النص المفهرس
صفحات 301-320
٢٠١ تفسير سورة البقرة : ١٥ القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ! قال أبو جعفر: اختُلِف فى صفة استهزاءِ اللّه جلّ جلاله، الذى ذكر أنه فاعله بالمنافقين ، الذين وَصَف صفتهم . فقال بعضهم : استهزاؤه بهم ، كالذى أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعلٌ بهم يوم القيامة فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْظُرُونَ نْتَيِنْ مِنْ نُورِكُ قِيلَ أَرْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِئُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِ الْعَذَّابُ * يُنَدُونَهُمْ أَلَّ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا تَى﴾ [ سورة الحديد: ١٣ الآية. وكالذى أخبرنا أنَّه فَعَل بالكفار بقوله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُعْلِيٍ لَهُمْ خَيْرٌ لِأُنْفُسِهِمْ، إنََّا نُمْلِى لَهُمْ ◌ِيَزْدَادُوا إِثْماَ﴾[ سورة آل عمران: ٧٨ فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جلّ وعزّ وتخريتِه ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهل الشرك به - عند قائلى هذا القول ، ومتأوّلى هذا التأويل . وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم، توبيخُه إياهم ولومه لهم على ما ركِبوا من معاصى الله والكفر به، كما يقال: ((إن فلاناً لیُهزأ منه منذ اليوم، ویُسخر منه ))، يُراد به توبيخُ الناس إياه ولومهم له، أو إهلاكه إياهم وتدميرُه بهم (١)، كما قال عبيد ابن الأبرص : سَائِلْ بِنَاَ حُجْرَ أَبْن أُمِّ قَطَاٍ، إذْ ظَلَّتْ به السُّمْرُ التَّوَاهِلُ تَلْعَبُ(٢) (١) الضمير لله سبحانه وتعالى، وهو معطوف على قوله ((توبيخه إياهم ... )). (٢) ديوانه: ١٦، وأمالى المرتضى ١: ٤١، وحجر، أبو امرئ القيس، وكانت قتلته بنو أسد رهط عبيد بن الأبرص. وأم قطام ، هى أم حجر ملك كندة . والتواهل جمع ناهل وناهلة: والناهل: العطشان ، توصف به الرماح، كأنها تعطش إلى الدم ، فإذا شرعت فى الدم رويت . ٢٠٢ تفسير سورة البقرة : ١٥ فزعموا أن السُّمر - وهى القَنّا - لا لعب منها، ولكنها لما قتلتْهم وشرّدتهم، ١ /١٠٣ جَعَل ذلك مِنْ فعلها لعباً بمن فعلت ذلك به. قالوا: فكذلك استهزاءُ الله جل ثناؤه بمن استهزأ به من أهل النفاق والکفر به : إمّا إهلاكه إِیاهم وتدمیرُ، بهم، وإمّا إِملاؤهُ لهم ليأخذهم فى حال أمنهم عند أنفسهم بغتةً، أو توبيخه لهم ولا ئحته إياهم. قالوا : وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسُّخرية . وقال آخرون قوله: ﴿ يُخَدِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ(١)) [سورة النساء: ١٤٢] على الجواب، كقول الرجل لمن كان يَخْدَعه إذا ظفربه: ((أنا الذى خدعتُك))، ولم تكن منه خديعة ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه . قالوا : وكذلك قوله : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٥٤]، و((اللّه يستهزئ بهم))، على الجواب. والله لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْء، والمعنى أن المكرّ والهُزْءَ حاق بهم . وقال آخرون: قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وقوله: ﴿يُخَدِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرِ الله مِنْهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٧٩]، ﴿وَنَسُوا اللهَ فَفَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٢])، وما أشبه ذلك ، إخبارٌ من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع. فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم، مُخْرَج خبره عن فعلهم الذى عليه استحقُّوا العقاب فى اللفظ، وإن اختلف المعنيان. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَجَزَاء سَّئَةٍ سَيْئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: ٤٠]، ومعلومٌ أن الأولى من صاحبها سيئة، إذْ كانت منه الله تبارك وتعالى معصية، وأن الأخرى عدل"، لأنها من اللّه جزاءٌ (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدمون إلا أنفسهم))، وهى آية سورة البقرة: ٩، ولم يرد الطبرى إلا آية سورة النساء، كما يدل عليه سياق كلامه، وكما ستأتى الآية بعد أسطر . ٣٠٣ تفسير سورة البقرة : ١٥ للعاصى على المعصية ، فهما - وإن اتفق لفظاهما - مختلفتا المعنى. وكذلك قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [ سورة البقرة: ١٩٤]، فالعدوان الأول ظلم ، والثانى جزاءٌ لاظلم، بل هو عدل، لأنه عقوبة للظالم على ظلمه، وإن وافق لفظه لفظ الأول . وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما فى القرآن من نظائر ذلك، مما هو خبرٌ عن مكر الله جل وعزّ بقومٍ ، وما أشبه ذلك . وقال آخرون : إنّ معنى ذلك : أن اللّه جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدّتهم قالوا : إنا معكم على دينكم فى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وإنما نحن بما نظهر لهم - من قولنا لهم: صدقنا بمحمد عليه السلام وما جاء به - مستهزئون. يعنون: إنا نُظهر لهم ما هو عندنا باطل لاحَق" ولا هُدَّى . قالوا: وذلك هو معنى من معانى الاستهزاء، فأخبر الله أنه (( يستهزئ بهم))، فيظهر لهم من أحكامه فى الدنيا خلاف الذى لهم عنده فى الآخرة ، کما أظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فى الدين ما هم على خلافه فى سرائرهم. والصواب فى ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء فى كلام العرب: إظهارُ المستهزِئ للمستهزَا به من القول والفعل ما يُرضيه (١) ظاهراً، وهو بذلك من قِيله وفِعْله بهُ مُورِثه مَساءة باطناً (٢). وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر. فإذا كان ذلك كذلك= و کان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق فى الدنيا من الأحكام - بما أظهروا بألسنتهم ، من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند اللّه، المُدْخِلِهم فى عداد من يشمله اسمُ الإسلام(٣)، وإن كانوا لغير ذلك (١) فى المطبوعة: ((ما يرضيه ويوافقه ظاهراً)). (٢) فى المخطوطة: ((مورطه مساءة باطناً)). (٢) فى المطبوعة: ((المدخل لهم فى عداد ... ))، وقوله: ((المدخلهم)) نعت لقوله: (من الإقرار » . ٣٠٤ تفسير سورة البقرة : ١٥ مستبطنين _ (١) أحكامَ المسلمين المصدِّقين إقرارَهم بألسنتهم بذلك ، بضمائر قلوبهم، وصائح عزائمهم ، وحميدٍ أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم - معَ علم الله عز وجل بكذبهم، واطلاعه على خُبث اعتقادهم، وشكُّهم فيما ادَّعوا بألسنتهم أنهم به مصدٌّقُون(٢) ، حتى ظنُّوا فى الآخرة إذْ حشروا فى عداد من كانوا فى عدادهم فى الدنيا، أنَّهم وارِدُون مَوْرِدَهم. وداخلون مدخلهم. والله جل جلاله - مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام المُلْحِقَتِهم فى عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه، وتفريقه بينهم وبينهم -(٣) معدٌّ لهم من أليم عقابهُ ونكال عذابه ، ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وشر عباده ، حتى ميز بينهم وبين أوليائه ، فألحقهم من طبقات جحيمه بالدَّرك الأسفل = (٤) كان معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك ١٠٤/١ من فعله بهم - وإن كان جزاءً لهم على أفعالهم، وعدلاً ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له - كان بهم - بما أظهرَ لهم من الأمور التى أظهرها لهم: من إلحاقه أحكامهم فى الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء، وحشره إياهم فى الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين - إلى أن ميَّز بينهم وبينهم - مستهزئاً، وبهم ساخراً، ولهم خادعاً، وبهم ماكراً(٥). إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل ، دون أن يكون ذلك معناه فى حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم ، أو عليه فيها غير عادل ، بل ذلك معناه فى كل أحواله ، إذا وُجدت الصفات التى قدَّمنا ذكرها فى معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره. (١) فى المطبوعة: ((من أحكام المسلمين ... ))، وهى زيادة خطأ، وقوله ((أحكام)) منصوب .. ((أحكام )»، وما بينهما فصل . بقوله « قد جعل لأهل النفاق فی الدنیا من الأحکام » (٢) فى المطبوعة: ((أنهم مصدقون)). (٣) سياق العبارة: ((والله جل جلاله ... معد لهم ... )). (٤) قوله: ((كان معلوماً)) جواب قوله ((فإذا كان ذلك كذلك ... ))، فى أول هذه الفقرة. (٥) أكثر الطبرى الفصل بين الكلام فى هذه الفقرة، وسياق العبارة هو كما يلى: « ... كان معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم ... كان بهم ... مستهزئاً، وبهم ساخراً ... »، وما بين الكلام فى هذين الموضعين فصل البيان . ٢٠٠ تفسير سورة البقرة : ١٥ وبنحو ما قلنا فیه رُوی الخبر عن ابن عباس : ٣٦٣ - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر ابن مُمّارة، عن أبى رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، فى قوله: ((الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ))، قال: يسخر بهم للنقمة منهم (١). ٠٠٠ وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: ((اللّه يَسْتَهْزِئ بهم))، إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من اللّه استهزاء ولا مكرٌ ولا خديعة، فنافُون عن اللّه عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه، وأوجبه لها. وسواءٌ قال قائل : لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخريةٌ بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال: لم يخسف اللّه بمن أخبر أنه خَسف به من الأمم ، ولم يُغرق من أخبر أنه أغرقه منهم . ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكرّ بقوم مضَوْا قبلنا لم نَرَهُ، وأخبر عن آخرين أنه خَسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدَّقْنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم تُفرِّق بين شىء منه . فما برهانُك على تفريقك ما فرَّقت بينه ، بزعمك: أنه قد أغرقَ وخَسف بمن أخبر أنه أغرقه وخسف به ، ولم يمكُرْ بمن أخبر أنه قد مكر به؟ ثم نعكس القول عليه فى ذلك، فلن يقول فى أحدهما شيئاً إلا ألزم فى الآخر مثله . فإن لجأ إلى أن يقول: إن الاستهزاء عبثٌ ولعبٌ، وذلك عن الله عز وجل منىّ. قيل له : إن كان الأمر عندك على ما وصفتَ من معنى الاستهزاء ، أفلست (١) الخبر ٣٦٣ - ساقه ابن كثير فى تفسيره ١: ٩٤، والسيوطى ١: ٣١، والشوكانى ١ : ٠٣٣ (٢٠) ٣٠٦ تفسير سورة البقرة : ١٥ تقول: (( الله یستهزئ بهم ))، و((سخر الله منهم))، و «مکر الله بهم )) ، وإن لم يكن من الله عندك هزء ولا سخرية؟ فإن قال: ((لا))، كذّب بالقرآن ، وخرج عن ملة الإسلام. وإن قال: ((بلى))، قيل له: أفتقول من الوجه الذى قلت: ((الله يستهزئ بهم)) و((سخر الله منهم)) - ((يلعب الله بهم)) و((يعبث)) - ولا لعبَ من اللّه ولا عبث ؟ فإن قال: ((نعم))! وَصَف اللّه بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه، وعلى تخطئة واصفه به ، وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه . وإن قال: لا أقول: ((يلعب الله بهم)) ولا ((يعبث))، وقد أقول (يستهزئ بهم ، و ( يسخر منهم)). قبل : فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث، والهزء والسخرية، والمكر والخديعة . ومن الوجه الذى جازَ قِيلُ هذا، ولم يَحُزْ قِيلُ هذا، افترق معنياهُما. فَعُلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر . وللكلام فى هذا النوع موضع غير هذا ، كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه . وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفق لفهمه . القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: (ويمدهم)، فقال بعضهم بما - : ٣٦٤ - حدثی به موسی بنهرون، قال: حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السُّدِّىّ فى خبر ذكره، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباس - ٢٠٧ تفسير سورة البقرة : ١٥ وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَمُدُّهُمْأ، على لم. وقال آخرون بما - : ٣٦٠-حدثتی به المثنی بن إبراهيم، قال : حدثنا سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن ابن جريج قراءةً عن مجاهد: ((يمدّهم))، قال: يزيدُمُ(١) . ١٠٠/١ وکان بعض نحویی البصرة پتوّل ذلك أنه بمعنی یمُدُ لهُم، ویزعم أن ذلك نظيرُ قول العرب: الغلامُ يلعب الكِتَابَ ، يراد به يلعب بالكعاب. قال: وذلك أنَّهم قد يقولون: ((قد مَددت له وأمددتُ له)) فى غير هذا المعنى، وهو قول الله تعالى ذكره: ﴿وَأَمْدَدْنَهُمْ﴾ [سورة الطور: ٢٢]، وهذا من: ((مددناهم))(٢). قال: ويقال: قد ((مَدَّ البحر فهو مادًّ)) و((أمَدّ الجرح فهو مُمِدَ)). وحكى عن يونس الجَرْمىّ أنه كان يقول: ما كان من الشر فهو ((مدّدْت))، وما كان من الخير فهو ((أمْدَدت)). ثم قال: وهو كما فسرت لك، إذا أردت أنك تركته فهو ((مَدَدَت له))، وإذا أردت أنك أعطيته قلت: ((أَمْددت)). وأما بعضُ نحوبى الكوفة فإنه كان يقول: كل زيادة حدثت فى الشىء من نفسه فهو (( مَدَدّت)) بغير ألف، كما تقول: ((مدّ النهر، ومدّه نهرٌ آخر غيره)»، إذا اتصل به فصار منه، وكلّ زيادة أحدثتْ فى الشىء من غيره فهو بألف ، كقولك: ((أمدَّ الجرحُ))، لأن المدّة من غير الجرح، وأمد دتُ الجيش بمَدّد. وأولى هذه الأقوال بالصواب فى قوله: ((وَيَمُدُّهُمْ): أن يكون بمعنى يزيدهم، على وجه الإملاء والترك لهم فى عُتُوَّهم وتمردهم، كما وصف ربِّنا أنه فعل بنظرائهم فى قوله (١) الخبران ٣٦٤، ٣٦٥ - ساقهما ابن كثير ١: ٣١، والسيوطى ١: ٣١، والشوكان ١: ٣٣. (٢) فى المطبوعة والخطوطة:((وهذا من أمددناهم))، ولعل الصواب ما أثبتناه. وعن أن قوله تناث ( ومدهم فی طنیانهم) من (( مددت له » التی هی مثل ((أمددت له ،، بعد طرح حرف الجر، كما مثل فى قول العرب ((الغلام يلعب الكتاب، أى ((يلعب بالكعاب)). ٢٠٨ تفسير سورة البقرة : ١٥ ﴿وَتُقْلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَ لَ يُؤْمِنُوا بِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَذَرُهُمْ فِى ◌ُّنْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١١٠]، يعنى نذرُهم ونتركهم فيه، ونملى لهم ليزدادوا إثماً إلى إنمهم. ولا وجه لقول من قال: ذلك بمعنى ((يَمُدُّ لهم))، لأنه لا تدافع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها (١)، أن يستجيزوا قول القائل: ((مدّ النهرَ نهرٌ آخر))، بمعنى : اتصل به فصار زائداً ماءُ المُتَّصَل به بماء المتَّصِل - من غير تأوُّل منهم. وذلك أن معناه : مدّ النهرَ نهرٌ آخر. فكذلك ذلك فى قول الله: ((وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)) ٠ ٠ ٠ القول فى تأويل قوله: ﴿فِي طُغْنِهِمْ﴾ قال أبو جعفر: و((الطُّغيان)) ((الفُعْلان))، من قولك: ((طَغَى فلان يطغَى طغياناً)). إذا تجاوز فى الأمر حده فبغَى. ومنه قول الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْفَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق: ٦، ٧]، أى يتجاوز حدّه. ومنه قول أمية بن أبى الصَّلْت : وَدَعَا اللّهَ دَعْوَةً لَآَتَ هَنَّا بَعْدَ طُغْيَانِهِ، فَظَلَّ مُشِيرًا(٢) وإنما عنى الله جل ثناؤه بقوله ((وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ))، (١) فى المخطوطة: ((لأنه لا تتدافع العرب))، وهما سواء فى المعنى. (٢) ديوانه: ٣٤ مع اختلاف فى الرواية. والضمير فى قوله ((ودعا الله)) إلى فرعون حين أدركه الغرق. والهاء فى قوله ((طغيانه)) إلى فرعون، أو إلى الماء لما طغا وأطبق عليه. وقوله ((لات هنا))، كلمة تدور فى كلامهم يريدون بها: (( ليس هذا حين ذلك))، والتاء فى قولهم («لات)) صلة وصلت بها ((لا))، أصلها ((لا هنا)) أى ليس هنا ما أردت، أى مضى حين ذلك. و((هنا)) مفتوحة الهاء مشددة النون، مثل ((هنا)) مضمومة الهاء مخففة النون. وقوله: ((مشيراً))، أى مشيراً بيده فى دعاء ربه أن ينجيه من الغرق. ٣٠٩ تفسير سورة البقرة : ١٥ أنه بُملى لهم ، ویدَرُهم ببغون فی ضلالهم و کفرهم حیاری یترددون . کما - : ٣٦٦- حُدُُّت عن المِنْجاب ، قال : حدثنا بشر ، عن أبى روْق ، عن الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: ((فى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ))، قال: فى كفرهم يترددون. ٣٦٧ -حدثنیموسی بن هرون،قال: حدثنا عمرو ، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدی فیخبر ذكره ، عن أبىمالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «فى 'طغيانهم))، فی کفرهم. ٣٦٨ - حدثنا بشر بن مُعاذ، قال : حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد ، عن قتادة ، ((فى طُغْيَانِهمْ يَعْمَهُونَ))، أى فى ضلالهم يعمهون . ٣٦٩ - 'حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: ((فى طغيانهم))، فى ضلالهم. ٣٧٠ - وحدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد فى قوله (( فی طغيانهم )) ، قال : طغيانهم ، کفرهم وضلالتهم(١). ٠٠ ٠ القول فى تأويل قوله: ﴿يَسْهُونَ ) (١٠) قال أبو جعفر: والعَمَهُ نفسُه: الضَّلال. يقال منه: ◌َمِه فلان بَعْمه عَمّهَاناً وُمُوهَاً، إذا ضل (٢) . ومنه قول رؤبة بن العجاج يصف مَضَلَّة من المهامه: وَخْفَقِ من لُهُمِ ولُهْلُهِ مِنْ مَهٍَْ يَجْتَبْنَهُ فى مَهْةٍ (١) الأخبار ٣٦٦ - ٣٧٠: ساقها ابن كثير ١: ٩٥، والسيوطى ١: ٣١، والشوكانى ١ : ٠٣٣ (٢) فى ابن كثير ١: ٩٥ ((عمها وعموها))، والذى فى الطبرى صحيح: ((عمها وعموها وعموهة وعمهاناً)). ٢١٠ تفسير سورة البقرة : ١٥ أَعْمَى الهُدَى بِالجاهلين العُمَِّّ (١) و((العُمَّه)) جمع عامِهِ، وهم الذين يضلّون فيه فيتحيرون. فمعنى قوله إذاً: ((فى طُغْيَانِهِمْ بَعْمَهُونَ)): فى ضلاًّلهم وكفرهم الذى قد غمرهم دنسُهُ، وعلاهم رِجْسُه، يترددون حيارى ضُلاَّلا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا، لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها ، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها ، فلا يبصرون ◌ُرُشْداً ولا يهتدون سبيلاً. وبنحو ما قلنا فى ((العَمَه)) جاء تأويل المتأولين. ١٠٦/١ ٣٧١ - حدثنى موسى بن هرون ، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدىّ، فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : (يَعْمَهُونَ))، يتمادَوْن فى كفرهم. ٣٧٢ - وحدثنى المثنى بن إبراهيم ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: (يَعْمَهُون))، قال: بمادون. ٣٧٣ - حدّثت عن المِنْجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبى رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس فى قوله: ((يَعْمَهُونَ))، قال: يتردَّدون . ٣٧٤ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج ، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس: ((يَعْمَهُونَ)): المتلدِّو(٢). (١) ديوانه: ١٦٦. والمخفق: الأرض الواسعة المستوية التى يخفق فيها السراب، أى يضطرب. ولهله : أرض واسعة يضطرب فيها السراب ، والجمع لهاله . والمهمه : الفلاة المقفرة ليس بها ماء ولا أنيس. وجاب المفازة واجتابها: قطعها سيراً. وقوله ((فى مهمه)): أى يقطمنه ويدخلن فى مهمه آخر موفلين فى الصحراء . (٢) تلدد الرجل فهو مثلدد: إذا لبث فى مكانه حائراً متبلداً يتلفت يميناً وشمالا. ٢١١ تفسير سورة البقرة : ١٥-١٦ ٣٧٥-حدثنا محمد بن عمرو الباهلى ، قال: حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، قال حدثنا ابن أبى نَجيح ، عن مجاهد ، فى قول الله: (((فى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ))، قال: يترددون. ٣٧٦-وحدثی المتی ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ٣٧٧-حدثنا سفيان بن وکیع، قال : حدثنا أبی،عن سفيان، عن رجل ، عن مجاهد ، مثله . ٣٧٨- حدثنى المثنى ، قال : حدثنا سويد بن نصر ، عن ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءة ، عن مجاهد ، مثله . ٣٧٩-حُدُّتُتعن عمار،قال:حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع، (يَعْمَهُونَ))، قال: يترددون(١). القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ أُولَتِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُا الضَّلْلَةَ بِالْهُدَى﴾ قال أبو جعفر: إن قال قائل: وكيف اشترى هؤلاء القومُ الضلالة بالهدى، وإنما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقَهم إيمانٌ فيقال فيهم: باعوا هداهم الذى كانوا عليه بضلالتهم التى استبدلوها منه؟ وقد علمتَ أن معنى الشراء المفهوم: اعتياضُ شىء ببذل شىء مكانه عوضاً منه ، والمنافقون الذين وصفهم الله بهذه الصفة، لم يكونوا قط على هدى فيتركوه ويعتاضوا منه كفراً ونفاقاً ؟ (١) الأخبار: ٢٧٢ - ٣٧٩: ساقها السيوطى ١: ٣١، والشوكانى ١ : ٣٣، وخرجا أثر مجاهد فى تفسير الآية: ((أى يلعبون ويترددون فى الضلالة)). ٣١٢ ٠٤ ٠ تفسير سورة البقرة : ١٦ قيل : قد اختلف أهل التأويل فى معنى ذلك ، فنذكر ما قالوا فيه ، ثم نبين الصحيحَ من التأويل فى ذلك إن شاء الله : ٣٨٠- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحق ، عن محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: «أولئِكَ الذين اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالهُدَى))، أى الكفرَ بالإيمان. ٣٨١- وحدثنى موسى بن هرون، قال: حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدىّ ، فیخبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : (( أولئك الذين اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بالهُدَى))، يقول: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى . ٣٨٢- حدثنا بشربن معاذ، قال: حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة: ((أولئِك الذين اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بالهُدَى))، استحبوا الضلالة على الهدى. ٣٨٣-حدثنى محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى ابن ميمون، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((أولئك الذين اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالهُدَى)) ، آمنوا ثم كفروا. ٣٨٤-حدثنا المثی ،قال :حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله(١) . قال أبو جعفر: فكأن الذين قالوا فى تأويل ذلك: ((أخذوا الضلالة وتركوا الهدى)) - وجَّهوا معنى الشراء إلى أنه أخْذ المشترَى مكانَ الثمن المشترَى به، فقالوا: كذلك المنافق والكافر ، قد أخذًا مكانَ الإيمان الكفرَ، فكان ذلك منهما شراءً (١) الأخبار: ٣٨٠ - ٣٨٤: ساقها ابن كثير فى تفسيره ١: ٩٥، ٩٦، والسيوطى ١: ٣١، ٣٢، والشوكانى ١: ٣٣، ٢٤. ٣١٣ تفسير سورة البقرة : ١٦ الكفر والضلالة اللذيْن أخذاهما بتركهما ما تركا من الهدى، وكان الهدى الذى تركاه هو الثمن الذى جعلاه عوضاً من الضلالة التى أخذاها . وأما الذين تأوَّلوا أن معنى قوله ((اشتَرَوْا)): ((استحبُّوا))، فإنهم لما وَجدوا اللّه جل ثناؤه قد وصف الكفّار فى موضع آخر، فنسبهم إلى استحبابهم الكفرّ علىالهدى، فقال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الَعَمَى عَلَى الهُدَى﴾ [سورة فصلت: ١٧]، ١٠٧/١ صرفواقوله ((اشْتَرَوا الصَّلاَلَةَ بِالهُدَى)) إلى ذلك. وقالوا: قد تدخل ((الباء)) مكان ((علی))، و ((على)) مكان (( الباء))، كما يقال : مررت بفلان ، ومررت على فلان ، بمعنى واحد، وكقول الله جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إنْ تَأْمَّنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَّدِّهِ إلَيكَ﴾ [سورة آل عمران: ٧٥]، أى على قنطار. فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء : أولئك الذين اختارُوا الضلالةَ على الهدى. وأراهم وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه ((اشترَوا)) إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا ، واسْتَرَيتُهُ - يَعْنُون اخترتُه عليه . ومن الاستراء قول أعشى بنى ثعلبة (١): فَقَدْ أُخْرِجُ الكَاعِبَ الْمُسْتَرَا ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعَ القِمَارَ(٣) يعنى بالمستراة : المختارة . وقال ذو الرُّمة ، فى الاشتراء بمعنى الاختيار : يَذُبُّ القَصَابَا عَنْ شَرَاةٍ كَأنَّها ◌َاهِيرُ تَحْتَ المُدْجِنَتِ الْهَوَاضِبِ (٣) يعنى بالشَّراة : المختارة . (١) فى المطبوعة ((الاشتراء)) بالشين المعجمة، وهو خطأ، صوابه بالسين المهملة. (٢) ديوانه: ٣٥، وطبقات فحول الشعراء: ٣٦، واللسان (سرا). وفى المطبوعة: ((المشتراة» فى الموضعين ، والصواب ما أثبتناه. والكاعب: التى كعب ثديها ، أى نهد ، يعنى أنها غريرة منعمة محجوبة. وخدر الجارية : سترها الذى يمد لها لتلزمه بعد البلوغ ، وأشاع المال بين القوم : فرقه فيهم . وأراد بالقمار : لعب الميسر ، وعنى نصيب الفائز فى الميسر من لحم الجزور ، يفرقه فى الناس من كرمه . (٣) ديوانه: ٦٢. والضمير فى قوله ((يذب)) لفحل الإبل. ويذب: يدفع ويطرد. والقصايا، .' S," ٢١٤ تفسير سورة البقرة : ١٦ وقال آخر فى مثل ذلك : إِنَّ الشّرَاةَ رُوقَةُ الأموالِ وحَزْرَةُ القَلْبِ خِيَارُ الَالِ (١) قال أبو جعفر : وهذا ، وإن كان وجهاً من التأويل ، فلستُ له بمختار . لأن الله جل ثناؤه قال: ((فَمَّا رَبِحَتْ تِجَارَتُهم))، فدل بذلك علىأن معنى قوله ((أولئِكَ الذينَ اشْتَرَوا الصَّلاَلَةُ بِالهُدَى))، معنى الشراء الذى يتعارفه الناس، من استبدال شىء مكان شىء ، وأخذٍ عوّض على عوض. وأما الذين قالوا : إنّ القوم كانوا مؤمنين وكفروا ، فإنه لا مؤونة عليهم ، لو كان الأمر على ما وصفوا به القوم. لأن الأمر إذا كان كذلك ، فقد تركوا الإيمان ، واستبدلوا به الكفرَ عوضاً من الهدى . وذلك هو المعنى المفهوم من معانى الشراء والبيع ، ولكن دلائل أوّل الآيات فى نعوتهم إلى آخرها ، دالّةً على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإيمان ، ولا دخلوا فى ملّة الإسلام. أوَما تسمعُ الله جل ثناؤه من لدُن ابتدأ فی نعتهم،إلى أن أتى على صفتهم ، إنما وصفهم بإظهار الکذب بألسنتهم : بدعواهم التصدیق بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، خداعاً لله ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم، واستهزاءً فى نفوسهم بالمؤمنين، وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون. يقول الله جل جلاله(٢): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ثم اقتصّ فَصَصهم إلى قوله: (أُولئِكَ الَّذِينَ جمع قصية: وهى من الإبل رذالتها، ضعفت فتخلفت. وجماهير، جمع جمهور: وهو رملة مشرفة على ما حولها، تراكم رملها وتعقه. والمدجنات، من قولهم ((محابة داجنة ومدجنة))، وهى: المطبقة الكثيفة المطر. والهواضب: التى دام مطرها وعظم قطرها. شبه الإبل فى جلالة خلقها وضخامتها بجماهير الرمل المتلبدة فى رأى العين من بعيد. (١) البيت الثانى فى اللسان (حزر). وروقة الناس: خيارهم وأبهاهم منظراً. ويقال: هذا الشىء حزرة نفسى وقلبى: أى خير ما عندى ، وما يتعلق به القلب لنفاسته . (٢) فى المطبوعة: ((لقول اته ... )). ٣١٥ تفسير سورة البقرة : ١٦ اشْتَرَوا الصَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ ؟ فأين الدلالة على أنهم كانوا مؤمنين ففكروا؟ فإن كان قائل هذه المقالة ظن أنّ قوله: ((أولئك الذين اشْتَرَوُا الضَّلالةَ بالهُدى)) هو الدليل على أنّ القوم قد كانوا على الإيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر ، فلذلك قيل لهم ((اشتروا)) - فإن ذلك تأويل غير مسلَّم له، إذْ كان الاشتراء عند مخالفيه قد یکون أخذ شىء بترك آخر غيره، وقد يكون بمعنى الاختيار ، وبغير ذلك من لمعانى . والكلمة إذا احتملت وجوهاً، لم يكن لأحد صرفُ معناها إلى بعض وجوهها دون بعضٍ ، إلا بحجة يجب التسليم لها . قال أبو جعفر : والذى هو أولى عندى بتأويل الآية ، ما روينا عن ابن عباس وابن مسعود من تأويلهما قوله: ((اشْتَرَوُا الضَّلالةَ بِالهُدى)): أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدلٌ بالإيمان كفراً ، باكتسابه الكفر الذى وُجُد منه، بدلاً من الإيمان الذى أمر به. أوَمَا تسمعُ الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفراً به مكان الإيمان به وبرسوله: ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ مَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سورة البقرة: ١٠٨]؟ وذلك هو معنى الشراء، لأن كل مشتر شيئاً فإنما يستبدل مكان الذى يُؤخذ منه من البدل آخر بديلاً منه . فكذلك المنافقُ والكافر، استبدلا بالهدى الضلالةَ والنفاق، فأضلهما اللّه، وسلبهما نور الهدى ، فترك جميعتهم فى ظلمات لا يبصرون . ١٠٨/١ ٠ القول فى تأويل قوله: ﴿فَمَ رَبِحَتْ تِرَتُهُمْ﴾ قال أبو جعفر : وتأويل ذلك أنّ المنافقين - بشرائهم الضلالة بالهدى - خسروا ولم يربحوا ، لأن الرابح من التجّار : المستبدلُ من سلعته المملوكة عليه ٣١٦ تفسير سورة البقرة : ١٦ بدلاً هو أنفسَ من سلعته المملوكة أو أفضلَ من ثمنها الذى يبتاعها به . فأما المستبدِلُ من سلعته بدلاً دُونها ودونَ الثمن الذى ابتاعها به(١)، فهو الخاسر فى تجارته لا شكّ . فكذلك الكافر والمنافق، لأنهما اختاراً الحيرة والعمى على الرشاد والهدى ، والخوف والرعبَ على الحفظ والأمن، واستبدلا فى العاجل: بالرَّشاد الحيرة، وبالهُدى الضلالةَ، وبالحفظ الخوفَ، وبالأمن الرعبَ - مع ما قد أعدَّ لهما فى الآجل من أليم العقاب وشديد العذاب، فخابا وخَسيرا، ذلك هو الخسران المبين . وبنحو الذى قلنا فى ذلك كان قتادة يقول . ٣٨٥ - حدثنا بشربن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد ، عن قتادة، ((فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمُ وما كانُوا مُهْتدين)): قد وَاللّه رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفُرقة ، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السُّنة إلى البدعة (٢). قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما وجه قوله: ((فَمّا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ))؟ وهل التجارة مما تَرْبَح أو تُوكس، فيقال: رَبِحت أو وُضِعَت(٣)؟ قيل : إن وجه ذلك على غير ما ظننتَ . وإنما معنى ذلك : فما ربحوا فى تجارتهم - لا فيما اشترَوْا، ولا فيما شرَوْا. ولكن الله جل ثناؤه خاطب بكتابه "عَرَباً فسَلَك فى خطابه إياهم وبيانه لهم ، مَسلكَ خطاب بعضِهم بعضاً ، وبيانهم المستعمل بينهم(٤). فلما كان فصيحاً لديهم قول القائل لآخر : خاب سعيُك ، ونام ليلُك، وخسِرٍ بيعُك، ونحو ذلك من الكلام الذى لا يخفى على سامعه ما يريد قائله - خاطبهم بالذى هو فى منطقهم من الكلام، فقال: ((فَمَا رَبِحَتْ (١) فى المطبوعة: ((يبتاعيا)). (٢) الأثر ٣٨٥ - فى ابن كثير ١: ٩٦، والسيوطى ١: ٣٢، والشوكانى ١ : ٣٤. (٣) وضع فى تجارته يوضع وضيعة: غين فيها وخسر، ومثله: وكس . (٤) فى المخطوطة: ((المستعلم بينهم))، ولعلها سبق قلم. ٣١٧ تفسير سورة البقرة : ١٦ تِجَارَتُهم )) إذا كان معقولا عندهم أن الربح إنما هو فى التجارة ، كما النومُ فى الليل . فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك ، عن أن يقال : فما ربحوا فى تجارتهم ، وإنْ كان ذلك معناه ، كما قال الشاعر : وشَرُ الَايَا مَّيَّتٌ وَسْطَ أَهْلِ كَهُلْكِ الفَتَةِ أَعْلَ الَىَّ حَاضِرُ:(١) يعنى بذلك: وشر المنايا منيَّة میت وسط أهله، فاكتفى بفهم سامع قيله مراده من ذلك ، عن إظهار ما ترك إظهارَه ، وكما قال رؤبة بن العَجّاج: حَارِثُ !قد فَرَّجْتَ عَنَّى عَمِى فنامَ لَيْلِ وَتَجَلَّى غَمَّى (٢) فوَصف بالنوم الليل، ومعناه أنه هو الذى نام ، وكما قال جرير ابن الخَطَفَى : وَأَغْوَرَ من نَبْهَنَ أَمَّا نَهَرُ، فَأْمَى، وأما ليلُهُ فِبَصِيرُ(٣) فأضاف العمی والإبصار إلى الليل والنهار ، ومرادُه وصفَ النبهانىّ بذلك . ٥ القول فى تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ ﴾) يعنى بقوله جل ثناؤه ((وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ): ما كانوا رُشداءَ فى اختيارهم الضلالةَ على الهدى، واستبدالهم الكفر بالإيمان، واشترائهم النفاق بالتصديق والإقرار. (١) هو الحطيئة، من أبيات ليست فى ديوانه، بل فى طبقات فحول الشعراء: ٩٥، وسيبويه ١ : ١٠٩ وأمالى الشريف المرتضى ١: ٣٨، مع اختلاف فى بعض الرواية، ورواية الطبقات أجودهن. (((أيقظ الحى))، يعنى أيقظ الحى حاضر الموت، فقامت البواكى ترن وتندب، وكأن رواية من روى ((أسلم الحى))، تعنى أسلمهم البكاء. (٢) ديوانه: ١٤٢، يمدح الحارث بن سليم، من آل عمرو بن سعد بن زيد مناة. (٣) ديوانه: ٢٠٦، والنقائض: ٣٥، والمؤتلف والمختلف: ٣٩، ١٦١، ومعجم الشعراء ٢٥٣، من شعر فى هجاء الأعور النبهافى، وكان هجا جريراً، فأكله جرير. قال أبو عبيدة: ((أى هوأعور النهار عن الخيرات، بصير الليل بالسوءات، يسرق ويزفى)). ٣١٨ تفسير سورة البقرة : ١٧ ٠٠٠ القول فى تأويل قوله: (مَثَلُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ ثَرَا فَمَا أَنَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الهُ بِنُورِهِمْ وَتَكَهُمْ فِ ظُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) ) قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف قيل ((مَثَلُهُمُ كَمَثَلِ الذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا))، وقد علمتَ أن ((الهاء والميم)) من قوله (مثلهم)، كتابة جماعٍ - من الرجال أو الرجال والنساء - و((الذى)) دلالة على واحد من الذكور؟ فكيف جعل الخبر عن واحد مثلاً لجماعة ؟ وهلا قيل: مثلهم كمثل الذين استوقدوا ناراً؟ وإن جاز عندك أن تمثلَ الجماعةَ بالواحد ، فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبته صُوَرَّهِمٍ وتمامُ خلقهم وأجسامهم، أن يقول : كأنّ هؤلاء، أو كأنّ أجسام" هؤلاء ، نخلةٌ ؟ ١٠٩/١ قيل: أما فى الموضع الذى مثَّل ربُّنا جل ثناؤه جماعةً من المنافقين، بالواحد الذى جعله لأفعالهم مثلا، فجائز حسنٌ، وفى نظائره(١)، كما قال جل ثناؤه فى نظير ذلك: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُنْثَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [سورة الأحزاب: ١٩ يعنى كدَ وَرَانَ عَيْنِ الذى يُغشى عليه من الموت. وكقوله: ﴿مَا خَلْفُكُمْ وَلاَ بَبْتُكُمْ إلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٨] بمعنى: إلا كبَعْث نفسٍ واحدة. وأما فى تمثيل أجسام الجماعة من الرجال ، فى الطول وتمام الخلق ، بالواحدة من النخيل ، فغير جائز ، ولا فی نظائره ، لفرق بينهما . فأما تمثيلُ الجماعة من المنافقين بالمستوقد الواحد ، فإنما جاز، لأن المراد من (١) (( وفى نظائره))، أى هو فى نظائره جائز حسن أيضاً. ومثلها ما يأتى بعد أسطر فى قوله (ولا فى نظائره » ، حذف فهما جيداً . ٣١٩ تفسير سورة البقرة : ١٧ الخبر عن مَثَل المنافقين، الخبرُ عن مَثَل استضاعتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون - من اعتقاداتهم الرَّديئة، وخلطهم نفاقّهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر. والاستضاءَةُ . وإن اختلفت أشخاص أهلها .. معنى واحد، لا معان مختلفة. فالمثل لها فى معنى المثل للشخص الواحد، من الأشياء المختلفة الأشخاص . وتأويل ذلك : مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار باللّه وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، قولاً، وهُم به مكذبون اعتقاداً، كمثل استضاءة المُوقِد ناراً . ثم أسقط ذكر الاستضاءة، وأضيف المثَلُ إليهم، كما قال نابغةُ بنى جَعْدَة: وكَيفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْ خِلاَتُهُ كَأَبِى مَرْحَبٍ (١) يريد: كخلالة أبى مَرْحب، فأسقط ((خلالة))، إذ كان فيما أظهرَ من الكلام ، دلالةٌ لسامعيه على ما حذف منه. فكذلك القول فى قوله : ((مَثَلُهُم كَمَثّلِ الذى اسْتَوْقَدَ نَارًا))، لما كان معلوماً عند سامعيه بما أظهرَ من الكلام ، أنّ المثلَ إنما ضُرِب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم - حَسُن حذفُ ذكر الاستضاءة، وإضافة المثل إلى أهله . والمقصود بالمثل ما ذكرنا. فلما وَصَقنا، جاز وحَسُنَ قوله: ((مَثَلُهُم كَمَثَلِ الذى اسْتَوَقَد نَاراً))، ويشبه مثل الجماعة فى اللفظ بالواحد ، إذ كان المراد بالمثل الواحد فى المعنى . وأما إذا أريدَ تشبيهُ الجماعة من أعيان بنى آدم - أو أعيان ذوى الصور والأجسام ، بشىء - فالصَّواب من الكلام تشبيهُ الجماعة بالجماعة ، والواحدُ بالواحد ، لأن عينَ كل واحد منهم غيرُ أعيان الآخرين. ولذلك من المعنى، افترق القولُ فى تشبيه الأفعال والأسماء . فجاز تشبيهُ أفعال الجماعة من الناس وغيرهم - إذا كانت بمعنى واحدٍ - بفعل الواحد ، (١) الشعر النابغة الجمدى. السان (وحب) و(خلل). والخلة والخلالة: الصداقة المختصة التى ليس فى علاقتها خلل . وأبو مرحب: كنية الظل، يريد أنها تزول كما يزول الظل ، لا تبقى له مودة . ٣٢٠ تفسير سورة البقرة : ١٧ ثم حذف أسماء الأفعال وإضافة المثَل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل. فيقال : ما أفعالكم إلا كفعل الكلب، ثم يحذف فيقال: ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب، - وأنت تعنى : إلا كفعل الكلب ، وإلا كفعل الكلاب. ولم يَجُزْ أن تقول: ما هم إلا نخلة ، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل فى الطُّول والتمام . وأما قوله: ((استوْقَدَ نَارًا))، فإنه فى تأويل: أوقدَ ، كما قال الشاعر: وَدَاعِ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْه عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ(١) يريد: فلم يجبه . فكان معنى الكلام إذاً: مثلُ استضاءة هؤلاء المنافقين - فى إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألسنتهم، من قولهم: آمنًا بالله وباليوم الآخر ، وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به، وهم للكفر مستبطنون - فيما اللّه فاعل بهم(٢)، مثل استضاءة موقد نارٍ بناره ، حتى أضاءت له النارُ ما حوله ، يعنى : ما حول المستوقِدِ . وقد زعم بعضُ أهل العربية من أهل البصرة: أن ((الذى)) فى قوله: ((كمثل الذى استوْقَدَ نَارًا)) بمعنى الذين، كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَالَّذِى جَاءَ بِالصَّدْقِ وَصَدَّقَ ١١٠/١ بِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [ سورة الزمر: ٣٣]، وكما قال الشاعر: ◌ُ القومُ كُلُّ القَوْعِ يَا أُمَّ خَالدِ (٣) فإنّ أَّذِى حَانَتْ فَلْجِ دِمَاؤُهُمْ قال أبو جعفر: والقول الأول هو القول ، لما وصفنا من العيلة . وقد أغفل قائل (١) الشعر لكعب بن سعد الغنوى. الأصمعيات: ١٤، وأمالى القالى ٢: ١٥١، وهى من حسان قصائد الرثاء . (٢) سياق عبارته: ((مثل استضاءة هؤلاء ... فيما اللّه فاعل بهم، مثل استضاءة ... )). (٣) الشعر للأشهب بن رميلة. الخزانة ٢: ٥٠٧ - ٥٠٨، والبيان ٤: ٥٥، وسيبويه ١: ٩٦، والمؤتلف والمختلف للآمدى: ٣٣، وذكر البغدادى أن أبا تمام أنشد البيت فى أبيات لحريث ابن مخفض، فى كتابه ((مختار أشعار القبائل)). وروايته: ((وإن الألى)). ولا شاهد فيه . وهم يقولون إن النون حذفت من ((الذين)»، فصارت ((الذى)) لطول الكلام والتخفيف، وهى بمعنى الجمع لا المفرد. وفلج : واد بين البصرة وحى ضرية ، كانت فيه هذه الوقعة التى ذكرها