النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
تفسير فاتحة الكتاب
وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا . وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه
بمعنى تَخشع ونذل" ونستكينُ، دون البران عنه بأنه بمعنى نرجو ونَخاف - وإن
كان الرّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة - لأنّ العبودية، عندَ جميع العرب،
أصلُها الذلّة، وأنها تسمى الطريقَ المذلَّلَ الذى قد وَطيئته الأقدام، وذلّلته
السابلة : معبَّداً . ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد :
تُبَارِى عِتاقاً نَجياتٍ، وأَنْبَعت وَظِفاً وظيفاً فوق مَوْرٍ مُعَبَدِّ(١)
يعنى بالموْر : الطريق. وبالمعبَّد: المذلَّل الموطوء(٢). ومن ذلك قيل للبعير
المذلل بالركوب فى الحوائج: معبَّد. ومنه سمى العبْدُ عبداً لذلّته لمولاه. والشواهد
على ذلك - من أشعار العرب وكلامها - أكثرُ من أن تُحصى ، وفيما ذكرناه
كفاية لمن وُفّق لفهمه إن شاء الله تعالى.
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
قال أبو جعفر : ومعنى قوله ﴿ وإِياك نستعين): وإياك ربنا نستعين على
عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك فى أمورنا كلها - لا أحداً سواك، إذْ كان من يكفُر
بك يَستعين فى أمورِهِ معبودَه الذى يعبُدُه من الأوثان دونَك، ونحن بك نستعين
فى جميع أمورنا مخلصين لك العبادة .
١٧٢- كالذى حدثنا أبو كريب، قال: حدّثنا عثمان بن سعيد ، قال :
(١) ديوان الستة الجاهليين: ٣١. يصف ناقته. تبارى: تجاريها وتسابقها. والعتاق جمع عتيق:
وهو الكريم المعرق فى كرم الأصل. وناجيات : مسرعات فى السير، من النجاء ، وهو سرعة السير .
والوظيف : من رسفى البعير إلى ركبتيه فى يديه، وأما فى رجليه فمن رسفيه إلى عرقوبيه . وعنى بالوظيف هنا :
الف .
(٢) فى المخطوطة: ((الموطن))، وهو قريب المعنى.
ج١ (١١)

١٦٢
تفسير فاتحة التكاب
حدثنى بشر بن مُمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله
ابن عباس : ﴿وَإِيَّاكَ نَستعين)، قال: إياك نستَعِينُ على طاعتك وعلى أمورنا
كلها(١) .
فإن قال قائل: وما معنى أمرِ اللّه عبادَه بأن يسألوه المعونةَ على طاعته ؟
أُوَ جائزٌ ، وقد أمرهم بطاعته ، أن لا يعينهم عليها ؟ أم هل يقول قائل لربه :
إياك نستعينُ على طاعتك ، إلا وهو على قوله ذلك مُعانٌ؟ وذلك هو الطاعة .
فما وجهُ مسألة العبد ربّه ما قد أعطاه إياه ؟
قيل : إن تأويلَ ذلك على غير الوجه الذى ذهبتَ إليه، وإنما الداعى ربِّه
من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه، داعٍ أن يعينه فيما بقى من مُمره على ما كلّه
من طاعته ، دون ما قد تَقضَّى وَمضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره .
وجازت مسألةُ العبد ربِّه ذلك، لأن إعطاء اللّه عبده ذلك - مع تمكينه جوارحه
لأداء ما كلِّفه من طاعته، وافترض عليه من فرائضه - فضلٌ منه جل ثناؤه تفضّل
به عليه، ولُطْف منه تَطَف له فيه. وليس فى تركه التفضُّلَ على بعض عبيده
بالتوفيق - مع اشتغال عبده بمعصيته ، وانصرافه عن محبّته ، ولا فى بسطه فضله
على بعضهم ، مع إجهاد العبد نفسه فى محبته ، ومسارعته إلى طاعته - فسادٌ فى
تدبير، ولا جور فى حكم، فيجوز أن يجهلَ جاهل موضع حُكم الله فى أمرٍه
عبده بمسألته عَونه على طاعته(٢).
وفى أمر الله جلّ ثناؤه عبادَه أن يقولوا: ﴿ إيّاك نعبُدُ وإِاك نَسْتعين)، بمعنى
مسألتهم إياه المعونةَ على العبادة ، أدلُّ الدليل على فساد قول القائلين بالتَّفويض
٥٤/١ من أهل القدر (٣)، الذين أحالوا أن يأمُرَ اللّه أحداً من عباده بأمرٍ، أو يكلّفه
(١) الخبر ١٧٢ - هو بالإسناد الضعيف قبله. وأشرنا إليه هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((حكم الله وأمره عبده))، وفى المخطوطة: ((حكم الله أمره)) بغير واو. والذى
أثبتناه أصوب . والحكم : الحكمة ، كما مر مراراً.
(٣) أهل القدر: هم نفاة القدر لا مثبتوه. والقائلون بالتفويض هم القدرية والمعتزلة والإمامية.

١٦٣
تفسیر فاتحة الكتاب
فرضَ عمل ، إلا بعدَ إعطائه المعونة على فعله وعلى تركه. ولو كانَ الذى قالوا
من ذلك كما قالوا، لبطلت الرَّغبة إلى اللّه فى المعونة على طاعته . إذ كان - على
قولهم، مع وجود الأمر والنهى والتكليف - حقًّا واجباً على الله للعبد إعطاؤه المعونة
عليه، سأله ذلك عبدُه أو تركَ مسألة ذلك. بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه
جَورٌ. ولو كان الأمر فى ذلك على ما قالوا، لكان القائل: ﴿ إيّاك نَعُد وإيّاك
نستعين)، إنما يسأل رَبَّه أن لا يجور .
وفى إجماع أهل الإسلام جميعاً - على تصويب قول القائل: ((اللهم إنا
نستعينك))، وتخطئّتِهِم قول القائل: ((اللهم لا تَجُرْ علينا))- دليل واضحٌ على
خطأ ما قال الذين وصفتُ قولهم. إذْ كان تأويلُ قول القائل عندهم: اللهم إنا
نستعينك - اللهم لا تترك معونتنا التى تركُكَها جَوْرٌ منك.
فإن قال قائل: وكيف قيل: ((إياك نعبدُ وإياك نستعين))، فقُدِّم الخبرُ
عن العبادة، وأخِّرتْ مسألةُ المعونة عليها بعدَها؟ وإنما تكون العبادة بالمعونة، فمسألةُ
المعونة كانت أحقّ بالتقديم قبلَ المُعَان عليه من العمل ، والعبادةُ بها .
قيل: لمَّا كان معلوماً أن العبادة لا سبيل للعبد إليها إلا بمعونة من الله جلّ
ثناؤه، وكان محالاً أن يكون العبْد عابداً إلا وهو على العبادة معان، وأن يكون
"معاناً عليها إلا وهولها فاعل - كان سواءً تقديمُ ما ◌ُقُدمّ منهما على صاحبه. كما
سواءٌ قولك للرجل إذا قضى حاجتك فأحسن إليك فى قضائها: ((قضيتَ حاجتى
فأحسنتَ إلىّ))، فقدّمت ذكر قضائه حاجتك، أو قلتَ: ((أحسنتَ إلىّ
فقضیت حاجتی))، فقدًّمت ذکر الإحسان علی ذ کر قضاء الحاجة . لأنه لا یکون
قاضياً حاجتك إلا وهو إليك محسن ، ولا محسناً إليك إلا وهو لحاجتك قاضٍ .
فكذلك سواءٌ قول القائل: اللهم إنا إياك نعبُدُ فأعِنًا على عبادتك، وقوله: اللهم
أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبُدُ .
يزعمون أن الأمر فوض إلى الإنسان ( أى رد إليه)، فإرادته كافية فى إيجاد فعله، طاعة كان أو معصية،
وهو خالق لأفعاله ، والاختيار بيده .
'٩٪

٠١٦٤
تفسير فاتحة الكتاب
قال أبو جعفر : وقد ظنّ بعض أهل الغفلة أنّ ذلك من المقدّم الذى معناه
التأخيرُ ، كما قال امرؤ القيس :
ولَوْ أَنّ مَ أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ كَفانى، ولم أَطلُبْ، قليلٌ من المالِ (١)
يريد بذلك : كفانى قليلٌ من المال ولم أطلب كثيراً . وذلك - من معنى
التقديم والتأخير، ومن مشابهة بيت امرئ القيس - بمعزل. من أجل أنّه قد يكفيه
القليلُ من المال ويطلُب الكثيرَ، فليس وُجُودُ ما يكفيه منه بموجبٍ له ترك طلب
الكثير ، فيكونَ نظيرَ العبادة التى بوجودها وجود المعونة عليها ، وبوجود المعونة عليها
وُجُودها، فيكونَ ذكرُ أحدِهما دالاً على الآخر، فيعتدلَ فى صحة الكلام تقديمُ
ما قُدِّم منهما قبل صاحبه ، أن يكون موضوعاً فى درجته ومرتباً فى مرتبته .
فإن قال: فما وجْه تكراره ((إياك)) مع قوله: نستعين))، وقد تقدَّم ذلك
قَبْل (نعبد))؟ وهلاً قيل: ((إياك نعبُدُ ونستعين))، إذ كان المخبَرُ عنه أنه المعبودُ،
هو المخبر عنه أنه المستعانُ ؟
قيل له : إن الكاف التى مع ((إيَّا))، هى الكاف التى كانت تتصل بالفعل-
أعنى بقوله ((نعبد))- لو كانت مؤخرةً بعدَ الفعل. وهى كنايةُ اسم المخاطب المنصوب
بالفعل فكُثُّرت بـ ((إيّا)) متقدّمةً، إذْ كانت الأسماء إذا انفردتْ بأنفسِها لا تكون
فی کلام العرب على حرف واحد .
فلمّا كانت الكاف من ((إياكَ: هى كنايةَ اسم المخاطَب التى كانت تكون
كافاً وحدها متصلةً بالفعل إذا كانتْ بعد الفعل، ثم كان حظُّها أن تعادَ مع كلّ
فعل اتصلتْ به، فيقال: ((اللهم إنا نعبدكَ ونستعينكَ ونحمدكَ ونشكرك))،
وكان ذلك أفصحَ فى كلام العرب، من أن يقال: ((اللهم إنا نعبدك ونستعين
ونحمد» - كان كذلك، إذا قدّمت كنايةُ اسم المخاطب قبل الفعل موصولة" بـ ((إِیّا))،
٥٥/١ كان الأفصح إعادتها مع كل فعل . كما كان الفصيحُ من الكلام إعادتها مع
(١) ديوانه ١ : ٧١ .

١٦٥
تفسير فاتحة الكتاب
كل فعل ، إذا كانت بعد الفعل متصلةً به ، وإن كان تركُ إعادتها جائزاً.
وقد ظن بعضُ من لم يُنعم النظرَ (١) أنّ إعادة ((إياك)) مع ((نستعين))، بعد
تقدمها فى قوله (( إياك نعبد))، بمعنى قول عدى بن زيد العبادىّ:
وجَاعِلِ الشَّمس مِعْراً لَاَ خَفَاء بِهِ
بَيْ النَّارِ وَبَيْنَ اللَيل قد فَصَلَا(٣)
وكقول أعشى حمدان :
بَيْنَ الأَشَجِّ وَبَيْنَ قَيْسٍ باذخٌ بَخْ بَخْ لِوَالِهِ وَالمَوَلُودِ (٣)
وذلك من قائله جهل، من أجل أن حظ ((إيّاك)) أن تكون مكررة مع كل
فعل ، لما وصفنا آنفاً من العلة، وليس ذلك حكم ((بين ))، لأنها لا تكون - إذ
اقتضت اثنين - إلا تكريراً إذا أعيدت، إذْ كانت لا تنفرد بالواحد. وأنها لو
أفْرِدت بأحد الاسمين ، فى حال اقتضائها اثنين، كان الكلام كالمستحيل . وذلك
أنّ قائلا لوقال: ((الشمس قد فصلت بين النهار))، لكان من الكلام خَلْفاً (٤)،
لنُقصان الكلام عما به الحاجة إليه ، من تمامه الذى يقتضيه (( بین )) .
ولو قال القائل: ((اللهم" إياك نعبد))، لكان ذلك كلاماً تامًا. فكان معلوماً
بذلك أنّ حاجة كلّ كلمة - كانت نظيرةَ ((إياك نعبد)) - إلى ((إياك)) كحاجة
(١) فى المطبوعة: ((لم يمعن النظر))، بدلوها، كما فعلوا فى ص: ٥٥، تعليق: ٣.
(٢) فى اللسان (مصر) منسوباً إلى أمية بن أبي الصلت .. واستدركه ابن برى ونسبه لعدى بن زيد.
والمصر: الحاجز والحد بين الشيئين. يقول: جعل الشمس حدا وعلامة بين الليل والنهار.
(٣) ديوان الأعشين: ٣٢٣، والأغانى ٦: ٤٦، ٦١. وأعشى حمدان هو عبد الرحمن بن عبد الله
الحمدانى أبو مصبح، كان أحد الفقهاء القراء، ثم ترك ذلك وقال الشعر. يمدح عبد الرحمن بن الأشعث
ابن قيس الكندى، وكان خرج على الحجاج ، فخرج معه الفقهاء والقراء، فلما أسر الحجاج الأعثى،
قال له: ألسنت القائل: وأنشد البيت - واقه لا تبخيخ بعدها أبداً! وقتله. الأشج: هو الأشعث والد
عبد الرحمن ، وقيس جده . و بخ بخ: كلمة التعظيم والتفخيم . وهذا البيت والذى سبقه شاهدان على صحة
تكرار ((بين))، مع غير الضمير المتصل، ومثلهما كثير. وأهل عصرنا يخطئون من يقوله، وهم فى شرك
الأ .
(٤) الخلف (بفتح فكون): الردىء من القول. يقال: هذا خلف من القول، أى ردىء. وفى
المثل: ((سكت ألفاً وفطق خلفاً))، يقال الرجل يطيل الصمت، فإذا تكلم تكلم بالخطأ. أى سكت دهراً
طويلا ، ثم تكلم بخطأ. كنى بالألف عن الزمن الطويل ، ألف ساعة مثلا .

١٦٦
تفسير فاتحة الكتاب
(«نَعَبد)) إليها (١)، وأنّ الصواب أن تكونَ معها ((إياك))، إذْ كانت كل كلمة
منها جملةَ خبرٍ مبتدأ، وبيّناً حكم مخالفة ذلك حكم ((بين))، فيما وَفّق بينهما
الذى وصفنا قوله .
٠ ٠
القول فى تأويل قوله (اهْدِناَ).
قال أبو جعفر : ومعنى قوله ﴿اهدِناً الصراطَ المستقيم﴾، فى هذا الموضع عندنا:
وفِّقْنا للثبات عليه ، کما رُوی ذلك عن ابن عباس : -
١٧٣-حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد ، قال حدثنا بشر
ابن عمارة ، قال حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك ، عن عبد اللّه بن عباس ، قال :
قال جبريل لمحمد صلى الله عليه: ((قل، يا محمد، اهدنا الصراط المستقيم)). يقول:
ألهمنا الطريق الهادى(٢).
وإلهامه إياه ذلك ، هو توفيقه له ، كالذى قلنا فى تأويله . ومعناه نظيرُ معنى
قوله ((إياك نستعين))، فى أنه مسألةُ العبد ربِّه التوفيق للثبات على العمل بطاعته ،
وإصابة الحق والصواب فيما أمره به ونهاه عنه، فما يَستقبِلُ من عُمُرُه ، دون ما قد
مضى من أعماله، وتقضَّى فيما سلف من مُمُرُه. كما قوله ((إياك نستعين))، مسألةٌ
منه ربَّه المعونةَ على أداء ما قد كلَّفه من طاعته ، فيما بقى من ◌ُعُمُرُه .
فكانَ معنى الكلام: اللهمَ إياك نعبدُ وحدك لا شريك لك، مخلصين لك
العبادةَ دونَ ما سواك من الآلهة والأوثان، فأعِنَّا على عبادتك، ووفّقنا لما
(١) يعنى أن حاجة الأولى منها كحاجة الثانية، فلذلك وجب تكرارها. سياق العبارة: ((فكان
معلوماً أن حاجة كل كلمة ... وكان معلوماً أن الصواب أن تكون معها ... وكان بيناً ... )) إلى
آخر الفقرة .
(٢) يأتى بتمامه وتخريجه برقم ١٧٩.

١٦٧
تفسير فاتحة الكتاب
وفَّقْت له من أنعمتَ عليه من أنبيائك وأهل طاعتك، من السبيل والمنهاج .
فإن قال قائل: وأنَّى وَجَدتَ الهدايةَ فى كلام العرب بمعنى التَّوفيق؟
قيل له : ذلك فى كلامها أكثرُ وأظهر من أن يُحصى عددُ ما جاء عنهم فى
ذلك من الشواهد . فمن ذلك قول الشاعر :
لاَ تَحْرِمَنِى، هَدَاكَ الله، مَسْلِتِى وَلاَ أَكُونَنْ كمن أَوْدَى بِهِ السَّفَرُ(١)
يعنى به : وفَّقك اللّه لقضاء حاجتى . ومنه قول الآخر :
ولاَ تُنْجِلَّى هَدَاكِ المليكُ، فإنّ لكلِّ مَقَامٍ مَقَالًا(٣)
فمعلوم أنه إنما أراد : وفقك الله لإصابة الحق فى أمرى .
ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فى غير آية
من تنزيله . وقد عُلم بذلك، أنه لم يَعْنِ أنه لا يُبيِّنُ للظالمين الواجبَ عليهم من
فرائضه. وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، وقد عمَّ بالبيان جميع المكلّفين من
خلقه؟ ولكنه ◌َنى جلّ وعزّ أنه لاُ يُوفَّقُهم، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم. ٥٦/١
وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله (اهدِنا): زدْنا هدايةٍ.
وليس يخلُو هذا القولُ من أحدٍ أمرين: إما أن يكون ظنَّ قائلُه أنّ النبى
صلى الله عليه وسلم أمرٍ بمسألة رَبِّه الزيادة فى البيان، أو الزيادة فى المعونة والتوفيق.
فإن كان ظن أنه أُمر بمسألة الزيادة فى البيان، فذلك مالا وجه له. لأن الله
جلّ ثناؤه لا يكلّف عبداً فرضاً من فرائضه ، إلا بعد تبيينه له وإقامة الحجة
عليه به . ولو كان معنى ذلك معنى مسألتِه البيانَ ، لكانَ قد أمِر أن يدعو ربَّه
أن يبين له ما فَرض عليه، وذلك من الدعاء خلفٌ(٣)، لأنه لا يفرض فرضاً إلا مبيّناً
(١) لم أعرف نسبة البيت، وأخشى أن يكون من أبيات ودقة الأسدى يقولها معن بن زائدة. أمالى
المرتضى ١ : ١٦٠ .
(٢) نسبه المفضل بن سلمة فى الفاخر: ٢٥٣، وقال: ((أول من قال ذلك طرفة بن العبد، فى
شعر يعتذر فيه إلى عمروبن هند)»، وليس فى ديوانه، وانظر أمثال الميدانى ٢ : ١٢٥.
(٣) أى ردىء من القول. انظر ما سلف ص ١٦٥ رقم: ١.
٠

١٦٨
تفسير فاتحة الكتاب
لمن فرضَه عليه، أو يكون أمر أن يدعوَ ربَّه أن يفرض عليه الفرائض التى لم يفرضها.
وفى فساد وَجه مسألة العبد ربِّه ذلك، ما يوضّح عن أن معنى (اهدِنَا الصِّراط
المستقيم)، غير معنى: بيِّن لنا فرائضّك وحدودَك.
أو يكون ظنّ أنه أمير بمسألة ربه الزيادةَ فى المعونة والتوفيق. فإن كان ذلك
كذلك ، فلن تخلوَ مسألتُه تلك الزيادةَ من أن تكون مسألةً للزيادة فى المعونة
على ما قد مضى من عمله ، أو على ما يحدُث . وفى ارتفاع حاجة العبد إلى المعونة
على ما قد تقضَّى من عمله (١)، ما يُعلِمُ أنّ معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألتُه
الزيادةَ لما يحدث من عمله. وإذْ كانَ ذلك كذلك، صارَ الأمر إلى ما وصفنا
وقلنا فى ذلك : من أنه مسألة العبد ربِّه التوفيقَ لأداء ما كُلِّف من فرائضه، فيما
يستقبل من مُمُرُه .
وفى صحة ذلك، فسادُ قول أهل القدَرَ الزاعمين أنّ كل مأمور بأمرٍ أو مكلّف
فرضاً ، فقد أعطى من المعونة عليه، ما قد ارتفعت معه فى ذلك الفرض حاجته إلى
ربِّه(٢). لأنه لوكان الأمرُ على ما قالوا فى ذلك، لبطَّلَ معنى قول الله جل ثناؤه
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمِ﴾. وفى صحة معنى ذلك ،
على ما بيَّنَا ، فسادُ قولهم .
وقد زعم بعضُهم أنّ معنى قوله ﴿اهدنا الصِّراط المستقيم): أسْلِكنا طريق
الجنة فى المعاد، أىْ قدِّمنا له وامض بنا إليه، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى
صِرَاطِ الجَحِيمِ﴾ [سورة الصافات: ٢٣]، أى أدخلوهم النار، كما تُهْدَى المرأة
إلى زوجها، يُعنى بذلك أنها تُدخَل إليه، وكما ◌ُهدَى الهديَّة إلى الرجل ، وكما
تَهدِى الساقَ القدمُ ، نظيرَ قول "طرفة بن العبد:
(١) ارتفع الأمر: زال وذهب، كأنه كان موضوعاً حاضراً ثم ارتفع. ومنه: ارتفع الخلاف
بينهما .
(٢) انظر ص: ١٦٢ التعليق رقم : ٠٢

١٩٩
تفسير فاتحة الكتاب
لَعَبتْ بَعْدِى السُّيُولُ بِهِ وَجَرَى فِى رَوْنَقٍ رِمُهْ(١)
حَيْثُ تَهْدِى سَاقَه قَدَمُهْ(٢)
لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ
أی ترِدُ به الموارد.
وفى قول الله جل ثناؤه ﴿ إِيَّاك نعبد وإياك نستعين) ما ينجاء عن خطأ هذا
التأويل ، مع شهادة الحجة من المفسّرين على تخطئته . وذلك أنّ جميع المفسرين
من الصحابة والتابعين مجمِعُون على أنّ معنى (( الصراط فى هذا الموضع، غيرُ
المعنى الذى تأوله قائل هذا القول، وأن قوله: ((إياك نستعينُ)) مسألةُ العبدِ ربِّه
المعونةَ على عبادته. فكذلك قوله ((اهْدِنا)) إنما هو مسألةُ الثباتِ على الهدى فيما
بقی من ◌ُمُرُه.
والعربُ تقول: هديتُ فلاناً الطريقَ، وَهديتُه للطريق ، وهديتُه إلى الطريق،
إذا أرشدتَه إليه وسدّدته له. وبكل ذلك جاء القرآن، قال الله جلّ ثناؤه :
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ بِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا﴾ [سورة الأعراف: ٤٣]، وقال فى
موضع آخر: ﴿ أَجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [ سورة النحل: ١٢١]،
وقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
وكل ذلك فاش فى منطقها ، موجودٌ فى كلامها ، من ذلك قول الشاعر :
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبَاَ لَسْتُ مُخْصِيَهُ، رَبَّ الِباد، إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ(٣)
(١) ديوان الستة الجاهلين: ٢٣٤، ٢٣٧، والبيت الأول فى فاتحة الشعر، والأخير خاتمته.
والضمير فى قوله: ((لعبت)» الربع، فى أبيات سلفت. وروفق السيف والشباب والنبات: صفاؤه وحسنه
وماؤه. ويروى: ((فى ريق)). وريق الشباب: أوله والتماعه ونضرته. وعنى نباتاً نضيراً كأنه يقول :
فى ذى رونق، أو فى ذى ريق. والرهم - بكسر الراء - جمع رهمة: وهى المطرة الضعيفة المتابعة، وهى
مكرمة النبات. يقول: أعشبت الأرض، وجرى ماء السماء فى النبت يترقرق. والضمير فى ((رحمه)) عائد
على الغيث ، غائب كذكور .
(٢) يقول: حيث سار الفتى عاش بعقله وتدبيره واجتهاده.
(٣) يأتى فى تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه !:
١٧، والخزانة ١ : ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التى لا يعرف قائلها. قال الشتتمرى:

١٧٠
تفسير فاتحة الكتاب
يريد: أستغفر الله الذنْب، كما قال جل ثناؤه: ﴿وأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكِ﴾
[ سورة غافر: ٥٥].
ومنه قول نابغة بنى ذُبْيان :
قَبْلَ الوَنَى، وَالأَشْعَبَ النَّبَّاحَ(١)
فَيَصِيدُنَ العَيْرَ المُدِلَّ بِحُغْرِهِ
٥٧/١
يريد : فيصيدُ لنا . وذلك كثير فى أشعارهم وكلامهم ، وفيما ذكرنا منه
كفاية .
٠
#
القول فى تأويل قوله ﴿الصِّرّاطَ المُسْتَقِيمَ﴾.
قال أبو جعفر: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن ((الصراط
المستقيم))، هو الطريق الواضح الذى لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك فى لغة جميع
العرب ، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخَطَفى :
أميرُ المؤمنين عَلَى صِرَاطٍ - إذا أُعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيمٍ (٢)
يريد : على طريق الحق . ومنه قول الهُذلى أبى ذُؤَيْب :
صَبَحْنَا أَرْضَهُمْ بِالخَيْلِ حَتّى تَكْنَهَا أَدَقَّ مِنَ الصَّرَاطِ (٣)
(( أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب. والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع . فلذلك قال :
((لست محصيه)). والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه)).
(١) البيت ليس فى ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال)، والمجتنى
لابن دريد: ٢٣، يصف فرساً. والدير: حمار الوحش. والخضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو.
والوفى: التعب والفترة فى العدو أو العمل. والأشعب : الظى تفرق قرناء فانشعباً وتباينا بينونة شديدة . ونبح
الكلب والظبى والتيس يتبح نباحاً، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبى إذا أسن
ونبتت لقرونه شعب، نبح ( الحيوان ١ : ٣٤٩). يصف فرسه بشدة أحدو، يلحق العير المدل بحضره،
والظى المستحكم السريع ، فيصيدها قبل أن يناله تعب.
(٢) ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهى الطرق إلى الماء . يريد
الطرق التى يسلكها انئاس إلى أغراضهم وحاجاتهم ، كما يسلكون الموارد إلى الماء.
(٣) ليس فى ديوانه، ونسبه القرطبى فى تفسيره ١: ١٢٨ لعامر بن الطفيل، وليس فى ديوانه،

١٧١
تفسير فاتحة الكتاب
ومنه قول الراجز :
، فَصُدَّ عَنْ نَهْجِ الصَّرَاطِ القَاصِدِ (١).
والشواهد على ذلك أكثرُ من أن تُحصى، وفيما ذكرنا غنّى عما تركنا .
ثم تستعيرُ العرب ((الصراط)) فتستعمله فى كل قول وعمل وُصِف باستقامة
أو اعوجاج، فتصفُ المستقيمَ باستقامته ، والمعوجَّ باعوجاجه .
والذى هو أولى بتأويل هذه الآية عندى، أعنى: ﴿ اهدِنا الصِّراط المستقيم﴾ ،
أن يكون معنيًا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيتَه ووفقت له منْ أنعمتَ عليه من
عبادِك، من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراط المستقيم. لأن من وُفّق لما وُفّق له
من أنعم الله عليه من النبيِّين والصديقين والشهداء، فقد وُفّق للإسلام، وتصديقٍ
الرسلِ، والتمسكِ بالكتاب، والعملِ بما أمر الله به، والانزجار عمّا زَجره عنه،
واتّباع منهج النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومنهاج أبى بكر وعمر وعثمان وعلى. وكلّ
عبد الله صالحٍ ، وكل ذلك من الصراط المستقيم.
وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن فى المعنىِّ بالصراط المستقيم (٢). يشملُ معانىَ
جميعهم فى ذلك ، ما اخترنا من التأويل فيه .
ومما قالته فى ذلك ، ما رُوى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه ، عن النبى
صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال ، وذكر القرآن، فقال : هو الصراط المستقيم .
١٧٤ - حدثنا بذلك موسى بن عبد الرحمن المسروقى ، قال : حدثنا حسين
الجُعْفى ، عن حمزة الزيات، عن أبى المختار الطائى، عن ابن أخى الحارث ، عن
الحارث، عن علىّ، عن النبى صلى الله عليه وسلم (٣).
فإن يكن هذاليا، فاعله من شعر المتنخل، وله قصيدة فى ديوان الهذلين ٢: ١٨ - ٢٨، على هذه
القافية . ولعمرو بن معد يكرب أبيات مثلها رواها القالى فى التوادر ٣ : ١٩١.
(١) رواه القرطبى فى تفسيره ١: ١٢٨ (( الصراط الواضح)).
(٢) تراجمة القرآن، جمع ترجمان: وأراد المفسرين، وانظر ما مضى: ٧٠ تعليق: ١
(٣) الحديث ١٧٤ - إسناده ضعيف جدا. موسى بن عبد الرحمن المسروق: ثقة ، روى عنه

١٧٢
تغير فاتحة الكتاب
١٧٥- وُحُدَّثْتُ عن إسماعيل بن أبى كريمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة ،
عن أبى سنان ، عن عمرو بن ◌ُمُرّة، عن أبى البَخْتُرىّ، عن الحارث ، عن
علىّ ، عن النبى صلى اللّه عليه وسلم، مثله(١).
الترمذى، والنسائى، وابن خزيمة، وغيرهم. مات سنة ٢٥٨، مترجم فى التهذيب. حسين الجمنى : هو
حسين بن على بن الوليد ، ثقة معروف ، روى عنه أحمد ، وابن معين ، وغيرهم ، بل روى عنه ابن عينية
وهو أكبر منه. وأخرج له أصحاب الكتب الستة. حمزة الزيات: هو حمزة بن حبيب، القارىء المعروف.
وتكلم فى روايته بعضهم، والحق أنه ثقة، وأخرج له مسلم فى صحيحه. أبو المختار الطائى: قيل اسمه :
سعد، وهو مجهول ، جهله المدينى وأبو زرعة. ابن أخى الحارث الأعور: أشد جهالة من ذاك، لم يسم
هو ولا أبوه. عند الحارث: هوابن عبد الله الأعور الهمدانى، وهو ضعيف جدا. وقد اختلف فيه العلماء
اختلافاً كثيراً، حتى وصفه الشعبى وغيره بأنه ((كان كذاباً))، وقد رجحت فى شرح الحديث ٥٦٥
وغيره من المسند أنه ضعيف جداً .
وأما متن الحديث : فقد رواه - بمعناه - ابن أبى حاتم، عن الحسن بن عرفة عن يحيى بن يمان عن
حمزة الزيات ، بهذا الإسناد، فيما نقل ابن كثير ١ : ٥٠ ووقع فيه تحريف فى الإسناد هناك. وهو
جزء من حديث طويل، فى فضل القرآن - رواه الترمذى (٤: ٥١ - ٥٢ من تحفة الأحوذي)، عن
عبد بن حميد عن حسين الجعنى، بهذا الإسناد. وقال الترمذى: (( هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من
حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفى حديث الحارث مقال)). كذلك رواه الدارمى فى سننه ٢ :
٤٣٥ عن محمد بن يزيد الرفاعى عن حسين الجمنى. ونقله السيوطى ١: ١٥ ونسبه أيضاً لابن أبى شيبة
وابن الأنبارى فى المصاحف والبيهقى فى شعب الإيمان. وأشار إليه الذهبى فى الميزان ٣ : ٣٨٠ فى ترجمة
أبى المختار الطائى، قال: ((حديثه فى فضائل القرآن منكر)). ونقله ابن كثير فى الفضائل: ١٤ - ١٥
عن الترمذى، ونقل تضعيفه إياه، ثم قال: ((لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد
ابن إسحق عن محمد بن كعب القرظى عن الحارث الأعور . فبرئ حمزة من عهدته ، على أنه وإن كان
ضعيف الحديث، فإنه إمام فى القراءة . والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه ،
بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده ، أما أنه تعمد الكذب فى الحديث - فلا . وقصارى هذا الحديث
أن يكون من كلام أمير المؤمنين على رضى الله عنه، وقد وهم بعضهم فى رفعه، وهو كلام حسن صحيح)".
وسيأتى ١٧٥، ١٧٦ بإسنادين آخرين ، موقوفاً، من كلام على رضى الله عنه.
ورواية ابن إسحق - التى أشار إليها ابن كثير - هى حديث أحمد فى المسند: ٥٦٥ . عن يعقوب بن
إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحق . وقد ضعفنا إسناده هناك ، بالحارث الأعور، وبانقطاعه بين ابن
إسحق ومحمد بن كعب. وليس فيه الحرف الذى هنا، فى تفسير ((الصراط المستقيم)).
(١) الحديث ١٧٥ - هو الحديث السابق بإسناد آخر. وهذا الإسناد جيد إلى الحارث الأعور،
ثم يضعف به الحديث جدا ، كما قلنا من قبل .
ومحمد بن سلمة : هو الباهلى الحرانى ، وهو ثقة، روى عنه أحمد بن حنبل وغيره ، وأخرج
له مسلم فى صحيحه، مات سنة ١٩١. وشيخه أبو سنان: وهو سعيد بن سنان الشيبانى، وهو ثقة، ومن
تكلم فيه إنما يكون من جهة خطئه بعض الخطأ، وقال أبو داود: ((ثقة من رفعاء الناس))، وأخرج
له مسلم فى الصحيح. وعمرو بن مرة: هو المرادى الجمل، ثقة مأمون بلا خلاف، قال مسعر: ((عمرو

١٧٣
تفسير فاتحة الكتاب
١٧٦ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيرى،
قال : حدثنا حمزة الزيات ، عن أبى المختار الطائى ، عن ابن أخى الحارث الأعور ،
عن الحارث، عن علىّ ، قال: الصِّراطُ المستقيم: كتاب الله تعالى ذكره(١).
١٧٧ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيرى،
قال: حدثنا سفيان - ح- وحدثنا محمد بن ◌ُيد الرازى، قال: حدثنا مهران،
عن سفيان، عن منصور، عن أبى وائل، قال: قال عبدالله: ((الصُّراطُ المستقيم))
كتابُ الَّ(٢) .
١٧٨- حدثنی محمود بنخداش الطالقائی،قال: حدثنا ◌ُید بنعبدالرحمن
الرُّؤَاسِى ، قال : حدثنا على والحسن ابنًا صالح ، جميعاً ، عن عبد الله بن محمد
ابن حَقِيل، عن جابر بن عبد الله: ((اهدنا الصراط المستقيم)) قال: الإسلام،
قال: هو أوسع مما بين السماء والأرض(٣).
من معادن الصدق)). وأبو البخترى - بفتح الباء الموحدة والتاء المثناة بينهما خاء معجمة ساكنة : هو
سعيد بن فيروز الطائى الكوفى ، تابعى ثقة معروف .
(١) الخبر ١٧٦ - هو الحديث السابق بالإستادين قبله، بمعناه. ولكنه هنا موقوف على على
ابن أبى طالب، والإسناد إليه منهار انهيار الإسناد ١٧٤، من أجل الحارث الأعور وابن أخيه. أما
من دونهما ، فأبو المختار الطائى وحمزة مضيا فى ١٧٤، وأبو أحمد الزبيرى وأحمد بن إمحق مضيا فى ١٥٩ .
(٢) الخبر ١٧٧ - هذا موقوف من كلام عبد الله بن مسعود. وقد رواه الطبرى بإسنادين إلى
سفيان، وهو الثورى. أما أولهما: أحمد بن إسحق عن أبى أحمد الزبيرى عن سفيان الثورى - فإسناده
صحيح ، لا كلام فيه. وأما ثانيهما : محمد بن حميد الرازى عن مهران، وهو ابن أبى عمر العطار - فقد
بينا فى الإسناد ١١ أن فى رواية مهران عن الثورى اضطراباً، ولكنه هنا تابعه عن روايته حافظ ثقة ، هو
أبو أحمد الزبيرى . وقد رواه الشورى عن منصور ، وهو ابن المعتمر الكوفى ، وهو ثقة ثبت حجة ،
لا يختلف فيه أحد . وأبو وائل : هو شقيق بن سلمة الأسدى، من كبار التابعين الثقات ، قال ابن معين:
(( ثقة لا يسأل عن مثله)).
وهذا الخبر، رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٥٨ من طريق عمر بن سعد أبى داود الحضرى عن
الثورى، بهذا الإسناد. وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطى ١: ١٥، والشوكانى ١ : ١٣ .
(٣) الخبر ١٧٨ - وهذا موقوف على جابر بن عبد الله. وإسناده صحيح: محمود بن خداش
بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وآخره شين معجمة - الطالقانى : ثقة من أهل الصدق ، مات يوم
الأربعاء ١٤ شعبان سنة ٢٥٠، كما فى التاريخ الصغير البخارى: ٢٤٧. وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسى:

١٧٤
تفسير فاتحة الكتاب
١٧٩ - حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن عمّارة، قال: حدثنا أبو رَوَق، عن الضحّاك، عن عبد الله بن عباس،
قال: قال جبريل لمحمد: قل يا محمد (اهدنا الصراط المستقيم) يقول: ألهمنا
الطريق الهادى، وهو دين الله الذى لا عوج له(١).
١٨٠- حدثنا موسى بن سهل الرازى، قال : حدثنا يحيى بن عوف، عن
٠٨/١ الفُرَات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، فى قوله:
﴿اهدِنا الصّراط المستقيم﴾ قال: ذلك الإسلام (٢) .
١٨١ - حدثنى محمود بن خِدّاش، قال: حدثنا محمد بن ربيعة الكلابى،
من إسمعيل الأزرق ، عن أبى مُمر البزّار ، عن ابن الحنفية ، فى قوله
ثقة ثبت عائل، روى عنه أحمد وغيره من الحفاظ. والحسن وعلى ابنا صالح بن صالح بن حى : ثقتان ،
وهما أسوان قوام . ومن تكلم فى الحسن تكلم بغير حجة، وقد وثقناه فى المسند : ٢٤٠٣. وأخاه فيه:
٢٢٠، وعبد اله بن محمد بن عقيل بن أبى طالب، وأمه زينب الصغرى بنت على بن أبى طالب: تابعى
ثقة ، ولا حجة لمن تكلم فيه .
والخبر رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٥٨ - ٢٥٩، من طريق أبي نعيم عن الحسن بن صالح
- وحده - بهذا الإسناد. وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. وذكره
ابن كثير ١ : ٥٠، والسيوطى ١: ١٥، والشوكانى ١ : ١٣.
(١) الحديث ١٧٩ - إسناده ضعيف، سبق بيان ضعفه: ١٣٧. وهذا اللفظ نقله ابن كثير
١: ٥٠ دون إسناد ولا نسبة. ونقله السيوطى ١: ١٤ مختصراً، ونسبه الطبرى فقط.
(٢) الخبر ١٨٠ - إسناده ضعيف جدا، على ما فيه من جهلنا بحال بعض رجاله : فوسى
ابن سهل الرازى، شيخ الطبرى: لم نجزم بأى الرجال هو؟ ولعله («موسى بن سهل بن قادم، ويقال
ابن موسى، أبو عمر الرملى، نسائى الأصل)). فهو شيخ للطبرى مترجم فى التهذيب ١٠: ٣٤٧، ولكنه
لم ينسب ((رازيا)). وكتب فى المخطوطة: ((سهل بن موسى))! ولم نجد هذه الترجمة أيضاً، ونرجح أنه
خطأ من الناسخ .. ويحيى بن عوف: لم نجد ترجمة بهذا الاسم قط فيما لدينا من مراجع . وأما علة الإسناد،
فهو ((الفرات بن السائب الجزرى))، وهو ضعيف جدا، قال البخارى فى الكبير ٤ / ١ / ١٣٠ :
((تركزه، منكر الحديث))، وكذلك قال الأئمة فيه، وقال ابن حبان فى المجروحين (فى الورقة ١٨٧):
(( كان ممن يروى الموضوعات عن الأثبات، ويأتى بالمعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به ،
ولا الرواية عنه، ولا كتبة حديثه إلا على سبيل الاختبار)). وأما ميمون بن مهران فتابعى ثقة معروف ،
فقيه حجة .
وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٥٠ مجهلا بلفظ «وقيل: هو الإسلام)). ونقله السيوطى ١: ١٥
منسوباً لابن جرير فقط، على خطأً مطبعى فيه ((ابن جريج))!

١٧٥
تفسير فاتحة الكتاب
﴿اهدنا الصراط المستقيم) قال: هو دين الله الذى لا يقبل من العباد غيره(١).
١٨٢ - حدثنى موسى بن هرون الهمدانى، قال: حدثنا عَمرو بن طلحة
القنَّاد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدّى - فى خبر ذكره - عن أبى مالك ،
وعن أبى صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمدانى، عن ابن مسعود - وعن
ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾
قال : هو الإسلام(٢).
١٨٣- حدثنا القاسم بن الحسن، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال :
حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس فى قوله :
﴿اهدنا الصراط المستقيم)، قال: الطريق(٣).
١٨٤ - حدثنا عبد الله بن كثير أبو صديف الآمُلى ، قال : حدثنا هاشم بن
القاسم ، قال : حدثنا حمزة بن المغيرة ، عن عاصم ، عن أبى العالية ، فى قوله :
((اهدنا الصراط المستقيم))، قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحباه
من بعده أبو بكر وعمر . قال : فذكرتُ ذلك للحسن فقال : صدّق أبو العالية
ونصح(٤) .
(١) الأثر ١٨١ - ابن الحنفية: هو محمد بن على بن أبى طالب، والحنفية أمه، وهى خولة
بنت جعفر من بنى حنيفة، عرف بالنسبة إليها . وهذا الإسناد إليه ضعيف: محمد بن ربيعة الكلاب
الرؤاسى: ثقة من شيوخ أحمد وابن معين. وإسمعيل الأزرق: هو إسماعيل بن سلمان، وهو
ضعيف، قال ابن معين: ((ليس حديثه بشىء))، وقال ابن نمير والنسائى: ((متروك)»، وقال ابن حبان
فى كتاب المجروحين (ص ٧٨ رقم ٣٥): ((ينفرد بمناكير يرويها عن المشاهير)). وأبو عمر البزار:
هو دينار بن عمر الأسدى الكوفى الأعمى، وهو ثقة. والأثر ذكره ابن كثير ١ : ٥١ دون نسبة
ولا إسناد .
(٢) الخبر ١٨٢ - هذا من تفسير السدى، وقد سبق شرح إسناده ١٦٨. وقد نقله ابن كثير
١: ٥٠ والسيوطى ١ : ١٥ .
(٣) الخبر ١٨٣ - نقله السيوطى ١: ١٤ منسوباً الطبرى وابن المنذر. وقد سبق أول هذا
الإسناد: ١٤٤، وهو هنا منقطع، لأن ابن جريج لم يدرك ابن عباس، إنما يروى عن الرواة عنه .
(٤) الأثر ١٨٤ - عبد الله بن كثير أبو صديف الآملى، شيخ الطبرى: لم أعرف من هو،
ولم أجد له ذكراً، وأخشى أن يكون فيه تحريف. هاشم بن القاسم: هو أبو النضر .- بالنون والضاد

١٧٦
تفسير فاتحة الكتاب
١٨٥- حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال حدثنا ابن وهب، قال : قال
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ((اهدنا الصراط المستقيم))، قال: الإسلام(١).
١٨٦ - حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنى معاوية بن
صالح، أنّ عبد الرحمن بن جُبير حدّثه، عن أبيه، عن نَوَّاس بن سمعان الأنصارى،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ضرب الله مثلاصراطاً مستقيماً، والصراط:
الإسلامُ.
١٨٧ - حدثنا المثنى قال: حدثنا آدم العسقلانى ، قال: حدثنا الليث، عن
معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير ، عن أبيه ، عن نَوَّاس
ابن سمعان الأنصارى ، عن النبى صلى الله عليه وسلم، يمثله (٢).
المعجمة - الحافظ الخراسانى الإمام، شيخ الأئمة: أحمد وابن راهويه وابن المدينى وابن معين وغيرهم.
حمزة بن المغيرة بن نشيط - بفتح النون وكسر الشين المعجمة - الكوفى العابد: ثقة ، مترجم فى التهذيب،
وترجمه البخارى فى الكبير ٤٤/١/٢، وابن أبى حاتم ٢١٤/٢/١ - ٢١٥، وذكره ابن حبان فى
الثقات ٤٤٣، قال: «حمزة بن المغيرة العابد، من أهل الكوفة. يروى عن عاصم الأحول عن
أبى العالية (اهدنا الصراط المستقبم)، قال: هو النبى صلى الله عليه وسلم وصاحباه. روى عنه أبو النضر
هاشم بن القاسم)). ووقع هنا: فى الأصول ((حمزة بن أبى المغيرة)). وهو خطأ من الناسخين.
عاصم : هو ابن سليمان الأحول، تابعى ثقة ثبت. أبو العالية: هو الرياحى - بكسر الراء وتخفيف
الياء ، واسمه : رفيع - بالتصغير - بن مهران ، من كبار التابعين الثقات ، مجمع على توثيقه .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١ : ٥١ ونسبه أيضاً لابن أبى حاتم . والسيوطى ١ : ١٥ وزاد نسبته
لعبد بن حميد وابن عدى وابن عساكر . وأبو العالية لم يقله من قبل نفسه: فقد رواه الحاكم فى المستدرك
٢: ٢٥٩ من طريق أبي النضر بهذا الإسناد إلى ((أبى العالية عن ابن عباس)). وقال: ((هذا حديث
صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. واختصره السيوطى ونسبه الحاكم فقط.
(١) الأثر ١٨٥ - هذا من كلام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقد نقله ابن كثير ١ : ٥١
دون نسبة . وعبد الرحمن بن زيد: متأخر، من أتباع التابعين، مات سنة ١٨٢. وهو ضعيف جدا ،
بين ضعفه فى حديث المسند : ٥٧٢٣، ويكفى منه قول ابن خزيمة: ((ليس هو ممن يحتج أهل العلم
بحديثه، لسوء حفظه، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف، ليس من أحلاس الحديث)).
(٢) الحديث ١٨٦، ١٨٧ - رواه الطبرى من شيخه ((المفى)) بإسنادين، أولهما أعلى من الثانى
درجة : بين المفى وبين معاوية بن صالح فى أولهما شيخ واحد ، وفى ثانيهما شيخان .
أما المثنى شيخ الطبرى: فهو المثنى بن إبراهيم الأمل، يروى عنه الطبرى كثيراً فى التفسير والتاريخ.
وأبو صالح، فى الإسناد الأول: هو عبد الله بن صالح المصرى، كاتب الليث بن سعد، محبه عشرين
سنة . وهو ثقة، ومن تكلم فيه، فى بعض حديثه عن اليث، تكلم بغير حجة . وله ترجمة فى

١٧٧
تفسير فاتحة الكتاب
قال أبو جعفر: وإنما وصفه الله بالاستقامة ، لأنه صواب لا خطأ فيه . وقد
زعم بعض أهل الغباء، أنه سمّاه اللّه مستقيماً، لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويل
لتأويل جميع أهل التفسير خلافٌ ، وکفی بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على
خطئه .
القول فى تأويل قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَلْعَمْتَ عَلَيْهِمَ﴾.
وقوله (صِرَاط الذين أنعمْتَ عليهم)، إبانةٌ عن الصراط المستقيم، أىُّ الصراط.
هو ؟ إذْ كان كلّ طريق من طرُّق الحق صراطاً مستقيماً. فقيل لمحمد صلى الله
عليه وسلم: ◌ُقُلْ يا محمد: اهدنا يا ربنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت
عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين .
وذلك نظير ما قال ربنا جلّ ثناؤه فى تنزيله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ
لَكَانَ خَيراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبيتاً. وَإِذَاُ لَآتَيْنَاهُ مِنْ لَّهُنَّا أَجْراً عَظِماً. وَلَهَدَ يْنَاهُمْ
التهذيب جيدة، وكذلك فى الجرح والتعديل لاين أبى حاتم ٨٦/٢/٢ - ٨٧، وتذكرة الحفاظ ١:
٣٥١ - ٣٥٣. ولد عبد الله بن صالح سنة ١٣٧ ومات سنة ٢٢٢. ووقع تاريخ مولده فى التهذيب
(١٧٣) وهو خطأ مطبعى، صوابه فى تذكرة الحفاظ. وآدم العسقلانى، فى الإسناد الثانى: هو آدم
ابن أبى إياس، وهو ثقة مأمون متعبد، من خيار عباد الله، كما قال أبو حاتم . الليث: هو ابن سعد ،
إمام أهل مصر. معاوية بن صالح ، فى الإسنادين : هو الحمصى ، أحد الأعلام وقاضى الأندلس ،
ثقة، من تكلم فيه أخطأ . عبد الرحمن بن جبير بن نفير - بالتصغير فيهما - الحضرى الحمصى : تابعى
ثقة . وأبوه: من كبار التابعين، أدرك زمن النبى صلى الله عليه وسلم. وهو ثقة .شهور بالعلم، وذكره
الطبرى فى طبقات الفقهاء. النواس - بفتح النون وتشديد الواو - بن سمعان الكلابى : صحابى معروف .
وهذا الحديث مختصر من حديث طويل ، رواه أحمد فى المسند : ١٧٧١١ (ج ٤ ص ١٨٢ حلى)
عن الحسن بن سوار عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح، به. ونقله ابن كثير ١ : ٥١ من.برواية
المسند ، قال: ((وهكذا رواه ابن أبى حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد، به . ورواه التربذى
والنسائى جميعاً عن على بن حنجر عن بقية عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن
النواس بن سمعان، به. وهو إسناد حسن صحيح)). ونسبه السيوطى ١: ١٥، والشوكافى ١ : ١٣
أيضاً الحاكم ((وصمعه))، ولغيره.
(١٢)

١٧٨
تفسير فاتحة الكتاب
صِرَّالطَا مُسْتَقِيماً . وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَ اللهُ عَلَيْهِمْ
مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيِقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين﴾ [سورة النساء: ٦٦ - ٦٩].
قال أبو جعفر: فالذى أمير محمدٌ صلى الله عليه وسلم وأمّتُه أن يسألوا ربَّهم
من الهداية للطريق المستقيم، هى الهداية للطريق الذى وَصف الله جلّ ثناؤه صفته.
وذلك الطريق، هو طريق الذين وصفهم الله بما وصفهم به فى تنزيله ، ووعد من
سلكه فاستقام فيه طائعاً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، أن يُورده مواردهم ،
والله لا يخلف الميعاد .
وبنحو ما قلنا فى ذلك رُوِى الخبر عن ابن عباس وغيره : -
١٨٨- حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد ، قال: حدثنا
بشر بن ◌ُعُمَارة، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس :
٥٩/١ ((صراط الذين أنعمت عليهم)) يقول: طريقَ من أنعمتَ عليهم بطاعتك وعبادتك
من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدُوك(١).
١٨٩ - حدثنى أحمد بن حازم الغفارى ، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى ،
عن أبى جعفر، عن ربيع: ((صراط الذين أنعمتَ عليهم))، قال: النبيّون (٢).
١٩٠ - حدثنى القاسم، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ((أنعمت عليهم)) قال: المؤمنين(٣).
١٩١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: قال وكيع: ((أنعمت
عليهم))، المسلمين(٤).
(١) الخبر ١٨٨ - ضعف هذا الإسناد مفصل فى: ١٣٧. وهذا الخبر نقله ابن كثير ١ :
٥٢٠ . وانظر أيضاً : ١٧٩.
(٢) الأثر ١٨٩ - ربيع: هو ابن أنس البكرى. وسبق شرح هذا الإسناد إليه : ١٦٤.
والأثر نقله ابن كثير ١ : ٥٣، والسيوطى ١ : ١٦.
(٢) الخبر ١٩٠ - هذا كالخبر ١٨٣ منقطع بين ابن جريج وابن عباس. وقد نقله ابن كثير
١ : ٥٢، والسيوطى ١: ١٦، ولكن وقع فيه (ابن حميد)) بدل ((ابن جرير)).
(٤) الأثر ١٩١ - وهذا نقله ابن كثير أيضاً ١ : ٥٣.

١٧٩
تفسير فاتحة الكتاب
١٩٢- حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال
عبد الرحمن بن زيد فى قول الله ((صراط الذين أنعمت عليهم))، قال: النبيّ صلى
اللّه عليه وسلم ومن معه (١).
قال أبو جعفر: وفى هذه الآية دليلٌ واضح على أنّ طاعة الله جل ثناؤه،
لا ينالها المُطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم، وتوفيقه إياهم لها. أوّ لا يسمعونه يقول:
(( صراط الذين أنعمت عليهم))، فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداء وطاعة
وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم ؟
فإن قال قائل : وأين تمام هذ الخبر؟ وقد علمتَ أنّ قول القائل لآخر :
((أنعمت عليك)) مقتضٍ الخبرَ عمَّا أنعم به عليه، فأين ذلك الخبرُ فى قوله ((صراط
الذين أنعمت عليهم))؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم ؟
قيل له : قد قدمنا البيان - فيما مضى من كتابنا هذا - عن اجتزاء العرب
فى منطقها ببعضٍ من بعض، إذا كان البعضُ الظاهر دالاً على البعض الباطن
وكافياً منه. فقوله ((صراط الذين أنعمتَ عليهم)) من ذلك. لأن أمرَ الله جل
ثناؤه عبادَه بمسألته المعونةَ، وطلبهم منه الهداية الصراط المستقيم، لمّا كان متقدماً
قوله (( صراط الذين أنعمت عليهم))، الذى هو إبانةٌ عن الصراط المستقيم وإبدالٌ
منه - كان معلوماً أن النعمة التى أنعم الله بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم،
هو المنهاجُ القويمُ والصراطُ المستقيم، الذى قد قدّمنا البيان عن تأويله آنفاً. فكان
ظاهرُ ما ظهر من ذلك - مع قرب تجاور الكلمتين - مغنياً عن تكراره .
كما قال نابغة بنی ذبيان :
يُقَقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بَشَنّ(٢)
كأَنَّكَ مِنْ جِمالِ بَنِى أَقَيْشِ
(١) الأثر ١٩٢ - مضى هذا الإسناد: ١٨٥. وأما نص الأثر، فهو عند ابن كثير ١: ٥٣.
وقال بعد هذه الروايات: ((والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم وأشمل)). يعنى الخبر ١٨٨.
(٢) ديوانه: ٥٨، سيبويه ١: ٣٧٥، مجاز القرآن: ١٠١ الخزانة ٢: ٣١٤، وهذا
الشعر بقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري. بنو أقيش: هم بنو أقيش بن منقر بن عبيد . وقيل :

١٨٠
تفسير فاتحة الكتاب
يريد : كأنك من جمال أقيش ، جملٌ يُقعقع خلف رجليه بشنّ، فاكتفى
بما ظهر من ذكر ((الجمال)) الدال على المحذوف ، من إظهار ما حذف.
وكما قال الفرزدق بن غالب :
إِذا صَدِيئَّ الحديدُ عَلَى الَكُمَاةِ(١)
تَرَى أَرْبَاقَهُمْ مُنَقَدِدِيها
يريد: متقلديها هم، فحذف ((هم))، إذا كان الظاهرُ من قوله أرباقَهُم،
دالاً عليها. والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى .
فكذلك ذلك فى قوله ((صراط الذين أنعمت عليهم)).
القول فى تأويل قوله: (غَيْرِ المَنْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.
قال أبو جعفر: والقرّأةُ مجمعةٌ على قراءة ((غير)) بجر الراء منها(٢).
والخفضُ يأتيها من وجهين :
أحدهما: أن يكون ((غير)) صفة لـ ((الذين)) ونعتاً لهم فتخفضها. إذ كان ((الذين))
خفضاً، وهى لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكون ((غير)) نعتاً لـ ((الذين))،
و((الدين))، معرفة و((غير)) نكرة، لأن ((الذين)) بصلتها ليست بالمعرفة الموقتة كالأسماء
فخذ من أشجع . وقيل : حى من اليمن فى إبلهم نفار شديد. وقيل: هم حى من الجن يزعمون . وقعقع:
حرك شيئاً ياباً فتسمع له صوت . والشن: القربة البالية . يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع ،
كأنه حل شديد النفار ، إذا سمع صوت شن يقعقع به .
(١) ديوانه: ١٣١ والنقائض: ٧٧٣، ويأتى فى تفسير آية سورة الشعراء: ٤ (١٩: ٣٨
بولاق)، وهو هناك ((على الكتاب))، وهو خطأ. يهجو جريراً وقومه بنى كليب بن يربوع. الأرباق:
بجمع ربق، والربق جمع ربقة: وهو الحبل تشد به الغنم الصغار لثلا ترضع. وتقاد السيف: وضع نجاده
على منكبه. والكماة ، جمع كى: وهو البطل الشديد البأس. يصف بنى كايب بأنهم رعاء أخساء نجلاء ،
لا هم لهم إلا رعية الغم ، والأبذل فى الحرب يصلون حرها الأيام الطوال حتى يصدأ حديد الدروع على
أبدانهم من العرق .
(٢) فى المطبوعة ((والقراء مجمعة))، والقرأة: جمع قارئ. انظر ما مضى: ٥١ فى التعليق، و٦٤
تعليق : ٤ و: ١٠٩ تعليق : ١ .