النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٥٧
تفسير سورة البقرة : ٣٠
عقوبةً لمعصيته . ثم علم آدم الأسماء كلها ، وهى هذه الأسماء التى يتعارف بها
الناس: إنسان ودابة وأرْض وسهلٌ وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .
ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة - يعنى الملائكة الذين كانوا مع إبليس ،
الذين خلقوا من نار السموم- وقال لهم: أنبئونى بأسماء هؤلاء - يقول: أخبرونى بأسماء
هؤلاء، إن كنتم صادقين، إن كنتم تعلمون أنّ لمّ أجعلُ خليفة فى الأرض(١).
قال : فلما علمت الملائكة مؤاخذةَ اللّه عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب ،
الذى لا يعلمه غيره ، الذى ليس لهم به علم، قالوا: سبحانك، تنزيهاً لله من
أن يكون أحد يعلم الغيب غيرُه - تبنا إليك، لا علم لنا إلاما علمتنا، تبرِّياً منهم من
علم الغيب ، إلاما علمتنا كما علّمت آدم . فقال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم - يقول:
أخبرهم بأسمائهم . فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم- أيها الملائكة خاصة -
إنى أعلم غيبَ السموات والأرض ، ولا يعلمه غيرى ، وأعلم ما تبدون - يقول:
ما تُظهرون - وما كنتم تكتمون - يقول: أعلم السرّ كما أعلم العلانية ، يعنى
ما كتم إبليس فى نفسه من الكبر والاغترار (٢).
قال أبو جعفر : وهذه الرواية عن ابن عباس ، تُنبئ عن أن قول الله جل
ثناؤه: ((وإذ قال ربك للملائكة إلى جاعلٌ فى الأرض خليفة))، خطابٌ من
الله جل ثناؤه الخاصٍ من الملائكة دون الجميع ، وأنّ الذين قيل لهم ذلك
من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصةً - الذين قاتلوا معه جنّ الأرض قبل
خلق آدم - وأنّ اللّه إنما خصّهم بقيل ذلك امتحاناً منه لهم وابتلاء" ، ليعرِّفُهم قصورَ
علمهم وفضلَ كثير ممن هو أضعفُ خلقاً منهم من خلقه عليهم ، وأنّ كرامته
(١) فى المطبوعة: ((أنكم تعلمون أنى أجعل فى الأرض خليفة))، وقوله ((لم أجعل ... )
سقط ((لم)) من المخطوطة أيضاً. والصواب من الدر المنثور، والشوكانى، حيث يأتى تخريجه .
وسيأتى على الصواب أيضاً فى رقم : ٦٧١ ص : ٤٩٠، وهو مختصر من هذا الأثر .
(٢) الخبر: ٦٠٦ - خرجه السيوطى فى الدر المنثور مفرقاً ١: ٤٤ - ٤٥، ٤٩، ٥٠.
والشوكانى ١: ٥٢ بعضه مفرقاً. وروى الطبرى قطعة منه، بهذا الإسناد، فى تاريخه ١ : ٤٢ - ٤٣.

٤٠٨
تفسير سورة البقرة : ٣٠
لا تنال بقوَى الأبدان وشدّة الأجسام، كما ظنه إبليس عدوّ اللّه. ومُصَرِّح بأن
قيلهم لربِّهم(١): (( أتجعل فيها منُ يُفسد فيها ويسفك الدماء))، كانت هفوةً"
منهم ورجماً بالغيب ؛ وأن الله جل ثناؤه أطلعهم على مكروه ما نطقوا به من ذلك ،
ووقفتهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مماقالوا ونطقوا من رَجْم الغيْب بالظُّنون،
١٦٠/١ وتبرَأوا إليه أن يعلم الغيب غيرُه. وأظهر" لهم من إبليس ما كان منطوياً عليه من
الكبر الذى قد كان عنهم مستخفياً(٢).
٠٠٠
وقد رُوى عن ابن عباس خلاف هذه الرواية ، وهو ما : -
٦٠٧ - حدثنى به موسى بن هرون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال :
حدثنا أسباط ، عن السدی فی خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ،
عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبى صلى الله
عليه وسلم: ((لما فرغ اللّه من خلق ما أحبّ، استوى على العرش ، فجعل إبليس
على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن"(٣) - وإنما سموا
الجنّ لأنهم. خزّان الجنة. وكان إبليس مع مُلكه خازنا، فوقع فى صدره
کبر ، وقال : ما أعطائی اللّه هذا إلا لمزیة لی ۔ ھکذا قال موسى بن هرون ، وقد
حدثنى به غيره، وقال: لمزيّة لى على الملائكة (٤) - فلما وقع ذلك الكبر فى نفسه ،
(١) فى المطبوعة: ((ويصرح))، وسياق الكلام: ((تنى" عن أن قول الله ... خطاب من
الله جل ثناؤه خاص من الملائكة دون الجميع، .. ومصرح بأن قيلهم))، عطفاً على خبر ((أن)).
(٢) هذا التعقيب على خبر ابن عباس، دليل على ما ذهبنا إليه فى بيان طريقة الطبرى فى الاستدلال
بالأخبار والآثار انظرص: ٤٥٣-٤٥٤. فهو لم يروه لاعتماد ته، بل رواء لبيان أن قول الله سبحانه:
((وإذ قال ربك الملائكة إنى جاهل فى الأرض خليفة))، إنما هو خطاب فيه لفظ العموم ((الملائكة))،
ويراد به الخصوص لبعض الملائكة، كما هو معروف فى لسان العرب. وأن قول هؤلاء الملائكة: ((أتجعل
فيها من يفسد فيها ... ))، لم يكن عن علم عرفوه من على الغيب، بل كان علناً غظنوه. وسيأتى بعد
ما يوضح مذهب الطبرى فى الاستدلال، كما سأشير إليه فى موضعه .
(٣) فى المخطوطة: ((الحن)) بالحاء، وتفسيرها التالى يدل على أنها بالجحيم. وانظر ما كتبناه
آنفاً فى س : ٤٥٥ التعليق : ١
(٤) غيره، الذى أبهمه الطبرى هنا، بينه فى التاريخ ١: ٤٣، قال: ((وحدثنى به
أحمد بن أن عيشة ، عن عمرو بن حماد».

٤٥٩
تفسير سورة البقرة : ٣٠
اطلع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ((إنى جاعل فى الأرض خليفة)).
قالوا : ربنا ، وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون فى الأرض
ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً. قالوا: ربنا ، (( أتجعل فيها من يفسد فيها
ويسفك الدماء ونحنُ نسبِّح بحمدك ونُقدّس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون)).
يعنى من شأن إبليس . فبعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض :
إنى أعوذ بالله منك أن تنقص منى أو تشينى . فرجع ، ولم يأخذ . وقال : ربُ
إنها عاذت بك فأعذْتُها. فبعث الله ميكائيل، فعادَت منه فأعاذها ، فرجع
فقال كما قال جبريل. فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن
أرجع ولم أنفذ أمره . فأخذ من وجه الأرض، وخلط فلم يأخذ من مكان واحد ،
وأخذ من تُرْبة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين . فصَعِد به ،
قبلَ التراب حتى عاد طيناً لازباً - واللازبُ: هو الذى يلتزق بعضه ببعض -
ثم ترك حتى أنتن وتغير (١). وذلك حين يقول: ﴿مِنْ حَأْ مَسْنُون﴾
[سورة الحجر: ٢٨] . - قال: منتنـ ثم قال للملائكة: ﴿إِنِى خَلِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ
فَإِذَا سَوِّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَّمُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة ص ٧١ -٧٢].
فخلقه الله بیدیه لكيلا يتكبر إبليس عنه ، ليقول له : تتكبر عما عملت بيدىّ ،
ولم أتكبر أنا عنه؟ فخلقه بشراً ، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار
یوم الجمعة : فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه. و کان أشد هم منه فزعاً إبليس ،
فکان يمر به فيضربه فيصوّت الجسدُ کما يصوّت الفخار وتكون له صلصلة ،
فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالِ كَالْفَخَّارِ﴾ [سورة الرحمن : ١٤]. ويقول لأمر
ما خُلقت! ودخل من فيه فخرج من دُبُره. فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا،
(١) فى المطبوعة ((حين أنتن))، وصحته ((حتى أنتن))، كما فى تاريخ الطبرى، وتفسير
ابن كثير - فيما نبين فى تخريجه .

٤٦٠
تفسير سورة البقرة : ٣٠
فإنّ ربكم صَمَّدٌ وهذا أجوف(١). لئن سُلطت عليه لأهلكنّه. فلما بلغ الحين
الذى يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح ، قال الملائكة : إذا نفختُ فيه
من رُوحى فاسجدوا له . فلما نفخ فيه الرّوح فدخل الروح فى رأسه ، عَطَس ،
فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمدُ لله. فقال له اللّه: رحمك ربُّك.
فلما دخل الروح فى عينيه نظر إلى ثمار الجنة . فلما دخل فى جوفه اشتهى الطعام ،
فوَثَب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلانَ إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول :
( خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [سورة الأنبياء: ٣٧]. فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا
إبليس أبى أن يكون مع الساجدين - أى استكبر"(٢) - وكان من الكافرين. قال
اللّه له : ما منعك أن تسجد إذا أمرتك لما خلقتُ بيدى؟ قال: أنا خير منه ،
لم أكن لأسجدَ لبشر خلقته من طين . قال اللّه له: اخرج منها فما يكون لك
- يعنى ما ينبغى لك -. أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين - والصَّغار:
هو الذل .. قال وعلَّم آدم الأسماء كلها ، ثم عرض الخلق على الملائكة، فقال
١٦١/١ أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّ بنى آدم يفسدون فى الأرض ويسفكون
الدماء . فقالوا له : سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنتَ العليم الحكيم .
قال الله: يا آدم أنبئهم بأسمائهم ، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم إنى أعلم
غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. قال قولهم: ((أتجعل
فيها من يفسد فيها))، فهذا الذى أبدَوْا، ((وأعلم ما كنتم تكتمون))، يعنى ما أسر
إبليس فى نفسه من الكبر (٣).
(١) الصمد هنا: هو الذى لا جوف له، والمصمد والمصمت واحد. وانظر ١٠ سلف
ص : ٤٥٦ تعليق : ١ .
(٢) فى المطبوعة: ((أبى واستكبر))، وهو تحريف.
(٣) الخبر: ٦٠٧ - روى الطبرى قطعة منه فى تاريخه (١: ٤١ - ٤٢، بهذا الإسناد.
وقطعة أخرى أيضاً ١ : ٤٣ . وثالثة ١ : ٤٥ - ٤٦. ورابعة ١ : ٤٧ . وخامسة ١ : ٤٧ - ٤٨ .
وسادسة ١: ٥٠. وبعضه عن السيوطى ١: ٤٥ - ٤٧، والشوكانى ١: ٥٠. وقد مضى تعليل
هذا الإسناد، فى: ١٦٨، ورأى الطبرى نفسه فيه: ٤٥٢، وأنه فيه مرتاب . وقد ساقه ابن

٦١)
تفسير سورة البقرة : ٣٠
قال أبو جعفر : فهذا الخبر أوّله مخالف معناه معنى الرواية التى رويت
عن ابن عباس من رواية الضحاك التى قد قدمنا ذكرها قبل ، وموافقٌ معنى آخره
معناها . وذلك أنه ذكر فى أوّله أن الملائكة سألت ربها : ما ذاك الخليفة ؟ حين
قال لها : إنى جاعلٌ فى الأرض خليفة. فأجابها أنه تكون له ذُرّية يفسدون فى
الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً. فقالت الملائكة حينئذ : أتجعل فيها
من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ فكان قولُ الملائكة ما قالت من ذلك لرَبِّها ،
بعد إعلام اللّه إياها أنّ ذلك كائن من ذُرّية الخليفة الذى يجعله فى الأرض.
فذلك معنى خلاف أوله معنى خبر الضحاك الذى ذكرناه .
وأما موافقته إياه فى آخره، فهو قولهم فى تأويل قوله: ((أنبئونى بأسماء هؤلاء
إن كنتم صادقين)): أنّ بنى آدم يفسدون فى الأرض ويسفكون الدماء ، وأن
الملائكة قالت إذ قال لها ربها ذلك، تبرّياً من علم الغيب -: ((سبحانك لا علم لنا
إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)).
وهذا إذا تدبّره ذوالفهم، علم أن أوّله يفسد آخره، وأن آخره يُبطل معنى أوّله.
وذلك أن الله جل ثناؤه إن كان أخبر الملائكة أن ذرية الخليفة الذى يجعله فى الأرض
تفسد فيها وتسفك الدماء، فقالت الملائكة لربها : (( أتجعل فيها من يفسد فيها
ويسفك الدماء))؛ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه
يفسد فى الأرض ويسفك الدماء ، بمثل الذى أخبرها عنهم ربُّها، فيجوزَ أن
يقال لها فيما طوى عنها من العلوم: إن كنتم صادقين فيما علمتم بخبر اللّه إياكم أنه
كائن من الأمور فأخبرتم به ، فأخبرونا بالذى قد طوى الله عنكم علمه ، كما قد
أخبرتمونا بالذى قد أطلعكم الله عليه . بل ذلك خُلفٌ من التأويل، ودعوى على
كثير بطوله ١: ١٣٧ - ١٣٨، ثم قال: ((فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور فى تفسير
السدى ، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة . فلعل بعضها مدرج ، ليس من كلام الصحابة ، أو أنهم
أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم. والحاكم يروى فى مستدركه ، بهذا الإسناد بعينه ،
أشياء، ويقول: على شرط البخارى !)).

٤٦٢
تفسير سورة البقرة : ٣٠
الله ما لا يجور أن يكون له صفة (١). وأخشى أن يكون بعض نقلة هذا الخبر هو
الذى غَلِط على من رواه عنه من الصحابة ، وأن يكون التأويل منهم كان على
ذلك: (( أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فيما ظننتم أنكم أدركتموه من العليم
بخبرى إياكم أنّ بنى آدم يفسدون فى الأرض ويسفكون الدماء ، حتى استجزئم
أن تقولوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)». فیکون التوبيخ حينئذ
واقعاً على ما ظنوا أنهم قد أدركوا بقول الله لهم: « إنه يكون له ذرّية يفسدون فى
الأرض ويسفكون الدماء))، لا على إخبارهم بما أخبرهم الله به أنه كائن . وذلك
أن الله جل ثناؤه، وإن كان أخبرهم عما يكون من بعض ذرّية خليفته فى الأرض،
ما يكون منه فيها من الفساد وسفك الدماء ، فقد كانَ طوَّى عنهم الخبرّ عما يكون
من کثیرٍ منهم ما یکون من طاعتھم ربّهم، وإصلاحهم فى أرْضه، وحقن الدماء،
ورفعِه منزلتهم، وكرامتهم عليه، فلم يخبرهم بذلك. فقالت الملائكة: ((أتجعلُ
فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء))، على ظنُّ منها - على تأويل هذين الخبرين
اللذين ذكرتُ وظاهرٍ هما - أنّ جميع ذرية الخليفة الذى يجعله فى الأرض يُفسدون
١٦٢/١ فيها ويسفكون فيها الدماء، فقال الله لهم - إذ علّم آدم الأسماء كلها - : أنبئونى
بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنكم تعلمون أنّ جمیع بنی آدم یُفسدون فى الأرض
ويسفكون الدماء ، على ما ظننتم فى أنفسكم - إنكاراً منه جل ثناؤه لقيلهم ما قالوا
من ذلك على الجميع والعموم ، وهو من صفة خاصٌ ذرّية الخليفة منهم ، وهذا
الذى ذكرنا هو صفةٌ منا لتأويل الخبر، لا القول الذى نختاره فى تأويل الآية(٢).
(١) نقد - الطبرى دال أيضاً على ما ذهبنا إليه من الاستدلال بالآثار كاستدلال المستدل
بالشعر . وأنت تراه ينقض هذا الخبر نقضاً، ويبين الخطأ فى سياقه، وتناقضه فى معناه. وهذا
بين إن شاء الله .
(٢) وهذا أيضاً دليل واضح على أن استدلال الطبرى بالأخبار والآثار، ليس معناه أنه
ارتضاها ، بل معناه أنه أتى بها ليستدل على سياق تفسير الآية مرة ، وعلى بيان فساد الأخبار أنفسها
مرة أخرى . وقد أخطأ كثير من نقل عن الطبرى فى فهم مراده ، وتحامل عليه آخرون لم يعرفوا مذهبه
فى هذا التفسير .
.

٤٦٣
تفسير سورة البقرة : ٣٠
ومما يدل على ما ذكرنا من توجيه خبر الملائكة عن إفساد ذرية الخليفة وسفكها
الدماء على العموم ، ما : -
٦٠٨ - حدثنا به أحمد بن إسحق الأهوازى(١)، قال: حدثنا أبو أحمد
الزبيرى ، قال : حدثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن
سابط، قوله: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء))، قال: يعنون
الناس(٢).
وقال آخرون فى ذلك بما : -
٦٠٩ - حدثنا به بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد،
عن قتادة قوله: ((وإذ قال رَبُّك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفةً ))،
فاستشار الملائكة فى خلق آدمَ ، فقالوا: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك
الدماء)) - وقد علمت الملائكة من علم اللّه أنه لا شىء أكره إلى الله من سفك
الدماء والفساد فى الأرض- ((ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون))
فكان فى علم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياءُ ورسل وقوم صالحون
وساكنو الجنة. قال: وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: إن الله لما أخذ فى
خلق آدم قالت الملائكة : ما اللّه خالقٌ خلقاً أكرم عليه منًّا ولا أعلم منَّا؟
فابتلوا بخلق آدم - وكل خلق مُبْتَلَى - كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة ،
فقال الله: ﴿اثْنِيَا ◌َمَوْعاً أو كَرْهَا قالتا أَتَيْنَاَ طائِعِينَ ﴾(٣) [ سورة فصلت: ١١].
وهذا الخبر عن قتادة بدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت
من قولها: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء))، على غير يقين علم تقدم منها
بأن ذلك كائن ، ولكن على الرأى منها والظنّ، وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من
(١) فى المطبوعة. ((ابن أحمد بن إسحق الأهوازى))، وزيادة ((ابن)) خطأ.
(٢) الأثر: ٦٠٨ - لم أجده .
(٣) الأثر: ٦٠٩ - فى ابن كثير ١: ١٢٩، وبعضه فى الدر المنثور .فرقاً ١ :
٤٥، ٤٦ ، ٥٠ ٠

٤٦٤
تفسير سورة البقرة : ٣٠
قيلها، وردّ عليها ما رأت بقوله: ((إنى أعلم ما لا تعلمون)) من أنه يكون من ذرية
ذلك الخليفة الأنبياء والرسلُ والمجتهدُ فى طاعة الله.
وقد رُوِى عن قتادةَ خلافُ هذا التأويل وهو ما : -
٦١٠ - حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال :
أخبرنا معمر، عن قتادة، فى قوله: ((أتجعل فيها من يفسد فيها)) قال: كان اللّه
أعلمهم إذا كان فى الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فذلك قوله :
((أتجعل فيها من يفسد فيها))(١).
وبمثل قول قتادة قال جماعة من أهل التأويل ، منهم الحسن البصرى :
٦١١ -حدثنا القاسم : قال حدثنا الحسین، قال: حدثی حجاج، عن جرير
بن حازم ، ومبارك، عن الحسن - وأبى بكر، عن الحسن وقتادة - قالا: قال اللّه
لملائكته: ((إنى جاعلٌ فى الأرض خليفة)) - قال لهم: إنى فاعلٌ - فعرضُوا برأيهم ،
فعلّمهم علماً وطوّى عنهم علماً علمه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذى علمهم: ((أتجعل
فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء)) - وقد كانت الملائكة علمتْ من علم اللّه أنه لا
ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء - ((ونحن نسبح بحمدك وُنُقدس لكَ. قال إنى أعلم
ما لا تعلمون)) . فلما أخذ فى خلق آدم همَست الملائكة فيما بينها ، فقالوا : ليخلق
رَبّنا ما شاء أن يخلق ، فلن يخلق خلقاً إلا كنا أعلمَ منه وأكرمَ عليه منه . فلما
خلقه ونفخ فيه من روحه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا ، ففضّله عليهم ، فعلموا
أنهم ليسوا بخير منه ، فقالوا : إن لم نكن خيراً منه فنحن أعلمُ منه ، لأنا كنا
١٦٣/١ قبله، وُخُلقت الأمم قبله. فلما أعجبوا بعملهم ابتلوا، فـ ((علم آدم الأسماء كلها
ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين)) أنى لا أخلق
خلقاً إلا كنتم أعلمَ منه، فأخبرونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قال: ففزع
القومُ إلى التوبة - وإليها يفزع كل مؤمن - فقالوا: ((سبحانك لا علم لنا إلا
(١) الأثر : ٦١٠ - لم أجده.

٤٦٥
تفسير سورة البقرة : ٣٠
ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال: يا آدم أنيثهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم
قال: ألم أقل لكم إنى أعلمُ "غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدُون وما كنتم تكتمون))-
لقولهم: ((ليخلق" ربّنا ما شاء، فلن يخلق خلقاً أكرمَ عليه منا ولا أعلم منا)).
قال : علمه اسم كل شىء ، هذه الجبال وهذه البغال والإبل والحنّ والوحش،
وجعل يسمى كل شىء باسمه، وعرضت عليه كل أمة، فقال: ((ألم أقل لكم
إنى أعلم غيبَ السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون))، قال : أما
ما أبدَّوا فقولهم: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء))، وأمَّا ما كتموا
فقول بعضهم لبعض: ((نحن خير منه وأعلم))(١).
٦١٢ - وحدثنى المثنى بن إبراهيم ، قال: حدثنا إسحق بن الحجاج، قال:
حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، فى قوله: ((إنى جاعل
فى الأرض خليفةً)) الآية، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق
الجنّ يوم الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة . قال : فكفر قوم من الجن،
فكانت الملائكة تهبط إليهم فى الأرض فتقاتلهم ، فكانت الدماءُ وكان الفسادُ
فى الأرض. فمن ثمّ قالوا: ((أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء))
الآية(٢) .
٦١٣ - [حدثنا محمد بن جرير، قال]: حدثت عن عمار بن الحسن ،
قال: أخبرنا عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله -: ((ثم عَرَضهم
(١) الأثر: ٦١١ - سبق بعضه بهذا الإسناد نصاً . وشرحنا جودة بعضه وضعف
بعضه. ونقل السيوطى ١: ٤٩، بعضه عن هذا الموضع من تفسير الطبرى. وذكر ابن كثير ١ : ١٢٨
قسما منه ، من تفسير ابن أبى حاتم : عن الحسن بن محمد بن الصباح ، عن سعيد بن سليمان ، عن
مبارك بن فضالة، عن الحسن - وهو البصرى. وهذا إسناد صحيح إلى الحسن البصرى : فإن
((الحسن بن محمد بن الصباح)): هو الزعفرانى الثقة المأمون، تلميذ الشافعى وراوية كتبه بالعراق.
وسعيد بن سليمان: هو سعدويه الضبى الواسطى ، وهو ثقة مأمون من شيوخ البخارى ومن أقران
الإمام أحمد . ومبارك بن فضالة: ثقة، من أخص الناس بالحسن البصرى، جالسه ١٣ أو ١٤ سنة .
(٢) الأثر: ٦١٢ - مضى صدره برقم: ٦٠٢، وأشرفا إلى هذا هناك.
(٣٠)

٤٦٦
تفسير سورة البقرة : ٣٠
على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين)). إلى قوله: ((إنك
أنتَ العليم الحكيم)). قال: وذلك حين قالوا: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك
الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)). قال : فلما عرفوا أنه جاعل فى الأرض
خليفةً قالوا بينهم: لن يخلق الله خلقاً إلا كنا نحن أعلم منه وأكرمَ. فأراد الله
أن يخبرهم أنه قد فضل عليهم آدَم. وعلم آدم الأسماء كلها ، فقال للملائكة:
(((أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين))، إلى قوله: ((وأعلم ما تبدون وما كنتم
تكتمون))، وكان الذى أبْدَوْا حين قالوا: (( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك
الدماء))، وكان الذى كتموا بينهم قولهم: ((لن يخلق الله خلقاً إلا كنا نحن أعلم
منه وأكرم»، فعرفوا أن اللّه فضّل عليهم آدم فى العلم والكرم(١).
وقال ابن زید بما :-
٦١٤ - حدثنى به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال
قال ابن زيد: لما خلق الله النارَ ذعرت منها الملائكة ذعراً شديداً ، وقالوا : ربنا
لم خلقت هذه النار؟ ولأى شىء خلقتها ؟ قال: لمن عصانى من خلقى . قال :
ولم يكن الله خلق يومئذ إلا الملائكة ، والأرض ليس فيها خلق ، إنما ◌ُخلق آدم
بعد ذلك، وقرأ قول الله: ﴿هَلْ أَنَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لمَ يَكُنْ شَيْئًا
مَذْ كُوراً ﴾ [سورة الإنسان: ١]. قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه ليت
ذلك الحين (٢). ثم قال: قالت الملائكة: يارب، أو يأتى علينا دهرٌ نعصيك
فيه ! - لا يرَوْن له خلقاً غيرهم .- قال: لا، إنى أريد أن أخلق فى الأرض خلقاً
(١) الأثر: ٦١٣ - هو رواية أخرى للأثر السالف. ولم أجده فى المراجع السالفة.
(٢) كلمة عمر رضى الله عنه: ((ليت ذلك الحين))، يعنى ليت الإنسان بقى شيئاً غير
مذكور ، طيناً لازباً . يقولها من مخافة عذابه ربه يوم القيامة. وفى الدر المنثور ٦ : ٢٩٧ :
( أخرج ابن المبارك، وأبو عبيد فى فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب :
أنه سمع رجلا يقرأ: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً)، فقال عمر :
ليتها تمت)) . فهذا فى معنى كلمة عمر هنا .

٤٦٧
تفسير سورة البقرة : ٣٠
وأجعل فيها خليفةً ، يسفكون الدماء ويفسدون فى الأرض . فقالت الملائكة :
« أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء )» ؟ وقد اخترتنا، فاجعلنا نحن فيها ،
فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونعمل فيها بطاعتك . وأعظمت الملائكة أن يجعل
الله فى الأرض من يعصيه فقال: ((إنى أعلمُ ما لا تعلمون)). ((يا آدم أنبهم ١٦٤/١
بأسمائهم». فقال: فلان وفلان. قال: فلما رأوا ما أعطاه الله من العلم أقروا
لآدم بالفضل عليهم، وأبى الخبيث إبليس أن يقرَّ له، قال: ((أنا خير منه
خلقتنى من نار وخلقته من طين)). قال: ((فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر
فيها(١) ) .
وقال ابن إسحق بما : -
٦١٥ - حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن
إسحق قال : لما أراد الله أن يخلق آدم بقدرته ليبتليه ويبتلى به ، لعلمه بما فى ملائكته
وجميع خلقه - وكان أوّل بلاء ابتُليت به الملائكةُ مما لها فيه ما تحبّ وما تكره ،
للبلاء والتمحيص لما فيهم مما لم يعلموا ، وأحاط به علم اللّه منهم - جمع الملائكة من
سكان السموات والأرض، ثم قال: ((إنى جاعل فى الأرض خليفة)) - يقول:
ساكناً وعامراً ليسكنها ويعمرُها - خَلَفاً، ليس منكم (٢). ثم أخبرهم بعلمه فيهم،
فقال : يفسدون فى الأرض ويسفكون الدماء ويعملون بالمعاصى . فقالوا جميعاً:
((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك))
(١) الأثر: ٦١٤ - سيأتى بعض معناه بهذا الإسناد: ( ص ١٧٦ بولاق) . وأما هذا
النص، فقد ذكر السيوطى بعضه ١ : ٤٥ ونسبه لابن جرير فقط. ولم يذكر فيه كلمة عمر
ابن الخطاب. وقد أشرنا إلى ورود معناها من وجه آخر، فى الهامشة قبل هذه. وكلمة عمر هنا سيقت
مساق الحديث المرفوع، إذ قال: ((يا رسول اللّه، ليت ذلك الحين)). فتكون حديثاً مرفوعاً مرسلا،
بل منقطعاً، لأن ابن زيد - وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - لم يدرك إلا بعض التابعين . هذا
إلى أنه ضعيف جداً، كما سبق فى : ١٨٥ .
(٢) فى المطبوعة: ((عامر وساكن يسكنها ويعمرها خلقاً ليس منكم))، وانظر ما مضى،
رقم : ٦٠٠، وانظر تخريجه بعد .
٠

٤٦٨
تفسير سورة البقرة : ٣٠
لا نعصى، ولا نأتى شيئاً كرهته؟ قال: ((إنى أعلم ما لا تعلمون)) - قال: إنى
أعلم فيكم ومنكم ولم يُبدها لهم - من المعصية والفساد وسفك الدماء وإتيان ما أكره
منهم ، مما يكون فى الأرض ، مما ذكرتُ فى بنى آدم. قال الله محمد صلى الله
عليه وسلم: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلِْ بِالْعَلَأ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ. إِنْ يُوحَى إِلَىَّ
إلَّ أَنَّا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، إِذْ قَالَ رَبِّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِّى خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذَا
سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَمُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة ص: ٦٩ - ٧٢].
فذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم الذى كان منْ ذكره آدم حين أراد خلقه ،
ومراجعة الملائكة إياه فيما ذكر لهم منه . فلما عزم الله تعالى ذكره على خلق آدم
قال للملائكة: إنى خالقٌ بشراً من صلصال من حملٍ مسنون بيدى - تكرمةٌ له
وتعظيماً لأمره وتشريفاً له - حفظت الملائكة عهده وَوعوا قوله ، وأجمعوا الطاعة
إلا ما كان من عدوّ اللّه إبليس ، فإنه صمتَ على ما كان فى نفسه من الحسد
والبغْى والتكبر والمعصية . وخلق الله آدم من أدمة الأرض ، من طين لازب من
حَمٍَ مسنون بيديه، تكرمةً له وتعظيماً لأمره وتشريفاً له على سائر خلقه. قال :
ابن إسحق: فيقال، والله أعلم: خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاماً قبل
أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالاً كالفخار ولم تمسسه نار. قال: فيقال، واللّه
أعلم : إنه لما انتهى الروح إلى رأسه عطس فقال: الحمد لله ، فقال له ربه :
يرحمك ربك ، ووقع الملائكة حين استوى سجوداً له ، حفظاً لعهد الله الذى عهد
إليهم ، وطاعة لأمره الذى أمرهم به . وقام عدوّ اللّه إبليس من بينهم فلم يَسجد،
مكابراً متعظماً بغياً وحسداً. فقال له: ﴿يَا إِبْلِيُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ
بَيَدَىّ) إلى: ﴿لَأَ مْلَأَنَّ جَهَمََّ مِنْكَ وَيِّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص٧٥-٨٥٠].
قال : فلما فرغ الله من إبليس ومعاتبته ، وأبى إلا المعصية ، أوقع عليه اللعنة
وأخرجه من الجنة . ثم أقبل على آدم، وقد علمه الأسماء كلها، فقال: ((يا آدم

٤٦٩
تفسير سورة البقرة : ٣٠
أنبهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم إنىّ أعلم غيبَ السموات
والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا
إنك أنت العليم الحكيم)) - أى ، إنما أجبناك فيما علمتنا، فأما ما لم تعلمنا فأنت
أعلم به . فكان ما سمىّ آدمُ من شىء، كان اسمه الذى هو عليه إلى يوم القيامة(١).
وقال ابن جريج بما : -
٦١٦ - حدثنا به القاسم ، قال: حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج، قال : إنما تكلموا بما أعلمهم أنه كائن من خلق آدم، فقالوا:
(( أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء))؟ وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ١٦٥/١
ما قالت: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)) لأن الله أذن لها فى السؤال
عن ذلك ، بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بنى آدم. فسألته الملائكة ، فقالت
- على التعجب منها : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم ؟ فأجابهم ربهم:
إنى أعلم ما لا تعلمون ، يعنى: أن ذلك كائن منهم - وإن لم تعلموه أنتم - ومن
بعض من ترونه لى طائعاً . يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه(٢).
٠٠٠
وقال بعض أهل العربية: قول الملائكة: (( أتجعل فيها من يفسد فيها)) على
غير وجه الإنكار منهم على رّبهم ، وإنما سألوه ليعلموا ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم
يسبحون . وقال: قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يُعْصَى اللّه، لأن الجن قد كانت
أمرتْ قبل ذلك فعصتْ .
وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ،
فكأنهم قالوا: ((يارب خبرنا))، مسألةَ استخبار منهم لله، لا على وجه مسألة التوبيخ.
قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه ، مخبراً عن ملائكته
قیلها له : (( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس
(١) الأثر : ٦١٥ - مضى صدره برقم : ٦٠٠.
(٢) الأثر: ٦١٦ - لم أجده فى مكان .

٤٧٠
تفسير سورة البقرة : ٣٠
لك))، تأويل من قال : إن ذلك منها استخبار لربها ، بمعنى : أعلمنا يا ربنا
أجاعلّ أنت فى الأرض مَنْ هذه صفته ، وتارك أن تجعل خلفاءك منا ونحن
نسبح بحمدك ونقدس لك - لا إنكارٌ منها لما أعلمها ربها أنه فاعل. وإن كانت
قد استعظمتْ لما أخبرت بذلك ، أن يكون الله خلقٌ يعصيه.
وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلكَ فسألته
على وجه التعجب ، فدعْوَى لا دلالة عليها فى ظاهر التنزيل ، ولا خبر بها من
الحجة يقطعُ العذرَ . وغير جائز أن يقال فى تأويل كتاب اللّه بما لا دلالة عليه
من بعض الوجوه التى تقوم بها الحجة .
وأما وصفُ الملائكة من وصفت - فى استخبارها ربَّها عنه - بالفساد فى
الأرض وسفك الدماء ، فغير مستحيلٍ فيه ما رُوى عن ابن عباس وابن مسعود
من القول الذى رواه السدىّ، ووافقهما عليه قتادة - من التأويل: وهو أن اللّه
جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعلٌ فى الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا،
فقالوا: ((أتجعل فيها من يفسد فيها))، على ما وصفت من الاستخبار .
فإن قال لنا قائل : وما وجه استخبارها ، والأمر على ما وصفتَ ، من أنها
قد أخبرت أنّ ذلك كائن ؟
قيل : وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عند وقوع ذلك . وهل ذلك
منهم؟ ومسألتهم ربَّهم أن يجعلهم الخلفاءَ فى الأرض حتى لا يعصوه . وغيرُ
فاسد أيضاً ما رواه الضحاك عن ابن عباس ، وتابعه عليه الربيع بن أنس ، من
أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض - قبل آدم -
من الجنّ، فقالت لربها: ((أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذى
كانوا يفعلون))؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم، لا على وجه الإيجاب أنّ ذلك
كائن كذلك ، فيكون ذلك منها إخباراً عما لم تطلع عليه من علم الغيب . وغيرُ
خطأ أيضاً ما قاله ابن زيد من أن يكون قيلُ الملائكة ما قالت من ذلك ، على

٤٧١
تفسير سورة البقرة : ٣٠
وجه التعجب منها من أن يكون لله خلق بعصى خالقه .
وإنما تركنا القول بالذى رواه الضحاك عن ابن عباس ، ووافقه عليه الربيع
ابن أنس ، وبالذی قاله ابن زيد فى تأويل ذلك ، لأنه لاخبر عندنا بالذى قالوه ١٦٦/١
من وجه يقطعُ مجيئُهُ العذرَ ، وُيلزمُ سامِعَه به الحجة . والخبر عما مضى وما قد
سلف ، لا يُدرك علمُ صحته إلا بمجيئه مجيئاً يمتنع معه التشاغب والتواطؤ ،
ويستحيل معه الكذب والخطأ والسهو (١) . وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه
الضحاك عن ابن عباس ووافقه علیه الربيع ، ولا فيما قاله ابن زيد .
فأولى التأويلات .- إذا كان الأمر كذلك - بالآية ، ما كان عليه من ظاهر
التنزيل دلالةٌ ، مما يصح مخرجُه فى المفهوم.
فإن قال قائل : فإن كان أولى التأويلات بالآية هو ما ذكرتَ ، من أن الله
أخبر الملائكة بأن ذرّية خليفته فى الأرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء ،
فمن أجل ذلك قالت الملائكة: ((أتجعل فيها من يفسد فيها))، فأين ذكر إخبارِ اللّه
إياهم فى كتابه بذلك ؟
قيل له : اكتفى بدلالة ما قد ظهرَ من الكلام عليه عنه ، كما قال الشاعر:
فلا تَدْفِئُونِ، إِنَّ دَفْنِ نُحَرَّمٌ عليكم، ولكن خاصِى أَنَّ اٍِ(٧)
فحذف قوله: ((دعونى التى يقال لها عند صيدها)): خامرى أمّ عامر . إذ
گان فیا أظهر من كلامه، دلالة على معنى مراده . فگذلك ذلك فى قوله: ( قالوا:
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((يمتنع منه ... ويستحيل منه))، وليست بشىء. وفى الخطوة
مكان ((التشافب)): ((الساحر)» غير مبينة.
(٢٠) البيت الشنفرى الأزى فى قصة. شرح الحماسة ٢: ٢٤-٢٦، والأغانى ٢١: ٨٩ وغيرهما.
ويروى: ((لا تقبروفى إن قبرى))، ((ولكن أبشرى)). وقوله ((خامرى)): أى استترى، وأصله
من الخبرة ( بكسر فسكون) وهو الاستشفاء . يريدون بذلك دفو الضبع مستخفية ملازمة لمكانها
حتى تخالط القتيل تصيب منه. وأم عامر: كتبة الضيح، وذلك مما يقوله لها الصائد حين يريد صيدها،
یفرها بذك حی یتمکن منها ، فيقول لها: «أبشری أم عامر بشياه هزلى، وجراد عنظل، وكسر وجال
تدل، ، خليل الشيح إليه فيصيدها .

٤٧٢
تفسير سورة البقرة : ٣٠
((أتجعل فيها من يفسد فيها))، لما كان فيه دلالة على ما ترك ذكره بعد قوله :
((إنىّ جاعل فى الأرض خليفة))، من الخبر عما يكون من إفساد ذريته فى الأرض ،
اكتفى بدلالته وَحذف ، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر . ونظائر ذلك فى
القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى . فلما ذكرنا من ذلك ،
اخترنا ما اخترنا من القول فى تأويل قوله: (( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك
الدماء ».
...
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَحْنُ نُنَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَتُقَدِّسُ لَكَ)
قال أبو جعفر: أما قوله: ((ونحن نسبِّح بحمدك)) فإنه يعنى: إنا نعظِّمك
بالحمد لك والشكر، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [سورة النصر: ٣]،
وكما قال: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (سورة الشورى: ٥).
وكلّ ذكر الله عند العرب فتسبيحٌ وصلاة. يقول الرجل منهم: ؟لميتُ سُبْحَتى من
الذكر والصلاة . وقد قيل : إن التسبيحَ صلاةُ الملائكة .
٦١٧ - حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القمى، عن جعفر بأن بى
المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم يُصلى، فمرّ
رجل من المسلمين على رجل من المنافقين، فقال له: النبى صلى الله عليه وسلم
يُصلّى وأنت جالس! فقال له : امض إلى عملك إن كان لك عمل . فقال :
ما أظنّ إلاّ سيمر عليك من ينكر عليك. فمرّ عليه عمر بن الخطاب فقال:
له : يا فلان، النبى صلى الله عليه وسلم يصَلِّى وأنت جالس! فقال له مثلها،
فقال : هذا من عملى . فوثب عليه فضربه حتى انتهى، ثم دخل المسجد فصلّى
٠.٠٠

٤٧٣
تفسير سورة البقرة : ٣٠
مع النبى صلى الله عليه وسلم. فلما انقتل النبى صلى الله عليه وسلم قام إليه عمر
فقال : يا نبيَّ اللّه، مررت آنفاً على فلان وأنت تُصلى، فقلت له: النبيّ صلى
الله عليه وسلم يُصلّى وأنت جالسٍ ! فقال: سرْ إلى عملك إن كان لكَ عمل.
فقال النبى صلى اللّه عليه وسلم: فَهلاً ضربت عنقه. فقام عمر مسرعاً، فقال:
يا ◌ُمر ارجع فإن غضبك عزّ، ورضاك حكْم، إن الله فى السموات السبع ملائكة
يصلون، له غنّى عن صلاة فلان . فقال عمر: يا نبي الله، وما صلاتهم ؟ فلم يردّ
عليه شيئاً، فأتاه جبريل فقال: يا نبي الله! سألك مُمر عن صلاة أهل السماء؟
قال : نعم. فقال: اقرأ على عمر السلام، وأخبره أن أهل السماء الدنيا سجودٌ إلى ١٦٧/١
يوم القيامة يقولون: ((سبحان ذى الملك والملكوت))، وأهل السماء الثانية ركوعٌ إلى
يوم القيامة يقولون: (سبحان ذى العزة والجبروت))، وأهل السماء الثالثة قيامٌ إلى
يوم القيامة يقولون ((: سبحان الحى الذى لا يموت))(١) .
٦١٨ - قال أبو جعفر: وحدثیيعقوب بن إبراهيم، وسهل بن موسى الرازى،
قالا : حدثنا ابن عُليّة، قال : أخبرنا الجُرَّيرى، عن أبى عبد الله الجسرى،
عن عبد الله بن الصامت ، عن أبى ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَادّه
- أو أن أباذر عاد النبى صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ، بأبى أنتَ ،
أى الكلام أحب إلى اللّه؟ فقال: ما اصطفى اللّه لملائكته: (سبحان ربى وبحمده ،
سبحان ربی وبحمده))(١) .
(١) الحديث : ٦١٧ هو حديث مرفوع، ولكنه مرسل ، لأن سعيد بن جبير تابعى.
وإسناده إليه إسناد جيد. يعقوب بن عبد الله الأشعرى القمى أبو الحسن: ثقة، مترجم فى التهذيب،
وترجمه البخارى فى الكبير ٣٩١/٢/٤، فلم يذكر فيه جرماً. وفى التهذيب: ((قال محمد بن حميد
الرازى [ وهو شيخ الطبرى هنا]: دخلت بغداد، فاستقبلنى أحمد وابن معين، فسألانى عن أحاديث
يعقوب القمى)). جعفر بن أبى المغيرة الخزامى القمى: ثقة، ترجمه البخارى فى الكبير ٢٠٠/٢/١ ،
وابن أبى حاتم فى الجرح ٤٩٠/١/١ = ٤٩١، فلم يذكرا فيه مطعناً. وفى التهذيب أن ابن حبان
نقل فى الثقات توثيقه عن أحمد بن حنبل ، وهذا الحديث بطوله ، رواه أبو نعيم في الحلية ٤ :
٢٧٧ - ٢٧٨، من طريق محمد بن حميد - شيخ الطبرى - بهذا الإسناد. وذكر السيوطى فى الدر
المنثور ١ : ٤٦ آخره، من أول سؤال عبر عن صلاة الملائكة، ولم ينسبه لغير الطبرى وأبى نعيم.
«أخرج ابن أبى
٦٠٠٠
(١) الحديث: ٦١٨ - فى الدر المنثور ولم ينسبه لابن جرير، وقال

تفسير سورة البقرة : ٣٠
٤٧٤
- فى أشكال لما ذكرنا من الأخبار (١)، كرهنا إطالة الكتاب باستقصائها.
وأصلُ التسبيح الله عند العرب: التنزيهُ له من إضافة ما ليس من صفاته
إليه ، والتبرئة له من ذلك ، كما قال أعشى بنى ثعلبة :
أُقُولُ - لَمَّا جَاءَنِى خَرُه -: سُبْحَانَ مِن عَلْقَةَ الفَآَخِرِ(٢)
يريد: سبحان اللّمن فخر علقمة، أى تنزيهاً لله مما أتى علقمة من الافتخار، على
وجه النكير منه لذلك .
وقد اختلف أهل التأويل فى معنى التسبيح والتقديس فى هذا الموضع، فقال
بعضهم: قلم ((نسبح بحمدك)): نصلى لك. ذكر من قال ذلك :
٦١٩ - حدثنی موسی بن هرون، قال : حدثنا عمرو بنحماد ، قال:حدثنا
أسباط ، عن السدی فی خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن
عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم: ((ونحن نسبح بحمدك وُنُقدس لك))، قال: ، يقولون: نصلّى لك.
وقال آخرون: ((ُنُسبّح بحمدك)(٣) التسبيح المعلوم. ذكر من قال ذلك:
٦٢٠ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزّاق، قال أخبرنا معمر،
عن قتادة، فى قوله: ((ونحن نسبح بحمدك))، قال: التسبيحَ التسبيحَ(٤) .
٠٠٠ ٢ ٥ : ١٦١، ١٧٦. وهو فى المسند ٥ : ١٤٨
شيبة وأحمد وصلى والترمذى والنسائى عن أبى ذر
ومسم ٢: ٣١٩، ٨ : ٨٦ ٠
(١) فى المطبوعة: ((فى كل أشكال لما ذكرنا ... ))، و((كل)) مقحبة هنا بلا شك.
(٢) ديوانه: ١٠٦، من قصيدته المشهورة، التى قالما فى هجاء علقمة بن علاقة، فى خبر
منافرة علقمة بن علاقة وعامر بن الطفيل (الأغانى ١٥: ٥٠ - ٥٦). وذكر ابن الشجرى فى أماليه
١: ٣٤٨ عن أبى الخطاب الأخفش، قال: ((وإنما ترك التنوين فى (سبحان)) وترك صرفه،
لأنه صار عندهم معرفة)». وقال فى ٢: ٢٥٠: ((لم يصرفه، لأن فيه الألف والنون زائدين،
وأنه على التسبيح، فإن ذكرته صرفته)). وأنظر ص: ٤٩٥ وتعليق رقم: ٣.
(٣) فى الأصول: ((نسبح ك))، والصواب ما أثبتناه، وهو نص الآية.
(٤) الأثران: ٦١٩، ٦٢٠ - فى ابن كثير ١: ١٢٩، والدر المنثور ١: ٤٦،
الشوكانى ١ : ٠٠ ٠
۔۔

٤٧٥
تفسير سورة البقرة : ٣٠
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَتُقَدِّسُ لَكَ)
قال أبو جعفر: والتقديس هو التطهير والتعظيم، ومنه قولهم: ((سُبُّوح
◌ُقُدُّوس))، يعنى بقولهم: ((ُسبوح))، تتزيهٌ لله، وبقولهم: ((قُدوسّ)، طهارةٌ له
وتعظيم. ولذلك قيل للأرض: ((أرض مقدسة))، يعنى بذلك المطهرة. فمعنى قول
الملائكة إذاً: ((ونحن نسبح بحمدك))، نتزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك
بك، ونصلى لك ((ونقدس لك))، ننسبك إلى ما هو من صفاتك ، من الطهارة
من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك. وقد قيل : إن تقديس الملائكة
لربها صلاتها له. كما : -
٦٢١ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال أخبرنا
معمر، عن قتادة، فى قوله: ((ونقدس لك))، قال: التقديسُ: الصلاة(١).
وقال بعضهم: ((نقدس لك)): نعظمك ونمجدك . ذكر من قال ذلك.
٦٢٢ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هاشم بن القاسم ، قال :
حدثنا أبو سعید المؤدّب ،قال : حدثنا إسمعیل ، عن أبى صالح ، فى قوله: ( ونحن
نسبحّ بحمدك، ونقدس لك))، قال: نعظمك ونمجِّدك(٢).
٦٢٣-وحدثی محمد بن عمرو ، قال: حدثنا أبو عاصم ، قال: حدثی
عيسى - وحدثنى المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل - جميعاً
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قول الله: ((ونقدس لك))، قال نعظّمك
ونکبّرك(٣) .
(١) الأثر: ٦٢١ - فى ابن كثير ١: ١٢٩، والدر المنثور ١: ٤٦، والشوكانى
١ : ٥٠ ٠
(٢) الأثر: ٦٢٢ - فى الدر المنثور ١ : ٤٦.
(٣) الأثر : ٦٢٣ - فى ابن كثير ١: ١٢٩، والدر المنثور ١: ٤٦

٤٧٦
تفسير سورة البقرة : ٣٠
٦٢٤ - وحدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحق :
((ونحن نسبِّح بحمدك ونقدس لك)»، لا نَعضى ولا نأتى شيئاً تكرهُه(١).
٦٢٥- وحدثت عن المنجاب، قال حدثنا بشر، عن أبى روق، عن الضحاك،
فى قوله: ((ونقدس لك))، قال: التقديس: التطهير (٢).
١٦٨/١
وأما قول من قال : إن التقديس الصلاة أو التعظيم ، فإن معنى قوله ذلك
راجع إلى المعنى الذى ذكرناه من التطهير ، من أجل أنّ صلاتها لربها تعظيم منها
له، وتطهير مما ينسبه إليه أهل الكفر به. ولو قال مكانَ ((ونقدِّس لك))
و((نقدّسك)) كان فصيحاً من الكلام. وذلك أن العرب تقول: فلان يسبِّح الله
ويقدِّسه، ويسبح اللّه ويقدِّس له، بمعنى واحد. وقد جاء بذلك القرآن، قال الله
جل ثناؤه: ﴿كَىْ نُسَّبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْ كُرَكَ كَثِيراً﴾ [سورة له: ٢٤،٣٣]،
وقال فى موضع آخر: ﴿ يُسَبِّحُ ◌ِهِ مَا فِى السَّمُوَاتِ وَمَا فِى الْأُرْضِ ﴾
[ سورة الجمعة: ١]
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿قَلَ إِنِّى أَعْلَمَّ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (*)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك ، فقال بعضهم : يعنى
بقوله: ((أعلم ما لا تعلمون))، مما اطلع عليه من إبليس وإضماره المعصية لله وإخفائه
الكبر ، مما اطلع عليه تبارك وتعالى منه وخفى على ملائكته . ذکر من قال ذلك :
٦٢٦- حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((إنى أعلم
(١) الأثر : ٦٢٤ - فى ابن كثير ١ : ١٢٩.
(٢) الأثر: ٦٢٥ - فى ابن كثير ١: ١٢٩، وفى الدر المنثور ١: ٤٦: «وأخرج
ابن أبى حاتم عن ابن عباس، قال: التقديس: التطهير)»، ولم ينسبه الضحاك ، ولا لابن جرير .