النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ مقدمة التفسير ٨٤ - وحدثنى يحي بن إبراهيم المسعودى، قال : حدثنا أبى ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، قال : كان عبدُ اللّه يقرأ علينا السُّورة ، ثم يحدّثُنا فيها ويفسِّرها عامّة النهار (١). ٨٥ - حدثنى أبو السائب سلم بن جنادة(٢)، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : استعمل علىّ ابنَ عباسٍ على الحج، قال : فخطب الناس خطبة لو سمعها الترك والرُّوم لأسلموا، ثم قرأ عليهم سورة النور ، فجعل يفسرها . ٨٦ - وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى ، قال: حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبى وائل شقيق بن سلمة ، قال : قرأ ابنُ عباسٍ سورة البقرة ، فجعل يُفسِّرها، فقال رجل: لو سمعتْ هذا الديلمُ لأسلمتْ(٣). ٨٧ - وحدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو يمَان: عن أشعث بن إسحق، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: من قرأ القرآنَ ثم لم يُفُسِّرِه ، كان كالأعمى أو كالأعرابى (٤). (١) الحديث ٨٤ - شيخ الطبرى: هو يحيى بن إبراهيم بن محمد بن أبى عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. مترجم فى التهذيب. وجده ((محمد))، وجد أبيه ((أبو عبيدة)) واسمه ((عبد الملك بن معن)) - مترجمان فيه أيضاً. ولم نجد ترجمة لأبيه ((إبراهيم بن محمد)). (٢) فى المخطوط والمطبوع ((سالم))، وانظر ما سلف ص: ٨٧ رقم: ١ (٣) الخبران ٨٥ - ٨٦ - ذكرهما الحافظ ابن حجر فى الإصابة ٤: ٩٣ : فذكر أولها ((فى رواية أبى العباس السراج من طريق أبى معاوية عن الأعمش)). وذكر ثانيهما من رواية ((يعقوب ابن سفيان عن قبيصة عن سفيان)» ، وهو الثورى. (٤) الأثر ٨٧ - أشعث بن إسحق بن سعد بن مالك بن عامر القمى: ثقة ، وثقه ابن معين وغيره. وله ترجمة فى الكبير البخارى ١ / ١: ٤٢٨، وفى الجرح والتعديل لابن أبى حاتم ١ / ٢٦٩:١. وشيخه ((جعفر)): هو جعفر بن أبى المغيرة الخزاعى القمى. وأما الراوى عن أشعث، فقد ذكر هنا باسم ((أبويمان))، و((أبو اليمان)) هو الحكم بن نافع، وهو من هذه الطبقة، ولكن لم يذكر أنه يروى عن (أشعث)). والراجح عندنا أن صوابه ((حدثنا ابن يمان)). وابن يمان: هو يحيى بن يمان العجل الكوفى، وقد ذكر فى الرواة عن أشعث، وترجمه البخارى فى الكبير ٤ / ٢: ٣١٣ وقال: ((سمع سفيان الثورى وأشعث القمى )) . (٦) ٨٢ مقدمة التفسير ٨٨ - وحدثنا أبو كُريب، قال: ذكر أبو بكر بن عياش: الأعمش ، قال : قال أبو وائل: وَلَى ابنُ عباس الموسمَ ؛ فخطبهم ، فقرأ على المنبرُسُورة النور، والله لو سمعها الترك لأسلموا. فقيل له: حدّثنا به عن عاصم؟ فسكت(١). ٨٩ - وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ الأعمش، عن شقيق ، قال : شهدت ابن عباس وَوَلىَ الموسم ، فقرأ سورة النور على المنبر ، وفسرها ، لو سمعت الروم لأسلمت(٢) !. قال أبو جعفر: وفى حَثِّ اللّه عز وجلّ عباده على الاعتبار بما فى آى القرآن من المواعظ والبينات(٣) - بقوله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاءُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَبُّوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَ كَّرَ أُولو الأَلْبَابِ ﴾ [سورة ص: ٢٩] وقوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَاَ لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَّثَلِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَ كَّرُونَ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتْقُونَ ﴾ [ سورة الزمر: ٢٧، ٢٨] وما أشبه ذلك من آى القرآن، التى أمر الله عبادَه وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آى القرآن، والاتِّعاظ بمواعظه ــ ما يدلّ على أنَّ عليهم معرفةَ تأويل ما لم يُحجب عنهم تأويله من آيه . لأنه محالٌ أن يُقال لمن لايفهمُ ما يُقال له ولا يعقِلِ تأويلَه: ((اعتبرْ بما لافَهْم لك به ولا معرفةَ من القبيل والبيان والكلام)) - إلاّ على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبَّره ويعتبرَ به . فأما قبلَ ذلك، فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وهو بمعناه جاهل . كما محالٌ أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلام العرب ولا يفهمونه، (١) الخبر ٨٨ - يريد: أن أبا بكر بن عياش قال: ((الأعمش))، ولم يقل: ((حدثنا الأعش)) ولم يذكر من الذى حدثه عنه. ففهم السامعون أنه دلس شيخه الذى رواه عنه عن الأعمش ، وظنوا أنه عاصم بن أبى النجود ، فقالوا له (( حدثنا به عن عاصم))، فأبى وسكت . فلعله سمعه من شيخ آخر ضعيف . (٢) الخبر ٨٩ - ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودى. (٣) فى المطبوعة ((المواعظ والتبيان)). ٨٣ مقدمة التفسير لو أنشد قصيدة شعرٍ من أشعار بعض العرب ذات أمثال ومواعظ وحكم: ((اعتبر بما فيها من الأمثال، وادّكر بما فيها من المواعظ)» - إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلام. العرب ومعرفته، ثم الاعتبار بما نبهها علیه ما فيها من الحكم (١). فأما وهى جاهلة بمعانى ما فيها من الكلام والمنطق، فمحالٌ أمرُها بما دلّت عليه معانى ما حوته من الأمثال والعِبَر. بل سواء أمرُها بذلك وأمرُ بعض البهائم به، إلا بعدَ العلم بمعانى المنطق والبیان الذی فیها . فكذلك ما فى آى كتاب اللّه من العبر والحكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: ((اعتبرْ بها)» إلا لمن كان بمعانى بيانه عالماً، وبكلام العرب عارفاً؛ وإلا بمعنى الأمر - لمن كان بذلك منهُ جاهلاً - أنْ يعلم معانى كلام العرب، ثم يتدبَّه بعدُ، ويتعظ بحكمه وصُنُوف عِبرّه. فإذا كان ذلك كذلك ۔ وکان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبره وحثهم على الاعتبار بأمثاله - كان معلوماً أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدُلُّ عليه آيُه جاهلاً. ٢٩/١ وإذْ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهُمْ بما يدلهم عليه عالمون، صحَّ أنهم - بتأويل ما لم يُحجتَبْ عنهم علمه من آيه الذى استأثر اللّه بعلمه منه دون خلقه ، الذى قد قدّمنا صفته آنفاً - عارفون. وإذْ صَحَّ ذلك فسَدَ قول من أنكر تفسير المفسرين - من كتاب الله وتنزيلِه - ما لم يحجب عن خَلقه تأويله . (١) فى الخطوط والمطبوع: ((نبهه عليه))، وهو لا يستقيم لاضطراب الضمائر. وقد أعاد الطبرى ضمائر هذه الجملة مرة على ((بعض)) من قوله ((بعض أصناف الأمم)) فذكر وأفرد. وذلك قوله ((أنشد ... واعتبر ... واذكر)). ثم أعاد الضمير فى سائر الجمل على ((أصناف الأم ... )) فأنث وجمع، وذلك قوله ((نيهها ... وهى جاهلة ... فحال أمرها ... )). (ذكر الأخبار) (التى غِلِطَ فى تأويلها منكرو القول فى تأويل القرآن) فإن قال لنا قائل: فما أنت قائلٌ فيما :- ٩٠ - جدئكم به العباس بن عبد العظيم ، قال : حدثنا محمد بن خالد ابن عَثْمة ، قال : حدثنى جعفربن محمد الزبيرى، قال: حدثنى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما كان النبى صلى الله عليه وسلم يُفسُر شيئاً مِنَ القرآن إلا آياً بعددٍ، علَّمهنّ إياه جبريلُ. ٩١ - حدثنا أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسى، قال: أخبرنا مَعْن ، عن جعفر بن خالد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يفسر شيئاً من القرآن، إلا آياً بعددٍ ، علمهنّ إياه جبريل عليه السلام(١) . (١) الحديث ٩٠، ٩١ - هو بإسنادين، ونقلهما ابن كثير فى التفسير ١ : ١٤ - ١٥ عن الطبرى، وقال: ((حديث منكر غريب . وجعفر هذا: هو ابن محمد بن خالد بن الزبير العوام القرشى الزبيرى ، قال البخارى: لا يتابع فى حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدى: منكر الحديث )). وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ٦: ٣٠٣، وقال: ((رواه أبو يعلى، والبزار بنحوه. وفيه راو لم يتحرر اسمه عند واحد منهما ، وبقية رجاله رجال الصحيح . أما البزار فقال : عن حفص أظنه ابن عبد اللّه عن هشام بن عروة. وقال أبو يعلى: عن فلان بن محمد بن خالد عن هشام)). أما ما ذكر عن البزار ، فإنه لم يقع له الراوى بنسبه، ووقع له باسم ((حفص)) فظته ((ابن عبد الله))، ولعله تصحف عليه فى نسخته عن ((جعفر)) أو تصحف من الناسخين، فظنه ((جعفر بن عبد الله بن زيد بن أسلم)). و ((جعفر ابن عبد الله)) هذا: مترجم فى التهذيب، وذكر أنه وقع اسمه فى بعض فسخ مسند مالك النسائى ((حفص ابن عبد الله)). وأيا ما كان فقد بان خطأ البزار فى ظنه، وأن الراوى هو «جعفر بن محمد بن خالد الزبيرى » . و ((جعفر الزبيرى))، راوى هذا الحديث: ذكر فى الإسناد الثانى منسوباً إلى جده ، وهو جعفر ابن محمد بن خالد، كما بينه ابن كثير، وكما ترجمه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ١/ ١ : ٤٨٧ - ٤٨٨، وابن حجر فى لسان الميزان ٢: ١٢٤. وترجمه البخارى فى الكبير ١ / ٢: ١٨٩ ٨٤ ٨٥ مقدمة التفسير ٩٢ - وحدثنا أحمد بن عبدة الضبى، قال : حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر ، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة ، وإنهم ليغلظون القول فى التفسير (١)، منهم: سالم بن عبد اللّه، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيَّب، ونافع . ٩٣ - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا بشر بن عمر ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد ، قال : سمعت رجلا يسأل سعيد بن المسيب عن آيةٍ من القرآن ، فقال : لا أقول فى القرآن شيئاً . ٩٤ - حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرنى مالك، عن يحي بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : أنه كان إذا سُئل عن تفسير آية من القرآن ، قال : أنا لا أقول فى القرآن شيئاً . منسوباً لجده، ثم قال: ((قال لى خالد بن مخلد : حدثنا جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام ... وقال معن: عن جعفر بن خالد)) . والراجح عندى أنه ((جعفر بن محمد بن خالد))، لما ذكرنا، ولأن ابن سعد ترجم لجده (« خالد ابن الزبير)» ٥: ١٣٧، وذكر أولاده، وفيهم ((محمد الأكبر)) و(«محمد الأصغر))، ولم يذكر أن له ولداً اسمه ((جعفر)). وسيأتى أن يعل الطبرى نفسه هذين الإسنادين بأن جعفراً راويهما ((ممن لا يعرف فى أهل الآثار)). ص: ٨٩ وقد نقل ابن كثير أن البخارى قال فيه: ((لا يتابع فى حديثه))، وكذلك نقل الذهبى عنه فى الميزان، وتبعه ابن حجر فى لسان الميزان. ولكن البخارى ترجم له فى التاريخ الكبير، فلم يقل شيئاً من هذا ولم يذكر فيه جرحاً، وكذلك ابن أبى حاتم لم يذكر فيه جرحاً، ولم يذكره البخارى ولا النسائى فى الضعفاء . ونقل ابن حجر أن ابن حبان ذكره فى الثقات. وأن يذكره البخارى فى التاريخ دون جرح أمارة توثيقه عنده . وهذان كافيان فى الاحتجاج بروايته . ولئن لم يعرفه الطبرى فى أهل الآثار لقد عرفه غيره . وفى الإسناد الأول من هذين («محمد بن خالد ابن عثمة))، وقد ترجمه البخارى فى الكبير ١/١: ٧٣ - ٧٤، وقال: ((محمد بن خالد، ويقال: ابن عثمة، وعثمة أمه))، ونحو ذلك فى الجرح والتعديل ٣ /٢٤٣:٢، فينبغى أن ترسم ((ابن)) بالألف، وهى مرفوعة تبعاً لرفع ((محمد)) وأمه ((عثمة)» بفتح العين المهملة وسكون الثاء المثلثة . ومحمد بن خالد هذا : ثقة . وقوله فى الروايتين ((إلا آياً بعدد)) غيره مصححو المطبوعة ((آيا تعد)). وفعلوا ذلك فى حيث كرر لفظ الحديث بعد . (١) فى المطبوعة: ((ليعظمون القول))، وهما سواء. ٨٦ مقدمة التفسير ٩٥ - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت الليث يحدث ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيِّب : أنه كان لا يتكلم إلا فى المعلوم من القرآن (١). ٩٦ - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام، قال : حدثنا سفيان ، عن هشام، عن ابن سيرين ، قال : سألت عَبيدة السلمانى عن آية ، قال : عليك بالسَّداد ، فقد ذهب الذين علموا فيمَ أنزل القرآن . ٩٧ - حدثنى يعقوب ، قال : حدثنا ابن 'علية ، عن أيوب وابن عون، عن محمد ، قال : سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال : ذهبَ الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن، اتّق الله وعليك بالسَّداد. ٩٨ -حدثنی يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبى مُليكة: أنّ ابن عباس سُئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها ، فأبى أن يقول فيها . ٩٩ - حدثنى يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، عن مهدى بن ميمون ، عن الوليد بن مسلم ، قال: جاء طَلْق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله، فسأله عن آية من القرآن ، فقال له: أحَرِّج عليك إن كنت مُسلماً ، لمّا قمت عنى - أو قال : أن تجالسنى . ١٠٠ - حدثنى عباس بن الوليد، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنا عبد الله ابن شَوْذَب، قال : حدثنى يزيد بن أبى يزيد، قال : كنا نسأل سعيد بن المسيَّب عن الحلال والحرام ، وكان أعلم الناس ، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سَكَتَ كآن لم يسمع. ١٠١ - وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال : أخبرنا شعبة ، عن عمرو بن ◌ُمُرة، قال: سأل رجلٌ سعيد بن المسيب عن آية من القرآن، (١) فى المخطوطة: ((إلا فى المعلوم من التفسير))، والمعنى قريب. ٨٧ مقدمة التفسير فقال : لا تسألنى عن القرآن ، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه- يعنى عكرمة . ١٠٢ - وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة ، عن عبد الله بن أبى السَّفَر، قال: قال الشعبى: واللّه مَا مِن آية إلا قد سألتُ عنها، ولكنها الروايةُ عن الله (١) . ١٠٣ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية ، عن صالح - يعنى ابن مسلم - قال: حدثنى رجل، عن الشعبى، قال: ثلاثٌ لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن ، والروح ، والرأى (٢). وما أشبه ذلك من الأخبار ؟ (٣) ٣٠/١ قيل له: أما الخبر الذى روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يفسّر من القرآن شيئاً إلا آياً بعدد ، فإن ذلك مصحُّح ما قلنا من القول فى الباب الماضى قَبْل، وهو: أنّ من تأويل القرآن ما لا يدرك علمُه إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم . وذلك تفصيل حمَلِ ما فى آيه من أمر الله ونهيه(٤) ، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه ، وسائر معانى شرائع دينه ، الذى هو مجمَلٌ فى ظاهر التنزيل ، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة - لا يدرك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أشبه ذلك مما تحويه آىُ القرآن، من سائر حُكْمه الذى جعل الله بيانه لخلقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يعلم أحدٌ من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرّسول صلى الله عليه وسلم، ولا يعلمه رسول اللّه (١) الأخبار السالفة جميعاً نقلها ابن كثير عن الطبرى فى تفسيره ١: ١٣ - ١٤. (٢) الأثر ١٠٣ - صالح بن مسلم: هو البكرى، وهو ثقة من الطبقة العليا، كما قال يحيى بن سعيد القطان، فيما نقل ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٢ / ١: ٤١٣. وترجمه البخارى فى الكبير أيضاً ٢ / ٢: ٢٩١. وهو من الرواة عن الشعبى، ولكنه روى عنه هنا بالواسطة. وستأتى رواية له عن الشعبى رقم ١١٤ . (٣) هذا آخر السؤال الذى بدأ منذ ص: ٨٤. (٤) فى المطبوعة ((وذلك يفصل)). والإشارة فى قوله ((وذلك)) إلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ٨٨ مقدمة التفسير صلى الله عليه وسلم إلا بتعليم اللّه إيَّه ذلك بوحيه إليه، إما مع جبريل، أو مع من شاء من رُسله إليه . فذلك هو الآىُ التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسّرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه ، وهنّ لاشك آىٌّ ذوات عددٍ . ومن آى القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثر بعلم تأويله ، فلم يُطلعْ على علمه مَلَكاً مقرّباً ولا نبيًّاً مرسلا ، ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده ، وأنه لا يعلم تأويله إلا اللّه. فأما ما لا بُدَّ للعباد من علم تأويله، فقد بين لهم نبيهم صلى اللّه عليه وسلم ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل ، وذلك هو المعنى الذى أمره الله ببیانه لهم فقال له جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّ كْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلُهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [ سورة النحل: ٤٤]. ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا يفسِّر من القرآن شيئاً إلا آياً بعددٍ - هو ما يسبقُ إليه أوهامُ أهل الغباء، من أنه لم يكن يفسّر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه، كان إنما أنزلَ إليه صلى اللّه عليه وسلم الذكرُ ليترك الناس بيانَ ما أنزل إليهم ، لا ليبين لهم ما أنزل إليهم. وفى أمر الله جل ثناؤه نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم ببلاغ ما أنزل إليه ، وإعلامه إياه أنه إنما نزَّل إليه ما أنزل ليبين للناس ما ◌ُزِّل إليهم، وقيامِ الحجة على أنّ النّبِىّ صلى الله عليه وسلم قدبلغ وأدّى ما أمره الله ببلاغه وأدائِه على ما أمره به، وصحة الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله(١): كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهُن حتى يعلم معانيهنّ والعملَ بهنّ - (٢) ما ينبئ عن جهل من ظنَّ أو توهَّم أنّ معنى الخبر الذى ذكرنا عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه لم يكن (١) فى المطبوعة ((قد بلغ فأدى ... )) و((لقيله)). (٢) سياق عبارته من أول هذه الفقرة هو: ((وفى أمر الله جل ثناؤه ... وفى قيام الحجة ... ، وفى صحة الخبر ... ما ينىء ... » ٨٩ مقدمة التفسير يفسر من القرآن شيئاً إلا آياً بعدد ، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه . هذا مع ما فى الخبر الذى رُوى عن عائشة من العلَّة التى فى إسناده، التى لا يجوز معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممن علم صحيحَ سند الآثار وفاسدها فى الدين . لأنّ راويه ممن لا يُعْف فى أهل الآثار، وهو: جعفر بن محمد الزبيرى. وأما الأخبار التى ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين ، بإحجامه عن التأويل ، فإنّ فِعلَ من فعل ذلك منهم ، كفعل من أحجم منهم عن الفُتْيا فى النَّوازل والحوادث، مع إقراره بأنّ الله جل ثناؤه لم يقبض نبيه إليه، إلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن للّه فى كل نازلة وحادثة حكماً موجوداً بنصّ أو دلالة. فلم یکن إحجامُه عن القول فى ذلك إحجام جاحدٍ أن یکون لله فيه حكم ·وجود بين أظهرٍ عباده، ولكن إحجامَ خائفٍ أن لا يبلغَ فى اجتهاده ما كلَّف اللّه العلماء من عباده فيه . فكذلك معنى إحجام من أحجم عن القيل فى تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السلف ، إنما کان إحجامه عنه حذاراً أن لا يبلغ أداءَ ما کلِّف من إصابة صواب القول فيه ، لا على أن تأويل ذلك محجوبٌ عن علماء الأمة ، غير موجود بين أظهرهم . ﴿ذكر الأخبار) ٣١/١ (عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودًا علمه بالتفسير﴾ ﴿ومن كان منهم مذموماً علمه به) ١٠٤ - حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا سفيان ، عن سليمان، عن مسلم ، قال : قال عبد الله: نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس. ١٠٥ - حدثنى يحيى بن داود الواسطى، قال: حدثنا إسمق الأزرق ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبى الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس . ١٠٦ -وحدثی محمد بن بشار، قال : حدثنا جعفر پن عون، قال : حدثنا الأعمش ، عن أبى الضحى ، عن مسروق عن عبد الله، بنحوه . ١٠٧ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طلق بن غنام ، عن عثمان المكى، عن ابن أبى مُليكة قال : رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ، ومعه ألواحُه، فيقول له ابن عباس: ((اكتب))، قال: حتى سأله عن التفسير كلِّه(١). ١٠٨ - حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا المحاربى ، ويونس بن بكير قالا : حدثنا محمد بن إسحق ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، قال : عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عَرْضات، من فاتحته إلى خاتمته ، أوقفه عند كل آية منه وأسألُه عنها . (١) الخبر ١٠٧ - فى المطبوعة: ((ومع الواحد)) وهو تصحيف. وقد نقله ابن كثير فى التفسير ١ : ١٠. ٩٠ ٩١ مقدمة التفسير ١٠٩ - وحدثنى عبيد الله بن يوسف الجُبَيْرىّ، عن أبى بكر الحنفى ، قال: سمعت سفيان الثورى يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبُكَ به . ١١٠ - وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سليمان أبو داود ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن مَيْسَرة ، قال: لم يلق الضحّاكُ ابنَ عباس، وإنما لقى سعيد ابن جبير بالرّى ، وأخذ عنه التفسير . ١١١ - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، عن شعبة ، عن مُشَاش ، قال : قلت للضحاك : سمعتَ من ابن عباس شيئاً ؟ قال : لا . ١١٢٠ - حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال حدثنا زكريا ، قال: كان الشعبى يمرّ بأبى صالح باذان، فيأخُذ بأذنه فيعرُكُها ويقول: تُفسِّر القرآنَ وأنتَ لا تقرأ القرآن !(١) ١١٣ - حدثنى عبد الله بن أحمد بن شَبُّويه، قال: حدثنا على بن الحسين ابن واقد ، قال : حدثنى أبى، قال : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنى سعيد بن ◌ُجُبير، عن ابن عباس: ﴿وَاللهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ ﴾ [ سورة غافر: ٢٠] قال: قادر على أن يجزىَّ بالحسنة الحسنة(٢)، وبالسيئة السيئة ﴿إنّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [سورة غافر: ٢٠]، قال الحسين: فقلت الأعمش: حدَّثَنى به الكلى، إلا أنه قال: إنّ اللّه قادرٌ أن يجزىَ بالسيئة السيئة وبالحسنة عَشْراً، فقال الأعمش: لو أن الذى عند الكلبى عندى ما خرج منى إلا بخفير (٣). (١) الأثر ١١٢ - أبو صالح باذان، ويقال ((باذام)): هو مولى أم هانىء بنت أبى طالب، وهو تابعى ثقة ، ومن تكلم فيه فإنما تكلم لكثرة كلامه فى التفسير ، وفى رواية الكلبى عنه. انظر شرح المسند فى الحديث ٢٠٣٠، وهذا الخبر الذى هنا نقله ابن حجرفى التهذيب فى ترجمته ١ : ٤١٧ عن زكريا، وهو ابن أبى زائدة . وعرك الأديم والأذن : أخذهما بين يديه أو إصبعيه ودلكهما دلكاً شديداً . (٢) فى المخطوطة: ((قادر على أن لا يجزى)) وهو خطأ. (٣) الخبر ١١٣ - يأتى هذا الخبر فى تفسير سورة غافر: ٢٠. ونصه هناك: ((ما خرج. منى إلا بحقير))، والذى كان هنا فى المطبوعة ((ما خرج منى بحقير))، والصواب ما أثبتناه. و((الخفير»: ٩٢ مقدمة التفسير ١١٤ - حدثنى سلمان عبد الجبار، قال: حدثنا على بن حكيم الأودىّ ، قال: حدثنا عبد الله بن بُكتير، عن صالح بن مسلم ، قال : مرّ الشعبى على السُّدِّى وهو يفسر، فقال : لأن يُضرب على استِك بالطبل، خيرٌ لك من مجلسك هذا(١) ١١٥ - حدثنى سليمان بن عبد الجبار ، قال : حدثنى على بن حكيم ، قال: حدثنا شَريك ، عن مسلم بن عبد الرحمن النخعى، قال: كنت مع إبراهيم، فرأى السُّدِّى ، فقال: أما إنه يُفُسِّر تفسير القوم. ١١٦ - حدثنا ابن البرقى، قال: حدثنا عمرو بن أبى سلمة ، قال: سمعتُ سعيد بن بَشِير، يقول عن قتادة ، قال : ما أرى أحداً يجرى مع الكلبىّ فى التفسير فى عنان . قال أبو جعفر : قد قلنا فيما مضى من كتابنا هذا فى وجوه تأويل القرآن ، وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة : أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه ، وهو الذى استأثر اللّه بعلمه ، وحجب علمه عن جميع خلقه ، وهو أوقاتُ ما كانَ من آجال الأمور الحادثة ، التى أخبر الله فى كتابه أنها كائنة ، مثل : وقت قيام الساعة ، ووقت نزول عيسى بن مريم ، ووقتٍ طلوع الشمس من مغربها ، والنفخ فى الصور ، وما أشبه ذلك . والوجه الثانى: ما خصَّ اللّه بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته ، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجةُ ، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله . والثالث منها : ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذى نزل به القرآن ، وذلك مجير القوم الذى يكونون فى ضمانه ما داموا فى بلاده. وراوى هذا الخبر - على بن الحسين بن واقد: ضعفه أبو حاتم، وقال البخارى: ((كنت أمر عليه طرف النهار، ولم أكتب عنه)). وأبوه حسين بن واقد: ثقة . (١) الأثر ١١٤ - صالح بن مسلم: مضت ترجمته فى الحديث ١٠٣. ٩٣ مقدمة التفسير ٢٢/١ علم تأويل عربيته وإعرابه ، لا يُوصَل إلى علم ذلك إلا من قبلهم. فإذا كان ذلك كذلك، فأحقُّ المفسرين بإصابة الحق - فى تأويلِ القرآنِ الذى إلى علم تأويله العباد السبيلُ - أوضحُهم حُجة فيما تأوَّل وخسَّر ، ما کان تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته(١) من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه: إمَّا من جهة النقل المستفيض، فيما وُجد فيه من ذلك عنه النقلُ المستفيض، وإمَّاً من جهة نقل العدول الأثبات ، فيما لم يكن فيه عنه النَّقْلُ المستفيض، أو من جهة (٢) الدلالة المنصوبة على صمته؛ وأُممُّهم برهاناً (٣) - فيما ترجَم وبين من ذلك -ممّا كان مُدركاً علمُهُ من جهة اللسان: (٤) إمّا بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإمّا من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائناً من كان ذلك المتأوَّل والمفسِّر، بعد أن لا يكون خارجاً تأويلُه وتفسيره ماتأول وفسر من ذلك ، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة ، والخلف من التابعين وعلماء الأمة . (١) سياق عبارته ((أوضحهم حجه ... من أخبار رسول الله ... )) وما بينهما فصل. (٢) كل ما جاء فى هذه العبارة من قوله ((جهة))، فكانه فى المطبوعة ((وجه)). (٣) فى المطبوعة: ((وأوضحهم برهانا))، وليست بشىء. وقوله: ((وأصحهم برهاناً» معطوف على قوله آنفاً ((أوضحهم حجة)). (٤) ترجم: فسر وبين، كما مضى آنفاً فى ص : ٧٠ رقم : ١. ـة (القول فى تأويل أسماء القرآن وسُوَرِه وَآيِهِ﴾ قال أبو جعفر: إنّ اللّه تعالى ذكرهُ سمّى تنزيله الذى أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم أسماء أربعة : منهن: ((القرآن))، فقال فى تسميته إياه بذلك فى تنزيله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ هُذَا الْقُرْآنَ وإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة يوسف: ٣]، وقال: ﴿إِنَّ هُذَا القُرآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَ كْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهٍ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة النمل: ٧٦]. ومنهنّ: ((الفرقان))، قال جل ثناؤه فى وحيه إلى نبيه صلى اللّه عليه وسلم يُسمَّبُه بذلك: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلِمَلَمِينَ نَّذِيرًا﴾ [ سورة الفرقان: ١]. ومنهن: ((الكتاب)): قال تباركَ اسمهُ فى تسميته إياه به: ﴿الحَمْدُ لِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَبَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيَّ﴾ [سورة الكهف: ١]. ومنهنَ: ((الذكر))، قال تعالى ذكره فى تسميته إياه به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الَّذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: ٩]. ولكلّ اسم من أسمائه الأربعة فى كلام العرب، معنى ووجهً غيرُ معنى الآخر ووجهه . ٠٠ ٠ فأما ((القرآن))، فإن المفسرين اختلفوا فى تأويله. والواجبُ أن يكون تأويله على قول ابن عباس : من التلاوة والقراءة ، وأن يكون مصدراً من قول القائل : ٩٤ ٩٥ مقدمة التفسير قرأت، كقولك ((الخُسران)) من (( خسرت»، و(«الغُفْران)) من ( غفر الله لك))، و((الكُفران)) من كفرتُك)). ((والفرقان)) من ((فَرَق اللّه بين الحق والباطل)). ١١٧ - وذلك أنّ یحی بن عثمان بن صالح السهمی حدثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس فى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَ أْنَهُ)، يقول: بيَّنَاه. ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [ سورة القيامة: ١٨] يقول: اعمل به (١). ومعنى قول ابن عباس هذا: فإذا بيَّنَاه بالقراءة، فاعمل بما بيناه لك بالقراءة . ومما يوضح صحة ما قلنا فى تأويل حديث ابن عباس هذا ، ما :- ١١٨ - حدثی به محمد بن سعد ، قال : حدثی أبى ، قال . حدثنی عمى، قال : حدثنى أبى، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عباس: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْ آنَهُ﴾ [ سورة القيامة ١٧] قال: أن نُقرئك فلا تنسى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾ عليك ﴿فَتَّيِعْ قُرْآنُهُ﴾ يقول: إذا تُلى عليك فاتَّبَعْ ما فيه(٢). قال أبو جعفر: فقد صرَّح هذا الخبرُ عن ابن عباس: أنّ معنى ((القرآن)) عنده القراءة ، فإنه مصدر من قول القائل: قرأتُ، على ما بيَّنَاه . وأما على قول قتادة ، فإن الواجب أن يكون مصدراً ، من قول القائل: قرأتُ الشىء، إذا جمعتَهُ وضممتَ بعضه إلى بعض، كقولك: ((ما قرأتْ هذه الناقةُ سَلّى قطُّ﴾(٣)، تريد بذلك أنها لم تضمُْ رحماً على ولد، كما قال عمرو بن كلثوم التغلبیّ : (١) الأثر ١١٧ - سيأتى فى تفسير سورة القيامة: ١٧ - ١٨، وفى إسناده هناك خطأ، ذلك أنه قال: ((حدثنا على قال حدثنا أبو صالح ... )) وصوابه: ((حدثنا يحي قال حدثنا أبو صالح)). وأبو صالح هو: عبد الله بن صالح المبين فى إسنادنا هذا . (٢) الأثر ١١٨ - سيأتى أيضاً فى تفسير هذه الآية من سورة القيامة. (٣) السلى. الجملدة الرقيقة التى يكون الولد فى بطن أمه ملفوفاً فيها، وهو فى الدواب والإبل: السل ، وفى الناس: المشيمة ٩٦ مقدمة التفسير تُرِيِكَ - إِذَا دَخَلْتَ على خَلَاءِ، وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونَ الكَاشِحِينا(١) حِجَنِ الَّوْن، لمَ تَقْرَأْ جَنِينا(٣) ذِرَاعَىْ عَيْطَلٍ ، أدماء، بِكْرٍ ، يعنى بقوله: ((لم تقرأ جنيناً))، لم تضمُْ رحماً على ولد. ٣٣/١ ١١٩ - وذلك أن بشر بن معاذ العقدىّ حدثنا قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْحْ قال: حدثنا سعيد بن أبى عَرُوبة ، عن قتادةَ فى قوله تعالى : ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، يقول: حفظه وتأليفه، ﴿فَإذا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ اتّبع حلاله ، واجتنب حرامه . ١٢٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانى، قال: حدثنا محمد بنثور، قال : حدثنا معمر ، عن قتادة بمثله .(٣) فرأى قتادة أن تأويلَ ((القرآن)): التأليفُ. قال أبو جعفر : ولكلا القولين - أعنى قولَ ابن عباس وقول قتادة - اللذين حكيناهما، وجهٌ صحيح فى كلام العرب. غيرَ أنّ أولى قولَيْهما بتأويل قول اللّه تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَاَ جَمْعَهُ وَقُرْ آنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، قول ابن عباس. لأن الله جل ثناؤه أمر نبيه فى غير آية من تنزيله باتباع ما أوحى إليه ، ولم يرخِّص له فى ترك اتباع شىء من أمره إلى وقت تأليفِه القرآنَ له . فكذلك قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) ، نظير سائر ما فى آى القرآن التى أمره الله فيها باتباع ما أوحى إليه فی تنزيله . (١) من معلقته المشهورة. والضمير فى قوله: ((تريك)) إلى أم عمرو صاحبته. والكاشح: العدو المضمر العداوة، المعرض عنك بكشحه. وقوله: ((على خلاء)»، أى على غرة وهى خالية متبذلة. (٢) العيطل: الناقة الطويلة العنق فى حسن منظر وممن. والأدماء: البيضاء مع سواد المقلتين، وخير الإبل الأدم، والعرب تقول: ((قريش الإبل أدمها وصيبها))، يعنون أنها فى الإبل كقريش فى الناس فضلا. ووصفها بأنها بكر، لأن ذلك أحسن لها، وهى فى عهدها ذلك ألين وأسمن . وهجاز اللون: بيضاء كريمة. وسيأتى هذا البيت الثانى فى تفسير الطبرى ٢٩: ١١٨ (( بولاق)». (٣) الأثر ١١٩، ١٢٠ - سيأتى بإسناديه فى تفسير سورة القيامة. ٩٧ مقدمة التفسير ولو وَجب أنْ يكون معنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَ أْنَهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَ نَهُ﴾، فإذا ألَّفْناه فاتبع ما ألَّنا لك فيه - لوجب أن لا يكون كان لزِمه فرضُ ﴿اقْرَأْ بِأَنْهِ رَبُّكَ الَّذِى خَلَقَ) ولا فرضُ ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة المدثر: ١، ٢] قبل أن يؤلّف إلى ذلك غيرُه من القرآن. وذلك، إنْ قاله قائل ، خروجٌ من قول أهل المِلَّة . وإذ صَحِّ أن حكم كلّ آية من آى القرآن كان لازماً النبيَّ صلى الله عليه وسلم اتباعُهُ والعملُ به ، مؤلّقة كانت إلى غيرها أو غيرَ مؤلّة - صحّ ما قال ابن عباس فى تأويل قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَتَّيِعْ قُرْآنَهُ)، أنه يعنى به: فإذا بيِّنَاه لك بقراءتنا، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا - دون قول من قال: معناه، فإذا ألَّفَناه فاتَّبع ما ألفناه . وقد قيل إن قول الشاعر : يُقَطِعِ اللّيلَ تَشْبِيحاً وَقُرْآنَ (١) ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ يعنى به قائله : تسبيحاً وقراءةٌ . فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يسمى ((قرآناً)) بمعنى القراءة، وإنما هو مقروء ؟ قيل: كما جاز أن يسمى المكتوب ((كتابً))، بمعنى: كتاب الكاتب ، كما قال الشاعر فى صفة كتاب طلاقٍ كتبه لامرأته : تُؤَمِّل رَجْعَةً مِى، وفيها كتابٌ مثلَ مَا لَصِقِ الغِرَاءِ(٢) (١) البيت لحسان بن ثابت، ديوانه: ٤١٠، وضحى: ذبح شاته ضحى النحر، وهى الأضحية . واستعاره حسان لمقتل عثمان فى ذى الحجة سنة ٣٥، رضى الله عنهما. والعنوان: الأثر الذى يظهر فتستدل به على الشىء . (٢) لم أجد هذا البيت فى شىء من المراجع التى بين يدى. وتنصب ((مثل)» على أنه بيان لحال المفعول المطلق المحذوف، وتقديره: ((كتاب لاصق لصوقاً مثل ما لصق الغراء)) ١٤٠ (٧) ٩٨ مقدمة التفسير يريد: طلاقاً مكتوباً ، فجعل (( المكتوب » كتاباً وأما تأويل اسمه الذى هو ((فُرْقان))، فإن تفسيرَ أهل التفسير جاء فى ذلك بألفاظ مختلفة ، هى فى المعانى مؤتلفة . ١٢١ - فقال عكرمة، فما حدثنا به ابن ◌ُميد، قال: حدثنا حَكَّام بن سَلْم، عن عَنْبسة ، عن جابر، عن عكرمة : أنه كان يقول : هو النَّجاة. وكذلك كان السُّدِّىّ يتأوَّلهُ. ١٢٢ - حدثنا بذلك محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المُفَضَّل، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدِّى - وهو قول جماعة غيرهما . وكان ابن عباس يقول: ((الفرقان )). المخرجُ ١٢٣ - حدثنى بذلك يحيى بن عثمان بن صالح، قال . حدثنا عبدالله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس . وكذلك كان مجاهد يقول فى تأويله بذلك . ١٢٤ -حدثنا بذلك ابن حُميد، قال: حدثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن جابر ، عن مجاهد(١) وكان مجاهد يقول فى قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ الفَرْقَنِ﴾ [ سورة الأنفال: ٤١] يومٌ فَرَقَ اللّه فيه بين الحق والباطل ١٢٥ - حدثنى بذلك محمد بن عمرو الباهلى، قال حدثنى أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد(٢). وكلّ هذه التأويلات فى معنى ((الفرقان)) - على اختلاف ألفاظها - متقاربات المعانى . وذلك أنّ من جُعِل له مخرجٌ من أمر كان فيه، فقد جُعل (١) الآثار السالفة كلها مروية فى تفسير آية الأنفال ٢٩ (٢) الأثر ١٢٥ - يأتى فى تفسير آية الأنفال ٤١٠ ٩٩ مقدمة التفسير له ذلك المخرجُ منه نجاةً. وكذلك إذا نُجِى منه، فقد نُصِر على من بَغَاه فيه سُوءًا، وفُرِقٍ بينه وبين باغيه السُّوءَ . فجميع ما روينا - عمن روينا عنه - فى معنى ((الفرقان))، قولٌ صحيح المعانى، لاتفاق معانى ألفاظهم فى ذلك . ٣٤/١ وأصلُ ((الفُرْقان)) عندنا: الفرقُ بين الشيئين والفصل بينهما. وقد يكون ذلك بقضاء، واستنقاذٍ، وإظهار حُجَّة، ونَصْرٍ (١)، وغير ذلك من المعانى المفرَّقة بين المحقّ والمبطل. فقد تبين بذلك أنّ القرآن ◌ُسمّى ((فرقاناً))، لفصله - بحججه وأدلَّته وحدود فرائضه وسائر معانى حكمه - بين المحق والمبطل. وفرقانُه بينهما: بنصره المحقّ، وتخذيله المبطل، حُكماً وقضاء". ٠٠٠ وأما تأ ويل اسمه الذى هو ((كتابٌ)): فهو مصدر من قولك (( كتبت كتاباً )) كما تقولُ: قمت قياماً، وحسبت الشىء حساباً . والكتابُ: هو خطُّ الكاتب حروف المعجم مجموعةً ومفترقة. وُسمى ((كتاباً))، وإنما هو مكتوب، كما قال الشاعر فى البيت الذى استشهدنا به : * وفيها كتابٌ مثلَ ما لَصِقَ الغِراء * يعنى به مکتوباً . ٠٠٠ وأما تأويل اسمه الذى هو ((ذِكْرٌ))، فإنه محتمل معنيين: أحدهما: أنه ذكرٌ من الله جل ذ کره، ذكَّر به عباده، فعرَّفهم فيه حدوده وفرائضه ، وسائرَ ما أودعه من حكمه. والآخر: أنه ذكرٌ وشرف وفخرٌ لمن آمن به وصدّق بما فيه ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَ إِنَّهُ لَّذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [ سورة الزخرف: ٤٤]، يعنى به أنه شرفٌ له ولقومه . ٠٠٠ (١) فى المطبوعة: ((وتصرف)) مكان ((ونصر))، وهو خطأ محض ١٠٠ مقدمة التفسير ثم لسوّر القرآن أسماءٌ ستماها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ١٢٦ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسى ، قال : حدثنا أبو العوَّام - وحدثنى محمد بن خلف العَسْقلانى، قال: حدثنا رَوَّاد بن الجرّاح، قال : حدثنا سعيد بن بشير، جميعاً - عن قتادة ، عن أبى المليح، عن واثلة بن الأسْفَع: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: أعطِيتُ مكان التوراة السبعَ الطُّوّل، وأعطيت مكان الزَّبور الميئِين، وأعطيتُ مكان الإنجيل المثّانى، وفُضُّلت بالمفصَّل(١). ١٢٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم ، قال: حدثنا ابن عُلية ، عن خالد الحذَّاء ، عن أبى قلابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيتُ السبعَ الطُّوَل مكان التوراة ، وأعطيت المثانِىَ مكانَ الزَّبور ، وأعطيت المثين مكانَ الإنجيل، وفُضِّلت بالمفصّل(٢). قال خالد: كانوا يسمُّون المفصَّل: العربيّ. قال خالد: قال بعضهم: ليس فى العربىّ سجدةٌ . (١) الحديث ١٢٦ - رواه الطبرى هنا بإسنادين، أحدهما صحيح، والآخر ضعيف: فرواه من طريق أبى داود الطيالسى عن أبى العوام، وهذا إسناد صحيح . ورواه من طريق رواد بن الجراح عن سعيد بن بشير ، وهذا إسناد ضعيف - كلاهما عن قتادة . أما طريق الطيالسى ، فإنه فى مسنده رقم ١٠١٢، ورواه أحمد فى المسند رقم ١٧٠٤٩ ( ٤ :١٠٧ طبعة الحلبى ) وذكره الهيشى فى مجمع الزوائد ٧: ١٥٨، ونسبه أيضاً الطبرانى (بنحوه)). وأبو العوام، فى الإسناد الأول: هو ((عمران بن داور)) بفتح اندال وبعد الألف واو مفتوحة وآخره راء - ((القطان))، وهو ثقة . وأما الطريق الثانى، فى إسناده ((رواد بن الجراح العسقلانى))، وهو صدوق، إلا أنه تغير حفظه فى آخر عمره، كما قال أبو حاتم، فيما نقله عنه ابنه فى الجرح والتعديل ١ / ٢: ٥٢٤، وقال البخارى فى الكبير ٢ / ١: ٣٠٧: (( كان قد اختلط، لا يكاد أن يقوم حديثه)) . و ((رواد)) بفتح الراء وتشديد الواو وآخره دال. ووقع فى الأصول هنا ((داود))، وهو خطأ. وفى إسناده أيضاً (سعيد بن بشير))، وهو صدوق يتكلمون فى حفظه. ولكن لم ينفرد ((رواد)) بروايته عن سعيد، فقد ذكره ابن كثير فى التفسير ١ : ٦٤ من كتاب أبى عبيد: عن هشام بن إسمعيل الدمشتى عن محمد بن شعيب عن سعيد بن بشير، وقال ابن كثير: «هذا حديث غريب ، وسعيد بن بشير : فيه لين)»، وهو تعليل غير محرر! فإن سعيد بن بشير لم ينفرد به - كما هو ظاهر - بل تأيدت روايته برواية الطيالسى عن أبى العوام عمران بن داور، وهو إسناد صحيح، كما قلنا. وسيأتى بإسناد ثالث، رقم ١٢٩. (٢) الحديث ١٢٧ - هذا خبر مرسل عن أبي قلابة