النص المفهرس

صفحات 501-520

٤٩٧
تفسير سورة البقرة : ٣٣
((هؤلاء)) التى فى قوله: ((أنبئونى بأسماء هؤلاء)). ((فلما أنبأهم)) يقول: فلما
أخبر آدمُ الملائكةَ بأسماء الذين عرضهم عليهم فلم يعرفوا أسماءهم، وأيقنوا خطأ
قيلهم: ((أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماءَ ونحن نسبح بحمدك ونقدس
لك))، وأنهم قد هَفوا فى ذلك وقالوا ما لا يعلمون كيفية وقوع قضاء ربهم فى
ذلك لو وقع، على ما نطقوا به، - قال لهم ربهم: ((ألم أقلْ لكمُ إنّى أعلمُ غيبَ
السموات والأرض)) . والغيب : هو ما غاب عن أبصارهم فلم يعاينوه ؛ توبيخاً
من الله جل ثناؤه لهم بذلك ، على ما سلف من قيلهم ، وَفَرَط منهم من خطأ
مَسألهم . كما - :
٦٧٦ - حدثنا به محمد بن العلاء، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال :
حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((قال
يا آدمُ أنبتهم بأسمائهم))، يقول: أخبرهم بأسمائهم - «فلما أنبأهم بأسمائهم ١٧٦/١
قال: ألم أقل لكم)) أيها الملائكة خاصة ((إنّى أعلم غيبَ السموات والأرض))
ولا يعلمه غيرى(١) .
٦٧٧ - وحدثنى يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد ،
فى قصة الملائكة وآدم : فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس
لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها ، هذا عندى قد علمتُه، فكذلك
أخفيتُ عنكم أنى أجعل فيها من يعصينى ومن يُطيعنى، قال: وَسبقَ من اللّه:
﴿لَأَّمْلَأَنَّ جَهَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَْجَمِينَ﴾ [ سورة هود: ١١٩، وسورة السجدة: ١٣]،
قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه. قال: فلما رأوا ما أعطى الله آدم"
من العلم أقروا لآدم بالفضل(٢).
٠
(١) الخبر : ٦٧٦ - مختصر من الخبر السالف رقم : ٦٠٦.
(٢) الأثر: ٦٧٧ - فى ابن كثير ١: ١٣٥. فى المخطوطة: ((على بما أردت ... هذا
على » .
(٣٢)

٤٩٨
تفسير سورة البقرة : ٣٣
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَاكُـ
تَڭئُونَ﴾ ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك ، فرُوی عن ابن عباس
فی ذلك ما - :
٦٧٨ - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال :
حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس: ((وأعلم
ما تبدون)) يقول: ما تظهرون، ((وما كنتم تكتمون)) يقول: أعلم السرّ كما أعلم
العلانية . يعنى : ما كتم إبليس فى نفسه من الكبر والاغترار (١).
٦٧٩ - وحدثنى موسى بن هرون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسباط ، عن السدى فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ،
عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم: ((وأعلمُ ما تبدون وما كنتم تكتمون))، قال: قولهم: (( أتجعل فيها
من يفسد فيها ))، فهذا الذى أبدوا ، (( وما كنتم تكتمون ))، یعنی ما أسرّ إبليس
فى نفسه من الكبر (٢).
٦٨٠ - وحدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيرى،
قال : حدثنا عمرو بن ثابت ، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قوله: ((وأعلم
ما تُبدون وما كنتم تكتمون))، قال: ما أسرّ إبليس فى نفسه(٣).
(١) الخبر: ٦٧٨ - فى ابن كثير ١: ١٣٥، والدر المنثور ١: ٥٠، والشوكانى ٥٢:١.
(٢) الخبر: ٦٧٩ - فى ابن كثير ١: ١٣٥، والدر المنثور ١: ٥٠ والشوكافى ١:
٥٢، وهو مختصر الخبر السالف رقم : ٦٠٦.
(٣) الأثر: ٦٨٠ - لم أجده فى مكان. وقد مضى فى: ٦٤١ ترجمة ((عمرو بن ثابت)).
وأبيه. وبينا ما فى ذاك من شيبة الخطأ فى قوله ((عن جده)). وهذا الإسناد هنا صواب، لأن ((ثابت
ابن هرمز)» معروف بالرواية عن سعيد بن جبير .

٤٩٩
تفسير سورة البقرة : ٣٣
٦٨١ - وحدثنا أحمد بن إسحق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان
فی قوله: (( وأعلم ما ◌ُبدون وما كنتم تكتمون ))، قال: ما أسرّ إبليس فىنفسه من
الكبْر ألاّ يسجد لآدم(١) .
٦٨٢ - وحدثنى المثنى بن إبراهيم ، قال: أخبرنا الحجاج الأنماطى، قال:
حدثنا مهدى بن ميمون ، قال: سمعت الحسن بن دينار ، قال للحسن - ونحن
جُلوس عنده فى منزله: يا أبا سعيد، أرأيتَ قول الله للملائكة: ((وأعلم ما تبدون
وما كنتم تكتمون))، ما الذى كتمت الملائكة؟ فقال الحسن: إن اللّه لمّا خلق
آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فكأنهم دخلهم من ذلك شىء ، فأقبل بعضهم
إلى بعضٍ ، وأسرّوا ذلك بينهم ، فقالوا: وما يهمكم من هذا المخلوق! إن اللّه لن
يخلقَ خلقاً إلا كنا أكرمَ عليه منه(٢) .
٦٨٣ - وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا
معمر، عن قتادة، فى قوله ((وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون))، قال : أسرّوا
بينهم فقالوا: يخلق الله ما يشاءُ أن يخلُق، فلن يخلُق خلقاً إلا ونحن أكرم
عليه منه (٣) .
٦٨٤ - وحدثنى المثنى ، قال : حدثنا إسحق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبى
(١) الأثر: ٦٨١ - لم أجده فى مكان .
(٢) الأثر: ٦٨٢ - فى الدر المنثور ١: ٥٠. و((الحجاج الأنماطى)): هو الحجاج
ابن المنهال، وهو ثقة من شيوخ البخارى والدارمى وغيرهما. و((مهدى بن ميمون): ثقة معروف،
روى عن الحسن البصرى، وابن سيرين وغيرهما. وهو فى هذا الإسناد يصرح بأنه سمع جواب الحسن
البصرى ، حين سأله الحسن بن دينار . وقد فيهت على هذا ، خشية أن يظن أنه من رواية مهدى عن
الحسن بن دينار. والحسن بن دينار : كذاب لا يوثق به . وله ترجمة حافلة بالمنكرات والموضوعات ..
فى كتاب المجروحين لابن حبان، رقم: ٢٠٨، والميزان، ولسان الميزان، والتهذيب، وترجم
له البخارى فى الكبير ٢٩٠/٢/١ -٢٩١، والصغير: ١٨٥، وابن أبي حاتم ١١/٢/١ - ١٢،
وابن سعد ٣٧/٢/٧.
(٣) الأثر: ٦٨٣ - فى الدر المنثور ١: ٥٠، بلفظ آخر، منسوباً للطبرى ((عن
قتادة والحسن)).

٠٠٠
تفسير سورة البقرة : ٣٣
جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ((وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون)»،
فكان الذى أبدوا حين قالوا: (( أتجعل فيها من يفسد فيها))، وكان الذى كتموا
بينهم قولهم : لن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم . فعرفوا أن اللّه فضّل
عليهم آدم فى العلم والكرم(١).
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس ، وهو
أن معنى قوله: ((وأعلم ما تُبدون))، وأعلم - مع علمى غيبَ السموات والأرض - ما
تُظهرون بألسنتكم، ((وما كنتم تكتمون))، وما كنتم تخفونه فى أنفسكم ، فلا
يخفى علىّ شىء ، سواءٌ عندى سرائركم وعلانيتكم.
١٧٧/١
والذى أظهروه بألسنتهم ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه ، وهو قولهم:
((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك))؛
والذى كانوا يكتمونه ، ما كان منطوياً عليه إبليس من الخلاف على الله فى أمره ،
والتكبُّر عن طاعته . لأنه لا خلاف بين جميع أهل التأويل أن تأويل ذلك غيرُ
خارج من أحد الوجهين اللذين وصفت ، وهو ما قلنا ، والآخرُ ما ذكرنا من قول
الحسن وقتادة ، ومن قال إن معنى ذلك كتمانُ الملائكة بينهم لن يخلق الله خلقاً
إلا كنا أكرم عليه منه . فإذا كان لا قول فى تأويل ذلك إلا أحد القولين اللذين
وصفت ، ثم كان أحدُهما غيرَ موجودة على صحته الدّلالةُ من الوجه الذى يجب
التسليم له - صح الوجهُ الآخر . فالذى حكى عن الحسن وقتادة ومن قال بقولهما
فى تأويل ذلك ، غيرُ موجودة الدلالةُ علی مته من الكتاب ، ولا من خبر يجب
به حجة . والذی قاله ابن عباس يدلّ على صمته خبرُ الله جل ثنائه عن إبليس
وعصيانه إياه، إذْ دعاه إلى السجود لآدم فأبى واستكبر، وإظهارُه لسائر الملائكة
من معصيته و کبره ، ما كان له کاتماً قبل ذلك .
فإن ظن ظانّ أنّ الخبر عن كتمان الملائكة ما كانوا يكتمونه ، لمّا كان
(١) الأثر: ٦٨٤ - فى ابن كثير ١ : ١٣٠.

٠٠١
تفسير سورة البقرة : ٣٤،٣٣
خارجاً مخرج الخبر عن الجميع ، کان غير جائز أن یکون ما رُوی فی تأويل
ذلك عن ابن عباس - ومن قال بقوله: من أن ذلك خبر عن كتمان إبليس الكبْرَ
والمعصية - صحيحاً ، فقد ظن غير الصواب . وذلك أنّ من شأن العرب ، إذا
أخبرتْ خبراً عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه ، أن تخرج الخبر عنه
مخرج الخبر عن جميعهم، وذلك كقولهم: ((قُتل الجيش وُهزموا))، وإنما قتل الواحد
أو البعض منهم ، وهزم الواحد أو البعض . فتخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول
◌ُخرج الخبر عن جميعهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَدُونَكَ مِنْ وَرَاء
الْحُجُرَاتِ أَكَثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ [سورة الحجرات: ٤]، ذكر أن الذى نادى
رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فنزلت هذه الآية فيه - كان رجلاً من جماعة
بنى تميم ، كانوا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخرج الخبر عنه
◌ُخرج الخبر عن الجماعة. فكذلك قوله: ((وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون))،
أخرج الخبر 'ُخرج الخبر عن الجميع، والمراد به الواحد منهم.
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلِشِكَةْ
اسْجُدُوا لِأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّ إِبْلِسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
الْكَفِرِينَ﴾
(٣٤
قال أبو جعفر: أمّا قوله: ((وإذ قلنا)) فمعطوف على قوله: ((وإذ قال ربك
الملائكة » ، کأنه قال جلذ کرہ لليهود ۔ الذین کانوا بين ظهرانی مُهاجر رسول
الله صلى الله عليه وسلم من بنى إسرائيل، معدداً عليهم نعمه، ومذكرهم آلاءه ،
على نحو الذى وصفنا فيما مضى قبل -: اذكروا فعلى بكم إذْ أنعمتُ عليكم .

٠٠٢
تفسير سورة البقرة : ٣٤
فخلقت لكم ما فى الأرض جميعاً، وإذا قلت للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة
فكرمت أباكم آدمَ بما آتيته من عِلمى وفضْلى وكرامتى، وإذْ أسجدت له
ملائکتی فسجدوا له . ثم استثنى من جميعهم إبليس ، فدلّ باستثنائه إياه منهم
على أنه منهم ، وأنه ممن قد أمر بالسجود معهم ، كما قال جل ثناؤه :
﴿إِلّ إِبْلِسَ لَّ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. قَالَ مَامَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾
[ سورة الأعراف: ١١، ١٢]، فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمر إبليس فيمن أمره من
الملائكة بالسجود لآدمَ . ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عنهم أنهم فعلوه من
السجود لآدم ، فأخرجه من الصفة التى وصفهم بها من الطاعة لأمره ، ونفى عنه ما
أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم .
١٧٨/١ ثم اختلف أهل التأويل فيه: هل هو من الملائكة ، أم هو من غيرها ؟
فقال بعضهم بما - :
٠
٦٨٥ - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن
بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كان
إبليس من حىّ من أحياء الملائكة يقال لهم ((الحن))، خلقوا من نار السَّموم من
بين الملائكة. قال : فكان اسمه الحارث. قال: وكان خازناً من خُزَّان الجنة.
قال : وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحىّ . قال: وخلقت الجنّ الذى ذكروا
فى القرآن من مارج من نار ، وهو لسان النار الذى يكون فى طرفها إذا التهبت(١).
٦٨٦ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسمق ، عن خلاّد ،
عن عطاء ، عن طاوس، عن ابن عباس . قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية
من الملائكة اسمه («عزازيل))، وكان من سكان الأرض ، وكان من أشد الملائكة
(١) الخبر: ٦٨٥ - مضى بتمامه فى الخبر السالف رقم: ٦٠٦، وفى ابن كثير ١:
١٣٦، وفيهما معاً ((إذا ألهبت)). وأعاده ابن كثير ٥: ٢٩٦. وفيه كما هنا ((التهبت)).
وفيه ((الجن)) بالجيم، وانظر ما مضى ص: ٤٥٥ تعليق : ١

٥٠٣
تفسير سورة البقرة : ٣٤
اجتهاداً وأكثرهم علماً، فذلك دعاه إلى الكبر ، وكان من حىّ يسمون جنا(١).
٦٨٧ - وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن
إسحق ، عن خلاد ، عن عطاء ، عن طاوس ، أو مجاهد أبى الحجاج ، عن ابن
عباس وغيره بنحوه، إلا أنه قال: كان ملكاً من الملائكة اسمه « عزازيل)»،
وكان من سكان الأرض وُمَّارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمون ((الجنّ))
من بين الملائكة(٢).
٦٨٨ - وحدثنیموسی بن هرون ، قال : حدثناعمرو بن حماد، قال: حدثنا
أسباط ، عن السدی فی خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن
عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم : جعل إبليس على ملك سماء الدنيا ، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم
(الجنّ))، وإنما ◌ُّوا الجن لأنهم ◌ُخُزّان الجنة. وكان إبليس مع مُلكه خازناً (٣).
٦٨٩ - وحدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا حسين ، قال : حدثنى
حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : كان إبليس من أشراف
الملائكة وأكرمهم قبيلة ، وكان خازناً على الجنان ، وكان له سلطانُ سماء الدنيا ،
وكان له سلطانُ الأرض . قال : قال ابن عباس: وقوله: ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾
[سورة الكهف: ٥٠] إنما يسمى بالجنان أنه كان خازناً عليها، كما يقال للرجل
مکی ومدنی و کوفی وبصرىّ (٤) .
قال ابن جريج ، وقال آخرون : هم سبط من الملائكة قبيلِه ، فكان اسم
قبيلته الجن .
(١) الخبر: ٦٨٦ فى ابن كثير ١: ١٣٩ و٥: ٢٩٦، والدر المنثور ١ : ١٥٠،
والشوكانى ١ : ٥٣. وخلاد: هو ابن عبد الرحمن الصنعانى، وهو ثقة، ويروى عن طاوس ومجاهد
مباشرة ، ولكنه روى عنهما، هنا وفى الخبر التالى، بواسطة عطاء .
(٢) الخبر: ٦٨٧ - فى ابن كثير ١ : ١٣٩ عقب الذى قبله .
(٣) الخبر: ٦٨٨ - مختصر من الأثر السالف رقم : ٦٠٧ .
(٤) الخبر : ٦٨٩ - فى ابن كثير ١: ١٣٩ و٥: ٢٩٦، والدر المنثور ١ : ١٧٨.

٠٠٤
تفسير سورة البقرة : ٣٤
٦٩٠ - وحدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين ، قال: حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج ، عن صالح مولى التَّوْأمة، وشريك بن أبى نمر - أحدهما أو
كلاهما - عن ابن عباس ، قال: إن من الملائكة قبيلةً من الجن ، وکان إبليس
منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض(١).
٦٩١ - وحدثت عن الحسن بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد،
قال : أخبرنا ◌ُعُبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مُزَاحم يقولُ فى قوله:
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [سورة الكهف: ٥٠]، قال: كان
ابن عباس يقول : إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة . ثم ذكر
مثل حديث ابن جريج الأول سواء(٢).
٦٩٢ - وحدثنا محمد بن المثی، قال: حدثنى شيبان ، قال حدثنا سلام بن
مسكين ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب، قال: كان إبليس رئيسَ ملائكة
سماء الدنيا(٢).
٦٩٣ - وحدثنا بشربن معاذ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد،
عن قتادة، قوله: ﴿ وَ إِذْ قُلْنَا لِلْتَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كانَ
مِنَّ الْجِنِّ﴾ [سورة الكهف: ٥٠]، كان من قبيل من الملائكة يقال لهم (( الجن))،
(١) الخبر: ٦٩٠ - فى ابن كثير ٥: ٢٩٦ - ٢٩٧، وفيه زيادة هناك. وسيأتى
بإسناد آخر معلولا : ٧٠٠ .
(٢) الخبر: ٦٩١ - الحسن بن الفرج: لم أعرف من هو؟ وأبو معاذ الفضل بن خالد: هو
النحوى المروزى، وهو ثقة، ذكره ابن حبان فى الثقات، وترجمه ابن أبى حاتم ٦١/٢/٣، وياقوت
فى الأدباء ٦: ١٤٠، والسيوطى فى البنية: ٣٧٣. وقال ياقوت: ((روى عنه الأزهرى فى كتاب
التهذيب، فأكثر)). وليس يريد بذلك رواية السماع، بل يريد أنه روى آراءه أو نقله فى اللغة .
أما رواية السماع فلا. لأن الفضل هذا مات سنة ٢١١، والأزهرى ولد سنة ٢٨٢. فهذا كلام
موهم ؛ ولم يكن يجدر بالسيوطى - وهو محدث - أن يتبعه دون تأمل !
(٣) الأثر: ٦٩٢ - فى ابن كثير ١: ١٣٩. شيبان: هو ابن فروخ، وهو ثقة.
سلام بن مسكين الأزدى : ثقة ، أخرج له الشيخان .

٥٠٥
تفسير سورة البقرة : ٣٤
وكان ابن عباس يقول : لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود ، وكان على
خزانة سماء الدنيا ، قال : وكان قتادة يقول: "جَنَّ عن طاعة ربه(١).
٦٩٤ - وحدثنا الحسين بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا
معمر، عن قتادة، فى قوله: ((إلا إبليس" كان من الجن)) قال: كان من قبيل ١٧٩/١
من الملائكة يقال لهم الجن(٢).
٦٩٥ ۔۔ وحدثنا ابن حید،قال: حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحق،
قال : أما العرب فيقولون: ما الجنّ إلا كل من اجتَنَّ فلم يُرّ. وأما قوله:
(إلا إبليس من كان من الجن)) أى كان من الملائكة، وذلك أن الملائكة اجتنُّوا
فلمُ يُرَوْا. وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبَا وَلَقَدْ عَلِمَتِ
الْجِنَّة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨]، وذلك لقول قريش: إن الملائكة
بناتُ اللّه، فيقول الله: إن تكن الملائكة بناتی فإبليس منها ، وقد جعلوا بينى
وبين إبليس وذريته نسباً . قال : وقد قال الأعشى ، أعشى بنى قيس بن ثعلبة
البكرى ، وهو يذكر سليمان بن داود وما أعطاه الله:
ولَوْ كَانَ كَّىء خَلِدًا أَوْ مُعَمِّرًا لَكَانَ سُلَيمَانُ البَرِى ء من الدَّهْرِ(٣)
(١) الأثر: ٦٩٣ - لم نجده فى مكان آخر .
(٢) الأثر: ٦٩٤ - لم نجد، أيضاً. وقال الحافظ ابن كثير ٥ : ٢٩٧ - بعد أن نقل
كثيراً من الآثار فى مثل هذه المعانى: ((وقد روى فى هذا آثار كثيرة عن السلف . وغالبها من الإسرائيليات
التى تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها . ومنها ما قد يقطع بكذبه ، لمخالفته الحق الذى بأيدينا .
وفى القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة ، لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة
ونقصان ، وقد وضع فيها أشياء كثيرة. وليس لهم من الحفاظ المتقنين، الذين ينفون منها تحريف
الغالين وانتحال المبطلين - كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء،
من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد . الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه، من حسنه ،
من ضعيفه، من منكره وموضوعه، ومتروكه ومكلوبه. وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين ، وغير
ذلك من أصناف الرجال . كل ذلك صيانة الجتاب النبوى ، والمقام المحمدى ، خاتم الرسل ،
وسيد البشر، صلى الله عليه وسلم - : أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس منه . فرضى
الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهٍ. وقد فعل)).
(٣) ملحق ديوان الأعشى: ٢٤٣، والأضداد لابن الأنبارى: ٢٩٣. ولم يعن بالنهر

٠٠٦
تفسير سورة البقرة : ٣٤
بَرَاهُ إِلْعِى وَاصْطَفَهُ عِبَادَهُ وَمَلَّكَهُ مَا بَيْنِ ثُرْيَا إِلى مِصْرَ(١)
قِيَامَاً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرٍ
وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الملَائِكِ قِسْعَةً
قالَ: فأبت العربُ فى لغتها إلا أنّ ((الجن)» كل ما اجتنَّ. يقول: ما سمّى
اللّه الجن إلا أنهم اجتنُّوا فلم يُرَوَا، وما سمّى بنى آدم الإنس إلا أنهم ظهروا فلم
يجتنوا. فما ظهر فهو إنس، وما اجتنّ فلم يُرَ فهو جنّ(٢).
وقال آخرون بما - :
٦٩٦ - حدثنا به محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابن أبى عدى ،
عن عوف ، عن الحسن ، قال : ما كان إبليسُ من الملائكة طرفةَ عين قطّ ،
وإنه لأصل الجنّ ، كما أن آدم أصل الإنس(٣).
٦٩٧ - وحدثنا بشربن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا
سعید ، عن قتادة، قال: کان احسن یقول فى قوله: (( إلاّ إِلیس کان من الجن ))
ألجأه إلى نسبه(٤)، فقال الله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أوِْيَاءَ مِنْ دُونِ
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِشَْ لِّالِمِينِ بَدَلاً﴾ [سورة الكهف: ٥٠]، وهم يتوالدون كما
يتوالد بنوآدم(٥).
٦٩٨ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح ، قال : حدثنا
ههنا الأمد الممدود ، بل عنى مصائب الدهر ونكباته ، كما قال عدى بن زيد ، وجعل مصائب
الدهر هى الدهر نفسه :
أَيُّها الشامِتُ الْمُعَيِّر بالدَّ هْرٍ أَنْتَ المبرَّأُ المَوْفُورُ
(١) ثريا: هكذا ضبط فى ملحق ديوان الأعثى، ولم أعرف الموضع ولم أجده. ولم أهتد
إلى تحريفه إن كان محرفاً. وفى الأضداد: ((تونى)).
(٢) الأثر: ٦٩٥ - رواه مختصراً صاحب الأضداد: ٢٩٣، ولم أجده فى مكان آخر.
(٣) الأثر: ٦٩٦- فى ابن كثير ١: ١٣٩ و٥: ٢٩٦. وقال: ((وهذا إسناد صحيح
عن الحسن)).
(٤) فى المطبوعة: ((إلجاء إلى نسبه))، والجأه إلى نسبه: رده إليه. وانظر رقم: ٦٥٥
(٥) الأثر : ٦٩٧ - لم أجده فى مكان.

٠٧.
تفسير سورة البقرة : ٣٤
أبو سعيد اليحمدىّ ، حدثنا إسمعيل بن إبراهيم ، قال : حدثنا سواربن الجعد
الیحمدى ، عن شهر بن حوشب ، قوله: (( من الجن » ، قال : کان إبليس
من الجنّ الذين طرَدتهم الملائكة، فأسرّه بعض الملائكة فذهب به إلى السماء(١).
٦٩٩ - وحدثنى على بن الحسين ، قال : حدثنى أبو نصر أحمد بن محمد
الخلاّل ، قال : حدثی سنید بن داود ، قال حدثنا هشيم ، قال أخبرنا عبدالرحمن
بن يحيى ، عن موسى بن نمير ، وعثمان بن سعيد بن كامل ، عن سعد بن مسعود ،
قال : كانت الملائكة تقاتل الجنّ، فسُبِى إبليس وكان صغيراً ، فكان مع الملائكة
فتعبَّد معها ، فلما أمِروا بالسجود لآدم سجدوا . فأبى إبليس . فلذلك قال الله:
(إلا إبليس كان من الجن))(٢) .
٧٠٠ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا المبارك
بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر، عن صالح مولى التوأمة،
عن ابنعباس، قال : إن من الملائكة قبیلاً یقال لهم: الجن، فکان إِبليسمنهم،
وكان إبليس يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه اللّه شيطاناً رجيما(٣).
٧٠١ - قال : وحدثنا يونس ، عن ابن وهب ، قال : قال ابن زيد :
إبليس أبو الجن ، كما آدم أبو الإنس(٤).
٠٠٠
وعلة من قال هذه المقالة ، أن الله جل ثناؤه أخبر فی کتابه أنه خلق إبليس
من نار السَّموم ، ومن مارج من نار ، ولم يخبر عن الملائكة أنه خلقها من شىء ١٨٠/١
من ذلك ، وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجن" - فقالوا : فغيرُ جائز أن يُنسب
إلى غير ما نسبه الله إليه. قالوا: ولإبليس نسلٌ وذرية، والملائكة لاتتناسل ولا تتوالد.
(١) الأثر : ٦٩٨ - فى ابن كثير ١ : ١٣٩.
(٢) الأثر: ٦٩٩ - فى ابن كثير ١ : ١٣٩.
(٣) الخبر: ٧٠٠ - هو فى ابن كثير ١: ١٣٩. وقد مضى نحوه مختصراً، بإسناد
آخر : ٦٩٠ .
(٤) الأثر: ٧٠١ - لم أجده فى مكان .

٠٠٨
تفسير سورة البقرة : ٣٤
٧٠٢ - حدثنا محمد بن سنان القزّاز، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شريك،
عن رجل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إن الله خلق خلقاً، فقال :
اسجدوا لآدم: فقالوا: لا نفعل . فبعث الله عليهم ناراً تُحرقهم، ثم خلق خلقاً آخر،
فقال: إنى خالقٌ بشراً من طين ، اسجدوا لآدم. فأبوا، فبعث الله عليهم ناراً
فأحرقتهم . قال : ثم خلق هؤلاء ، فقال: اسجدوا لآدم . فقالوا: نعم . وكان
إبليسُ من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم(١).
٠٠٠
قال أبو جعفر : وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها . وذلك أنه غيرُ
مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصنافَ ملائكته من أصنافٍ من خلقه
ثَتَّى . فخلق بعضاً من نُور ، وبعضاً من نار ، وبعضاً مما شاء من غير ذلك.
وليس فى ترك الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته(٢)، وإخباره عما خلق منه
إبليس - ما يوجب أن يكون إبليس خارجاً عن معناهم. إذْ كان جائزاً أن يكون
خلق صنفاً من ملائكته من نار كان منهم إبليس ، وأن يكون أفرد إبليس بأن
خلقه من نار السموم دون سائر ملائكته . و کذلك غیرُ مخرجه أن یکون كان من
"الائكة بأنْ كان له نسل وذرية، لِمَا رَكَّب فيه من الشهوة واللذة التى نُزعت من
سائر الملائكة، لما أراد الله به من المعصية. وأما خبرُ اللّه عنه أنه ((من الجن))،
فغير مدفوع أن یسمیما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار کلھا جنًّا ۔کما قد ذكرنا قبل
فى شعر الأعشى - فيكون إبليسُ والملائكةُ منهم ، لاجتنانهم عن أبصار بنى آدم.
(١) الأثر: ٧٠٢ - فى ابن كثير ١: ١٣٩، والدر المنثور ١: ٥٠ وقال ابن كثير
فى إسناده: ((وهذا غريب، ولا يكاد يصح إسناده، فإن فيه رجلا مبهماً، ومثله لا يحتج به،
والله أعلم)).
(٢) فى المطبوعة: ((وليس فيما نزل الله جل ثناؤه ... ))، وهو خطأ صرف. وقوله بعد:
((وإخباره عما خلق منه إبليس)) معطوف على قوله: ((وفى ترك ... )).

٥.٠٩
تفسير سورة البقرة : ٣٤
القول فى معنى ( إبليس)
قال أبو جعفر: وإبليس ((إفعيل))، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير
والندمُ والحزن . كما - :
٧٠٣ - حدثنا به أبو کریب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال: حدثنا
بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس، قال: إبليس ،
أبلسه اللّه من الخير كله، وجعله شيطاناً رَجباً عقوبة لمعصيته(١).
٧٠٤ - وحدثنا موسى بن هرون، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدی، قال: كان اسم إبليس (( الحارث))، وإنما سمی إبليس حين
أبلس مُتحيِّراً (٢).
قال أبو جعفر: وكما قال اللهجل ثناؤه: ﴿فَإِذَاهُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٤]،
يعنى به : أنهم آيسون من الخير ، نادمون حزناً ، كما قال العجَّاج:
يَاصَاحِ، هلْ تْرِفُ رَسْمَاً مُكْرَسَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَعْرِفُه! وَأَبْلَسَا(٣)
(١) الخبر: ٧٠٣ - مختصر من الخبر السالف رقم: ٦٠٦، وهو فى الدر المنثور١:
٥٠، والشوكانى ١ : ٥٣ .
(٢) الأثر: ٧٠٤ - فى الدر المنثور ١: ٥٠، مقتصراً على أوله إلى قوله: ((الحارث)).
وجاء النص فى المطبوعة هكذا: ((وإنما سمى إبليس حين أبلس فغير كما قال الله جل ثناؤه ... ))
أسقطوا ما أثبتناه من المخطوطة، لأنهم لم يحسنوا قراءة الكلمة الأخيرة ، فبدلوها ووصلوا الكلام بعد
الحذف، وهو تصرف معيب. وقوله: ((متحيراً)، كتبت فى المخطوطة ممجمجة هكذا ((مجرا)) غير
معجبة . والإبلاس: الحيرة ، فكذلك قرأتها .
(٣) ديوانه ١: ٣١، والكامل ١: ٣٥٢، واللسان: (بلس)، (كرس). المكرس :
الذى صار فيه الكرس، وهو أبوال الإبل وأبعادها يتليد بعضها على بعض فى الدار . وأبلس الرجل :
سكت غماً وانكسر وتحير ولم ينطق .

٥١٠
تفسير سورة البقرة : ٣٤
وقال رؤبة :
وحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الْأخَْسْ وَفِى الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وإِبْلَاسْ(١)
يعنى به اكتئاباً وكسوفاً .
فإن قال قائل: فإن كان إبليس ، كما قلت ،((إفعیل ، من الإبلاس، فهلاً
◌ُصُرف وأجرى ؟ قيل: تُرك إجراؤه استثقالا، إذ كان اسماً لا نظير له من أسماء
العرب، فشبَّهته العرب - إذْ كان كذلك - بأسماء العجم التى لا تُجرَى . وقد
قالوا: مررت بإسحق، فلم يُجروه. وهو من ((أسمقه اللّه إسحاقاً))، إذْ كان ◌َقع
مبتدأ اسماً لغير العرب، ثم تسمت به العرب فجرى مجراه - وهو من أسماء العجم - فى
الإعراب فلم يصرف. وكذلك ((أيوب))، إنما هو ((فيُعول)) من ((آب يؤبُ)).
وتأويل قوله: ((أبى))، يعنى جل ثناؤه بذلك إبليس ، أنه امتنع من السجود
لآدم فلم يسجد له. ((واستكبر))، يعنى بذلك أنه تعظّم وتكبَّر عن طاعة الله
فى السجود لآدم . وهذا ، وإن كان من الله جل ثناؤه خبراً عن إبليس ، فإنه
١٨١/١ تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقياد
لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه ، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من
الحق . وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله، والتذلل لطاعته ، والتسليم لقضائه
فيا ألزمهم من حقوق غيرهم - اليهودُ الذين كانوا بين ظهرانىْ مُهَاجَرِ رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصِفته
عارفين، وبأنه اللّه رسولٌ عالمين. ثم استكبروا - مع علمهم بذلك - عن الإقرار
بنبوته ، والإذعان لطاعته ، بغياً منهم له وحسداً . فقر عهم الله بخبره عن إبليس
(١) ديوانه: ٦٧، والسان (بلس)، ورواية ديوانه ((وعرفت يوم الخميس)). وبين
البيتين بيت آخر هو :
((وَقَدْ نَزَتْ بِينَ التَّرَاقِ الأَنْفَاسْ))

٠١١
تفسير سورة البقرة : ٣٤
الذى فعل فى استكباره عن السجود لآدم حسداً له وبغياً ، نظيرَ فعلهم فى التكبر
عن الإذعان لمحمد نبى الله صلى الله عليه وسلم ونبوته، إذ جاءهم بالحق من عند
ربهم حسداً وبغياً .
ثم وَصَف إبليس بمثل الذى وصف به الذين ضربه لهم مثلا فى الاستكبار
والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمره الله بالخضوع له ، فقال جل ثناؤه :
((وكان)) - يعنى إبليس - ((منَ الكافرين)) - من الجاحدين نعم" اللّه عليه
وأياديّه عنده ، بخلافه عليه فيما أمرَه به من السجود لآدم ، كما كفرت اليهود نعم
ربُّها التى آتاها وآباءَ ها قبلُ: من إطعام اللّه أسلافهم المنّ والسلوى، وإظلال
الغمام عليهم ، وما لا يحصى من نعمه التى كانت لهم ، خصوصاً ما خصَّ الذين
أدرکوا محمداً صلى الله عليه وسلم یإدرا کهم إياه ، مشاهدتهم حجة الله علیهم،
فجحدت نبوته بعد علمهم به ، ومعرفتهم بنبوته حسداً وبغياً . فنبسه اللّه جل
ثناؤه إلى ((الكافرين))، فجعله من عِدَادهم فى الدين والملة ، وإن خالفهم فى
الجنس والنسبة. كما جعل أهل النفاق بعضهم من بعض، لاجتماعهم على النفاق، وإن
اختلفت أنسابهم وأجناسهم فقال: ﴿ الْمُنَافِقُونَ والمُنَافِقَتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
[ سورة التوبة: ٦٧] يعنى بذلك أن بعضهم من بعض فى النفاق والضلال.
فكذلك قوله فى إبليس : كان من الكافرين ، كان منهم فى الكُفر باللّه ومخالفتِه
أمرَه، وإن كان مخالفاً جنسُه أجناسهم ونسبُهُ نسبهم. ومعنى قوله: ((وكان من الكافرين))
أنه كان - حين أبى عن السجود - من الكافرين حينئذ .
وقد رُوى عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية أنه كان يقول : فى تأويل
قوله: ((وكان منَ الكافرين))، فى هذا الموضع ، وكان من العاصين.
٧٠٥ - حدثنى المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلانى ، قال : حدثنا
أبو جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية، فى قوله: ((وكان من الكافرين)»، يعنى العاصين(١).
(١) الأثر ٧٠٥ - فى ابن كثير ١ : ١٤٠.

٥١٢
تفسير سورة البقرة : ٣٥
٧٠٦ - وُحدّثت عن عمار بن الحسن، قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر،
عن أبيه ، عن الربيع ، بمثله .
وذلك شبيه بمعنى قولنا فيه .
وكان سجود الملائكة لآدم تكرمةً لآدم وطاعة لله، لا عبادةً لآدم ، كما :-
٧٠٧ - حدثنا به بشربن معاذ : قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال :
حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم))، فكانت
الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أجد له ملائكته(١).
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره (وَقُلْنَا يَّادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾
قال أبو جعفر: وفى هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال: إن
إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم ، وأسكنها آدمُ قبل أن
يهبط إبليس إلى الأرض. ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول: ((وقلنا يا آدمُ اسكنْ
أنت وزوجك الجنة وكُلاَ منها رَغداً حَيثُ شئما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا
١٨٢/١ منَ الظالمين . فأزلهما الشيطانُ عنها فأخرَجهما مما كانا فيه)). فقد تبين أن
إبليس إنما أزلهما عن طاعة الله بعد أن لُعين وأظهرَ التكبر، لأن سجود الملائكة لآدم
كان بعد أن نُفخ فيه الروح ، وحينئذ كان امتناع إبليس من السجود له ، وعند
الامتناع من ذلك حَلَّت عليه اللعنة. كما :-
٧٠٨ - حدثنى به موسى بن هرون، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسباط ، عن السدى فى خبر ذكره ، عن أبى مالك وعن أبى صالح ، عن
(١) الأثر: ٧٠٧ - فى ابن كثير ١: ١٤٠، وفى الدر المنثور ١: ٥٠ مطولاً.

١٣°
تفسير سورة البقرة : ٣٥
ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى اللّه
عليه وسلم: أن عدوّ اللّه إبليس أقسم بعزة اللّه ليُغويَنَّ آدم وذريته وزوجته إلا عباده
المخلصين منهم ، بعد أن لعنه الله، وبعد أن أخرج من الجنة، وقبل أن يهبط إلى
الأرض. وعلّ اللّه آدم الأسماء كلها(١).
٧٠٩ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، قال : لما
فرغ اللّه من إبليس ومعاتبته، وأبى إلاّ المعصية وأوقع عليه اللعنة ، ثم أخرجه من
الجنة، أقبل على آدمَ وقد علّمه الأسماء كلها، فقال: ((يا آدم أنبئهم بأسمائهم))
إلى قوله (( إنك أنت العليم الحكيم))(٢).
ثم اختلف أهل التأويل فى الحال التى خُلقت لآدم زوجته ، والوقت الذى
جعلت له سكناً. فقال ابن عباس بما : -
٧٢٠ - حدثنى به موسى بنْ هرون، قال : حدثنا عمرو بن حماد ،
قال : حدثنا أسباط ، عن السدى فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى
صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب
النبى صلى اللّه عليه وسلم: فأخرِج إبليسُ من الجنة حين لعن ، وأسكِن آدم
الجنة . فكان يمشى فيها وَحْشاً ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، وإذا
عند رأسه امرأة قاعدةٌ خلقها الله من ضلعه ، فسألها : من أنت ؟ فقالت : امرأة .
قال: ولم خلقت ؟ قالت: تسكن إلىّ. قالت له الملائكة - ينظرون ما بلغ علمه -:
ما اسمها يا آدم ؟ قال: حواء . قالوا: ولم ◌ُسميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من
شىء حىّ. فقال اللّه له: ((يا آدمُ اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغداً
حیث شئتما »(٣)
(١) الخبر: ٧٠٨ - لم أجده فى مكان.
(٢) الأثر: ٧٠٩ - لم أجده فى مكان بنصه هذا، لكنه من صدر الأثر الآتى بعد رقم : ٧١١
(٣) الأثر: ٧١٠ - فى تاريخ الطبرى ١: ٥٢، مع اختلاف فى بعض اللفظ. وابن كثير
١: ١٤٢ والشوكانى ١: ٥٦، وقوله: ((وحشاً)) أى ليس معه غيره، خلواً. ومكان وحش: خال.
*: (٣٣)
1

تفسير سورة البقرة : ٣٥
٠١٤
فهذا الخبر يُنىء أن حواء خُلقت بعد أن مكن آدمُ الجنةَ، فجعلت له
سكناً .
وقال آخرون : بل ◌ُخُلقت قبل أن يسكن آدم الجنة. ذكر من قال ذلك :
٧١١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، قال : لما
فرغ الله من معاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال: ((يا آدم
أنبئهم بأسمائهم)) إلى قوله: ((إنك أنت العليم الحكيم)). قال: ثم ألقى السَّنَةَ على
آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة ، وغيرهم من أهل العلم، عن
عبد الله بن عباس وغيره - ثم أخذ ضِلَعاً من أضلاعه من شيقَّه الأيسر، ولأم
مکانہ لحماً ، وآدم نائم لم يهبً من نومته، حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء،
فسوّاها امرأةٌ ليسكن إليها. فلما كُشف عنه السُّنة وهبّ من نومته ، رآها إلى
جنبه ، فقال - فيما يزعمون والله أعلم -: لحمى ودمى وزوجتى، فسكن إليها .
فلما زوّجه الله تبارك وتعالى، وجعل له سكناً من نفسه، قال له قبيلاً: (( يا آدم
اسكنْ أنتَ وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئما ولا تقربا هذه الشجرة
فتكونا من الظالمين )) (١).
قال أبو جعفر: ويقال لامرأة الرجل : زَوْجُه وزَوْجتُه، والزوجة بالهاء
أكثر فى كلام العرب منها بغير الهاء. والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْد شنوءة .
فأما الزوج الذى لا اختلاف فيه بين العرب، فهو زوجُ المرأة(٢).
(١) الأثر: ٧١١ - فى تاريخ الطبرى ١: ٥٢ وابن كثير ١: ١٤١ - ١٤٢. وقوله (قال
لە قبیلا ، أی عیاناً . وفى حديث أبى ذر (ابن كثير ١: ١٤١) ((قال: قلت يا رسول الله؛ أرأيت
آدم ؛ أنبياً كان ؟ قال: فعم نبياً رسولا يكلمه الله قبيلا - أى حياناً)). وجاء هذا الحرف فى المطبوعة:
((قال له فتلا يا آدم اسكن ... )) وهو خطأ. وفى تاريخ الطبرى ((قال له قيلا يا آدم ... )) وهو
أيضاً خطأً.
(٢) انظر اختلافهم فى ذلك فى مادته (زوج) من لسان العرب.
١

تفسير سورة البقرة : ٣٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ مِثْمًا)
قال أبو جعفر: أما الرَّغَد ، فإنه الواسع من العيش، الهنىء الذى لا يُعنِّى
صاحبه . يقال : أرْغد فلان ، إذا أصاب واسعاً من العيش الحنىء ، كما قال
امرؤ القيس بن حُجْر :
بَيْنَا المَرْءِ تَرَاهِ نَاعِاَ يَأْمَنُ الأَحْدَاثَ فى عيشٍ وَغَدْ(١)
١٨٣/١
٧١٢ - وكما حدثنى به موسى بن هرون قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدی فیخبر ذكره ، عن أبىمالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس
- وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،
(( وكلا منها رغداً))، قال: الرغد، الخنىء (٢).
٧١٣ - وحدثنى محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قوله: ((رغداً))، قال: لاحساب
عليهم .
٧١٤ - وحدثنا المثنى، قال حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل ، عن
ابن آبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
٧١٥ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد
ابن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد: ((وكلامنها رغداً))، أى
لا حساب عليهم (٣).
٧١٦ - وُحدّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة،
(١) لم أجد البيت فيما جمعوا من شعر امرىء القيس.
(٢) الخبر: ٧١٢ - فى الدر المنثور ١: ٥٢، والشوكانفى ١ : ٥٦.
(٣) الآثار: ٧١٣ - ٧١٥ فى الدر المنثور ١: ٥٢، والشوكانى ١: ٥٦

٥١٦
تفسير سورة البقرة : ٣٥
عن أبى روق، عن الضحاك ، عن ابن عباس: ((وكلا منهما رغداً حيث
شئتما))، قال: الرغد، سعة المعيشة.(١)
فمعنى الآية وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، وكلا من الجنة رزقاً واسعاً
هنيئاً من العيش حيث شئتما .
٧١٧ - كما حدثنا بشربن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُريع ، قال :
حدثنا سعيد ، عن قتادة، قوله: (( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها
رَغداً حيث شئتما ))، ثم إن البلاء الذى كتب على الخلق، كتب على آدمَ ، كما ابتُلى
الخلقُ قبله، أن الله جل ثناؤه أحل له ما فى الجنة أن يأكل منها رَغداً حيث شاء،
غيرَ شجرة واحدة ◌ُنهى عنها، وقُدُّم إليه فيها، فما زال به البلاء حتى وقع بالذى
مُى عنه (٢).
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَلَا تَقْرَبَ هُذِهِ الشّجَرَةَ﴾
قال أبو جعفر : والشجر فى كلام العرب : كلّ ما قام على ساق ، ومنه
قول الله جل ثناؤه ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [سورة الرحمن: ٦]، يعنى
بالنجم ما نَجمَ من الأرض من تبت ، وبالشجر ما استقلّ على ساق .
ثم اختلف أهل التأويل فى عين الشجرة التى نهى عن أكل ثمرها آدم،
فقال بعضهم : هى السُّنبلة . ذكر من قال ذلك :
٧١٨ - حدثنى محمد بن إسمعيل الأحمسى ، قال: حدثنا عبد الحميد الحمانى،
(١) الخبر : ٧١٦ - فى الدر المنثور ١: ٥٢ والشوكانى ١ : ٥٦
(٢) الأثر: ٧١٧ - فى الدر المنثور ١: ٥٣ من غير طريق الطبرى. وقوله: ((قدم إليه
فيها)) أى أمر فيها بأمر أن لا يقربها. ويقال: تقدمت إليه بكذا وقدمت إليه بكذا: أى أمرته بكذا .