النص المفهرس
صفحات 41-60
١١ مقدسة التفسير عن مجاهد، عن ابن أبى ليلى، عن أبىّ بن كعب ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، بنحوه(١) . بناديعن ٣٨ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى هشام بن سعد ، عن عبيدالله بن عمر ، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن أبيّ بن كعب أنه قال : سمعتُ رجلا يقرأ فى سورة النحل قراءةً تخالفُ قراءتى ، ثم سمعت آخر يقرؤها قراءةً تخالف ذلك ، فانطلقتُ بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إنى سمعت هذين يقرآن فى سورة النحل ، فسألتُهما: من أقرأهما ؟ فقالا: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، إذ خالفتهما ما أقرأنى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحدهما: اقرأ. فقرأ، فقال: أحسنتَ. ثم قال للآخر: اقرأ . فقرأ، فقال: أحسنتَ. قال أبىّ: فوجدتُ فى نفسى وسوسة الشيطان ، حتى احمرّ وجهى، فعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وجهى ، فضرب بيده فى صدرى، ثم قال: اللهمّ أخْسى الشيطان" عنه! يا أبىّ، أتانى آتٍ من ربى فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : ربِّ خفف عنى . ثم أتانى الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد . فقلت : رب خفف عن أمنى . ثم أتانى الثالثة فقال مثل ذلك ، وقلت مثله . ثم أتانى الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآنَ على سبعة أحرف ، ولك بكل رَدّة مسألة . فقلت : يا رب اغفر لأمتى ، يا رب اغفر لأمتى . واختبأتُ الثالثة شفاعةً لأمتى يوم القيامة(٢). (١) الحديث ٣٧ - هو مكرر ما قبله أيضاً. وهو بإسنادين عن شعبة. و((شبابة)) فى الإسناد الثانى: هو شبابة بن سوار الفزارى المدائنى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة . (٢) الحديث ٣٨ - هذا الإسناد نقله ابن كثير فى الفضائل: ٥٦-٥٧، وقال: ((إسناد صحيح)). وأشار إليه الحافظ ابن حجر فى الفتح ٩: ٢١. وعبيد الله، الراوى عن عبد الرحمن ابن أبى ليل: هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو إمام ثقة حجة ، أحد الفقهاء: السيئة بالمدينة، وكان أحمد بن حنبل يقدمه على مالك وعلى غيره فى الرواية عن نافع ، ٤٢ مقاسة التفسير : ٣٩ - حديثنا محمد بن عبد الأعلى الصَّنعانى، قال: حدثنا المعتمر بن سلمان، قال: سمعت عُبيد الله بن عمر ، عن سيَّارِ أبى الحكم، عن عبدالرحمن بن أُبی لیلی، رفعہ إلی التی صلی الله عليه وسلم: ذ کر أن رجُلین اختصما فی آیة من القرآن، وكلّ يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه ، فتقارآً إلى أبىّ ، فخالفهما أبىّ، تقارَوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله ، اختلفنا فى آية من القرآن، وكلنا يزعم أنك أقرأته . فقال لأحدهما: اقرأ. قال: نقرأ، فقال: أصبتَ. وقال للآخر: اقرأْ، فقرأ خلاف ما قرأ صاحبُه، فقال: أصبتَ . وقال لأبىّ: اقرأ. فقرأ فخالفهما، فقال: أصبتَ. قال أبىّ: فدخلى من الشكّ فى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دخل فىّ من أمر الجاهلية ، قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى فى وجهى، فرفع يدَه فضرب صدرى، وقال: استعذْ بالله من الشيطان الرجيم، قال: ففِضْتُ عرقاً، وكأنى أنظرُ إلى الّه فَرَقاً. وقال: إنه أتانى آت من ربىّ فقال: إن ربّك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحدٍ. فقلت : رب خفف عن أمّى. قال : ثم جاء فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : رب خفف من أمنى . قال: ثم جاء الثالثة فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت: رب خفف عن أمتى . قال : ثم جاءفى الرابعة فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل رَدّة مسألة. قال: قلت: ربّ اغفر لأمتى، رب اغفر لأمتى، واختبأت الثالثة شفاعة ويقول: «عبيدات أثبتهم وأسفظهم وأكثرم رواية)). وفى ترجته فى التهذيب ٧: ٤٠: (( وقال الحربى: لم يدرك عبد الرحمن بن أبى ليل). وأنا أرجح أن هذا خطأ من الحربى، فإن عبد الرحمن مات سنة ٨٢ أو ٨٣، وعبيد أنه مات سنة ١٤٤ أو ١٤٥، فالمعاصرة ثابتة، وهى كافية فى إثبات اتصال الرواية، إذا لم يكن الراوى عدلاً، وما كان عبيد اللّه ذلك قط. ولذلك جزم أبن كثير بصحة الإستاد. ٢٠٢ قوله فی المرة الأولى ( وب خفف من ). ) فی الفضائل لاپن کثیر « رپ خفف عن أمنی». مقدمة التفسير لأمتى ، حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ليرغبُ فيها (١). ٤٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن الحبّاب، عن حمّاد بن سلمة، عن على بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبى بكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول A اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قال جبريل: اقرأوا القرآن على حرف . فقال ميكائيل: استزده . فقال: على حرفين . حتى بلغَ ستة أو سبعة أحرف ، فقال : كلها شافٍ كافٍ ، ما لم يختم آيةَ عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب . كقولك : هلمّ وتعالَ(٣). ٤١ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى ١٥/١ سليمان بن بلال ، عن يزيد بن خصيفة ، عن بُسربن سعيد : أن أبا جُهيم الأنصارى أخبره : أن رجلين اختلفا فى آية من القرآن ، فقال هذا : تلقَّيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: تلقَّيتها من رسول الله صلى اللّه (١) الحديث ٣٩ - وهذا إسناد صحيح إلى عبد الرحمن بن أبى ليل، ولكنه مرسل، إذ لم يذكر ابن أبى ليلى عمن رواه من الصحابة . وهو مؤيد بروايات ابن أبى ليل الماضية عن أبي بن كعب ، فهو كالمتصل معنى . و ((سيار أبو الحكم)): هو العنزى الواسطى، ثقة ثبت صدوق فى كل المشايخ، كما قال أحمد ابن حنبل، مات سنة ١٢٢. وفى التاريخ الكبير البخارى: ١٦٢/٢/٢: ((قال ابن عيينة: شيع سيار أبو الحكم عبيد الله بن عمر من الكوفة إلى المدينة، فأمر له بألف درهم ، فقال: لم أشيعك لهذا، ولكن قلت: رجل صالح ، فأردت أن أشيعك)). (٢) الحديث ٤٠ - سيأتى مرة أخرى، بهذا الإسناد واللفظ، برقم : ٤٧. ورواه أحمد فى المسند ٥: ٥١ طبعة الحلى، عن عفان عن حماد بن سلمة، بنحوه. ورواه أيضاً ٥ : ٤١ عن عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة، بشىء من الاختصار. ونقله الهيشمى فى مجمع الزوائد ٧: ١٥١، وقال: ((رواه أحمد، والطبرانى بنحوه، إلا أنه قال : واذهب وأدبر. وفيه على بن زيد بن جدعان، وهو سيء الحفظ، وقد توبع، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح)). ونقله ابن كثير فى الفضائل : ٦٢ - ٦٣ عن الرواية المختصرة من المسند ، ثم قال : ((وهكذا رواه ابن جرير عن أبى كريب عن زيد بن الحباب عن حماد بن سلمة، به . وزاد فى آخره : كقولك هلم وتمال)). وهذه الزيادة ثابتة فى الرواية المطولة فى المسند٥: ٥١ بلفظ: ((نحو قولك: تعال، وأقبل، وعلم، واذهب، وأسرع، واعجل)). ٤٤ مقدمة التفسير عليه وسلم، فسألا رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تَمَارَوْا فى القرآن، فإنّ المِراء فيه كفرٌ(١). ٤٢ -- حدثنا یونس، قال : أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: قال (١) الحديث ٤١ - رواه أحمد فى المسندرقم: ١٧٦١٥ (٤: ١٦٩ - ١٧٠ حلى)، عن أبى سلمة الخزاعى عن سليمان بن بلال، بهذا الإسناد . ونقله ابن كثير فى الفضائل ٦٤ - ٦٥ من المسند، وقال: ((وهذا إسناد صحيح أيضاً، ولم يخرجوه))، يعنى أصحاب الكتب الستة. ونقله الهيشى فى مجمع الزوائد ٧: ١٥١ وقال: ((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح)). ونقله ابن كثير قبل ذلك، عن أبى عبيد القاسم بن سلام ، قال: « حدثنا إسمعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن مسلم بن سعيد مولى الحضرى - وقال غيره : عن بسر بن سعيد - عن أبى جهم الأنصارى: أن رجلين اختلفا)»، إلخ. ثم قال ابن كثير: ((وهكذا رواه أبو عبيد على الشك! وقد رواه الإمام أحمد على الصواب))، ثم نقل رواية المسند . وما كانت رواية أبى عبيد على الشك، كما زعم ابن كثير، إنما الحديث طريقان: إسمعيل ابن جعفر، يرويه عن يزيد بن خصيفة عن ((مسلم بن سعيد». وسليمان بن بلال ، يرويه عن يزيد ابن خصيفة عن ((بسر بن سعيد))، وهو أخو مسلم بن سعيد، فأشار أبو عبيد أثناء الإسناد إلى الرواية الأخرى ، دون أن يذكر إسنادها . وقد ذكر البخارى الروايتين فى التاريخ الكبير: ٢٦٢/١/٤، فى ترجمة ((مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرى))، فأشار إلى أنه روى هذا الحديث عن أبى جهيم، وقال: ((قاله إسمعيل ابن جعفر عن يزيد بن خصيفة . وقال سليمان بن بلال عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبى جهيم)). فأثبت بذلك الروايتين، لم يجعل إحداهما علة للأخرى. فيكون يزيد بن خصيفة سمع الحديث من الأخوين : مسلم وبسر ، ابنى سعيد . ومن عجب أن الحافظ أشار فى الإصابة ٢ : ٣٥ إلى رواية هذا الحديث من طريق مسلم ابن سعيد، ونسبها البغوى فقط، ثم لم يشر إلى رواية بسربن سعيد، فأبعد جداً !! و((أبو جهيم الأنصارى)) هذا: اسمه ((عبد الله بن الحرث بن الصمة))، وقيل فى اسمه أقوال أخر . ووقع فى هذا الحديث فى مطبوعة الطبرى ومجمع الزوائد والفضائل لابن کثیر (( عن أبى جهم)) ، وهو خطأ مطبعى فى غالب الظن، لأنه ثابت فى المسند ((أبو جهيم)). وقال الحافظ فى الفتح ١: ٣٧٤ - ٣٧٥، فى حديث آخر له عند البخارى: ((وقع فى مسلم [يعنى صحيح مسلم]: دخلنا على أبى الجهم ، بإسكان الهاء، والصواب أنه بالتصغير، وفى الصحابة شخص آخر يقال له أبو الجهم ، وهو صاحب الأنبجانية، وهو غير هذا، لأنه قرشى، وهذا أنصارى ، ويقال بحذف الألف واللام فی کل منهما ، وہإثباتهما )) . وقد أشار الحافظ إلى هذا الحديث فى الفتح ٩: ٢٣، ونسبه لأحمد وأبي عبيد" والطبرى. ووقع فيه فى هذا الموضع (( أبى جهم))، بدون تصغير ، وهو خطأ مطبعى أيضاً . و((بسر بن سعيد)): بضم الباء وسكون السين المهملة. ووقع فى مطبوعة الطبرى ((بشر)»، وهو خطأ مطبعی . ٤٥ مقدمة التفسير حي صلى اله عليه وسلم: أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف(١). ٤٣ - حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرنى سليمان بن بلال؛ عن أبى عيسى بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمِرتُ أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ، كلٌّ كافٍ شافٍ(٧) . ٤٤ - حدثنا أحمد بن حازم الغفاری، قال: حدثنا أبو نُعيم، قال: حدثنا أبو خَلْدة ، قال : حدثنى أبو العالية ، قال: قرأ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من كل خمسٍ رَجلٌ ، فاختلفوا فى اللغة، فرضى قراءتهم كلّهم ، فكان بنو تميم أعرَبَ القوم(٣). ٤٥ - حدثنا عمروبنعمان العمانى ، قال: حدثنا ابن أبی اویس، قال: حدثنا أخى ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن المقبرى ، عن أبى (١) الحديث ٤٢ - يونس: هو ابن عبد الأعلى. سفيان: هو ابن عيينة . وهذا حديث مرسل، لأن عمرو بن دينار تابعى، فروايته عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلة. (٢) الحديث ٤٣ - هذا إسناد مشكل، لم أجد له وجهاً يعرف. فظاهره أن «أبا عيسى بن عبد الله بن مسعود )) يروى عن أبيه عن جده، فالجد ظاهراً أنه ((مسعود))، ولكنه صرح بأنه ((عبد الله بن مسعود)) ! فيكون ((أبوعيسى)) ليس ابن ((عبد الله بن مسعود))، بل ابن ابنه، نسب إلى جده . ولا بأس بذلك إن کان له أمل . ولکن لیس فی الرواة الذین تراجهم عندنا من یسمی او یکی ((أبا عيسى))، من ذرية ابن مسعود، ولا نعرف لابن مسعود من الولد إلا اثنين: عبد الرحمن ، وفى سماعه من أبيه خلاف، والراجح أنه سمع منه. وأبو عبيدة، واسمه ((عامر))، ولم يسمع من أبيه، تركه صغيراً. فهذا إستاد محرف يقيناً، ما صوابه ؟ لا ندرى . ولا تستطيع أن نتخيل فيه احتمالات لتصحيحه. الرواية أمانة، لا تؤخذ بالرأى ولا بالقياس ولا بالخيال . وأما لفظ الحديث، فقد ذكره السيوطى فى زيادات الجامع الصغير. بهذا اللفظ ١ : ٢٦٠ من الفتح الكبير، ونسبه لابن جرير عن ابن مسعود. ولم نجده فى موضع آخر من الدواوين التى فيها الروايات بالإسناد . وقد يوفق الله غيرنا لوجوده ، إن شاء الله. (٣) الحديث ٤٤ - هذا مرسل، لأن أبا العالية تابعى، يروى عن الصحابة، وأبو العالمية: هو رفيع، بضم الراء ، بن مهران، بكسر الميم، الرياحى، بكسر الراء وتخفيف الياء الأولى. وأبو خلدة بفتح الخاء وسكون اللام : هو خالد بن دينار السعدى . مقدمة التفسير هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فلقرأوا ولا حرّج ، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذابِ، ولا ذكر عذاب برحمة (١). ٤٦ - حدثنا محمد بن مرزوق، قال: حدثنا أبو معمر عبدالله بن عمرو بن أبى الحجاج، قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا محمد بن جُحادة عن الحكتم اپن عُتییة، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيّ بنكعب، قال: أتى النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم جبريلُ، وهو بأضاة بنى غِفَار، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآنَ على حرف واحد. قال: فقال: أسأل الله مغفرته ومعاناته - أو قال: ومعافاته ومغفرته - سل الله لهم التخفيف، فإنهم لا يُطيقون ذلك. فانطلقَ ثم رجع، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على حرفين . قال: أسأل الله مغفرته ومعافاته - أو قال: معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك، فسل اللّه لهم التخفيف. فانطلق ثم رجع، فقال: إن الله يأمرُك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل الله مغفرته ومعافاته - أو قال: معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك، سل الله لهم التخفيف . فانطلق ثم رجع ، فقال: إن اللّه بأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منها بحرف فهو كما قرأ(٢) . قال أبو جعفر(٣): صحّ وثبتَ أنّ الذى نزل به القرآن من ألسن العرب (١) الحديث٥ ٤ - ابن أبى أويس: هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس المدنى، ابن أخت مالك بن أنس ونسيبه. أخوه: هو أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله. والمقبرى: هو سعيد بن أبى سعيد. وهذا الحديث، بهذا الإسناد واللفظ، لم أجده فى موضع آخر، وإسناده صحيح على شرط الشيخين . وقد مضى لأبى هريرة حديثان بثلاثة أسانيد ، بالأرقام : ٧ - ٩. (٢) الحديث ٤٦ - مضى الحديث مختصراً، رقم: ٣٤، من طريق محمد بن جحادة. وأشرنا إليه هناك . (٣) هذا جواب قوله فى أول الباب، ص ٢١ س ١٤: ((فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم، بما حدثنا به خلاد بن أسلم ... صح وثبت))، إلخ. وقد نقل ابن كثير فى فضائل القرآن ٦٩ - ٧٠ بعض كلام الطبرى هنا، واختصره اختصاراً. ٤٧ مقدمة التفسير البعضُ منها دون الجميع ، إذ كان معلوماً أن ألسنتها ولغاتها أكثرُ من سبعة، بما يُعْجَزُ عن إحصائه. فإن قال : وما برهانك على أن معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((نزل القرآن على سبعة أحرف ))، وقوله: ((أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف))، هو ما ادَّعيتَ - من أنه نزل بسبع لغات، وأمِرَ بقراءته على سبعة ألسُن - دون أُن یکونَ معناهُ ما قاله مخالفوك ، من أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقَصَص وَمَثَل ونحو ذلك من الأقوال ؟ فقد علمتَ قائلَ ذلك من سلف الأمة وخيار الأئمة . قيل له: إنّ الذين قالوا ذلك لم يدَّعوا أن تأويل الأخبار التى تقدم ذكرُناما، هو ما زعمتَ أنهم قالوه فى الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن دون غيره ، فيكون ذلك لقولنا مخالفاً، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه . والذى قالوه من ذلك كما قالوا . ١٦/١ وقد رَوَينا - بمثل الذى قالوا من ذلك - عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من أصحابه ، أخباراً قد تقدم ذكرُنا بعضها ، ونستقصى ذكر باقيها ببيانه ، إذا انتهينا إليه ، إن شاء الله . فأما الذى تقدم ذكرناه من ذلك ، فخبر أبىّ بن كعب ، من رواية أبى كُريب، عن ابن فضيل ، عن إسمعيل بن أبى خالد ، الذی ذکر فیه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرفٍ ، من سبعة أبواب من الجنة)). والسبعة الأحرف : هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة . والأبواب السبعة من الجنة: هى المعانى التى فيها ، من الأمر والنهى والترغيب والترهيب والقصص والمثّل ، الی إذا عمل بها العامل ، وانتهى إلى حدودها المنتهى ، استوجب به الجنة . ولیس والحمد لله فى قول من قال ذلك من المتقدمين، خلافً لشىء مما قلناه . ٤٨ مقدمة التفسير والدلالةُ على صحة ما قلناه - من أنّ معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم ((نزل القرآن على سبعة أحرف))، إنما هو أنه نزل بسبع لغات، كما تقدم ذكرناه من الروايات الثابتة عن عمربن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود، وأبىّ بن كعب، وسائر من قدمنا الرواية عنه ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فى أول هذا الباب - أنهم تمارَوْا فى القرآن ، فخالف بعضهم بعضاً فى نفْس التلاوة ، دون ما فى ذلك من المعانى، وأنهم احتكموا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (١)، فاستقرأ کلّ رجل منهم ، ثم صَوَّب جمیعھُم فى قراءتهم على اختلافها ، حتى ارتاب بعضُهم لتصويبه إياهم ، فقال صلى الله عليه وسلم الذى ارتاب منهم عند تصويبه جميعتهم: ((إنّ الله أمرنى أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف)). ومعلوم أن تمارِيهم فيما تمارَوْا فيه من ذلك، أو كان تمارياً واختلافاًفيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك، لكان مستحيلا أن يُصوِّب جميعهم ، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته فى ذلك على النحو الذى هوعليه. لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحاً، وجب أن يكون الله جل ثناؤه قد أمر بفعل شيء بعينه وفر ضه ، فى تلاوة من دلّت تلاوته على فرضه- ونهى عن فعل ذلك الشىء بعينه وزجر عنه ، فى تلاوة الذی دلت تلاوته على النهى والزجر عنه ، وأباح وأطلق فعلَ ذلك الشىء بعينه ، وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فِعْلَه، ومن شاء منهم أن يتركه تَرْكَه(٧)، فى تلاوة من دلت تلاوته على التخيير ! وذلك من قائله إن° قاله، إثباتُ ما قد نفی الله جل ثناؤه عن تنزيله وحُكْ كتابه فقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدٍ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: ٨٢]. (١) فى المخطوطة: ((وأنهم اختلفوا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم)). وكل صواب. (٢) أى: جعل له فعله، وجعل له تركه. و((جعل)) هنا، بمعنى: أباح وأذن. ٤٩ مقدمة التفسير وفی نفی الله جل ثناؤه ذلك عن حُكْم کتابه، أوضحُ الدليل على أنه لم ينزل کتابه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلا بحكمٍ واحدٍ متفق فى جميع خلقه، لا بأحكام فيهم مختلفة . وفى صّة كون ذلك كذلك ، ما يبطل دعوى من ادَّعى خلاف قولنا فى تأويل قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) الذين تخاصموا إليه عند اختلافهم فى قراءتهم . لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمرّ جميعهم بالثبوت على قراءته ، ورضى قراءة كل قارئ منهم - على خلافها قراءة خصومه ومنازعيه فيها - وصوَّبها. ولو كان ذلك منه تصويباً فيما اختلفت فيه المعانى ، وكان قولُه صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) إعلاماً منه لهم أنه نزل بسبعة أوجُهُ مختلفة ، وسبعة معان مفترقة - كان ذلك إثباتاً لما قد نفى اللّه عن كتابه من الاختلاف ، ونفياً لما قد أوجب له من الائتلاف. مع أنّ فى قيام الحجة بأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقض فى شىء واحد فى وقت واحد بحكمين مختلفين، ولا أذن بذلك لأمته - ما يُغنّى عن ١٧/١ الإكثار فى الدلالة على أن ذلك منفىّ عن كتاب الله . وفى انتفاء ذلك عن كتاب الله، وجوبُ صحة القول الذى قلناه، فى معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))، عند اختصام المختصمين إليهفيا اختلفوا فيه من تلاوة ما تلَوْه من القرآن، وفساد تأويل قول من خالف قولنا فى ذلك. وأحْرى أنّ الذين تمارَوْا فيا تمارَوْا فيه من قراءتهم فاحتكموا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، لم يكن منكراً عند أحد منهم أن يأمر الله عباده جلّ ثناؤه فى كتابه وتنزيله بما شاء، وينهىمعما شاء، ويعدَ فيما أحبَّ من طاعاته، ويوعِد على معاصيه، ويحْتمَ لنبيه ويعظه فيه(١)، ويضربَ فيه لعباده الأمثال .. فيُخاصم (١) فى المطبوعة ((ويحتج لنبيه))، بدل (ويحتم)). وفى إحدى المخطوطات ((ويعظ))، بغير الضمير وبغير ((فيه)). وأما الأخرى فليس فيها ((ويعظه فيه))، بل ((ويحتم لنبيه صلى الله عليه وسلم)). و((حتم الأمر)): قضاه، أى: يقضى لنبيه ويكتب له وعليه. (٤) ٠٠ مقدمة التفسير غيرَه على إنكاره سماعَ ذلك من قارئه (١) . بل على الإقرار بذلك كلِّه كان إسلامُ من أسلم منهم . فما الوجهُ الذى أوجبَ له إنكارَ ما أنكر، إن لم يكن كان ذلك اختلافاً منهم فى الألفاظ واللغات ؟ وبعد ، فقد أبان صحة ما قلنا الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصاً . وذلك الخبر الذى ذكرنا : ٤٧ - أنّ أبا كريب حدثنا قال: حدثنا زيد بن الحباب ، عن حماد ابن سلمة ، عن على بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبى بكرة ، عن أبيه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال جبريل: اقرإ القرآنَ على حرف . قال ميكائيل عليه السلام: استردْ .. فقال: على حرفين. حتى بلغ ستَّة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شافٍ كافٍ، ما لم يتم آيةَ عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب ، كقولك: هلمّ وتعال(٧). فقد أوضح نصُّ هذا الخبر أنّ اختلاف الأحرف السبعة، إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولك (( هلم وتعال)) باتفاق المعانى ، لا باختلاف معان موجبة اختلافَ أحكامٍ . ويمثل الذى قلنا فى ذلك محمت الأخبارُ عن جماعة من السَّلّف والخلف. ٤٨ - حدثنى أبو السائب ◌َسَلْمُ بن جُنَادة السُّوائى، قال: حدثنا أبو معاوية - وحدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبى عدىّ عن شعبة - جميعاً عن الأعمش، عن شقيق، قال: قال عبد الله: إنى قد سمعت إلى القَرَأة ، فوجدتُهم متقاربين فاقرأوا كما عُلُمّم ، وإياكم والتنطع ، فإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال(٢) . (١) يقول: ((لم يكن منكراً عند أحد منهم ... فيناسم غيره)). فأطال الفصل. (٢) الحديث ٤٧ - مضى الحديث بهذا الإسناد، رقم: ٤٠. فتلك إشارته بقوله هنا: ((وذلك الخبر الذى ذكرنا أن أبا كريب حدثنا))، إلخ. (٣) الحديث ٤٨ - أبو السائب سلم بن جنادة السواقى الكوفى، شيخ الطبرى: ثقة حجة لا شك مقلية التفسير ٤٩ - وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحق، عمن سمع ابن مسعود يقول: من قرأ منكم على حرف فلا يتحوَّلَنَّ، ولو أعلمُ أحداً أعلم منى بكتاب الله لأتيتُه(١). ٥٠ - وحدثنا ابن المثى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، قال) : حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن عابس ، عن رجل من أصحاب عبد الله، عن فيه، روى عنه البخارى فى غير كتاب (الجامع الصحيح)، والترمذى وابن ماجة وأبو حاتم ، وهو قديم الولاد، وحمد سنة ١٧٤، ومات سنة ٢٥٤. وله ترجمة فى تاريخ بغداد ٩: ١٤٧ - ١٤٨، والتهذيب ٤: ١٢٨ - ١٢٩، والجرح والتعديل لابن أبى حاتم: ٢٦٩/١/٢. و(«سلم» بفتح السين وسكون اللام، ووقع فى فسخ الطبرى ((سالم))، وهو تحريف، و((جنادة)): بضم الجيم وتخفيف النون. وي السواقى)): بضم السين وتخفيف الواو وبعد الألف همزة، نسبة إلى « بى سواءة بن عامر بن صعصعة». وأبو معاوية : هو محمد بن خازم الضرير، ولد سنة ١١٣، ومات سنة ١٩٥. فهذا الإسناد الأول عال جداً . وذلك أن اطبری روی أثر ان مسعود هذا بإسنادين : رواء عن سلم بن جنادة عن أبى معاوية عن الأعمش . ثم رواه عن محمد بن المثنى عن ابن أبى على عن شعبة عن الأعمش . وهذا الأثر عن ابن مسعود لم نجده فى غير هذا الكتاب ، إلا ما ذكره صاحب السان بغير إسناد، كما سنشير إليه بعد ، إن شاءات . وقوله ((قد سمعت إلى القرأة فوجدتهم متقاربين))، فى المطبوعة ((قد سمعت القراء)). و((القراء)»: جمع ((قارئ))، كما هوواضح، ولكن الذى فى المخطوطة ((إلى القرأة))، بزيادة ((إلى)) وبلفظ ((القرأة))، بفتح الراء والهمزة ثم الماء فى آخره، وهو جمع ((قارىء)) أيضاً، فى اللسان («رجل قارئ، من قوم قراء، وقرأة، وقارتين)). وهذا الجمع قياسى، مثل ((كاتب وكتبة)). وانظر جمع الجوامع السيوطى ٢: ١٧٧، ١٧٨. وهذا الأثر ذكره صاحب اللسان ١: ١٢٤، قال: ((وروى عن ابن مسعود: تسمعت القرأة، فإذا هم متقارئون. حكاه الحيانى ولم يفسره. قال ابن سيدة: وعندى أن الجن كانوا يرومون القراءة))! وهكذا وقع الخطأ لهم قديماً، جعلوها ((متقارون)) بالهمزة، ثم فسرها ابن سيدة هذا التفسير المجيب. وهى واضحة فى الطبرى ((متقاربين)» بالباء. والسياق نفسه لا يدل إلا على صحة هذا وخلا ما يقع فى السان . وكلمة ((القرأة)) ستأتى فى مخطوطة الطبرى كثيراً بهذا الرسم، ثم يغيرها مصححو المطبوعة والقراء))، دون حاجة إلى هذا التغيير ! (١) الحديث ٤٩ - أبو داود: هو الليالى. وأبو إمحق: هو السبيعى الهمدانى التابعى المعروف، واسمه «عمرو بن عبد الله))، وهذا الإستاد ضعيف، لإبهام شيخ أبى إمحق الذى حدثه عن ابن مسعود. وقد مضى نحو معناه ضمن حديث متصل، عن ابن مسعود، رقم: ١٨. وانظر الإسناد التالى لهذا . ٠٢ مقدمة التفسير عبد الله بن مسعود، قال: من قرأ على حرف فلا يتحوّكنّ منه إلى غيره(١). فمعلوم أنّ عبد الله لم يَعْن بقوله هذا: من قرأ ما فى القرآن من الأمر والنهى فلا يتحولنّ منه إلى قراءة ما فيه من الوعد والوعيد، ومن قرأ ما فيه من الوعد والوعيد فلا يتحولنّ منه إلى قراءة ما فيه من القَصص والمثّل. وإنما عنى رحمة الله عليه أنّ من قرأ بحَرْفه ... وحرْفُه: قراءته، وكذلك تقول العرب لقراءة رجلٍ : حرفُ فلان ، وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطَّعة : حرف، كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر : كلمة فلان - فلا يتحولنّ عنه إلى غيره رغبة عنه . ومن قرأ بحرف أبىّ ، أو بحرف زيد ، أو بحرف بعض من قرأ من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ببعض الأحرف السبعة - فلا يتحولن" عنه إلى غيره رغبة عنه ، فإن الكفرَ ببعضه كفرٌ بجميعه، والكفرُ بحرف من ذلك كفرٌ بجميعه. يعنى بالحرف ما وصفنا من قراءة بعض من قرأ ببعض الأحرف السبعة . ١٨/١ ٥١ - وقد حدثنا يحيى بن داود الواسطى ، قال: حدثنا أبو أسامة ، عن الأعمش، قال: قرأ أنس هذه الآية: ﴿إِنَّ نَشِئَةَ اللّيلِ هِىَ أَشَدُّ وَطَأَ وَأَصْوَبُ قِيلاً﴾. [سورة المزمل: ٦] فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة، إنما هى ((وأقْوَمُ)) فقال: أَقْوَمُ وَأَصْوَبُ وأَهَياً، واحدٌ (٣). (١) الحديث ٥٠ - عبد الرحمن بن حابس: تابعى أيضاً. وقد أبهم الرجل الذى حدثه عن ابن مسعود ، فكان الإسناد ضعيفاً . وهذا الأثر رواه أحمد فى المسند رقم: ٣٨٤٥ ضمن حديث طويل ، عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الرحمن بن عابس، قال: ((حدثنا رجل من عمدان، من أصحاب عبد الله، وما سماه لنا)» إلخ. (٢) الحديث ٥١ - أبو أسامة: هو حماد بن أسامة الكوفى الحافظ. وهذا الأثر سيأتى بهذا الإسناد، وبإسناد آخر، فى تفسير سورة ((المزمل: ٢٩: ٨٢)). ونقله السيوطى فى الدر المنثور ٦ : ٢٧٨، ونسبه أيضاً لأبى يعلى ومحمد بن نصر وابن الأنبارى فى المصاحف. وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ٧ : ١٥٦، ونسبه البزار وأبي يعلى، وقال: ((ولم يقل الأعمش: سمعت أنساً. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، ورجال البزار ثقات)) . وقوله ((وأحيا)) بدله فى مطبوعة الطيرى ((وأهدى))، وانظاهر أنه من تصرف المصححين، لأن ما أثبتنا هو الثابت فى المخطوطة وفى رواية الطبرى الآتية بالإسناد نفسه وفى الدر المنثور ومجمع الزوائد . ٥٣ مقدمة التفسير ٥٢ - حدثنى محمد بن حُميد الرازى، قال: حدثنا حَكَّام، عن عنبسة ، عن ليث، عن مجاهد: أنه كان يقرأ القرآنَ على خمسة أحرُفٍ. ٥٣ - حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حتَكَّام ، عن عنبسة ، عن سالم : أن سعيد بن جُبَيرٍ كان يقرأ القرآن على حرفين . ٥٤ - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مُغِيرة ، قال : كان يزيدُ بن الوليد يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف(١). أفترى الزاعم أن تأويل قول النبى صلى اللّه عليه وسلم: ((أنزل القرآنُ على سبعة أحرف))، إنما هو أنه أنزل على الأوجه السبعة التى ذكرنا ، من الأمر والنهى والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل - كان يرى أنّ مجاهداً وسعيد ابن جبير لم يقرآ من القرآن إلا ما كان من وجهيه أو وجوهه الخمسة دون سائر معانيه؟ لئن كانَ ظن ذلك بهما ، لقد ظنّ بهما غير الذى يُعرفان به من منازلهما من القرآن ، ومعرفتهما بآى الفرقان ! ہہ - وحدثنی يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُليّة ، قال حدثنا أيوب، عن محمد، قال: نبئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبى صلى الله عليه وسلم فقال له جبرائيل: اقرإ القرآن على حرفين . فقال له ميكائيل : استزده . فقال : اقرإ القرآن على ثلاثة أحرف . فقال له ميكائيل: استزده . قال : حتى بلغ سبعة أحرف ، قال محمد : لا تختلفُ فى حلال ولا حرام ، ولا أمرٍ ولا نهى ، (١) الأثر ٥٤ - يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، أمير المؤمنين، عرف باسم «يزيد الناقص))، وكان رجلا صالحاً. وهو الذى قيل فى المثل: ((الأشج والناقص أعدلاً بنى مروان)»، فهو الناقص، لنقصه الناس من أعطياتهم ما كان زاده سلفه فى أعطياتهم، والأشج : هو عمر بن عبد العزيز . ويزيد هذا هو الذى قتل ابن عمه الفاسق المستهتر : الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، سنة ١٢٦، وولى الخلافة بعده. انظر ترجمته فى تاريخ ابن كثير ١٠ : ١٦ - ١٧، والتاريخ الكبير البخارى ٤ / ٢/ ٣٦٦ - ٠٣٦٧ ومغيرة ، راوى هذا عن يزيد: هو مغيرة بن مقسم، بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين ، الضبى. وهو ثقة معروف كثير الحديث ، مات سنة ١٣٣. ٥٤ مقاسمة التفسير هو كقولك: تعالَ وهلم وأقبل، قال: وفى قراءتنا ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةً وَاحِدَةٌ﴾ [ سورة يس: ٥٣،٢٩]، فى قراءة ابن مسعود (إن كانتْ إلا زَقيةً واحدة)(١). ٥٦ .- وحدثنى يعقوب قال : حدثنا ابن 'علية ، قال : حدثنا شعيب- يعنى ابن الحَبْحَاب- قال: كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل: ((ليس كما يقرأ)، وإنما يقول: أما أنا فأقرأ كذا وكذا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعى، فقال: أرى صاحبك قد سمع: ((أنّ من كفر بحرف منه فقدْ كفر به كله )) . . ٥٧ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال : حدثنا يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرنى سعيد بن المسيّب: أن الذى ذكر الله تعالى ذكره [أنه قال] (إِنّا يُعَلَّهُ بَشَرٌ﴾ [سورة النحل: ١٠٣] إنما افتُتِن أنه كان يكتب الوحىَ، فكان يملى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: سميع عليمٌ، أوعزيزٌ حكيمٌ، أو غير ذلك من خواتم الآى، ثم يشتغل عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عَلى الوحى، فيستفهمُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم فيقول: أعزيز حكيمٌ، أو سميعٌ عليم أو عزيز عليم ؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أىّ ذلك كتبت فهو كذلك. ففتنه ذلك ، فقال: إنّ محمداً وَكَلَ ذلك إلىّ، فأكتبُ ما شئتُ. وهو الذى ذكر لى سعيد بن المسيب من الحروف السبعة(٢). (١) الحديث ٥٥ - محمد: هو ابن سيرين التابعى، فالحديث مرسل. ثم هو لم يدرك ابن مسعود ، فحكايته عنه قراءته منقطعة . (٢) الحديث ٥٧ - هذا الحديث ذكره الطبرى مرة أخرى بهذا اللفظ نفسه فى تفسير سورة النحل: ١٠٣، بغير هذه الزيادة الى وضعناها بين القوسين. وهو بغير هذه الزيادة يوم أن الذى نزل فيه ((إنما يعلمه بشر))، هو كاتب الوحى الذى افتتن. مع أنه أراد إن الذى قال ((إنما يعلمه بشر)) هو كاتب الوحى الذى افتتن: وصدر كلام الطبرى فى تفسير سورة النحل يقطع بذلك قال: ((وقيل إن الذى قال ذلك رجل كاتب لرسول الله صلى اله عليه وسلم ارتد عن الإسلام. ذكر من قال ذلك ... » ثم روى هذا الخبر، فنفى ما قدمه هذا الوهم الذى يشكل على قارئه فى هذا المكان . وكاتب الوحى الذى ارتد هو عبد الله بن سعد بن أبى سرح العامرى القرشى، وهو ليس بأصجمى، وإنما قالوا إنه هو الذى ذكره الله تعالى فى قوله. ((ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى إلى ولم يوج إليه شىء مقلمة التفسير «٠ ٠ ٥٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: من كفر بحرف من القرآن، أو بآية منه، فقد كفر کله(١) قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل: فإذْ كان تأويلُ قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) عندك ، ما وصفت، بما عليه استشهدتَ ، فأوْجِدنا حرفاً فى كتاب الله مقروءاً بسبع لغات، فتحقق بذلك قولك. وإلاّ، فإن لم تجد ذلك كذلك: كانَ معلوماً بِعَدَ مِكَهُ(٢) .- صحةُ قول من زعم أن تأويل ذلك : أنه نزل بسبعة معان ، وهو الأمر والنهى والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل - وفسادُ قولك. أو تقولَ فى ذلك: إن الأحرف السبعة لغاتٌ فى القرآن سبعٌ ، متفرقة فى جميعه ، من لغات أحياء من قبائل العرب مختلفة الألسن - كما كان يقوله بعض من لم يُنعم النظر فى ذلك(٣). فتصير بذلك إلى القول بما لا يجهل فساده ذُو عقل، ولا يلتبس خطؤه على ١٩/١ نی لُب. وذلك أنّ الأخبار التى بها احتججتَ لتصحيح مقالتك فى تأويل قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((نزل القرآن على سبعة أحرف))، هى الأخبار التى رويتها عن عُمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبىّ بن كعب، رحمة الله عليهم، ومن رويتَ ذلك عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأنهم تماروًا فى تلاوة ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله)) [سورة الأنعام: ٩٣] وأما المعنى بقوله ((إنما يعلمه بشر)) فقد اختلفوا فى تحقيقه ، قالوا: قين بمكة نصرانى يقال له بلعام، أو يعيش غلام لبنى المغيرة ، أو جبر النصرانى غلام بنى بياضة . وقد ذكره السيوطى فى الدر المنثور ٤: ١٣١ وقال فى صدره: ((إن الذى ذكر الله فى كتابه أنه قال: إنما يعلمه ... ))، فأثبتنا الزيادة منه لذلك. (١) الخبر ٥٨ - مثلوفى حديث المسند رقم: ٣٨٤٥، وما مر آنفاً برقم: ١٨. (٢) العدم: فقدان الشىء وذهابه، وعدم الشىء: فقده فلم يعثر عليه. (٣) فى المطبوعة ((لم يمعن))، غيرها المصححون هنا وفى مواضع ستأتى !! وأن النظر": بالغ فيه وأدقه . ٥٦ مقدمة التفسير بعض القرآن، فاختلفوا فى قراءته دون تأويله. وأنكر بعضّ قراءةَ بعض، مع دعوى كل قارئ منهم قراءةً منها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه ما قرأ بالصفة التى قرأ. ثم احتكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(١)، فكان من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، أن صوَّب قراءة كل قارئ منهم ، على خلافها قراءة أصحابه الذين نازعوه فيها، وأمر كل امرئ منهم أن يقرأ كما عُلَّم، حتى خالط قلبَ بعضهم الشك فى الإسلام، لما رأى من تصويب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قراءة كل قارئ منهم على اختلافها. ثم جَلاءُ الّه عنه ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. فإن كانت الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، عندك . كما قال هذا القائلـ متفرقة فى القرآن، مثبتةً اليوم فى مصاحف أهل الإسلام، فقد بطلت معانى الأخبار التى رويتها عمن رويتها عنه من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أنهم اختلفوا فى قراءة سورة من القرآن ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر كلاًّ أن يقرأ كما ◌ُعلم. لأن الأحرف السبعة إذا كانت لغات متفرقة فى جميع القرآن، فغیر موجب حرف من ذلك اختلافاً بین تالیه(٢) ، لأن كل تالٍ فإنما يتلو ذلك الحرفَ تلاوةً واحدةً على ما هو به فى المصحف، وعلى ما أنزل . وإذْ كان ذلك كذلك ، بطل وجه اختلاف الذين رُوى عنهم أنهم اختلفوا فى قراءة سورة، وفسد معنى أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم كلَّ قلوئ منهم أن يقرأه على ما عُلم. إذْ كان لا معنى هنالك يُوجب اختلافاً فى لفظ، ولا افتراقاً فى معنى. وكيف يجوز أن يكون هنالك اختلافٌ بين القوم، والمعلُّمِ واحدً، والعلم واحدٌ غير ذى أوجه؟ وفى صحة الخبر عن الذين رُوى عنهم الاختلافُ فى حروف القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأنهم اختلفوا وتحاكموا إلى (١) فى المخطوطة: ((ثم اختلفوا إلى رسول الله))، وهما سواء. (٢) فى ((تالين)) جمع ((ثال))، مضافة إلى الضمير، فحذفت النون. مقدمة التفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك، على ما تقدم وَصْفُنَاهُ - أبينُ الدلالة على فساد القول بأن الأحرُّف السبعة إنما هى أحرف سبعة متفرقة فى سور القرآن ، لا أنها لغات مختلفة فى كلمة واحدة باتفاق المعانى . مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل - فى تأويله قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( أنزل القرآن على سبعة أحرف))، وادعائه أنّ معنى ذلك أنها سبعُ لغات متفرقة فى جميع القرآن ، ثم جمع بين قِيله ذلك ، واعتلالِه لقيله ذلك بالأخبار التى رويت عمن رُوِىّ ذلك عنه من الصحابة والتابعين أنه قال: هو بمنزلة قولك تعال وهلم وأقبل؛ وأن بعضهم قال: هو بمنزلة قراءة عبد الله ((إلازقية"))، وهى فى قراءتنا ((إلا صَيْحَة)) وما أشبه ذلك من حُججه(١) علم أن حججه مفسدةٌ فى ذلك مقالته، وأن مقالته فيه مضادةً حججه . لأن الذى نزل به القرآن عندَه إحدى القراءتين -: إما ((صيحة))، وإما ((زَقية)) وإما ((تعالَ)) أو ((أقبل)) أو ((هلم)) - لا جميع ذلك. لأن كلّ لغة من اللغات السبع عنده فى كلمة أو حرف من القرآن ، غيرُ الكلمة أو الحرف الذى فيه اللغة الأخرى . وإذ" كان ذلك كذلك، بطل اعتلاله لقوله بقول من قال: ذلك بمنزله ((هلم)) و((تعال)) و((أقبل))، لأنّ هذه الكلمات هى ألفاظ مختلفة، يجمعها فى التأويل معنى واحد. وقد أبطل قائلُ هذا القول الذى حكينا قوله ، اجتماعَ اللغات السبع ٢٠/١ فى حرف واحد من القرآن . فقد تبين بذلك إفسادُ حجته لقوله بقوله ، وإفساد قوله حجته(٢) . قيل له : ليس القولُ فى ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفت . بل الأحرف السبعة التى أنزل الله بها القرآن، هنّ لغات سبع، فى حرف واحد، وكلمة واحدة، (١) جواب قوله: (( .... إذا تدبر قول هذا القائل ... علم ... " (٢) انتهى اعتراض المعترض الذى بدأ فى ص: ٥٥، ويليه جواب الطبرى فيما اعترض به. مقدمة التفسير باختلاف الألفاظ واتفاق المعانى، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال ، وإلىّ ، وقصدى ، ونحوى ، وقربى ، ونحو ذلك ، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعانى ، وإن اختلفت بالبيان به الألسن ، كالذى رَوّينا آنفاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنزلة قولك: ((هلمّ وتعالَ وأقبل))، وقوله ((ما ينظرون إلا زَقيةً))، و((إلا صيحة)). فإن قال: ففى أىّ كتاب اللّه نجدُ حرفاً واحداً مقروءاً بلغات سبع مختلفات الألفاظ ، متفقات المعنى ، فنسلم لك صحة ما ادّعيت من التأويل فى ذلك ؟ قیل : إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم ، وإنما أخبرنا أن معنی قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( أنزل القرآن على سبعة أحرف))، على نحو ما جاءت به الأخبار التى تقدّم ذكرناها . وهو ما وصفنا، دون ما ادعاه مخالفونا فى ذلك ، للعلل التى قد بينا . فإن قال: فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة، إن کان الأمر فىذلك على ما وصفتَ ، وقد أقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه،. وأمر بالقراءة بهنّ ، وأنزلهمن اللّه من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم؟ أنسخت فرُفعت، فما الدلالة على نسخها ورفعها ؟ أم نسيتهن الأمة ، فذلك تضييعُ ما قد أمروا بحفظه ؟ أم ما القصةُ فى ذلك؟ قيل له : لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة وهى مأمورة بحفظها. ولكنّ الأمة أمرت بحفظ القرآن ، وخُيُّرت فى قراءته وحفظه بأى تلك الأحرف السبعة شاءت . كما أمرت، إذا هى حتّتْ فى يمين وهى مُوسرة، أن تكفر بأىّ الكفارات الثلاث شاءت : إما بعتق ، أو إطعام ، أو كسوة . فلو أجمعَ جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث، دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاءَ المكفِّر ، كانت مُصيبةً حكمَ اللّه، مؤديةً فى ذلك الواجب عليها من حق الله. فكذلك الأمة، أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخُيّرت فى قراءته بأى الأحرف السبعة شاءت: قرأت ٥٩ مقدمة التفسير - لعلة من العلل أوجبتْ عليها الثباتَ على حرف واحد - قراءتَهُ بحرف واحد ، ورفْضَ القراءة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظُرْ قراءته بجميع حروفه على قارئه ، بما أذن له فى قراءته به . ٤. فإن قال : وما العلة التى أوجبت عليها الثبات على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية ؟ ٥٩ - قيل : حدثنا أحمد بن عَبْدةَ الضَّبى، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدّراوردى ، عن مُمارة بن غزِيَّة ، عن ابن شهاب ، عن خارجة بن زيد ابن ثابت، عن أبيه زید، قال: لما قُتل أصحابُ رسول الله صلی الله عليه وسلم باليمامة، دخل عمرُ بن الخطاب على أبى بكر رحمه الله فقال: إنّ أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم باليمامة تهافتوا تهافتَ الفراش فى النار ، وإنى أخشى أن لا يشهدوا موطناً إلا فعلوا ذلك حتى يُقْتّلوا - وهمْ حملةُ القرآن - فيضيعَ القرآن ويُنسَى. فلو جمعتَه وكلبته ! فنفر منها أبو بكر وقال: أفعل ما لم يفعل" رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! فتراجعا فى ذلك. ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت ، قال زيد: فدخلت عليه وُمر ◌ُحْزْئِلٌ(١)، فقال أبو بكر: إن هذا قد دَعانى إلى أمر فأبيتُ عليه، وأنت كاتبُ الوحى. فإنْ تكن معه اتبعتكما، وإن توافِقْنى لا أفعل . قال: فاقتصّ أبو بكر قولَ عمر ، وعمر ساكت ، فتفرت من ذلك وقلت : نفعلُ ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم! إلى أن قال عمر كلمة: ((وما عليكما لو فعلتما ٢١/١ ذلك؟)) قال: فذهبنا ننظر، فقلنا: لا شىء والله ! ما علينا فى ذلك شىء ! قال زيد: فأمرئى أبو بكر فكتبته فى قطع الأدم وكِسَرِ الأكتاف والعُسُب(٢). (١) احزأل الرجل: اجتمع وتحفز ورفع صدره كالمتبيء الأمر، فهو محزئل: منضم بعضه إلى بعض ، جالس جلسة المستوفز . (٢) الأدم جمع أديم: وهو الجلد المدبوغ، كانوا يكتبون فيه. والكسر جمع كسرة (بكسر فيسكون): وهى القطعة المكسورة من الشىء. والأكتاف جمع كتف: وهو عظم عريض فى أصل كتف الحيوان من الناس والدواب، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم يومئذ . والعسب جمع عسيب وهو : جريد النخل إذا نحى عنه خوصه . ٦٠ مقاسة التفسير فلما هلك أبو بكر وكانَ مُمر (١)، كتبَ ذلك فى صحيفة واحدة، فكانت عنده. فلما هلك ، كانت الصحيفةُ عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم . ثم إن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة كان غزاها بِمَرْج أرْمينية (٢)، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان فقال: (( يا أمير المؤمنين: أدرك الناس ! فقال عثمان: ((وما ذاك؟)) قال غزوت مَرْج أرمينية، فحضرها أهلُ العراق وأهلُ الشام ، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبيّ بن كعب ، فيأتون بما لم يسمع أهلُ العراق، فتكفرهم أهلُ العراق. وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ابن مسعود ، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام ، فتكفّرهم أهلُ الشام . قال زيد : فأمرئى عثمان بن عفان أكتبُ له مُصْحفاً، وقال: إنّى مدخلٌ معك رجلا لبيباً فصيحاً، فما اجتمعتما عليه فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلىّ. فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص ، قال: فلما بلغنا ( إنّ آيَةً مُلْكَه أَن يَأْ تِيْكُمُ التَابُوتُ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٨] قال: زيد فقلت: ((التابوه)) وقال أبان بن سعيد: ((التابوت))، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب: (( التابوت)) قال: فلما فرغتُ عرضته عَرْضةً، فلم أجد فيه هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [ سورة الأحزاب: ٢٣] قال: فاستعرضتُ المهاجرين أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضتُ الأنصار أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدُّها عند ◌ُخزيمة بن ثابت، فكتبتها، ثم عرضته عَرضَةً أخرى، فلم أجد فيه هاتين الآيتين: (لَقَدْ جَاءَكُّ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ (١) قوله ((وكان عمر))، أى ولى الأمر من بعده. وقال ابن حجر فى فتح البارى ٩ : ١٣ وذكر جمع القرآن فى الورق والصحف على عهد أبى بكر، ثم قال: «هذا كله أصبح مما وقع فى رواية عمارة بن غزية .. )) (٢) فى المطبوعة ((فى فرج أرمينية))، وكذلك التى تليها. والمرج: أرض واسعة كثيرة النبت تمرج فيها الدواب، أى تذهب وتجىء. وقد أضيف ((مرج)) إلى كثير من المواضع والبلاد. وأرض أرمينية واسعة خصيبة. وذكر ابن حجر فى الفتح ٩: ١٤ رواية ((فتح أرمينية)» و«فرج ٠ ٠) ولم يا كره مرج))، وذكرها أبو عمرو الدانى فى كتابه «المقنع)»: ؛ قال: ((وكانوا يقاتلون على مرج أرمينية)).