النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٣٧
تفسير سورة البقرة : ٢٩
٥٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((فسواهنّ سبحَ سموات)) قال: بعضُهن فوق بعض ،
بين كل سماءين مسيرة خمسمئة عام .
٥٩٤ - حدثنا المثنى بن إبراهيم قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس فى قوله : - حيث
ذكر خلق الأرض قبل السماء ، ثم ذكر السماء قبل الأرض ، وذلك أن الله خلق
الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء - ((ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع
سموات))، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذُلِكَ دَحَاها)
[سورة النازعات: ٣٠].
٥٩٥ - حدثنى المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، قال حدثنى
أبو معشر، عن سعيد بن أبى سعيد ، عن عبد الله بن سلام أنه قال: إنّ الله
بدأ الخلق يوم الأحد ، فخلق الأرضين فى الأحد والاثنين ، وخلق الأقوات
والرواسىّ فى الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات فى الخميس والجمعة ، وفرّغ فى
آخر ساعة من يوم الجمعة ، فخلق فيها آدم على عجل. فتلك الساعة التى
تقوم فيها الساعة .
قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذاً: هو الذى أنعم عليكم، فخلق لكم ما فى الأرض
جميعاً وسخَّره لكم تفضّلاً منه بذلك عليكم، ليكون لكم بلاغاً فى دنياكم ومتاعاً إلى
موافاة آجالكم ، ودليلاً لكم على وحدانية ربكم. ثم علا إلى السموات السبع وهى
دخان ، فسوّاهنَ وحبكهن، وأجرى فى بعضهن شمسه وقمره ونجومه ، وقدر فى
كل واحدة منهن ما قدر من خلقه(١) .
(١) الآثار : ٥٩٣ - ٥٩٥، لم نجدها فى شىء من تلك المراجع.

تفسير سورة البقرة : ٢٩
القول فى تأويل قوله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَى عَلیمْ﴾﴾)
يعنى بقوله جل جلاله: ((وهو)) نفسه، وبقوله: ((بكل شيء عليم)) أن
الذى علقكم ، وخلق لكم ما فى الأرض جميعاً، وسوى السموات السبع بما فيهن
فأحكمهن من دخان الماء، وأتقن صُنعهنّ، لا يخفى عليه - أيها المنافقون والملحدون
الكافرون به من أهل الكتاب (١) - ما تُبدون وما تكتمون فى أنفسكم، وإن أبدى
منافقوكم بألسنتهم قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر ، وهم على التكذيب به
منطوون . وكذّبتْ أحباركم بما أتاهم به رسولى من الهدى والنور ، وهم بصحته
عارفون . وجحدوه وكتموا ما قد أخذتُ عليهم - ببيانه الخلقى من أمر محمد
ونُبُوّته - المواثيقَ وهم به عالمون. بل أنا عالم بذلك من أمركم وغيره من أموركم .
وأمور غیر کم (٢) ، إلىبكل شيء عليم.
وقوله: ((عليم)) بمعنى عالم. ورُوى عن ابن عباس أنه كان يقول: هو الذى
قد كمتل فى علمه .
٥٩٦ - حدثنى المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنا
معاوية بن صالح ، قال : حدثنى على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قال :
العالم الذى قد كمل فى علمه(٣).
(١) فى المخطوطة: ((وأهل الكتاب) عطفاً ..
. ...
(٢) فى المطبوعة: ((بل أنا عالم بذلك وغيره من أموركم
(٣) الخبر : ٥٩٦ - ليس فى مراجعنا .

٠ ٠٠.
تفسير سورة البقرة : ٣٠
٤٣٩
القول فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذْ قَلَ رَبُّكَ﴾
قال أبو جعفر: زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة (١):
أن تأويل قوله: ((وإذ قال ربك))، وقال ربك؛ وأن ((إذا)) من الحروف الزوائد ،
وأن معناها الحذف . واعتلّ لقوله الذى وصفنا عنه فى ذلك ببيت الأسود بن
يَعْفُر:
فَإِذَا وَذَلك لاَمَهَمَ لِذِكْرْهِ وَالدَّهْرُ يُعْقِبِ صَالِحاً بِفَسَادٍ(٢)
(١) هو أبو عبيدة (انظر تفسير ابن كثير ١ : ١٢٥)، وكما مضى آنفاً فى مواضع من
كلام الطبرى. ويؤيد ذلك أن البغدادى نقل فى شرح بيت عبد مناف بن ربعى، (الخزانة ٣: ١٧١)،
عن ابن السيد: ((وقال أبو عبيدة: إذا، زائدة، فلذلك لم يؤت لها بجواب)). هذا والشاهدان
الآتيان فى زيادة ((إذا)) لا فى زيادة ((إذ))، وهو من جرأة أبى عبيدة وخطئه، وأيا ما كان قائله،
فهو جرىء مخطئ" .
(٢) المفضليات، القصيدة رقم: ٤٤، وليس البيت فى رواية ابن الأنبارى شارح
المفضليات. وقوله ((لامهاء))، يقال: ليس لعيشنا مهه (بفتحتين) وبهاء: أى ليس له حسن
أو نضارة. وقد زعموا أن الواو فى قوله ((فإذا وذلك ... )) زائدة مقحمة، كأنه قال: فإذا ذلك ... ،
وقد قال الطبرى فى تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم
طبّ فادخلوها خالدين)) ج ٢٤ ص ٢٤: ((واختلف أهل العربية فى موضع جواب ((إذا)) التى فى
قوله: (حتى إذا جاموها)، فقال بعض نحوبي البصرة، يقال إن قوله: ( وقال لهم خزتها) فى
معنى: قال لهم . كأنه يلغى الواو. وقد جاء فى الشعر شىء يشبه أن تكون الواو زائدة، كما قال
الشاعر :
فإِذَا وَذَلكَ باكُبَيْئَةُ لَ يَكُنْ إِلاَّ تُوهُّمَ حَالِمٍ بِخَيَالِ
فيشبه أن يكون يريد: فإذا ذلك لم يكن)). وقال أبو سعيد السكرى فى شرح أشعار المذليين
٢: ١٠٠، فى شرح بيت أبى كبير الهلل :
فَإِذَا وَذَلِكَ لَيْسَ إلّ حِينَهُ وَإِذَا مَضَى شَىٍ كَأنْ لمَ يُفْعَلِ
قال أبو سعيد: ((الواو زائدة. قال: قلت لأبى عمرو: يقول الرجل: ربنا ولك الحمد . فقال :
يقول الرجل: قد أخذت هذا بكذا وكذا. فيقول: وهو لك)).
وقال ابن الشجرى فى أماليه ١: ٣٥٨: ((قيل فى الآية إن الواو مفحمة، وليس ذلك بشىء،
لأن زيادة الواو لم تثبت فى شىء من الكلام الفصيح)). والذى ذهب إليه ابن الشجرى هو الصواب،

٤٤.
تفسير سورة البقرة : ٣٠
ثم قال : ومعناها: وذلك لامهاه لذكره - وببيت عبد مناف بن ربع
المُذَلِىّ:
حتَّى إِذَا أَسْلِكُومٍ فى قُتَائِدَةٍ شَلَّ كَا تَطْرُدِ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا(١)
وقال : معناه ، حتى أسلكوهم .
قال أبو جعفر: والأمر فى ذلك بخلاف ما قال : وذلك أن (( إذ )) حرف يأتى
١٥٤/١ بمعنى الجزاء ، ويدل على مجهول من الوقت . وغیرُ جائز إبطال حرف کان دليلاً
على معنى فى الكلام. إذْ سواءٌ قيلُ قائل: هو بمعنى التطوُّل ، وهو فى الكلام
دليل على معنى مفهوم - وقيلُ آخرَ ، فى جميع الكلام الذى نطق به دليلاً على
ما أريد به : هو بمعنى التطوُّل(٢).
ولكل شاهد مما استشهدوا به وجه فى البيان ، ليس هذا موضع تفصيله . وكفى برد الطبرى فى هذا الموضع
ما زعمه أبو عبيدة من زيادة ((إذا)) كما سيأتى: ((وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى فى الكلام»
إلى آخر ما قال . وهو من سديد الفهم . وشرحه البيت بعد، يدل على أنه لا يرى زيادة الواو ،
وذلك قوله فى شرحه: ((فإذا الذى نحن فيه، وما مضى من عيشنا».
(١) ديوان المذليين ٢: ٤٢، ويأتى فى تفسير الطبرى ١٤: ٨، ١٨: ١٣، ٢٤: ٢٥
( طبعة بولاق) والخزانة ٣: ١٧٠ - ١٧٤، وأمالى ابن الشجرى ١: ٣٥٨، ٢: ٢٨٩،
وكثير غيرها . وسلك الرجل الطريق، وسلكه غيره فيه ، وأسلكه الطريق : أدخله فيه أو اضطره
إليه . وقتائدة : جبل بين المنصرف والروحاء ، أى فى الطريق بين مكة والمدينة . وشل السائق الإبل:
طردها أمامه طرداً. ومر فلان يشل العدو بالسيف: يطردهم طرداً يفرون أمامه . والحالة : أصحاب
الجمال. وشرد البعير فهو شارد وشرود: نفر وذهب فى الأرض، وجمع شارد شرد (بفتحتين)
مثل خادم وخدم . وجمع شرود شرد ( بضمتين). ويذكر عبد مناف قوماً أغاروا على علو لهم ،
فأزعجوهم عن منازلهم، واضطروهم إلى ((قتائدة)) يطردونهم بالسيوف والرماح والنبال، كما تطرد الإبل
الشوارد. وجواب ((إذا)) تقديره: شلوهم ثلا، فعل محذوف دل عليه المصدر، كما سيأتى فى كلام
الطبرى بعد .
(٢) فى المخطوطة: ((هو بمعنى التطول فى الكلام)). وهو خطأ. والتطول، فى اصطلاح
الطبرى وغيره: الزيادة فى الكلام بمعنى الإلغاء، كما مضى آنفاً فى ص ١٤٠ من بولاق، وأراد الطبرى
أن ينفى ما لج فيه بعض النحاة من ادعاء اللغو والزيادة فى الكلام، فهو يقول: إذا كان الحرف
أو الكلمة معنى مفهوم فى الكلام ، ثم ادعيت أنه زيادة ملغاة ، فجائز لغيرك أن يدعى أن جملة
كاملة مفهومة المعنى ، أو كلاماً كاملا مفهوم المعنى - إنما هى زيادة ملغاة أيضاً . وبذلك يبطل
كل معنى لكل كلام ، إذ يجوز لمدع أن يبطل منه ما يشاء بما يهوى من الجرأة والادعاء . وهذا تأييد
مذهبنا التى ارتفيناء فى العملين السالف .

٤٤١
تفسير سورة البقرة : ٣٠
وليس لما ادَّعى الذى وصفنا قوله (١) - فى بيت الأسود بن يعفر: أن ((إذا))
بمعنى التطوّل - وجه مفهوم ، بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذى
أراده الأسود بن یعفر من قوله :
* فَإِذَا وذلك لاَمَهَ ذَكْرِه *
وذلك أنه أراد بقوله : فإذا الذى نحن فيه ، وما مضى من عيشنا . وأشار
بقوله (( ذلك )) إلى ما تقدم وصفه من عیشه الذی کان فيه - «لامهاه لذ كره » بعنى
لا طعم ولا فضلَ ، لإعقاب الدهر صَالح ذلك بفساد . وكذلك معنى قول
عبد مناف بن ربعٍ :
حتى إذا أسلكوم فى قُتَائدةٍ شَلاَّ.
لو أسقط منه ((إذا)) بطل معنى الكلام، لأن معناه : حتى إذا أسلكوهم فى
قتائدة سلكوا شلا ، فدل قوله. ((أسلكوهم شلا)) على معنى المحذوف ، فاستغنى
عن ذكره بدلالة ((إذا)) عليه، فحذف. كما دلّ - ماقد ذكرنا فيما مضى من
كتابنا(٢) - على ما تفعل العربُ فى نظائر ذلك. وكما قال النمر بن تَوْلَب:
فإِنِ المَنِيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا فَتَوْفَ تُصَادِفُهُ أَيْمَا(٣)
وهو يريد: أينما ذهب. وكما تقول العرب: (( أتيتك من قبلُ ومن بعدُ)).
تريد من قبل ذلك، ومن بعد ذلك. فكذلك ذلك فى ((إذا)) كما يقول القائل :
(١) فى المطبوعة ((وليس لمدعى الذى ... ) وهو خطأً.
(٢) فى المطبوعة: ((كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل ... ))، وفى المخطوطة:
((كما قال. قد ذكرنا فيما مضى ... ))، وكلاهما خطأ، الأوا، من تغيير المصححين، والثانى تصحيف
فى ((قال))، فهى ((دل))، والنقطة السوداء، بياض كان فى الأصل المنقول عنه، أو ((ما))
ضاعت ألفها وبقيت ((.)) مطموسة، فتلها ظان علامة فصل.
هذا وقد أشار الطبرى إلى ما مضى فى كتابه هذا ص: ١١٤، ص : ٣٢٧ فانظره .
(٣) من قصيدة محكمة فى مختارات ابن الشجرى ١: ١٦، والخزانة ٤: ٤٣٨، وشرح
شواهد المغنى : ٦٥، وبعده :
وإِنْ تتخطّكَ أَسْبَابُها فإن قُصَاراكَ أنْ تهرمًا

٤٤٢
تفسير سورة البقرة : ٣٠
(( إذا أكرمك أخوك" فأكرمه، وإذا لا فلا)). يريد: وإذا لم يكرمك فلا تكرمه .
ومن ذلك قول الآخر :
فَإِذَا وَذَلِكِ لاَ يَضُرُّكُ ضْرُهُ فِى يَوْمِ أسْلُ نَائِلاً أَوْ أُنْكَهُ(١)
نظير ما ذكرنا من المعنى فى بيت الأسود بن يعفر . وكذلك معنى قول الله
جل ثناؤه: ((وإذ قالَ ربك للملائكة))، أو أبْطِلت ((إذ)) وحُذفت من
الكلام ، لاستحال عن معناه الذى هو به (٢)، وفيه ((إذا)).
فإن قال لنا قائل: فما معنى ذلك؟ وما الجالب (((إذ))، إذ لم يكن فى الكلام
قبله ما يُعطف به عليه (٣) ؟
قيل له : قد ذكرنا فيما مضى (٤): أنّ الله جل ثناؤه خاطب الذين خاطبهم
بقوله: ((كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم))، بهذه الآيات والتى بعدها ،
مُوَبَّخهم مقبحاً إليهم سوء فعالهم ومقامهم على ضلالهم، مع النعم التي أنعمها عليهم
وعلى أسلافهم؛ ومذ کرّهم- بتعدید نعمه عليهم وعلى أسلافهم - بأسه،أن يسلكوا
سبيل من هلكٍ من أسلافهم فى معصيته(*)، فيسلك بهم سبيلهم فى عقوبته؛ ومعرّفهم
ما كان منه من تعطّفه على التائب منهم استعتاباً منه لهم. فكان مما عدّد من نعمه
عليهم أنه خلق لهم ما فى الأرض جميعاً، وسخّر لهم ما فى السموات من شمسها
(١) لم أعرف صاحبه . وفى المطبوعة:
(((فى يوم أثل فائلا أو أنكدا))
وهو خطأ عريق. وفى المطبوعة: ((أسل نائلا)»، وهى أقرب إلى الصواب. الضر: سوء الحال من فقر
أو شدة أو بلاء أو حزن. والنائل: ما تناله وتصيبه من معروف إنسان. ونكده ما سأله : قلل
له العطاء ، أو لم يعطه البتة ، يقول القائل:
وأعْطِ ما أعطيتَهُ مَيَِّاً لا خيرَ فى المنكودِ والنَّاكِدِ
(٢) قوله: ((الذى هو به))، أى: الذى هو به كلام قائم مفهوم.
(٣) فى المطبوعة: ((فإن قال قائل))، بحذف: ((لنا)).
(٤) انظر ما سلف فى ص : ٤٢٤ وما بعدها .
(٥) فى المطبوعة: ((من أسلافهم فى معصية الله))، وفى المخطوطة: ((سلافهم)) مضبوطة بالقلم
يضم النسين وتشديد اللام، وفى المواضيع السالفة: ((أسلاف). والأسلاف والسلاف جمع سلف وسالف:
آباؤنا الذين مضوا وتقدمونا إلى لقائه سبحانه .

٠
٤٤٣
تفسير سورة البقرة : ٣٠
وقمرها ونجومها ، وغير ذلك من منافعها التى جعلها لهم ولسائربنى آدم معهم منافع .
فكان فى قوله تعالى: ذكره «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم
ثم يحيكم ثم إليه ترجعون))، معنى: اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم، إذ خلقتكم
ولم تكونوا شيئاً ، وخلقت لكم ما فى الأرض جميعاً، وسويت لكم ما فى السماء.
ثم عطف بقوله: ((وإذ قال رَبُّك للملائكة)) على المعنى المقتضى بقوله: ((كيف
تكفرون بالله))، إذ كان مقتضياً ما وصفتُ من قوله : اذكروا نعمتى إذ فعلت
بكم وفعلتُ، واذكروا فعلى بأبيكم آدم إذ قلتُ للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض
خليفة (١).
٠٠/١
فإن قال قائل : فهل لذلك من نظير فى كلام العرب نعلم به صحة ما قلت ؟
قيل : نعم ، أكثرُ من أن يحصى ، من ذلك قول الشاعر :
أجِدَّكُ لَنْ تَرَى بِتُعَيْلِبَاتٍ وَلاَ بَيْدَانَ نَاحِيَةَ ذَمُولاَ(٣)
ولاَ مُتَدَارِكِ وَالشّمْسُ طِفْلٌ بِبعضِ نَوَاشِعِ الوَادِى ◌ُولاً (٣)
فقال: ((ولامتدارك))، ولم يتقدمه فعلٌ بلفظه يعطفه عليه (٤)، ولا حرف
(١) هذا الذى قاله أبو جعفر تغمده الله بمغفرته، من أجود النظر فى تأويل كتاب الله،
ومن حسن بصره بالعربية وأسرار إيجازها، واعتمادها على الاكتفاء بالقليل من اللفظ الدال على الكثير
من المعنى، واتخاذها الحروف روابط المعانى الجامعة ، لا لرد حرف على حرف سبق .
(٢) هو للمرار بن سعيد الفقى، معانى القرآن الفراء ١: ١٧١، مجالس ثعلب: ١٥٩،
اللسان (بيد) (طفل) (نشغ)، ومعجم البلدان (ثعيلبات). وثعيلبات وبيدان موضعان . والناجية:
الناقة السريعة، من النجاء : وهو سرعة السير . والذمول : الناقة التى تسير سيراً سريعاً ليناً .
ذملت ذميلا وذملاناً .
(٣) يروى ((ولا متلافياً)) بالنصب. وتدارك القوم (متعدياً)، بمعنى أدركهم ، أو حاول
الحاق بهم. وتلافاه: تداركه أيضاً. والشمس طفل: يعنى هنا: عند شروقها - لا عند غروبها -
أخذت من الطفل الصغير . ونواشغ الوادى جمع ناشغة: وهى مجرى الماء إلى الوادى . الحمول : هى
الموادج التى فيها النساء تحملها الإبل. وسميت الإبل وما عليها حمولا، لأنهم يحملون عليها الهوادج
الرحلة . يقول : لن تدركهم ، فقد بكروا بالرحيل .
(٤) فى المطبوعة: ((يعطف عليه)). وفى المخطوطة ((يعطف به))، وقوله ((به)) ملصقة
إلصاقاً فى الفاء من ((يعطف)».

٤٤٤
تفسير سورة البقرة : ٣٠
مُعرَّب إعرابَه، فيردّ ((متدارك)) عليه فى إعرابه. ولكنه لما تقدّمه فعل
مجحود : ((لن)) يدل على المعنى المطلوب فى الكلام من المحذوف(١)، استغنى بدلالة
ما ظهر منه عن إظهار ما حُذِف ، وعاملَ الكلامَ فى المعنى والإعراب معاملته
أن لو كان ما هو محذوف منه ظاهراً (٢). لأن قوله :
• أجدّك لن تَرَى بِتُعَيْلِبَاتٍ.
بمعنى: ((أجدّك لستَ بِرَاء)»، فردّ" (متداركاً)» على موضع ((ترى ))، كأن"
((لست)) و((الباء)) موجودتان فى الكلام. فكذلك قوله: ((وإذ قالَ رَبُّك))،
لمّا سلف قبله تذكير اللّه المخاطبين به ما سلف قبلهم وقبل آبائهم من أیادیه وآلائه،
وكانَ قوله: ((وإذ قال ربك للملائكة)) مع ما بعده من النعم التى عدّدها
عليهم ونبّههم على مواقعها - رَدّ ((إذْ)) على موضع ((وكنتم أمواتاً فأحياكم)).
لأن معنى ذلك : اذكروا هذه من نعمى ، وهذه التى قلت فيها للملائكة . فلما
كانت الأولى مقتضية ((إذا))، عطف؛ ((إذا)) على موضعها فى الأولى(٣)، كما وصفنا
من قول الشاعر فى ((ولا متدارك)).
٥
القول فى تأويل قوله: ﴿ لِلْتِكَةِ﴾
قال أبو جعفر: والملائكة جمع مَلأك (٤)، غيرَ أن أحدَهم(٥)، بغير الهمزة
أكثرُ وأشهر فى كلام العرب منه بالهمز. وذلك أنهم يقولون فى واحدهم : مَلَك من
(١) فى المطبوعة: ((فى الكلام، وعلى المحذوف))، لعله من تغيير المصححين. وأراد الطبرى
أن الفعل المجحود ، يدل على المعنى المطلوب من المحذوف . وهذا بين .
(٢) فى المخطوطة: ((إذ لو كان ما هو محلوف منه ظاهر))، وهو خطأ.
(٣) فى المطبوعة: ((عطف ((وإذ)) على موضعها فى الأولى))، وليس بشىء.
(٤) فى المطبوعة والخطوطة: ((جمع ملك))، وظاهر كلام الطبرى يدل على صواب ما أثبتناه.
(٥) فى المطبوعة: ((غير أن واحدهم))، وهما سواء.

٤٤٥
تفسير سورة البقرة : ٣٠
الملائكة، فيحذفون الهمز منه ، ويحركون اللام التى كانت مسكنة لوهُمز الاسم .
وإنما يحركونها بالفتح ، لأنهم ينقلون حركة الهمزة التى فيه بسقوطها إلى الحرف
الساكن قبلها: فإذا جمعوا واحدهم، ردوا الجمع إلى الأصل وهمزوا، فقالوا:
ملائكة .
وقد تفعل العرب نحو ذلك كثيراً فى كلامها ، فتترك الهمز فى الكلمة التى
هى مهموزة ، فيجرى كلامهم بترك همزها فى حال ، وبهمزها فى أخرى ، كقولهم :
((رأیتفلاناً )) فجری کلامهم بهمز (( رأيت » ثم قالوا: « نری وتریویری )»، فجرى
كلامهم فى ((يفعل)) ونظائرها بترك الهمز، حتى صارَ الهمز معها شاذًّا، مع
كون الهمز فيها أصلاً . فكذلك ذلك فى ((ملك وملائكة))، جرى كلامهم بترك
الهمز من واحدهم ، وبالهمز فى جميعهم . وربما جاء الواحد مهموزاً، كما قال
الشاعر :
تحدَّرَ من جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ(١)
فَلَسْتَ الإنْسِىّ ولكنْ ◌ِلْأَكِ
وقد يقال فى واحدهم ، مألك ، فيكون ذلك مثل قولهم : جَبّذ وجذب ،
وشأمَل وشمأل ، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة . غير أن الذى يجبُ إذا
سمى واحدهم ((مألك)) أن يجمع إذا جمع على ذلك ((مآ لك))، ولست أحفظ جمعتهم
كذلك سماعاً، ولكنهم قد يجمعون: ملائك وملائكة ، كما يجمع أشعث :
أشاعت وأشاعثة، ومِسْمع: مَسامع ومسامعة، قال أميّة بن أبى الصّلت
فی جمعهم كذلك :
وفيهما مِنْ عِبَاد الله قومٌ مَلَائِكُ ذُلُّوا وهُمُ صِعَابُ(٢)
وأصل الملأك : الرسالة ، كما قال عدى بن زيد العبادىّ :
(١) سلف الكلام على هذا البيت فى ص: ٣٣٣، ورواية المخطوطة فى هذا الموضع:
((ولستَ لجنّّ ولكنّ مَلْأكاً))
(٢) ديوانه: ١٩. ((ذالوا) من الفل (بكسر الذال) وذلله: راضه حتى يذل ويلين ويطيع.

٤٤٦
تفسير سورة البقرة : ٣٠
أَبْلِغِ الثَّمَان عَنِّى مَلْأَكًا إِنَّه قد طال حَبْسِى وَانْتِظَارِى(١)
وقد ينشد : مألتكاً ، على اللغة الأخرى. فمن قال : ملأكاً فهو مفعل، من
١٥٦/١ لأك إليه يتلأك إذا أرسل إليه رسالة ملأكة (٢)؛ ومن قال: مألكاً فهو متفعل من
ألكت إليه آلك: إذا أرسلت إليه مألكة وألُوكاً (٣)، كما قال لبيد بن ربيعة (٤):
وَغُلامِ أَرْسَلْهِ أَمَّه بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَل.(٥)
فهذا من ((ألكت))، ومنه قول نابغة بنى ذبيان :
سَأَهْدِيه، إِلَيْكَ إِلَيْكَ عَنِّى (٦)
أَلِكْنى ياعُيَيْنَ إِليكَ قَوْلاً
(١) الأغانى ٢: ١٤، والعقد الفريد٥: ٢٦١، وفى المطبوعة ((وانتظار»، وهى إحدى
قصائد عدى ، التى كان يكتبها إلى النعمان، لما حبسه فى محبس لا يدخل عليه فيه أحد . وبعده
البيت المشهور ، وهو من تمامه :
لَوْ بغيرِ الماء حَلْقِى شرِقٌ كُنْتِ كَالفَصّانِ بالماء اعتصارِى
(٢) فى المطبوعة والخطوطة: ((يلتك))، وهذا الثلاثى: ((لأكَ يلأك)) لم أجده منصوصاً
عليه فى كتب اللغة، بل الذى نصوا عليه هو الرباعى: ((ألكنى إلى فلان: أبلغه عنى. أصله
ألتكنى، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها)»، ولكنهم نصوا على أنه مقلوب ، فإذا
صح ذلك، صح أيضاً أن تكون ((لأك)) مقلوب ((ألك)) الثلاثى، وهو مما نصوا عليه.
(٣) كلام الطبرى يشعر بأنه أراد وزن (مفعل)) بفتح العين، فهى مالك، بفتح اللام،
والأشهر الأفصح: والمألك والمألكة ( بفتح الميم وضم اللام فيهما) .
(٤) فى المطبوعة: ((لبيد بن أبى ربيعة))، وهو خطأ.
(٥) ديوانه القصيدة رقم: ٣٧، البيت: ١٦، وقوله ((وغلام)) مجرور بواو ((رب)).
أرسلت الغلام أمه تلتمس من معروف لبيد، فأعطاها ما سألت .
(٦) فى المطبوعة: ((ستهديه الرواة إليك ... ))، وأثبتنا نص المخطوطة، والديوان: ٨٥
وغيرهما. ويضبطونه (سأهديك)) بضم الهمزة، من الهدية، أى سأهديه إليك، ولست أرتضيه ،
والشعر يختل بذلك معناه. وإنما هو عندى بفتح الهمزة، من ((هديته الطريق)) إذا عرفته الطريق
وبينته له . ومنه أخذوا قولهم: هادانى فلان الشعر وهاديته: أى هاجانى وهاجيته. وقوله: ((إليك
إليك )) أى خذها ، كما قال القطاعى :
· إِلَيْكَ إِلَيْكَ ! ضاقَ بهاَ ذِراعًا
إذا التَّيَّزُ ذُو العَضَلاتِ قلنا:
وقوله: ((عنى)) أى منى، ما فى قولهم: ((عنك جاء هذا)) أى منك، أو من قبلك. وكذلك هو
فى قوله تعالى: (وهو الذى يقبل التوبة عن عباده)، أى من عباده، وقوله تعالى: ( أولئك الذين
نتقبل عنهم أحسن ما عملوا)، أى نتقبل منهم. وليس قول النابغة من قولهم ((إليك عنى))، أى
كف وأمسك - فى شىء. والشعر الذى يليه دال على ذلك، والبيت الذى يلى هذا فيه الكلمة المنصوبة

٤٤٧
تفسير سورة البقرة : ٣٠
وقال عبدُ بنى الحَسْحَاس :
أَلِكْنى إليها عَمْرَكَ الله ◌َيَاقَتَّى بِآيَةِ ماجاءتْ إِلَيْنَا تَدِيًا(١)
يعنى بذلك: أبلغها رسالتى. فسميت الملائكةَ ملائكة بالرسالة، لأنها رُسُل
الله بینه وبین أنبيائه ، ومن أرسلت إليه من عباده .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنِى جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ﴾
اختلف أهل التأويل فى قوله: ((إنى جاعل))، فقال بعضهم: إلى فاعل.
ذ کر من قال ذلك :
٥٩٧ - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال: حدثنا الحسين ، قال : حدثنى
حجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك ، عن الحسن، وأبى بكر - يعنى الهلاك .-
عن الحسن، وقتادة، قالوا: قال الله تعالى ذكره لملائكته: ((إنى جاعلٌ فى
الأرض خليفة))(٢)، قال لهم: إلى فاعل(٣).
بقوله ((إليك إليك)):
قوافِيَ كالسَّلَامَ إِذا استمَرَّتْ فليسَ يُرُدّ مَذْهَبَهَا التظنّى
أى خذها قوافى كالسلام ، وهى الحجارة .
وقوله: ((عين)» يعنى عيينة بن حصن الفزاري، وكان أمان بنى عيس على بنى أسد حلفاء بني ذبيان،
رهط النابغة .
(١) سلف القول فى هذا البيت : ١٠٦ آنفاً .
(٢) فى المطبوعة: ((قال اللّه الملائكة إنى ... )). وهو موافق لما نقله ابن كثير.
(٣) الأثر: ٥٩٧ - نقله ابن كثير ١: ١٢٧ عن الطبرى. ووقع فى إسناده هناك سقط،
والظاهر أنه خطأ مطبعى. وذكره السيوطى ١: ٤٤ مختصراً. وسيأتى مرة أخرى: ٦١١ مطولا ،
بهذا الإسناد نصاً . وهو هنا بإستادين بل ثلاثة: رواه الحجاج - وهو ابن المنهال - عن جرير
ابن حازم، وعن المبارك - وهو ابن فضالة - ثم رواه عن أبى بكر الهذلى، ثلاثتهم عن الحسن
البصرى، والإسنادان الأولان جيدان، والثالث ضعيف، بضعف أبى بكر الهذلى ، ضعفه ابن
المدينى جداً، وقال ابن معين: ((ليس بشىء))، وترحمه البخارى فى الكبير ١٩٩/٢/٢ باسم

٤٤٨
تفسير سورة البقرة : ٣٠
وقال آخرون : إنى خالق . ذكر من قال ذلك :
٥٩٨ - حُدُّثت عن المنجاب بن الحارث، قال : حدثنا بشر بن عمارة ،
عن أبى روق، قال: كل شىء فى القرآن ((جَعَل))، فهو خلق (١).
٠٠٠
قال أبو جعفر: والصواب فى تأويل قوله: ((إنى جاعل فى الأرض خليفة)):
أى مستخلف فى الأرض خليفةً، وُمُصَيِّر فيها خَلَفاً(٢). وذلك أشبه بتأويل قول
الحسن وقتادة .
وقيل: إن الأرض التى ذكرها الله فى هذه الآية هى ((مكة)). ذكر من قال
ذلك :
٥٩٩ - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن ابن سابط :
أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: دُحِيت الأرضُ من مكة ، وكانت الملائكة
تطوفُ بالبيت، فهى أوّل من طاف به، وهى ((الأرضُ)) التى قال الله: (( إنى
جاعلٌ فى الأرض خليفة))، وكان النبيّ إذا هلك قومه، ونجا هو والصالحون، أتاها
هو ومن معه فعبد الله بها حتى يموتوا، فإنَّ قَبر ◌ُنُوحٍ وهودٍ وصَالحَ وشعَيْب،
بين زَمَزَم والرُّكن والمَقَام(٣).
((سامى أبو بكر الهذلى البصرى))، وقال: ((ليس بالحافظ عندهم. قال عمرو بن على: عدلت
من أبى بكر الهذلى عمداً)). وكذلك ترجمه ابن أبى حاتم ٣١٣/١/٢ - ٣١٤، وأبان عن ضعفه.
و ((سلمى)): بضم السين وسكون اللام مع إمالة الألف المقصورة.
(١) الأثر: ٥٩٨ - نقله السيوطى ١: ٤٤ عن الطبرى، ولكنه جعله من كلام الضحاك.
وأبو روق يكثر رواية التفسير عن الضحاك. فلعل ذكر ((الضحاك)) سقط من الناسفين فى بعض
قبيخ الطبرى. وأياً ما كان فهذا الإسناد ضعيف. سبق بيان ضعفه : ١٣٧. ويزيده ضمفاً هنا
جهالة الشيخ الذى رواه عنه الطبرى عن المنجاب، فى قوله ((حدثت))، بتجهيل من حدثه.
(٢) فى المخطوطة: ((خلقاً))، بالقاف.
(٣) الحديث: ٥٩٩ - نقل ابن كثير فى التفسير ١: ١٢٧ معناه من تفسير ابن أبى
حاتم: ((حدثنا أبى، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن
ابن سابط»، فذكره مرفوعاً بنحوه مختصراً. وقال ابن كثير: «وهذا مرسل، وفى سنده ضعف، وفيه

تفسير سورة البقرة : ٣٠
القول فى تأويل قوله ﴿ خَلِيفَةٌ ﴾
والخليفة الفعيلة من قولك: خلف فلان فلاناً فى هذ الأمر ، إذا قام مقامه
ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ
فیہ بعده . کما قال جل ثناؤه
بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تْمَلُونَ﴾ [سورة يونس: ١٤] يعنى بذلك أنه أبدلكم فى
الأرض منهم ، فجعلكم خلفاء بعدهم . من ذلك قيل للسلطان الأعظم :
خليفة ، لأنه خلف الذى كان قبله ، فقام بالأمر مقامه ، فكان منه خلفاً .
يقال منه: خلف الخليفة، يخلُف خلافة وخِلِّيفَى (١).
وكان ابن إسحق يقول بما :
٦٠٠ - حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إلى
جاعل فى الأرض خليفة))، يقول: ساكناً وعامراً يسكنها ويعمُرها خلفاً ، ليس
منكم (٢).
وليس الذى قال ابن إسحق فى معنى الخليفة بتأويلها - وإن كان الله جل
مدرج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم - فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك)).
أما إرساله: فإن ((عبد الرحمن بن سابط)): تابعى، وهو ثقة، ولكنه لم يدرك النبى صلى الله
عليه وسلم، بل لم يدرك كبار الصحابة، كعمر وسعد ومعاذ وغيرهم. ويقال إنه ((عبد الرحمن بن عبد الله
بن سابط)). واختلف فى ذلك جداً، فلذلك ترجمه الحافظ لأبيه فى الموضعين: ((سابط)»،
أو ((عبد الله بن سابط))، وفى الإصابة ٣: ٥١ - ٥٢، و٤: ٧٣ . ونقله السيوطى ١ : ٤٦،
ونسبه الطبرى وابن أبى حاتم وابن عساكر، مطولا كرواية الطبرى، ونقله الشوكانى ١: ٥٠ مختصراً ،
كرواية ابن أبى حاتم ، ونقل تعليل ابن كثير إياه .
وفى المطبوعة ((أتى هو ومن معه)). وفى المخطوطة ((فيعبدوا الله بها)).
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وخليفاً))، والصواب ما أثبتناه. فى حديث عمر: ((لولا
الخليفى لأذنت)) ( بكسر الخاء وتشديد اللام المكسورة، بعدها ياء، ثم فاء مفتوحة) قالوا : وهو
وأمثاله من الأبنية كالرمى والدليل ، مصدر يدل على معنى الكثرة. يريد عمر : كثرة اجتهاده فى
ضبط أمور الخلافة وتصريف أعنتها .
(٢) الأثر: ٦٠٠ - فى ابن كثير ١: ١٢٧ وفى المطبوعة هنا، وفى: ٦١٥ (( خلقاً
.١٤ (٢٩)

٤٥٠
تفسير سورة البقرة : ٣٠
ثناؤه إنما أخبر ملائكته أنه جاعل فى الأرض خليفة يسكنها - ولكن معناها
ما وصفتُ قبلُ .
فإن قال قائل : فما الذى كان فى الأرض قبل بنى آدم لها عامراً ، فكان بنو
آدم منه بدلاً (١) ، وفيها منه خلفاً ؟
قيل : قد اختلف أهل التأويل فى ذلك :
٦٠١ - فحدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر
١٥٧/١ ابن عمارة ، عن أبى روق، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : أول من سكن
الأرض الجنّ فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضاً. فبعث الله
إليهم إبليس فى جند من الملائكة ، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر
البحور وأطراف الجبال . ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: (( إلى جاعل
فى الأرض خليفة)) (٢).
فعلى هذا القول: ((إنى جاعل في الأرض خليفة))، من الجن ، يخلفونهم
فيها فيسكنونها ويعمرونها .
٦٠٢ - وحدثنى المثنى، قال: حدثنا إسحق، قال: حدثنا عبد الله بن
أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس فى قوله: ((إنى جاعل فى الأرض
خليفة)) ، الآية، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء ، وخلق الجن يوم
ليس منكم)) بالقاف، وهو خطأ، والصواب فى ابن كثير ١: ١٢٧. وقوله ((خلفاً)): أى بدلا
من مضى، وهم سكان الأرض قبل أبينا آدم عليه السلام، كما يأتى فى الخير التام : ٦١٥ . وقوله :
((ليس منكم))، كلام مستأنف، أى ليس منكم أيتها الملائكة. أما المخطوطة ففيها: ((ليس خلفاً
منكم)» وهو خطأ محض .
(١) فى المطبوعة: ((بدلا منه)) بالتقديم.
(٢) الخبر: ٦٠١ - فى ابن كثير ١: ١٢٧. وقد روى الحاكم فى المستدرك ٢ : ٢٦١
خيراً يشبهه فى بعض المعنى ويخالفه فى الفظ قال: «أخبرنا عبد الله بن موسى الصيدلانى، حدثنا
إسماعيل بن قتيبة، حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا أبو معاوية، من الأعمش، عن بكير بن
الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس : ... )) وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)).
ووافقه الذهبي. وأما إسناد الطبرى هنا فضعيف، كما بينا فيما سبق : ١٣٧.

٤٠١
تفسير سورة البقرة : ٣٠
الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة ، فكفر قوم من الجن ، فكانت الملائكة تهبط
إليهم فى الأرض فتقاتلهم ، فكانت الدماء، وكان الفساد فى الأرض(١).
وقال آخرون فى تأويل قوله: ((إنى جاعل فى الأرض خليفة))، أى خلفاً يخلف
بعضهم بعضاً، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم
القرن الذى سلف قبله . وهذا قول حكى عن الحسن البصرى.
ونظيرٌ له ما : -
٦٠٣ - حدثنى به محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيرى ، قال :
حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط فى قوله: ((إنى جاعل فى
الأرض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)) قال : يعنون به
بنى آدم صلى الله عليه وسلم .
٦٠٤ - حدثنى يونس، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد :
قال الله تعالى ذكره للملائكة: إنى أريد أنْ أخلق فى الأرض خلقاً وأجعل فيها
خليفةً. وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق (٢).
وهذا القول يحتمل ما حكى عن الحسن ، ويحتمل أن يكون أراد ابنُ زيد
أنّ الله أخبر الملائكة أنه جاعل فى الأرض خلیفة" له يحكم فيها بین خلقه بحكمه ،
نظير ما : -
٦٠٥ - حدثنى به موسى بن هرون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال :
حدثنا أسباط ، عن السدى فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ،
عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبى
(١) الأثر: ٦٠٢ - رواه الطبرى فى التاريخ ١: ٤٣، بهذا الإسناد. سيأتى أيضاً بهذا
الإسناد بأطول منه : ٦١٢. ونقله ابن كثير ١: ١٢٨، والسيوطى ١ : ٤٥ بالرواية المطولة،
ولكنهما جعلاء من كلام أبى العالية . فهو من رواية الربيع بن أنس عن أبى العالية . وزاد السيوطى
فى نسبته أنه رواه أيضاً ابن أبى حاتم ، وأبو الشيخ فى العظمة .
(٢) الأثران: ٦٠٣، ٦٠٤ - فى ابن كثير ١ : ١٢٨.

٤٥٢
تفسير سورة البقرة : ٣٠
صلى الله عليه وسلم: أنّ اللّه جل ثناؤه قال للملائكة: (( إنى جاعل فى الأرض
خليفة)). قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال: يكون له ذُرّيةٌ يفسدون فى
الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً (١).
فكان تأويل الآية على هذه الرواية التى ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس :
إنى جاعل فى الأرض خليفةً منّى يخلفى فى الحكم بين خلقى. وذلك الخليفة هو
آدمُ ومن قام مقامه فى طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك
الدماء بغیر حقها، فمنغیر خلفائه ،ومن غیر آدمومن قام مقامہ فیعباد الله - لأنهما
أخبرًا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته - إذا سألوه: ما ذاك الخليفة؟ -: إنه خليفة
يكون له ذُرّية يفسدون فى الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً. فأضاف
الإفساد وسفك الدماء بغير حقها إلى ذُرّية خليفته دونه ، وأخرج منه خليفته .
وهذا التأويل ، وإن كان مخالفاً فى معنى الخليفة ما حكى عن الحسن من
وجه ، فموافق له من وجه . فأما موافقته إياه ، فصرْفُ متأوِّليه إضافة الإفساد فى
الأرض وسفك الدماء فيها إلى غير الخليفة . وأما مخالفته إياه ، فإضافتهما الخلافة
إلى آدم(٢)، بمعنى استخلاف اللّه إياه فيها. وإضافة الحسن الخلافة إلى ولده، بمعنى
خلافة بعضهم بعضاً ، وقيام قرن منهم مقام قرن قبلهم ، وإضافة الإفساد فى الأرض
وسفك الدماء إلى الخليفة .
١٥٨/١
والذى دعا المتأوِّلين قوله: ((إنى جاعل" فى الأرض خليفة)) - فى التأويل
الذى ذُكر عن الحسن - إلى ما قالوا فى ذلك ، أنهم قالوا إن الملائكة إنما قالت
لربها - إذا قال لهم ربهم: ((إنى جاعلٌ فى الأرض خليفة)) -: ((أتجعل فيها من يفسد
فيها ويسفك الدماء))، إخباراً منها بذلك عن الخليفة الذى أخبرَ الله جل ثناؤه أنه
(١) الأثر: ٦٠٥ - فى ابن كثير ١ : ١٢٧ .
(٢) فى المطبوعة: ((فإضافتهم))، والصواب ما فى المخطوطة، ويعنى بهما ابن مسعود وابن
عباس كما مضى آنفاً .

٤٥٣
تفسير سورة البقرة : ٣٠
جاعله فى الأرض لا عن غيره (١). لأنّ المحاورة بين الملائكة وبين ربها عنهُ
جرتْ . قالوا : فإذا كان ذلك كذلك - وكان الله قد برأ آدم من الإفساد فى
الأرض وسفك الدماء، وطهَّره من ذلك - عُلم أن الذى عنى به غيره من ذرّيته .
فثبت أن الخليفة الذى يفسد فى الأرض ويسفك الدماء هو غيرُ آدم ، وأنهم وَلدُه
الذين فعلوا ذلك، وأن معنى الخلافة التى ذكرها الله إنما هى خلافة قرن منهم
قرناً غيرهم لما وصفنا .
وأغفل قائلو هذه المقالة ، ومتأوّلو الآية هذا التأويل ، سبيل التأويل. وذلك
أنّ الملائكة إذ قال لها ربها: ((إنى جاعلٌ فى الأرض خليفة)»، لم تُضف الإفساد
وسفك الدماء فى جوابها ربَّها إلى خليفته فى أرضه، بل قالت: ((أتجعل فيها من يُفسد
فيها»؟ وغیرُ مُنْکر أن یکون ربُها أعلمها أنهیکونخليفته ذلك ذریة یکون منهم
الإفساد وسفك الدماء ، فقالت: يا ربنا، ((أتجعل فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ
الدماء)). كما قال ابن مسعود وابن عباس، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل (٢).
(١) فى المطبوعة ((لا غيره)) بإسقاط ((عن)).
(٢) فى الأصل المخطوط بعد هذا الموضع ما نصه :-
[ بلغتُ من أوّله بقراءتى على القاضى أبى الحسن الخصيب ابن
عبد الله الخصيبيّ، عن أبى محمد الفَرْغانىّ ، عن أبى جعفر الطبرى.
وسمع معى أخى على بن أحمد بن عيسى، ونصربن الحسن الطبرى. وسمع
أبو الفتح أحمد بن عمر الجهارى، من موضع سماعه .
وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدى فى جمادى الآخرة سنة
ثمان وأربعئة ]
...
((تذكرة))
تبين لى مما راجعته من كلام الطبرى ، أن استدلال الطبرى بهذه الآثار التى يرويها بأسانيدها ،
لايراد به إلا تحقيق معنى لفظ، أو بيان سياق عبارة . فهو قد ساق هنا الآثار التى رواها بإسنادها

٤٠٤
تفسير سورة البقرة : ٣٠
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه خبراً عن ملائكته: ﴿قَالُوا
أَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يَفْسِدُ فِيهاَ وَيَسْفِكُ الدِّمَاء)
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل(١): وكيف قالت الملائكة لربها إذ
أخبرها أنه جاعل فى الأرض خليفة : (( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ))،
ولم يكن آدمُ بعد مخلوقاً ولا ذُرّيته، فيعلموا ما يفعلونَ عياناً؟ أعلمتِ الغيبَ فقالت
ذلك، أم قالت ما قالت من ذلك ظنًّا؟ فذلك شهادة منها بالظنّ، وقولٌ بما لا تعلم.
وذلك ليس من صفتها. أمْ ما وجه قيلها ذلك لربها ؟(٢)
ليدل على معنى ((الخليفة))، و((الخلافة))، وكيف اختلف المفسرون من الأولين فى معنى ((الخليفة)).
وجعل استدلاله بهذه الآثار ، كاستدلال المستدل بالشعر على معنى لفظ فى كتاب الله . وهذا بين
فى الفقرة التالية للأثر رقم : ٦٠٥، إذ ذكر ما روى عن ابن مسعود وابن عباس، وما روى عن
الحسن فى بيان معنى ((الخليفة))، واستظهر ما يدل عليه كلام كل منهم. ومن أجل هذا الاستدلال،
لم يبال بما فى الإسناد من وهن لا يرتضيه . ودليل ذلك أن الطبرى نفسه قال فى إسناد الأثر: ٤٦٥
عن ابن مسعود وابن عباس، فيما مضى ص: ٣٥٣ ((فإن كان ذلك صحيحاً، ولست أعلمه صحيحاً،
إذ كنت بإسناده مرتاباً ... ))، فهو مع ارتيابه فى هذا الإسناد، قد ساق الأثر للدلالة على معنى
اللفظ وحده، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس - إن صح عنهما - أو ما فهمه الرواة الأقدمون
من معناه . وهذا مذهب لا بأس به فى الاستدلال. ومثله أيضاً ما يسوقه من الأخبار والآثار التى لا يشك
فى ضعفها ، أو فى كونها من الإسرائيليات ، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آى التنزيل
الكريم ، بل يسوق الطويل الطويل، لبيان معنى لفظ، أو سياق حادثة، وإن كان الأثر نفسه
مما لا تقوم به الحجة فى الدين ، ولا فى التفسير التام لآى كتاب الله .
فاستدلال الطبرى بما ينكره المنكرون، لم يكن إلا استظهاراً المعانى التى تدل عليها ألفاظ
هذا الكتاب الكريم ، كما يستظهر بالشعر على معانيها . فهو إذن استدلال يكاد يكون لغوياً .
ولما لم يكن مستنكراً أن يستدل بالشعر الذى كذب قائله ، ما محت لغته ؛ فليس بمستنكر أن تساق
الآثار التى لا يرتضيها أهل الحديث، والتى لا تقوم بها الحجة فى الدين، الدلالة على المعنى المفهوم
من صريح لفظ القرآن ، وكيف فهمه الأوائل - سواء كانوا من الصحابة أو من دونهم .
وأرجو أن تكون هذه تذكرة تنفع قارئ كتاب الطبرى، إذا ما انتهى إلى شىء مما عده أهل علم
الحديث من الغريب والمنكر. ولم يقصر أخى السيد أحمد شاكر فى بيان درجة رجال الطبري عند
أهل العلم بالرجال، وفى هذا مقنع لمن أراد أن يعرف على الأقدمين على وجهه، والحمد فه أولا وآخراً.
(١) فى المطبوعة: ((إن قال قائل)).
(٢) فى المطبوعة: ((فما وجه)).

٤٠٠
تفسير سورة البقرة : ٣٠
قيل : قد قالت العلماء من أهل التأويل فى ذلك أقوالا. ونحن ذاكرو أقوالهم فى
ذلك، ثم مخيرون بأصحَّها برهاناً وأوضحها حُجة . فروى عن ابن عباس فى ذلكما :
٦٠٦ -حدثنا به أبو کریب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك، عن ابن عباس قال : كان
إبليس من حتى من أحياء الملائكة يقال لهم ((الحِنَ))، خُلقوا من نار السَّمُوم
من بين الملائكة (١)، قال: وكان اسمه الحارث ، قال : وكان خازفاً
من خُزَّان الجنة . قال : وخُلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحىّ .
قال: وخلقت الجنّ الذين ذكروا فى القرآن من مارج من نار - وهو
لسان النار الذى يكون فى طرفها إذا ألهبت . قال: وخُلق الإنسان من طين .
فأوّل من سكن الأرضَ الجنُ. فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم
بعضاً . قال : فبعث الله إليهم إبليس فى جند من الملائكة - وهم هذا
الحى الذين يقال لهم الحِنِ(١) - فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر
البحور وأطراف الجبال. فلما فعل إبليس ذلك اغترّ فى نفسه. وقال: ((قد صنعتُ
شيئاً لم يصنعه أحد))! قال: فاطلّع اللّه على ذلك من قلبه ، ولم تطلع عليه الملائكة
الذين كانوا معه. فقال الله الملائكة الذين معه: ((إلى جاعلّ فى الأرض خليفة)).
فقالت الملائكة مجيبين له: ((أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويَسفك الدماء))، كما
(١) فى المطبوعة فى الموضعين ((الجن)) بالجيم، وهو خطأ، يدل عليه سياق هذا الأثر،
فقد ميز ما بين إبليس، وبين الجن الذين ذكروا فى القرآن . إبليس مخلوق من نار السموم ،
والآخرون خلقوا من مارج من نار. والجن ( بالجيم) أول من سكن الأرض، وإبليس جاء لقتالهم
فى جند من الملائكة. وهذا بين. وقد قال الجاحظ فى الحيوان ٧ : ١٧٧، وبعض الناس يقسم
الجن على قسمين فيقول: هم جن وحن ( بالخاء)، ويجعل التى بالحاء أضعفهما. وقال فى ١ : ٢٩١ -
٢٩٢، وبعض الناس يزم أن الحن والجن صنفان مختلفان، وذهبوا إلى قول الأعرابى حين أتى
باب بعض الملوك ليكتتب فى الزمنى فقال فى ذلك :
من ظاهر الداء وداء مستكنٌ
إِن تَكُتُبُوا الزَّمْنِى فإِنِّى لزَمِنْ
أيتُ أهوِى فى شياطينَ ترِنْ مختلفٍ نِجَارُهُمْ جنُّ وحِنْ
فرق بين هذين الجنسين. وانظر الحيوان ٦: ١٩٣، أيضاً، والان (جنن) ، وغيرهما

٤٥٦
تفسير سورة البقرة : ٣٠
أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بُعثنا عليهم لذلك. فقال: ((إلى أعلم
ما لا تعلمون ))، يقول: إنى قد اطلعتُ من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه ،
من كبره واغتراره. قال : ثم أمر بتُربة آدم فرُفعت ، فخلق الله آدم من طين
١٥٩/١ لازب - واللازبُ: اللزجُ الصُّلب، من حمأ مسنون - مُنْتِن. قال: وإنما كان
حمأ مسنوناً بعد التراب . قال : فخلق منه آدم بيده ، قال فمكث أربعين ليلة
جسداً مُلقَى. فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيُصَلَصِل- أى فيصوّت- قال:
فهو قول الله: ﴿ مِنْ صَلْصَالِ كَالْفَخَّارٍ﴾ [سورة الرحمن: ١٤]. يقول: كالشىء
المنفوخ الذى ليس بمُصْمت(١) . قال: ثم يَدخل فى فيه ويخرج من دُبُره،
ويدخل من دُبُره ويخرج من فيه ، ثم يقول: لست شيئاً ! - للصّلصّلة - ولشىء
ما خُلقت! لئن سُلِّطتُ عليك لأهلكنك، ولْن سُلِّطتَ على لأعصِيَنَّك. قال:
فلما نفخ اللّه فيه من روحه ، أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجرى شىء
منها فى جسده إلا صَار لحماً ودماً . فلما انتهت النفخة إلى سُرّته ، نظر إلى جسده
فأعجبه ما رأى من حسنه ، فذهب لينهضَ فلم يقدرْ ، فهو قول الله :
﴿وَ كَانَ الإنْسَانُ عَجُولاً﴾ [سورة الإسراء: ١١] قال: ضَجِراً لا صبر له على سَرَّاء
ولا ضرّاء. قال: فلما تمت النفخة فى جسده عطس، فقال: ((الحمد لله ربّ العالمين))
بإلهام من اللّه تعالى، فقال الله له: يرحمُك الله يا آدم. قال: ثم قال اللّه للملائكة
الذين كانوا مع إبليس خاصّة دون الملائكة الذين فى السموات : اسجدوا لآدم .
فسجدُوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبىَ واستكبر ، لماً كان حدّث به نفسه من
كبره واغتراره. فقال: لا أسجُد له، وأنا خير منه وأكبرُ سنًّا وأقوى خَلْقاً،
خلقتنى من نار وخلقته من طين - يقول : إن النار أقوى من الطين . قال : فلما
أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله - أى آيسه من الخير كله(٢)، وجعله شيطاناً رجما
(١) المصمت: الذى لا جوف له، وكل ذى جوف إذ قرع صوت، أما المصمت فهو
صامت لا صوت له . فن الصمت أخذوه .
(٢) فى المطبوعة: ((وآيه الله ... )).