَجمَ فرعونُ على البحر هو
وأصحابه، وكان فرعون على فَرَس أدهمَ ذَنُوب حصان(٤). فلما هجم على البحر،
هابَ الحصان أن يقتحم فى البحر ، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وَدِيقٍ، (٥)
(١) رهقه : غشیه وأوشك أن يدركه .
(٢) فى المطبوعة: ((فئاب له))، وهو تصحيف مضى مثله فى: ٥١، تعليق: ٣
(٣) قال بعصاه أو بيده: أشار بها . والإشارة ضرب من التعبير والبيان، فكان مجاز القول
إلى معنى الإشارة جيداً .
(٤) الأدهم: الأسود. والذنوب: الفرس الوافر الذنب الطويله. وقوله: ((حصان، هنا: أى
فبحل ، قد ضن بمائه فلم ينز على أنثى .
(٥) الوديق : مضى تفسيرها فى ص: ٥٢ تعليق : ٤

٥٥
تفسير سورة البقرة : ٥٠
فلما رآها الحصان "تَقحَّ خلفها. وقيل لموسى: اترك البحر رَهْواً - قال: 'طرقاً
على حاله (١) - قال: ودخل فرعون وقومه فى البحر ، فلما دخل آخر قوم
فرعون ، وجاز آخر قوم موسى ، أطبق البحر على فرعون وقومه ، فأغرِقوا. (٢)
٩١٠-حدثنا موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط بن نصر ، عن السدى : أن الله أمر موسى أن يخرج ببنى إسرائيل ، فقال :
أسرٍ بعبادى ليلاً إنكم مُتَّبَعون. فخرج موسى وهرون فى قومهما، وألقى على القبط
الموتُ ، فمات كل بكر رجل ، فأصبحوا يدفنونهم ، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت
الشمس. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشرِقِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٦٠]
فكان موسى على ساقة بنى إسرائيل وكان هرون أمامهم يقدُمُهم(٣): فقال
المؤمن لموسى: يا نبيَّ اللّه، أين أمرت ؟ قال: البحرَ. فأراد أن يقتحم فمنعه موسى،
وخرج موسى فى سمائة ألف وعشرين ألف مقاتل - لا يعدُّون ابنَ العشرين
لصغره ، ولا ابن الستين لكبره، وإنما عَدُّوا ما بينَ ذلك، سوى الذرّية. وتبعهم
فرعون ، وعلى مقدمته هامان فى ألف ألف وسبعمئة ألف حصان ، ليس فيها
ما ذِيّانةٌ(٤) - يعنى الأنثى - وذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْ عَوْنُ فِى ٢٢٠/١
المَدَائِ حَاشرِينَ. إِنَّ هُؤْلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٥٣، ٥٤]
يعنى بنى إسرائيل. فتقدم هرون فضرّب البحرَ، فأبى البحرُ أن ينفتح ، وقال :
من هذا الجبار الذى يضربنى؟ حتى أتاه موسى فكنَّاهُ ((أبا خالد» وضربه فانْفلق،
(١) فى المخطوطة: ((على حياله))، وهو خطأ، وانظر ما مضى ص: ٥٢، وانظر أيضاً
تفسير: ((رهواً)» فى ٢٥ : ٧٣ ( بولاق ).
(٢) الأثر: ٩٠٩ - هو كالأثر الماضى: ٨٩٢، وبالإسناد نفسه. انظر تمام هذا
الأثر فى رقم: ٩١٨. وأقحم سفيان روايته عن عمار الدهنى، فى روايته عن أبى سعيد . وعمار ،
هو عمار بن معاوية الدهنى (بضم الدال وسكون الهاء)، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائى ،
وذكره ابن حبان فى الثقات ( تهذيب التهذيب).
(٣) ساقة الجيش ، وسباقة الحاج : هم الذين يكونون فى مؤخره یسوقونه ويحفظونه من ورائه .
(٤) فى المطبوعة: ((ما ذبانه))، وفى المخطوطة: ((ما دنانة)) بالدال المهملة. ولم أجد الكلمة
فيما بين يدى من الكتب .

٥٦
تفسير سورة البقرة : ٥٠
فكان كل فِرْق كالطَّوْد العظيم- يقول: كالجبل العظيم-، فدخلت بنو إسرائيل.
وكان فى البحر اثنا عشر طريقاً ، فى كل طريق سِبْط - وكانت الطرق انفلقت
بجدران(١) - فقال كل سِبْط: قد قُتل أصحابنا! فلما رأى ذلك موسى، دَعا الله
فجعلها لهم قناطر كهيئة الطُّيُقان، (٢) فنظر آخرهم إلى أولهم، حتى خرجوا جميعاً .
ثم دنا فرعون وأصحابه، فلما نظرَ فرعون إلى البحر مُنفلقاً قال: ألا ترون البحر
فَرِقَ منِّى؟(٣) قد انفتح لى حتى أدرك أعدائى فأقتلهم! فذلك حين يقول الله
جل ثناؤه: ﴿وَأَزْلَقْنَاَ ثَّ الْآخَرِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٦٤] يقول: قرَّبنا ثمَّ
الآخرين، يعنى آلَ فرعون. فلما قام فرعونُ على أفواه الطُّرُق، أبتْ خيله أن
تقتحم ، فنزل جبريل على مَاذِ يانة ، فشامَّتِ الخصُن ريحَ الماذِ يانة، فاقتحم فى
أثرها، (٤) حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمير البحر أن يأخذهم ،
فالتطم عليهم(٥).
٩١١ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
قال ابن زيد: لما أخذَ عليهم فرعونُ الأرضَ إلى البحرِ ، قال لهم فرعون : قولوا
لهم يدخلون البحر إن كانوا صادقين! فلما رآهم أصحاب موسى قالوا: إنا لمدر كون!
قال: كلا إن مَعِىَ رَبِى ◌َسَيَهْدين. فقال موسى للبحر: ألستَ تَعلم أنّ رسول اللّه؟
قال: بَلَى !قال: وتعلمُ أنّ هؤلاء عبادٌ من عباد الله أمرنى أنْ آتى بهم؟ قال: بلى.
(١) فى تاريخ الطبرى: ((وكأن الطرق إذاً انفلقت بجدران)).
(٢) الطيقان والأطواق، جمع طاق : وهو عقد البناء حيث كان.
(٣) فرق يفرق فرقاً ( بفتحين ): فزع أشد الفزع.
(٤) فى المطبوعة: ((ماذبانة ... الماذبانة))، وانظر ما سلف: ٥٤ تعليق: ٤، وفى
المطبوعة ((فشام الحصان)) بالإفراد، وهو غير جيد فى سياق الكلام. الصواب من المخطوطة وتاريخ
الطبرى. وشام الشىء : تشسمه . والحصن ، جمع حصان .
(٥) الأثر: ٩١٠ - فى تاريخ الطبرى ١: ٢١٣ - ٢١٤، ومضت فقرة منه برقم : ٩٠٤.
والتعلم البحر عايهم : أطبق عليهم وختم وهو يتلاطم موجه . ولم أجدها فى كتب اللغة . ولكنهم يقولون :
التطمت الأمواج وتلاطمت ، ضرب بعضها بعضاً. ويقولون: للم الكتاب : أى ختمه. فالذى جاء
فى الخبر عربى معرق فى مجازه .

٥٧
تفسير سورة البقرة : ٥٠
قال: أتعلم أنّ هذا عدوُّ الله؟ قال: بلى. قال: فافرق لى طريقاً ولمن معى.(١)
قال : يا موسى إنما أنا عبد مملوك، ليس لى أمرٌ إلا أن يأمرنى اللّه تعالى. فأوحى
اللّه عز وجل إلى البحر: إذا ضرّبك موسى بعصاه فانفرق. وأوحى إلى موسى
أن يضرب البحر، وقرأ قول الله تعالى: ﴿فَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًاً فِى الْبَحْرِ يَبَاً
لاَ تَخَفُ دَرَّكَاً وَلاَ تَخْشَى﴾ [سورة له: ٧٧] وقرأ قوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾
[سورة الدخان: ٢٤] - سهلاً ليس فيه نُقَر (٢) - فانفرق اثنتى عشرة فرقة، فسلك
كل سِبْط فى طريق . قال: فقالوا لفرعون : إنهم قد دخلوا البحرَ! قال : ادخلوا
عليهم . قال : وجبريل فى آخر بنى إسرائيل يقول لهم: ليلحق آخرُكم أولكم .
- وفى أوَّل آل فرعون" يقول لهم: رُويداً يلحقْ آخِرُ كم أوَّلَكم. فجعل كلّ"
سِبْط فى البحر يقولون للسّبط الذين دخلوا قبلهم: قد هلكوا ! فلما دخل ذلك
قلوبهم أوحى الله جل وعزّ إلى البحر فجعلَ لهم قناطر، يَنظر هؤلاء إلى هؤلاء،
حتى إذا خرج آخرُ هؤلاء ودخل آخرُ هؤلاء ، أمر الله البحر فأطبقَ على هؤلاء.
٠ ٠
ويعنى بقوله: ((وأنتم تنظرون))، أى تنظرون إلى فَرْق اللّه لكم البحرّ ،
وإهلاكه آل فرعون فى الموضع الذى نجَّاكم فيه، وإلى عظيم سلطانه - فى الذى
أراكم من طاعة البحر إياه، من مصيره رُكاماً فلتقاً كهيئة الأطواد الشامخة، (٣).
غير زائل عن حَدّه، انقياداً لأمر الله وإذعاناً لطاعته، وهو سائل ذائبٌ قبل ذلك.
يُوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حُججه عليهم، ويذكرهم آلاءَه عند
أوائلهم، ويحذِّرهم - فى تكذيبهم نبيّنا محمداً صلى اللّه عليه وسلم - أنّ يحلّ
(١) فى المطبوعة ((فانفرق لى طريقا ... )) وهو خطأ.
(٢) فى المطبوعة: ((ليس فيه تعد))، وفى المخطوطة: ((نفد)) والدال تشبه أن تكون راء.
فاستظهرت أن تكون ما أثبت . والنقر جمع نقرة : وهى الوحدة المستديرة فى الأرض ، أو الحفرة صغيرة
ليست بكبيرة . وهذا أشبه بالكلام والمعنى .
(٣) فى المطبوعة: ((ركاماً فرقاً))، وهو تغيير بلا سبب. ركام: مجتمع بعضه فوق بعض.
والفلق جمع فلقة ( بكسر فسكون) : وهى الشق .

٥٨
تفسير سورة البقرة : ٥٠ ، ٥١
بهم ما حلّ بفرعونَ وآله، فى تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.
٠٠٠
وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله : (( وأنتم تنظرون ))، کمعنى قول
القائل: ((ضُرِبت وأهلك ينظرون، فما أتوك ولا أعانوك))، بمعنى: وهم قريبٌ بمرأى
٢٢١/١ وَمَسمع، وكقول اللّه تعالى: ﴿أَمَّ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ﴾
[سورة الفرقان: ٤٥]، وليس هناك رؤيةٌ ، إنما هو علم.
قال أبو جعفر: والذى دعاه إلى هذا التأويل، أنه وجه قوله: ((وأنتم
تنظرون))، أى وأنتم تنظرون إلى غرق فرعون ، فقال : قد كانوا فى شغل من أن
ينظروا - ممّا اكتنفهم من البحر - إلى فرعون وَغرقه. وليس التأويلُ الذى تأوّله
تأويلَ الكلام ، إنما التأويل: وأنتم تنظرون إلى فَرْق الله البحرّ لكم - على ما
قد وصفنا آنفاً - والتطام أمواج البحر بآل فرعون ، فى الموضع الذى صيَّر لكم
فى البحر طريقاً يَبَساً. وذلك كان، لاشكّ، نظرَ عِيانٍ لانظرَ علم، كما ظنّه قائل
القول الذى حكينا قوله .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا﴾
اختلفت القرّأة فى قراءة ذلك، (١) فقرأ بعضهم: ((وَاعَدْنا)) بمعنى أن اللّه
تعالى واعد موسى موافاة الطور لمناجاته، (٢) فكانت المواعدة من اللّه لموسى، ومن
موسى لربه. وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة ((واعتدنا)) على ((وَعَدْنا))
أنْ قالوا : كل اتِّعادٍ كان بين اثنين للالتقاء والاجتماع ، (٣) فكل واحد منهما
(١) فى المطبوعة فى الموضعين: ((القراء))، كما فعل كثيراً فيما مضى. والقرأة حمع قارئ.
(٢) فى المطبوعة: ((ملاقاة الطور))، ولا أدرى لم غيره من غيره!
(٢) فى المطبوعة: ((كل إيعاد ... أو الاجتماع))، ولا أدرى لم فعل ذلك! واتعد اتعاداً
افتعل ، من الوعد .

٥٩
تفسير سورة البقرة : ٥١
مواعدٌ صاحبه ذلك. فلذلك زعموا -(١) وَجب أن يُقْضَى لقراءة من قرأ ((واعدنا))،
بالاختيار على قراءة من قرأ ((وعدنا)).
وقرأ بعضهم: ((وعدنا))، بمعنى أن اللّه الواعدُ والمنفردُ بالوعد دونه . وكان
من حجتهم فى اختيارهم ذلك أنْ قالوا : إنما تكون المواعدة بين البشر ، فأما الله
جل ثناؤه، فإنه المنفردُ بالوعد والوعيد فى كل خير وشر. قالوا : وبذلك جاء التنزيل
فى القرآن كله، فقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحقِّ﴾ [سورة
إبراهيم: ٢٢] وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَاَ لَكُمْ﴾
[ سورة الأنفال: ٧]. قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد فى
قوله: ((وإذ وعدنا موسى))
والصواب عندنا فى ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمَّة وقرأت
بهما القَرَأة ، وليس فى القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى ، وإن كان فى
إحداهما زيادةُ معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة ، (٢) فأما من جهة
المفهوم بهما، فهما متفقتان. وذلك أنّ من أخبرَ عن شخص أنه وعد غيره اللقاء
بموضع من المواضع، فمعلوم أن الموعودَ ذلك واعدَ صاحبه من لقائه بذلك المكان،
مثل الذى وعده من ذلك صاحبه ، إذا كان وعدُه ما وعده إياه من ذلك عن
اتفاق منهما عليه . ومعلومٌ أن موسى صلوات الله عليه لم يعدْهُ ربُّه الطورَ إلا عن
رضا موسى بذلك ، إذ كان موسى غير مشكوك فيه أنه كان بكل ما أمر الله به
راضياً، وإلى محبّته فيه مسارعاً. ومعقولٌ أن اللّه تعالى لم يعد موسى ذلك ، إلا
وموسى إليه مستجيب . وإذْ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الله عز ذكره كان
وَعد موسى الطورَ، ووعدَه موسَى اللقاءَ. فكان الله عز ذكره لموسى واعداً مُواعداً
(١) فى المطبوعة: ((فلذلك رموا أنمد وجب)) بزيادة ((أنه))، وهى زيادة مفسدة المعنى.
(٢) انظر ما مضى فى تفسير ((الظاهر)): ٥٠، والمراجع

٦٠
تفسير سورة البقرة : ٥١
له المناجاة على الطور، (١) وكان موسى وَاعداً لرّبه مواعداً له اللقاءَ. فبأىِّ
القراءتين من ((وعد)) و((واعد)) قرأ القارئ، فهو للحق فى ذلك - من جهة التأويل
واللغة - مصيبٌ، لما وصفنا من العلل قبل (٢).
ولا معنى لقول القائل: إنما تكون المواعدةُ بين البشر، وأن اللّه بالوعد والوعيد منفرد
فى كل خير وشر. وذلك أن انفراد الله بالوعد والوعيد فى الثواب والعقاب، والخير والشر،
والنفْع والضرّ الذى هو بيده وإليه دون سائر خلقه - لا يُحيل الكلامَ الجارىَ بين
الناسَ فى استعمالهم إياه عن وجوهه، ولا يغيِّرُه عن معانيه . والجارى بين الناس
من الكلام المفهوم ما وصفنا : من أنّ كل اتِّعاد كان بين اثنين ، (٣) فهو وعد
من كل واحد منهما صاحبه، ومواعدةٌ بينهما، وأنّ كلَ واحد منهما واعدٌ صاحبه
٢٢٢/١ مواعدٌ. وأن الوعد الذى يكون به الانفرادُ من الواعد دون الموعود، إنما هو ما كان
بمعنى ((الوعد)) الذى هو خلافُ (( الوَعيد)).
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ مُوسَى ﴾
((وموسى)) - فيما بلغنا - بالقبطية كلمتان، يُعنى بهما: ماء وشجر. ((فمو))،
هو الماء، و((شا)) هو الشجر. (٤) وإنما سمى بذلك - فيما بلغنا - لأن أمه لما
جعلته فى التابوت - حين خافت عليه من فرعون وألقته فى اليمِّ، كما أوحى الله
إليها ، وقيل : إن اليمّ الذى ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواجُ اليم حتى أدخلته بين
أشجار عند بيت فرعون ، فخرج جوارى آسية امرأة فرعون یغتسلنَ، فوجدن
(١) فى المطبوعة: ((قد كان وعد موسى)) بزيادة ((قد))، وفيها أيضاً ((وكان الله عز وجل
لموسى واعد ومواعداً))، والواو هنا ليست بشىء فى قوله ((وكان))، و((ومواعداً)).
(٢) فى المطبوعة: ((فهو الحق فى ذلك ... ))، وهو خطأ.
(٣) فى المطبوعة هنا أيضاً كما سلف: ((كل إيعاد))، وهو فساد وخطأ.
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((سا» وأثبت ما فى التاريخ.