النص المفهرس

صفحات 1-20

تراث الإسلام
تفسير الكبرى
جَامِعُ البيان عَن تأويل آَى القرآن
لأبو جعفر محمد بن جرير الطبرى
٢٢٤ - ٣١٠ هـ
٢
حَقْقَهُ وعَلْق حواشيه
محمود محمد شاكر
راجَعَهُ وخَج أحاديثَه
أحمد محمد شاكر
الطبعة الثانية
الناشر
مكتبة ابن تيمية
القاهرة ت ٨٦٤٢٤٠

تفسير الطبرى

الجزء الثانى
فيه
تفسير سورة البقرة
من ٤٣ - ١٢٣
والآثار من ٨٤٠ - ٩٠٦

بِسِِلِهِالرَِّ الرَّحَّةِ
الحمد لله وحده لا شريك لهُ فى سلطانه، مُذِلّ الجبابرة، ومُدِيل الفئة
المؤمنة من الفئة الكافرة ، أحمده رضّى بقضائه وقدره، وأسبّحه كما
سبَّحت له السَّموات السبعُ والأرض ومن فيهنّ، ﴿ فَتَعَلَى اللهُ المَلِكُ
الحقُّ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ ، وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلْهَا
آخَرَ لاَبُرْهَنَ لَهُ بِ فَإَِّ حِسَبُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ.
وَقُلْ رَبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ﴾
وصَلَّى الله على محمّ وعلى آل عُمَّدٍ كماصَلَى على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم،
وبارك على محمد وعلى آل محمد كما بارك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فى
العالمين إنّه حميدٌ مجيدٌ .
وبعدُ فقد منَّ الله بالمعونة على الفراغ من الجزء الثانى من تفسير
أبى جعفر رضى الله عنه ، فما كان فيه من إحسان فمن الله ، وما كانَ
فيه من زَلَلَ فِّى. وأسأل الله أن يتغَّد ما أخطأتُ فيه، وأن يكتب لنا
من السدادِ فى أعمالنا ما هو لَهُ أهلٌ من تفضُّله على خلقه، ومنّه على عباده.
هذا وقد فاتنى أن أذكر فى مقدمة الجزء الأوّل أنى وضعت على هامش
هذه الطبعة من التفسير ، ما يقابلها من مطبوعة بولاق، فأثبت الجزء والصفحة
معاً ، لطول ما تداول الناس مطبوعة بولاق ، ولكثرة الإشارة إليها فى

٦
الكتب . هذا، وقد حرصت أيضًاً كلَّ الحرص على أن أثبت فى التعليق
كُلّ ما أحال عليه الطبرى من سالف كلامه، حتى يسهل على الباحث
والقارئ أن يتابع ما قاله أبو جعفر، فلا يسقط عليه شىء من معانيه .
فإن الكتابَ يطول، وأبو جعفر يختصر، والإحالةُ تَكُثر، ومن الصَّعب
أن يستدلَّ قارئ كتابه على المواضع التى يحيل عليها .
۵
اللهُمَّ إِنِى أسألُك عونًا لا ينقطِعُ، وسِدَادًا لا يُمَنُّ، وتوفيقاً لا يحبَس
عِّى خيرُه، برئتُ إِليك ربِّ من الحَوْلِ والقُوَّة، كما برئت مِن الشركاء
والأندادِ ، فاغفر لى خطيئتي يوم الدين ؟
محمود محمد شاكر

بِسْمِاللهِالرَّ الرَّحِيمِ
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ
وتَنْسَوْنَ أْقُسَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى معنى ((البر)) الذى كان المخاطَبون
بهذه الآية يأمرون الناس به وينسون أنفسهم ، بعد إجماع جميعهم على أن كل طاعة
لله فھی تسمی (( برا)) ، فروی عن ابن عباس ما :-
٨٤٠ - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن أبى محمد، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ((أتأمُرُون
الناس بالبر وتنسون أنفُسكم وأنتم تتلُون الكتاب أفلا تعقلون)،أی تهون الناس عن
الكفر بما عندكم من النبوة والعُهْدة من التوراة وتتركون أنفسكم، (١) أى وأنتم تكفرون ٢٠٤/١
بما فيها من عَهْدى إليكم فى تصديق رسولى، وتنقضون ميثاقى، وتجحدون ما تعلمون
من کتابی.
٨٤١ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر
ابن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، فى قوله: ((أتأمرون
الناس بالبر))، يقول : أتأمرون الناس بالدخول فى دين محمد صلى الله عليه وسلم،
وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاةِ ، وتنسون أنفسكم .
(١) فى المطبوعة، وفى المراجع: ((والعهد من التوراة)). والعهد والعهدة واحد.

٨
تفسير سورة البقرة : ٤٤
وقال آخرون بما : -
٨٤٢ - حدثنى به موسى بن هرون قال ، حدثنى عمرو بن حماد قال ،
حدثنا أسباط ، عن السندى: (( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم))، قال : كانوا
يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه، وهم يعصونه .
٨٤٣ - وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزّاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة ، فى قوله: ((أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)) ، قال : كان
بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون ، فعيَّرهم الله.
٨٤٤ - وحدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا الحجاج، قال
قال ابن جريج: ((أتأمرون الناس بالبر))، أهلُ الكتاب والمنافقون، كانوا يأمرون
الناس بالصوم والصلاة ، ويدَعون العملَ بما يأمرون به الناس ، فعيَّرهم الله بذلك .
فمن أمرَ بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة .
وقال آخرون بما : -
٨٤٥ - حدثنى به يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال
ابن زيد: هؤلاء اليهود . كان إذا جاء الرجل يسألهُ ما ليس فيه حقّ ولا رشوة
ولا شىء، أمروه بالحق. فقال الله لهم: ((أتأمرون الناسَ بالبرّ وتنسون أنفسكم
وأنتم تَتْلُونَ الكتاب أفلا تعقلون)).(١)
٨٤٦ - وحدثنى على بن الحسن قال، حدثنا مسلم الجَرْمِى قال ، حدثنا
مختلد بن الحسين، عن أيوب السَّخْتيانى، عن أبى قِلاَبة، فى قول الله: ((أتأمرون
النّاس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب))، قال قال أبو الدرداء: لا يفْقُهُ الرجل
كلّ الفقه حتّى مقُتَ الناسَ فى ذاتِ اللّه، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً.(٢)
(١) الأثر: ٨٤٥ - فى ابن كثير ١: ١٥٤، وفيه ((إذا جاء الرجل سألهم عن الشىء ليس
فيه ... )). وفى المخطوطة: ((يسألهم ليس فيه)).
(٢) الخبر: ٨٤٦ - نقله ابن كثير ١: ١٥٤ عن هذا الموضع. وذكره السيوطى ١ : ٦٤،
ونسبه أيضاً لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والمهيق فى الأسحمام والصفات، وقلده الشوكاني ١: ٦٥. وقد

٩
تفسير سورة البقرة : ٤٤
قال أبو جعفر : وجميعُ الذى قال ـ فى تأويل هذه الآية ــ من ذكرنا قوله،
متقاربُ المعنى. لأنهم وإن اختلفوا فى صفة ((البرّ) الذى كان القوم يأمرون به غيرهم،
الذين وصفهم الله بما وصفهم به ، فهم متفقون فى أنهم كانوا يأمرون الناس بما الله
فيه رضاً من القول أو العمل ، ويخالفون ما أمروهم به من ذلك إلى غيره بأفعالهم .
فالتأويل الذى يدلُّ على صحته ظاهر التلاوة إذاً : أتأمرون الناس بطاعة الله
وتتركون أنفسكم تعصيه ؟ فهلاً تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم ؟
مُعيِّرهم بذلك، ومقبحاً لهم قبيحَ ما أتوا به.(١)
٠
ومعنى (( نِسيانهم أنفسَهم)) فى هذا الموضع، نظيرُ (النسيان)) الذى قال جل ثناؤه
﴿فَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٧] بمعنى: تركوا طاعة الله، فتركهم الله من ثوابه.
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَأَنْتُمْ تَثْلُونَ الْكِتْبَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((تتلون))، تدرسون وتقرأون. كما : -
٨٤٧ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا
بشر، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، ((وأنتم تتْلُون الكتاب ))،
رواه البيهقى ص : ٢١٠، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، به نحوه .
و((مسلم الجرمى)): وقع فى ابن كثير فى هذا الموضع ((أسلم))، وهو خطأ مطبعى. ووقع فيه وفى
نسخ الطبرى ((الحريمى))، بالحاء . وقد رجحنا فى ترجمته - فيما مضى: ١٥٤ أنه بالجيم. وذكرنا مصادر
ترجمته هناك، ونزيد هنا أنه ترجمه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٤ / ١ / ١٨٨، ووصفه بأنه
((من الغزاة)). وشيخه ((مخلد بن الحسين)) - بفتح الميم واللام بينهما خاء معجعة ساكنة: ثقة معروف،
قال ابن سعد: ((كان ثقة فاضلا)) وقال أبو داود: ((كان أعقل أهل زمانه)). وأبو قلابة: هو عبدالله
ابن زيد الجرمى، أحد الأعلام من ثقات التابعين، وأرى أن روايته عن أبى الدرداء مرسلة، فإن أبا الدرداء
مات سنة ٣٢، وأبو قلابة متأخر الوفاة، مات سنة ١٠٤، وقيل : ١٠٧.
(١) فى المطوعة: ((ومقبحاً إليهم)).

١٠
تفسير سورة البقرة : ٤٤
يقول: تدرسون الكتاب بذلك. ويعنى ب ((الكتاب))، التوراة.(١).
...
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾
٤٤
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((أفلا تعقلون))، (٢) أفلا تفقهون وتفهمُون قبح
ما تأتون من معصیتکم ربكم التی تأمرون الناس بخلافها ، وتنهوتهم عن رُ کوبها
وأنتم راكبُوها ، وأنتم تعلمون أن الذى عليكم من حق الله وطاعته، واتّباعِ محمد .
والإيمان به وبما جاء به ، (٣) مثل الذى على من تأمر ونه باتباعه ؟ كما : -
٨٤٨ - حدثنا به محمد بن العلاء قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ،
حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس: ((أفلا
تعقلون)»، يقول: أفلا تفهمون؟ ينهاهم عن هذا الخلق القبيح. (٤)
٠ ٠
قال أبو جعفر: هذا يدل على صحة ما قلنا، من أمر أحبار يهود بنى إسرائيل غيرهم
باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم كانوا يقولون: هو مبعوث إلى غيرنا! كماذكر قبل. (٥)
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره (واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((واستعينوا بالصبر))، استعينوا على
٢٠٥/١ الوفاء بعهدى الذى عاهد تمونى فى كتابكم - من طاعتى واتباع أمرى، وترك ما تهوونه
(١) الخبر: ٨٤٧ - فى الدر المنثور ١: ٦٤، وتتبته فى الخبر الآتى إلا قوله: ((ويعنى
بالكتاب التوراة )» وأخشى أن تكون من كلام الطبرى.
(٢٠) فى المخطوطة: ((يعنى بذلك أفلا تفقهون)).
(٣) فى المطبوعة: ((فى اتباع محمد ... )).
(٤) الخبر: ٨٤٨ - من تتمة الأثر السالف. وفى المطبوعة: ((فنهاهم).
(٥) انظرما مضى ص : ١ : ٥٦٧ - ٥٦٨ .

١١
تفسير سورة البقرة : ٤٥
من الرياسة وحبّ الدنيا ، إلى ما تكرهونه من التسليم لأمرى واتباع رسولى محمد
صلى الله عليه وسلم - بالصبر عليه والصلاة .
وقد قيل: إن معنى (الصبر)) فى هذا الموضع الصّوم، و((الصومُ)) بعض معانى
(الصبر)). وتأويل من تأوّل ذلك عندنا(١): أن الله تعالى ذكره أمرهم بالصبر على كل
ماكرهته نفوسهم من طاعة الله، وترك معاصيه. وأصل ((الصبر)): منعُ النفس محابَّها،
وكفُّها عن هواها، ولذلك قيل للصابر على المصيبة: ((صابرٌ))، لكفّه نفسه عن
الجزع، وقيل لشهر رمضان ((شهر الصَّبر)»، لصبر صَائميه عن المطاعم والمشارب
نهاراً، (٢) وصبرُهُ إِياهُم عن ذلك، (٣) حبسه لهم وكفُّه إياهم عنه، كما تصبر
الرجلَ المسئءَ للقتل فتحبسه عليه حتى تقتله. (٤) ولذلك قيل: ((قتل فلانٌ فلاناً
صبراً))، يعنى به: حبسه عليه حتى قتله، فالمقتول ((مصبور)) والقاتلُ ((صابر)).
٠٠٠
وأما ((الصلاة))، فقد ذكرنا معناها فيما مضى.(٥)
٠٠٠
فإن قال لنا قائل : قد علمنا معنى الأمر بالاستعانة بالصبر على الوفاء بالعهد
والمحافظة على الطاعة ، فما معنى الأمر بالاستعانة بالصلاة على طاعة الله وترك
معاصيه ، والتعرَّى عن الرياسة وترك الدنيا ؟
قيل : إن الصلاة فيها تلاوة كتابِ الله الداعية آياتُه إلى رفض الدنيا وهجر
(١) فى المطبوعة: (( ... بعض معانى الصبر عندنا بل تأويل ذلك عندنا .. ))، وفى المخطوطة:
(( ... بعض معانى الصبر عند تأويل من تأول ذلك عندنا ... ))، وكأن الصواب ما أثبته .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لصبره صائمه ... ))، ولكن الكلام لا يستقيم لاختلال الضمائر
فى الجملة التالية .
(٣) الضمير فى قوله ((وصبره)) إلى شهر رمضان.
(٤) فى المخطوطة والمطبوعة: ((كما يصبر ... فيحبسه ... حتى يقتله)) كله بالياء، والصواب ما أثبته.
(٥) انظر ما مضى : ١ : ٢٤٢ - ٢٤٣.

١٢
تفسير سورة البقرة : ٤٥
نعيمها، المسليةِ النفوسَ عن زينتها وُغرورها، المذكّرةِ الآخرةَ وما أعدّ اللّه فيها
لأهلها ، ففى الاعتبار بها المعونةُ لأهل طاعة اللّه على الجدّ فيها، كما روى عن
نبيِّنًا صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حَزَبَهُ أمر فزع إلى الصلاة.
٨٤٩ - حدثنى بذلك إسماعيل بن موسى الفزارى قال ، حدثنا الحسين
ابن رتاق الهمدانی ، عن ابن جريج ، عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبيد
أبی قدامة ، عن عبد العزيز بن اليمان ، عن حذيفة قال : كان رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم إذا حَزَبه أمر فزع إلى الصلاة. (١)
٨٥٠ - وحدثنى سليمان بن عبد الجبار قال ، حدثنا خلف بن الوليد الأزدی
قال ، حدثنا يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلى،
قال ، قال عبد العزيز أخو حذيفة ، قال حذيفة : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا حَزَبه أمر صَلَّى.(٢)
(١) الحديث: ٨٤٩ - ((الحسين بن رتاق الهمدانى)): هكذا ثبت فى المطبوعة. ولم أجد
راوياً بهذا الاسم ولا ما يشبهه، فيما لدى من المراجع، وفى المخطوطة ((الحسين بن زياد الهمداني )) - ولم
أجد فى الرواة من يسمى ((الحسين بن زياد)) إلا اثنين، لم ينسب واحد منهما همدانياً، ولا يصلح واحد
منهما فى هذا الإسناد: أحدهما: ((حسين بن زياد))، دون وصف آخر، ترجمه البخارى فى الكبير
١/ ٢/ ٣٨٧ برقم: ٢٨٨١، وذكر أنه يروى عن عكرمة، و یروى عنه جرير بن حازم، وجرير
مات سنة ١٧٥ فهذا قديم جداً، لا يدركه إسمعيل بن موسى الفزارى المتوفى سنة ٢٤٥. والثانى ((حسين
ابن زياد أبو على المروزى)) ترجمه البخارى عقب ذاك، وذكر أنه مات سنة ٢٢٠. فهذا متأخر عن أن
يدرك الرواية عن ابن جريج المتوفى سنة ١٥٠. وعكرمة بن عمار: هو العجل اليمامى. وفى المخطوطة ((عكرمة
عن عمار)). وهو خطأ . والحديث سيأتى عقب هذا بإسناد آخر صحيح.
(٢) الحديث: ٨٥٠ - هو الذى قبله بمعناه: ((خلف بن الوليد)): هو أبو الوليد العتكى
الجوهرى، و((العتكى)): نسبة إلى ((العتيك))، بطن من الأزد . وهو من شيوخ أحمد الثقات. يحي
ابن زكريا: هو ابن أبى زائدة. محمد بن عبد الله الدولى: هو ((محمد بن عبيد أبو قدامة)) الذى فى
الإسناد السابق. ووقع فى الأصول هنا ((محمد بن عبيد بن أبى قدامة)). وهو خطأ. بل ((أبو قدامة))
كنية ((محمد بن عبيد)). وقد حققنا ترجمته فى شرح حديث آخر فى المسند : ٦٥٤٨، ورجحنا أن
ابن أبى زائدة أخطأ فى اسمه، فسماه ((محمد بن عبد الله)).
والحديث رواه أحمد فى المسند ٥: ٣٨٨ (حلى) عن إسمعيل بن عمر، وخلف بن الوليد ، كلاهما
عن يحيى بن زكريا. ورواه أبو داود : ١٣١٩، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا - بهذا
الإسناد. وأشار إليه البخارى فى الكبير ١ / ١/ ١٧٢، فى ترجمة ((محمد بن عبيد أبى قدامة الحنفى))،

١٣
تفسير سورة البقرة : ٤٥
٨٥١ - وكذلك روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبا هريرة منبطِحاً
على بطنه فقال له: اشكّنْب دَرْد. قال: نعم. قال: تم فصلُّ، فإن فى الصلاة
شفاء .(١)
قال: ((وقال النضر عن عكرمة ، عن محمد بن عبيد أبى قدامة ، سمع عبد العزيز أخا حذيفة ، عن
حذيفة : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى . وقال ابن أبى زائدة: عن عكرمة عن محمد
ابن عبد الله الدؤلى)). و((النصر)) الذى يشير إليه البخارى: هو النضر بن محمد الجريشى اليمامى.
و ((عبد العزيز بن اليمان)): هو أخو حذيفة بن اليمان، كما صرح بنسبه فى الرواية السابقة، وكما
وصف بذلك فى هذه الرواية، وفى روايتى المسند والبخارى فى الكبير. وأما رواية أبى داود ففيها ((عن
عبد العزيز ابن أخى حذيفة)). وكذلك فى رواية ابن مندة، التى أشار إليها الحافظ فى الإصابة » :
١٥٩. ورجح الحافظ فى ذلك الموضع، وفى التهذيب ٦: ٣٦٤ - ٣٦٥ أنه ابن أخى حذيفة،
لا أخوه. ولكن أكثر الرواة ذكروا أنه أخوه، كما أشرنا، لم يخالفهم إلا ((محمد بن عيسى)) شيخ
أبى داود - فيما رأيت . فلا أدرى ثم هذا الترجيح؟ بل الذى أراه ترجيح رواية الأكثر، ومنهم ((النضر
ابن محمد)) ، وكان مكثراً الرواية عن عكرمة بن عمار.
وبذلك جزم ابن أبى حاتم فى ترجمة ((عبد العزيز بن اليمان)) فى كتاب الجرح والتعديل ٢ / ٢/
٣٩٩، لم يذكر خلافاً ولا قولا آخر .
والحديث ذكره أيضاً ابن كثير ١: ١٥٧ - ١٥٨ من روايات المسند وأبي داود والطبرى .
ثم ذكر نحوه مطولا ، من رواية محمد نصر المروزى فى كتاب الصلاة .
(١) الحديث: ٨٥١ - هكذا ذكره الطبرى معلقاً، دون إسناد. وقد رواه أحمد فى المسند :
٩٠٥٤ (٢: ٣٩٠ حلى)، عن أسود بن عامر، عن ذواد أبى المنذر، عن ليث، عن مجاهد، عن
أبى هريرة. ثم رواه مرة أخرى : ٩٢٢٩ (٢: ٤٠٣ حلى)، عن موسى بن داود، عن ذواد.
وكذلك رواه ابن ماجة : ٣٤٥٨، بإسنادين عن ذواد.
و ((ذواد)): بفتح الذال المعجمة وتشديد الواو وآخره دال مهملة. وضبطه صاحب الخلاصة
((ذؤاد)) بضم المعجمة وبعدها همزة مفتوحة، وهو خطأ. وذواد: هو ابن علبة الحارثى، وكان شيخاً
صالحاً صدوقاً، وضعفه ابن معين، فقال: ((ليس بشىء)). وترحمه البخارى فى الكبير ٢/ ١/ ٢٤١،
والصغير، ص: ٢١٤، وقال: ((يخالف فى بعض حديثه)). وروى هذا الحديث فى الصغير عن
ابن الأصبهانى ، عن المحاربى، عن ليث، عن مجاهد: ((قال لى أبو هريرة : يا فارسى ، شكم درد»
ثم قال البخارى: ((قال ابن الأصبهافى : ورفعه ذواد ، وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسياً ،
إنما مجاهد فارسى )). فهذا تحليل دقيق من ابن الأصبهانى ، ثم من البخارى ، يقضى بضعف إسناد الحديث
مرفوعاً .
وقوله فى متن الرواية ((اشكنب درد)): كتب عليها فى طبعة بولاق ما نصه: ((يعنى: تشتكى
بطنك، بالفارسية. كذا بهامش الأصل)). وكذلك ثبت هذا اللفظ فى المسند، إلا أن الموضع الأول فيه
كتب ((ذرد)) بنقطة فوق الدال الأولى، وهو تصحيف. وثبت هذا اللفظ فى رواية البخارى فى التاريخ
الصغير، ص ٢١٤: ((شكم درد)). وفى رواية ابن ماجة ((اشكمت درد)). وكتب الأستاذ فؤاد
عبد الباقى شارحاً له: ((بالفارسية: اشكر، أى بطن. ودرد، أى وجع. والتاء للخطاب. والهمزة همزة

١٤
تفسير سورة البقرة : ٤٥
فأمر الله جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبار بنى إسرائيل ، أن يجعلوا
مفزعهم - فى الوفاء بعهد الله الذى عاهدوه - إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، كما أمر
نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له: ﴿فَأَ صْبِرْ﴾ يا محمدَ ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ
وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءَ الَيْلِ فَتَبْحْ
وَأَْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [سورة منه: ١٣٠]. فأمره جل ثناؤه فى نوائبه بالفزّع
إلى الصبر والصلاة . وقد : -
٨٥٢ - حدثنا محمد بن العلاء ، ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : حدثنا
ابن علية ، قال: حدثنا عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه : أنّ ابنَ عباس نُعِىَ
إليه أخوه ◌ُقُتّم، وهو فى سفر، فاسترجع. ثم تنحتَّى عن الطريق ، فأناخ فصلّى
ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشى إلى راحلته وهو يقول: (( واستعينوا
بالصّبْر والصلاةِ وإنها لكبيرةٌ إلاّ على الخاشعين)).(١)
وأما أبو العالية فإنه كان يقول بما : -
٨٥٣ - حدثنى به المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ،
عن الربيع، عن أبى العالية: ((واستعينوا بالصبر والصلاة))، قال يقول : استعينوا
وصل . كذا حققه الدكتور حسين الهمدانى . ومعناه: أتشتكى بطنك ؟ ولكن جاء فى تكملة مجمع بحار
الأنوار، ص ٧ (أشكنب ددم). وفى رواية بسكون الباء)). وأنا أرى أن النقل الأخير فيه خطأ . لأنى
نقلت فى أوراق على المسند قديماً أن صوابها ((أشكنب دردم)). وأكبر ظنى الآن أنى نقلت ذاك عن
تكملة مجمع بحار الأنوار ، وهو ليس فى متناول يدى حين أكتب هذا .
(١) الخبر: ٨٥٢ - إسناده صحيح. عيينة بن عبد الرحمن: ثقة. وأبوه عبد الرحمن بن
جرشن الغطفانى : تابعى ثقة .
والأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور ١ : ٦٨، ونسبه أيضاً لسعيد بن منصور، وابن المنذر،
والبيهقى فى الشغب .
قثم بن العباس بن عبد المطلب، أخو عبد الله بن العباس . وأمه أم الفضل. كان يشبه
بالنبى صلى الله عليه وسلم، ولا يصح سماعه عنه، فإنه كان فى آخر عهد التبى صلى اللّه عليه فوق ثمان.
وخرج مع سعيد بن عثمان زمن معاوية إلى تمرقند، فاستشهد بها. استرجع: قال: ((إنا لله وإنا إليه
وأجمعون » .

١٥
تفسير سورة البقرة : ٤٥
بالصبر والصلاة على مرضاة الله، واعلموا أنهما من طاعة الله.
وقال ابن جريج بما : -
٨٥٤- حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج قال ،
قال: ابن جريج فى قوله: (( واستعينوا بالصبر والصلاة))، قال: إنهما مَعوَنتان
على رحمة اللّه .(١)
٨٥٥ _ وحدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب قال قال
ابن زيد فى قوله: ((واستعينوا بالصبر والصلاة)) الآية، قال: قال المشركون: والله
يا محمد إنك لتدعونا إلى أمر كبير ! قال: إلى الصلاة والإيمان بالله جل ثناؤه .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِنَّ لَكَبِيرَةٌ إِلََّ عَلَى الْخَشِينَ) @)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وإنها))، وإن الصلاة. فـ((الهاء والألف)) ٢٠٦/١
فى ((وإنها)) عائدتان على الصلاة. وقد قال بعضهم: إن قوله: ((وإنها)) بمعنى: إن إجابة
محمد صلى الله عليه وسلم. ولم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكر، فتجعل («الهاء
والألف)) كناية عنه . وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام ، إلى باطن لا
دلالة على صحته.(٢)
ويعنى بقوله: ((لكبيرة))، الشديدة ثقيلة، كما : -
٨٥٦ -حدثی یحی بنأبىطالب قال،أخبرنا ابن یزید قال،أخبرنا جوییر،
عن الضحاك فى قوله: ((وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين))، قال: إنها الثقيلة.(٣)
(١) الأثر: ٨٥٤ - الحسين: هو سنيد بن داود المصيعى. و((سنيد)) لقب له، كما
مضى : ١٤٤ .
(٢) الظاهر: هو ما تعرفه العرب من كلامها. والباطن: ما يأتى بالاستنباط من الظاهر على
طريق العرب فى بيانها . وانظر ما مضى ١ : ٧٢ تعليق: ٢ .
(٣) الأثر: ٨٥٦ - فى المطبوعة ((أخبرنا ابن زيد)، والصواب ((يزيد)) من المخطوطة. وهو

١٦
٤
٠
تفسير سورة البقرة : ٤٥
٠٠٠
ويعنى بقوله: ((إلاّ على الخاشعين))، إلا على الخاضعين لطاعته . الخائفين
سطواته، المصدقين بوعده ووعيده . كما : -
٨٥٦ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ،
حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( إلا على
الخاشعين))، يعنى : المصدّقين بما أنزل الله .
٨٥٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم العسقلانى قال ، حدثنا أبو جعفر ،
عن الربيع ، عن أبى العالية فى قوله: ((إلا على الخاشعين))، قال: يعنى الخائفين.
٨٥٨ - وحدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
سفيان، عن جابر، عن مجاهد: ((إلا على الخاشعين))، قال: المؤمنين حقاً. (١)
٨٥٩ - وحدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
٨٦٠ - وحدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد: الخشوع: الخوف والخشية للّه، وقرأ قول الله: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِ﴾
[ سورة الشورى: ٤٥]، قال : قد أذلهم الخوف الذى نزل بهم، وخشعوا له
((يزيد بن هرون)) وقد مضى مثل هذا الإسناد على الصواب: ٢٨٤.
ومن الرواة عن جويبر: ((حماد بى ريد)»، ولا يحتمل أن يكون مراداً فى هذا الإسناد ، لأن حماد
ابن ريد مات سنة ١٧٩ فلا يحتمل أن يروى عنه يحيى بن أبى طالب ، لأنه ولد سنة ١٨٢، كما فى
ترجمته فى تاريخ بغداد الخطيب ١٤ ٢٢٠ - ٢٢١
(١) الأثر . ٨٥٨ - محمد بن عمرو، هو محمد بن عمرو بن العباس، أبو بكر الباهلى،
وهو من شيوخ الطبرى الثقات. أكثر من الرواية عنه، مات سنة ٢٤٩ . وله ترجمة فى تاريخ بغداد
٣: ١٢٧. و((أبو عاصم)) هو النبيل، الضحاك بن مخلد. و((سفيان)): هو الثورى.
و((جابر)): هو ابن يزيد الحمى
وهكذا جاء هذا الإسناد فى هذا الموضع فى المخطوطة. ووقع فى المطبوعة ((محمد بن جعفر)) بدل
(محمد بن عمرو))، وهو خطأ لا شك فيه .
إنما الشبهة هنا : أن هذا الإسناد (( أبو عاصم، عن سفيان، عن جابر» - ير ويه الطبرى فى أكثر
المواضع ((عن محمد بن بشار)»، عن أبي عاصم. وأما روايته عن ((محمد بن عمرو))، فإنما هى لإسناد ((أبو
عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد)). والأمر قريب، ولعله روى هذا وذاك.

١٧
تفسير سورة البقرة : ٤٥ ، ٤٦
وأصل ((الخشوع)): التواضع والتذلل والاستكانة، ومنه قول الشاعر (١).
لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُبير تواضَعَتْ سُورُ المَدِينَةِ والجبالُ الخُلَّمْ(٢)
يعنى : والجبال ◌ُخُشَّع متذللة لعظم المصيبة بفقده.
٠٠
فمعنى الآية: واستعينوا، أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة
اللّه، وكفّها عن معاصى اللّه، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر،
المقرَّبة من مَراضى اللّه، العظيمةِ إقامتُها إلا على المتواضعين لله، المستکینین لطاعته،
المتذللين من مخافته .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَظُنُونَ ﴾
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمّن قد وَصَفه
بالخشوع له بالطاعة، أنه ((بظن)) أنه ملاقيه، والظن شكّ، والشاك فى لقاء الله
عندك بالله كافر ؟
قيل له: إن العرب قد تسمى اليقين ((ظنًّا))، والشك ((ظنًّا))، نظيرَ تسميتهم الظُّلمة
(١) الشعر لجرير .
(٢) ديوان جرير: ٣٤٥، والنقائض: ٩٦٩، وقد جاء منسوباً له فى تفسيره (١: ٧/٢٨٩:
١٥٧ بولاق)، وطبقات ابن سعد: ٧٩/١/٣، وسيبويه ١: ٢٥، والأضداد لابن الأنبارى: ٢٥٨،
والخزانة ٢: ١٦٦. استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت الفعل، لما أضاف ((سور)» إلى
مؤنث وهو ((المدينة))، وهو بعض منها. قال سيبويه: ((وربما قالوا فى بعض الكلام: ((ذهبت
بعض أصابعه))، وإنما أنث البعض، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه لم يؤنثه. لأنه لو
قال: ((ذهبت عبد أمك)) لم يحسن. (١ : ٢٥).
وهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه ، فإن الزبير بن العوام رضى الله عنه حين انصرف يوم
الجمل، عرض له رجل من بنى مجاشع رهط الفرزدق، فرماء فقتله غيلة. ووصف الجبال بأنها ((خشع)).
يريد عند موته ، خشمت وطأطأت من هول المصيبة فى حوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن قبح
ما لقى من غدر بنى مجاشع .
ج ٢ (٢)

١٨
تفسير سورة البقرة : ٤٦
((ُسُدْفَة)، والضياء (ُسُدْفَة))؛ والمغيث ((صَارخاً)، والمستغيت ((صارخاً))، وما أشبه
ذلك من الأسماء التى تسمى بها الشىء وضده . وما يدل على أنه يسمى به اليقين،
قولُ دُريد بن الصِّمَّة:
قُلْتُ لهِم ◌ِظُوا بِأَفَى مُدَجَّيْرٍ سَرَاتُهُمُ فى القَارِسِيِّ لُسَرَّةِ (١)
يعنى بذلك: تيقّنوا ألفى مدجج تأتيكم . وقول تمِيرة بن طارق:
بأن تَنْتَزُوا قَوْمِ وأَقْعُدَّ فِيكُمُ وَأَجْعَلَ مِ الظَّنَّ غَيْباً مُرَجَّهَ(٢)
يعنى : وأجعل منّى اليقين غيباً مرجِّماً . والشواهد من أشعار العرب وكلامها
(١) الأصمعيات: ٢٣، وشرح الحماسة ٢: ١٥٦، ومجاز القرآن لأبى عبيدة: ٤٠، وسيأتى
غير منسوب فى ٢٥ : ٨٣، وغير منسوب فى ١٣: ٥٨ برواية أخرى: «فظنوا بألفى فارس متلبب»،
وقبل البيت فى رواية الأصمعى :
وقلتُ لِعارضٍ، وأَصْحابٍ عَارض وَرَهْطِ بنِ السَّوْدَاءِ، والقَوْمُ شُهَّدِى
عَلَائِيَةٌ ظُنُوا .
ورواية أبى تمام: ((نصحت لعارض)) ... ((فقلت لهم ظنوا ... )). وهذا الشعر قاله فی رثاء
أخيه عبد الله بن الصمة، وهو عارض، المذكور فى شعره. المدجج: الفارس الذى قد تدجج فى شكته ،
أى دخل فى سلاحه، كأنه تغطى به . والسراة جمع سرى: وهم خيار القوم من فرسانهم. والفارسى المسرد:
يعنى الدروع الفارسية، قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجى:
إِذا مَشَيْنَا فِى الفَارِسِِّ كَمَا يَنْشِى جَالٌ مَصَاعِبٌ قُطُفُ
السرد: إدخال حلق الدرع بعضها فى بعض. والمسرد: المحبوك النسج المتداخل الحلق . ينذر
أخاه وقومه أنهم سوف يلقون عدواً من ذوى البأس قد استكمل أداة قتاله .
(٢) نقائض جرير والفرزدق: ٥٣، ٧٨٥، والأضداد لابن الأنبارى. ١٢. وهو عميرة بن
طارق بن ديسق اليربوهى، قالها فى خبر له مع الحوفزان، ورواية النقائض: ((وأجلس فيكم ... ))،
و((وأجعل علمى ظن غيب مرجماً)). وقبل البيت :
تَجِرُّ الفتى ذَا الطَّمْمِ أنْ يتَكلَّما
فلاَ تأمُرَّنّى يا ابنَ أسماء بالتى
ذو الطعم : ذو الخزم . وتجر، من الإجرار: وهو أن يشق لسان الفصيل ، إذا أرادوا فطاعه ،
لئلا يرضع . يعنى يحول بينه وبين الكلام .
وغزا الأمر واغتزاه : قصده، ومنه الغزو: وهو السير إلى قتال العدو وانتهابه. والمرجم: الذى
لا يوقف على حقيقة أمره ، لأنه يقذف به على غير يقين ، من الرجم : وهو القذف .
هذا، والبيت، كما رواه فى النقائض، ليس بشاهد على أن الفن هو اليقين . ورواية الطبرى
هى التى تصلح شاهداً على هذا المعنى

١٩
تفسير سورة البقرة : ٤٦
على أنّ (الظن)) فى معنى اليقين، أكثرُ من أن تحصى، وفيما ذكرنا لمن وفّق لفهمه ٢٠٧/١
كفايةٌ. ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِ مُونَ النَّارَ فَنُوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾
[ سورة الكهف: ٥٣]. وبمثل الذى قلنا فى ذلك جاء تفسيرُ المفسرين.
٨٦١-حدثی المثی بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم ، قال: حدثنا أبو جعفر،
عن الربيع، عن أبى العالية فى قوله: ((يظنون أنهم مُلاقو رَبهم)) قال: إن الظن
ههنا يقين .
٨٦٢-حدثنا محمد بنبشار ، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان،
عن جابر، عن مجاهد قال: كل ظنَّ فى القرآن يقين، (إنى ظننتُ))، ((وظنُّوا).
٨٦٣-حدثی المئی، قال: حدثنا إسحق ، قال : حدثنا أبو داود الحفرى،.
عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : كل ظنّ فى القرآن فهو
عِلْم (١).
٨٦٤ - حدثنى موسى بن هرون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسباط، عن السدى: ((الذين يظنون أنهم مُلاقو رَبّهم))، أما ((يظنون))
فیستیقنون .
٨٦٥ - حدثنى القاسم، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثی حجاج ،
قال: قال ابن جريج: ((الذين يظنون أنهم مُلاقو ربهم))، علموا أنهم ملاقو
ربهم، هى كقوله: ﴿إِنِى ظَبْتُ أَنِّى مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [سورة الحاقة: ٢٠]
يقول : علمت .
٨٦٦- وحدثنی یونس،قال: أخبرنا ابن وهب،قال قال ابن زید فی قوله:
((الذين يظنُّون أنهم مُلاقو ربّهم))، قال: لأنهم لم يعاينوا، فكان ظنُّهم يقيناً ،
(١) الأثر: ٨٦٣ - إمحق: هو ابن راهويه الإمام الحافظ. أبو داود الحفرى - بالماء
المهملة والفاء المفتوحتين - هو: عمر بن سعد بن عبيد. ووقع فى تفسير ابن كثير ١: ١٥٩ « أبو داود
الجبرى))، وهو تصحيف. وسفيان: هو الثورى .

تفسير سورة البقرة : ٤٦
٢٠
وليس ظنًّاً فى شك، وقرأ: ((إنى ظننتُ أنى مُلاق حسابيه)).
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿أَنَّهُمْ مُلْقُواْ رَبِّهِمْ)
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل : وكيف قيل إنهم ملاقو رَبّهم ، فأضيف
((الملاقون)) إلى الرب تبارك وتعالى، وقد علمتَ أن معناه: الذين يظنون أنهم يلقَوْن
ربهم ؟ وإذْ كان المعنى كذلك ، فمن كلام العرب ترك الإضافة وإثبات النون ،
وإنما تُسقط النونَ وتضيف، فى الأسماء المبنية من الأفعال، إذا كانت بمعنى
(((فعل))، فأما إذا كانت بمعنى ((يفعل وفاعل))، فشأنها إثبات النون وترك
الإضافة .
قيل : لا تدافع بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب وألسنها ، فى إجازة إضافة
الاسم المبنى من ((فعل ويفعل)) وإسقاط النون، وهو بمعنى (( يفعل وفاعل))،
أغنى بمعنى الاستقبال وحالِ الفعل ولما يَنْقَض. فلاوجه لمسئلة السائل عن ذلك:
لم قيلَ؟ وإنما اختلف أهل العربية فى السبب الذى من أجله أضيف وأسقطت
النون .
فقال نحویو البصرة، أسقطت النون من ((ملاقو رَبِّهم))، وما أشبهه من الأفعال
التى فى لفظ الأسماء، وهى فى معنى ((يفعل))، وفى معنى ما لم ينقض ، استثقالا
لها وهىُ مُرَّادة، كما قال جل ثناؤه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورةآل عمران: ١٨٥/
سورة الأنبياء : ٣٥ / سورة العنكبوت: ٥٧]، وكما قال ﴿ إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ ﴾
[سورة القمر: ٢٧]، ولمَّا يُرسلها(١)، وكما قال الشاعر :
(١) فى المطبوعة: ((ولما يرسلها بعد)).