النص المفهرس
صفحات 1-20
تراث الإسلام تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبرى ٢٢٤ - ٣١٠ هـ ١ عَقْتُه وعلق حواشيه أحمد محمد شاكر راجَعَهُ وخرج أحاديثَه محمود محمد شاكر الطبعة الثانية الناشر مكتبة ابن تيمية القاهرة ت ٨٦٤٢٤٠ ٠٠ لسمالله الرحمن الرحيم تركه من الله وامر ٢/١ قرئ على أبى جعفر محمد بن جرير الطَّبرى فى سنة ست وثلثمئة ، قال : الحمد لله الذى حَجَّت الألبابَ بدائعُ حِكَمه، وخَصَمت العقولَ لطائفُ مُحُججه(١)، وقطعت عذرَ الملحدين عجائبُ صُنْعه، وهَتَفتْ فى أسماع العالمينَ ألسنُ أدلَّته، شاهدة أنه اللّه الذى لا إله إلا هو، الذى لا عدْلَ له معادل(٢)، ولا مثلَ له مماثل، ولا شريكَ له مُظاهر، ولا وَلدَ له ولا والد، ولم يكن له صاحبةٌ ولا كفواً أحدٌ ؛ وأنه الجبار الذى خضعت لجبروته الجبابرة ، والعزيز الذى ذلت لعزّته الملوكُ الأعزّة ، وخشعت لمهابة سطوته ذَوُو المهابة ، وأذعنَ له جميعُ الخلق بالطاعة طوعاً وكرهاً، كما قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿وللّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِىِ السَّمُواتِ والأَرْض ◌َوْعاً وَكَرْهاً وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوّ والآصال} [ سورة الرعد: ١٠] . فكل موجود إلى وحدانيته ذاع ، وکل محسوس إلى رُبوبيته هاد ، بما وسمّهم به من آثار الصنعة، من نقص وزيادة ، وعجز وحاجة، وتصرف فى عاهات عارضة، ومقارنة أحداث لازمة ، لتكونَ له الحجة البالغة . ثم أرْدف ما شهدتْ به من ذلك أدلَّتُه، وأكد ما استنارت فى القلوب منه بهجته، برسلٍ ابتعثهم إلى من يشاء من عباده ، دعاةً إلى ما اتضحت لديهم صحّته، وثبتت فى العقول حجته، ﴿ ◌ِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [ سورة النساء : ١٦٥] (١) حاجه يحاجه: نازعه الحجة، وحجه يحجه: غلبه على حجته. وخاصمه: جادله بالحجة والبرهان، وخصمه: غلبه وظهرت حجته على حجته. واللطائف: جمع لطيفة، وكل شىء دقيق محكم وغامض خی ، يحتاج إلى الرفق والتآنى فى إدرا که ، فهو لطيف . (٢) العدل (بكسر العين وفتحها وسكون الدال) والعديل: النظير والمثيل. وعادله: ساواه وماثله. ٣ ٤ مقدمة التفسير ولیذ کّر أولو النھی والحلم . فأمدّهم بعونه ، وأبانهم من سائر خلقه ، بما دل به على صدقهم من الأدلة ، وأيدهم به من الحجج البالغة والآى المعجزة ، لئلايقول القائل منهم(١): ﴿مَ هُذَا إِلاَّ بَثَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُلُونَ مِنْه وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ. وَلَئِنْ أَطَعُ بَشَرَأْمِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَخَاسِرُونَ﴾ [ سورة المؤمنون: ٣٣ فجعلهم سفراءَ بينه وبين خلقه ، وأمناءه على وحيه ، واختصهم بفضله ، واصطفاهم برسالته ، ثم جعلهم- فيما خصهم به منمواهبه، ومن به عليهم من کراماته۔ مرابَ مختلفة، ومنازل مُفترقة ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، متفاضلات من. ينات. فكرَّم بعضهم بالتكليم والنجوى ، وأيَّد بعضهم برُوح القدس، وخصّه بإحياء ٣/١ الموتى، وإبراء أولى العاهة والعمى، وفضَّل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، من الدرجات بالعليا ، ومن المراتب بالعُظمى . فحباه من أقسام كرامته بالقسم الأفضل (٢)، وخصه من درجات النبوة بالحظ الأجزل، ومن الأتباع والأصحاب بالنصيب الأوفر . وابتعثه بالدعوة التامة ، والرسالة العامة ، وحاطه وحيداً ، وعصمه فريداً ، من كل جبار عاند ، وكل شيطان مارد(٣)، حتى أظهر به الدّين، وأوضح به السبيل، وأنهج به معالم الحق، وَمَحَق به منار الشَّرك . وزهق به الباطلُ، واضمحل به الضلالُ وخُدَعُ الشيطان وعبادةُ الأصنام والأوثان (٤)، مؤيداً بدلالة على الأيام باقية، وعلى الدهور والأزمان ثابتة ، وعلى مَرِّ الشهور والسنين دائمة ، يزداد ضياؤها على كرّ الدهور إشراقاً، وعلى مرّ الليالى والأيام (١) فى المطبوع: ((القائل فيهم))، ومثل هذا التبديل كثير فى المطبوع، سأغفل منه ما شئت لكثرته ، وطلبا للاختصار فى التعليق بما لا غناء فيه . (٢) الأقسام: جمع قسم (بكسر فسكون)، وهو الحظ والنصيب من الخير . (٣) الجبار العنيد والعائد: الذى جار ومال عن طريق الحق، ثم عتا وطنا وجاوز قدره. والمارد: الذى مرن على الشر حتى بلغ الغاية ، فتطاول عتوا وتجبراً. (٤) فى المخطوطة: ((وجدع)) بالجيم مضمومة، من جدع الأنف، وهو قطعها، كناية عن الإذلال . ولا أظنها جيدة هنا . والخدع جمع خدعة (بضم فسكون): وهى ما يخدع به من المكر والختل . مقدمة التفسير ائتلافاً، خصِّصَى من اللّه له بها دون سائر رسله(١) - الذين قهرتهم الجبابرة، واستذلّتهم الأم الفاجرة ، فتعفَّتْ بعدهم منهم الآثار ، وأخلت ذكرهم الليالى والأيام - ودون من كان منهم مُرْسلا إلى أمة دون أمة ، وخاصّة دون عامة ، وجماعة دون كافَّة . فالحمدُ لله الذى كرمنا بتصديقه، وشرّفنا باتباعه، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به وبما دعا إليه وجاء به ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أزكى صلواته ، وأفضلَ سلامه ، وأتمّ تحياته . ثم أما بعد(٢)، فإنّ من جسيم ما خصّ اللّه به أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الفضيلة ، وشرَّفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة ، وحباهم به من الكرامة السنية ، حفظه ما حفظ عليهم - جلّ ذكره وتقدست أسماؤه - من وحيه وتنزيله ، الذى جعله على حقيقة نبوة نبيهم صلى الله عليه وسلم دلالة ، وعلى ما خصه به من الكرامة علامةً واضحة ، وحجةً بالغة ، أبانه به من كل کاذب ومفتر ، وفصّل به بينهم وبین کل جاحد وملحد ، وفرق به بينهم وبين كل كافر ومشرك ؛ الذى لو اجتمع جميعُ من بين أقطارها ، من جِنّها وإنسها وصغيرها وكبيرها ، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً (٣). فجعله لهم فى دُجَى الظُّلَم نوراً ساطعاً، وفى سُدَف الشُّبَه شهاباً لامعاً(٤)، وفى مضلة المسالك دليلا هادياً، وإلى سبل النجاة والحق حادياً ، ﴿يَهْذِى به اللهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَاتَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ ويُخْرِجُهُمْ مِنَ الظَلتَاتِ إِلى النُّورِ يإِذْنِهِ وَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة المائدة: ١٦]. حرسه بعين (١) فى المطبوع: ((تخصيصاً))، وهو تصرف من الطابعين. خصه بالشىء يخصه خصا وخصوصية (بفتح الخاء وضمها) وخصيصى : أفرده به دون غيره . (٢) حذف الطابعون قوله: ((ثم))، ليجعلوا كلام الطبرى دارجاً على ما ألفوا من الكلام. (٣) يضمن ما جاء فى سورة البقرة: ٢٣، ويونس: ٣٨، والإسراء: ٨٨. (٤) السدف: جمع سدقة، وهى ظلمة الليل يخالطها بعض الضوء ، تكون فى أول الليل وآخره ، ما بين الظلمة إلى الشفق ، وما بين الفجر إلى الصلاة . ٦ مقدمة التفسير منه لا تنام ، وحاطه برُكن منه لا يضام ، لاتَهِى على الأيام دعائمه ، ولا تبید على طول الأزمان معالمه ، ولا يجور عن قصد المحجَّة تابعه(١) ، ولا یضل عن سُبُل الهدى مُصَاحبه. من اتبعه فاز وهُدِى، ومن حاد عنه ضلَّ وغَوَى، فهو موثلهم الذى إليه عند الاختلاف يَئِلون، ومعقلهم الذى إليه فى النوازل يعقلون(٢)، وحصنهم الذی به من وساوس الشيطان یتحصنون ، وحكمة ربهم التی إليها يحتكمون، وفصْل قضائه بينهم الذى إليه ينتهون ، وعن الرضى به يصدرون ، وحبله الذى بالتمسك به من الهلكة يعتصمون . اللهم فوفقنا لإصابة صواب القول فى 'مُحْكَمه وُمتشابهه ، وحلاله وحرامه، وعامُهُ وخاصّه، ومجممتله ومفسَّره، وناسخه ومنسوخه، وظاهره وباطنه ، وتأويل آيه وتفسير مُشكله . وألهمنا التمسك به والاعتصام بمحكمه ، والثبات على التسليم المتشابه . وأوزعنا الشكر على ما أنعمتَ به علينا من حفظه والعلم بحدوده. إنك سميع الدعاء قريب الإجابة . وصلى الله على محمد النبي وآ له وسلم تسليماً. اعلموا عبادَ اللّه، رحمكم الله، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمه العناية، وبُلِغت فى معرفته الغاية، ما كان الله فى العلم به رضى، والعالم به إلى سبيل الرشاد هُدى، وأن أجمعَ ذلك لباغيه كتابُ الله الذى لا ريب فيه ، وتنزيله الذى لا مِرْية فيه ، الفائزُ بجزيل الذخر وسنىّ الأجر اليه ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيلٌ من حكيم حميد(٢) . ونحن - فى شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه - منشئون إن شاء اللّه ذلك، كتاباً مستوعباً لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه ، جامعاً ، ومن سائر الكتب (١) المحجة: الطريق. والقصد: استقامة الطريق وسهولته. (٢) وأل يثل وألا ووؤولا: لجأ طلباً النجاة. والموثل: الملجأ والمنجى. والمعقل: الحصن المنيع فى رأس الجبل، وعقل إليه يعقل عقلا وعقولا: لجأ إليه وامتنع به. وفى المطبوعة ((يعتقلون))، وفى المخطوطة مثلها غير منقوطة. ولم أجد ((اعتقل)) بمعنى عقل. وإن صحت فى قياس العربية. (٣) تضسمين آية سورة فصلت: ٤٢. مقدمة التفسير غيره فى ذلك كافياً. ومخبرون فى كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما ٤/١ اتفقت عليه منه(١)، واختلافها فيما اختلفت فيه منهُ. ومُبيستو عِدَل كل مذهب من مذاهبهم ، ومُوَضُحو الصحيح لدينا من ذلك ، بأوجز ما أمكن من الإيجاز فى ذلك ، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه . واللّهَ نسألُ عونه وتوفيقه لما يقرب من محَابِّهِ، ويُبْعد من مَساخِطه . وصلى الله على صَفوته من خلقه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً . وأولُ ما نبدأ به من القِيل فى ذلك : الإبانةُ عن الأسباب التى البدايةُ بها أولى، وتقديمها قبل ما عداها أحْرى .. وذلك : البيانُ عما فى آى القرآن من المعانى التى من قِبلها يدخل اللَّبْس على من لم يعان رياضةَ العلوم العربية ، ولم تستحكم معرفتُه بتصاريف وجوه منطق الألسُن السليقية الطبيعية . (١) فى المطبوعة ((عليه الأمة))، وهو تصرف لا خير فيه. والهاء فى ((منه)) راجعة إلى کتاب الله. : ( القولُ فى البيانِ عن اتفاق معانى آى القرآن ، ومعانى منطق مَنْ نزل بلسانه القرآن من وَجْه البيان - والدلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة - مع الإبانة عن فضْل المعنى الذى به بَايَنَ القرآنُ سائرَ الكلام) قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى ، رحمه الله: إن من أعظم نعم الله تعالى ذكره على عباده ، وجسيم مِنَّته على خلقه ، ما منحهم من فَضْل البيان الذى به عن ضمائرِ صُدُورهم يُبينون ، وبه على عزائم نفوسهم يَدُلّون، فذَلَّل به منهم الألسن(١)، وسهَّل به عليهم المستصعِب. فیهِ إِیاہ یُوَحُّدون، وإيَّاه به يُسَبُّحون ويقدِّسون، وإلىحاجاتهم به يتوصلون ، وبه بينهم يتّحاورُون ، فيتعارفون ويتعاملون . ثم جعلهم ، جلّ ذكره - فيما منحهم من ذلك- طبقاتٍ ، ورفع بعضهم فوق بعض درجاتٍ: فَبَيْنَ خطيب مُسْهِب، وذَلِقِ اللسان مُهْذِب، ومفْحَمٍ (٢) عن نفسه لاُ يبين ، وَعَىّ عن ضمير قلبه لاُ يُعبّر. وجعل أعلاهم فيه رُتبة ، وأرفعهم فيه درجةً ، أبلغَهم فيما أرادَ به بلاغاً ، وأبينَهم عن نفسه به بياناً . ثم عرفهم فى تنزيله ومحكم آي كتابه فضلَ ما حباهم به من البيان ، على من (١) ذلل الشىء: لينه وسبله ونى عنه جفوته وصعوبته . (٢) أسهب الرجل: أكثر الكلام، فإذا أكثر الكلام فى خطأ قالوا: رجل مسبب (بفتح الماء)، وإذا أكثر وأصاب فهو مسبب (بكسر الهاء). وذلق اللسان: فصيح طليق لا يتوقف . وقوله ((مهذب)): من أهذب الطائر فى طيرانه، والفرس فى عدوه، والمتكلم فى كلامه: أسرع وتابع ، وفى حديث أبي ذر «فبمل يهذبُ الركوع)) أى يسرع فيه ويتابعه. يقال: كلمتى فلان فأفحمته: أسكنه فلم يلق جواباً وانقطع، فهو منسم. وفى المطبوعة ((ومعجم عن نفسه ... )) ٨ مقدمة التفسير فضّلهم به عليه من ذى البَكّم والمُستَعْجِم اللسان (١) ، فقال تعالى ذكره: ﴿أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ فِ الحِلْيَةِ وَهْوَ فِ الخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ﴾ [سورة الزخرف: ١٨]. فقد وَضَحَ إِذاً لذوى الأفهام ، وتبين لأولى الألباب ، أنّ فضلَ أهل البيان على أهل البتكتم والمستعجيم اللسان ، بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه ، واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته بلسانه . فإذْ كان ذلك كذلك - وكان المعنى الذى به باينَ الفاضلُ المفضولَ فى ذلك، فصار به فاضلاً والآخرُ مفضولاً، هو ما وصفنا من فضْل إبانة ذى البيان، عما قصّر عنه المستعجمُ اللسان ، وكان ذلك مختلفَ الأقدار ، متفاوتَ الغابات والنهايات - فلا شك أن أعلى منازل البيان درجةً ، وأسنى مراتبه مرتبةً، أبلغُه فى حاجة المُبين عن نفسه، وأبينُه عن مراد قائله ، وأقربُه من فهم سامعه. فإن تجاوز ذلك المقدار ، وارتفع عن وُسْع الأنام ، وعجز عن أن يأتى بمثله جميعُ العباد، كان حجةً وعَلَماً لرسل الواحد القهار - كما كان حجةً وعَلَماً لها إحياءُ الموتى وإبراءُ الأبرص وذوى العمى ، بارتفاع ذلك عن مقادير أعلى منازل طبّ المتطبين(٣)، وأرفع مراتب علاج المعالجين، إلى ما يعجز عنه جميع العالمين. وكالذى كان لها حجةً وعَلّماً قطعُ مسافة شهرين فى الليلة الواحدة ، بارتفاع ذلك عن وُسع الأنام ، وتعذُّر مثله على جميع العباد ، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين ، واليسير ٥/١ منه فاعلين . فإذْ كان ما وصفْنًا من ذلك كالذى وصفْنا، فبيّنّ أنْ لا بيان أبْيَنُ، ولا حكمة أبلغُ، ولا منطقَ أعلى، ولا كلامَ أشرفُ - من بيان ومنطق تحدّى (١) كل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم. استعجمت عليه قراءته: التبست عليه فلم يتهيأ له أن يمضى فيها، فكت وانقطع عن القراءة . (٢) مقادير: جمع مقدار، وهو القوة، ومثله القدر والقدرة والمقدرة . ١٠ مقدمة التفسير به امرؤ قوماً فى زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة ، وقِيلِ الشعر والفصّاحة ، والسجع والكهانة ، على كل خطيب منهم وبليغ(١) ، وشاعر منهم وفصيح ، وكلّ ذى سجع وكهانة - فسفَّه أحلامهم، وقصّر بعقوه (٢)، وتبرأ من دينهم ، ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به ، والإقرار بأنه رسولٌ إليهم من ربهم. وأخبرهم أن دلالته على صدق مقالته، وحجَّته على حقيقة نبوّته - ما أتاهم به من البيان ، والحكمة والفرقان ، بلسان مثل ألسنتهم، ومنطق موافقة معانيه معانىَ منطقهم . ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عَجَزَة، ومن القدرة عليه نقيّصَةٌ. فأقرّ جميعُهم بالعجز، وأذعنوا له بالتصديق ، وشهدوا على أنفسهم بالنقص . إلا من تجاهل منهم وتعامى ، واستكبر وتعاشى ، فحاول تكلّف ما قد علم أنه عنه عاجز ، ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر . فأبدى من ضعف عقله ما كان مستتراً، ومن عِىّ لسانه ما كان مصُوناً ، فأتى بما لا يعجِزُ عنه الضعيف الأخرق، والجاهل الأحمق، فقال: ((والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، فالخابزات خبزاً، والثاردات ثَرْداً، واللاقمات لقما))!(٣)، ونحو ذلك من الحماقات المشبهة دعواه الكاذبة . فإذْ كان تفاضُلُ مراتب البيان، وتبايُنُ منازل درجات الكلام ، بما وصفنا قبل - وكان الله تعالى ذكرُه وتقدّست أسماؤه، أحكم الحكماء، وأحلم الحلماء، (١) فى المطبوعة: ((كل خطيب ... )) بحذف ((على))، وفى المخطوطة ((على خطيب ... )) بحذف ((كل)). وكلتاهما لا يستقيم بها كلام. والصواب ما أثبتناه . وأراد الطبرى أنهم رؤساء صناعة الخطب والبلاغة ... على كل خطيب منهم وبليغ)). يعنى أن الذين تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن من العرب، كانوا رؤساء البيان والبلاغة على كل مبين وبليغ من سائر العرب. (٢) سفه أحلامهم: نسبهم إلى السفه، وهو خفة الحلم واضطراب الرأى وضعفه، وهو باب من الجهل. وفى المطبوعة: ((وقصر معقولهم)) والمعقول مصدر كالعقل، يقال: ما لفلان معقول، أى ما له عقل. وكأنه أراد بقوله ((قصر)): نسبهم إلى قصر العقل وقلته. وأما قوله ((قصر بعقولهم))، فكأنه ضمن ((قصر)» معنى استخف بها، فعداه بالباء، أى عاب عقولهم واستقصرها واستخف بها . وأنا فى شك من صواب هذا الحرف . (٣) من هذيان مسيلمة الكذاب لعنه الله. انظر تاريخ الطبرى ٣: ٢٤٥ وسواه. ١١ مقدمة التفسير - كان معلوماً أن أبينَ البيان بيانُه، وأفضلَ الكلام كلامه ، وأن قدرَ فضْل بيانه ، جلّ ذكره ، على بيان جميع خلقه، كفضله على جميع عباده . فإذْ كان كذلك - وكان غيرَ مبين منًا عن نفسه مَنْ خاطبَ غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب - كان معلوماً أنه غير جائز أن يخاطب جل ذكره أحداً من خلقه إلا بما يفهمه المخاطَبُ، ولا يرسلَ إلى أحد منهم رسولاً برسالة إلا بلسان وبيان يفهمه المرسَلُ إليه. لأن المخاطب والمرسَلَ إليه، إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه ، فحالهُ - قبل الخطاب وقبل مجىء الرسالة إليه وبعده - سواءٌ ، إذ لم يفدْه الخطابُ والرسالةُ شيئاً كان به قبل ذلك جاهلا . والله جل ذكره يتعالى عن أن يخاطب خطاباً أو يرسل رسالةٌ لا توجب فائدة لمن خُوطب أو أرسلت إليه ، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث ، واللّه تعالى عن ذلك مُتَعالٍ . ولذلك قال جل ثناؤه فى محكم تنزيله: ﴿وما أَرْسَلْنَ مِنْ رَسُولِ إِلَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُّبَيْنَ لَهُمْ﴾ [سورة إبراهيم: ٤]. وقال لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الِكِتَابَ إلاَّ لِتُبِّنَ لَهُمُ الَّذِىِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدَى ورَْحَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النحل: ٦٤]. فغير جائز أن يكونَ به مهتدياً،من كانَ بما يُهْدَى إليه جاهلاً . فقد تبين إذاً - بما عليه دللنا من الدّلالة - أن كلّ رسول الله جل ثناؤه أرسله إلى قوم، فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه ، و کل کتاب أنزله على نبی، ورسالة أرسلها إلى أمة ، فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه . فاتضح بما قلنا ووصفنا ، أن كتاب الله الذى أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، بلسان محمد صلى الله عليه وسلم. وإذْ كان لسان محمد صلى الله عليه وسلم عربيًّا، فبيّنّ أن القرآن عربىٌّ . وبذلك أيضاً نطق محكم تنزيل ربنا ، فقال جل ذكره : ٦/١ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبًا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة يوسف: ٢]. وقال: ﴿وَإِنَّهُ ١٢ مقدمة التفسير لَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأُمِينُ. ◌َلَى قَلْبِكُ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبىّ مُبِينٍ﴾ [ سورة الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وإذْ كانت واضحةً صحة ما قلنا - بما عليه استشهدنا من الشواهد ، ودللنا عليه من الدلائل - فالواجبُ أن تكون معانى كتاب اللّه المنزّل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لمعانى كلام العرب موافقةً، وظاهرُه لظاهر كلامها ملائماً، وإن باينه كتابُ اللّه بالفضيلة التى فضَلَ بها سائرَ الكلام والبيان ، بما قد تقدّم وَصْفُنَاهُ. فإذْ كان ذلك كذلك، فبيُن - إذْ كان موجوداً فى كلام العرب الإيجازُ والاختصارُ ، والاجتزاءُ بالإخفاء من الإظهار ، وبالقلة من الإكثار فى بعض الأحوال، واستعمالُ الإطالة والإكثار، والترداد والتكرار، وإظهارُ المعانى بالأسماء دون الكتابة عنها ، والإسرار فى بعض الأوقات، والخبرُ عن الخاص فى المراد بالعامّ الظاهر، وعن العامّ فى المراد بالخاصّ الظاهر، وعن الكناية والمرادُ منه المصرَّح ، وعن الصفة والمرادُ الموصوف ، وعن الموصوف والمرادُ الصفة، وتقديمُ ما هو فى المعنى مؤخر، وتأخيرُ ما هو فى المعنى مقدّم، والاكتفاءُ ببعض من بعض ، وبما يظهر عما يحذف ، وإظهارُ ما حظه الحذف (١) أن يكون ما فى كتاب الله المنزّل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك، فى كلّ ذلك له نظيراً، وله مِثْلاً وشبهاً . ونحن مُبَّنُو جميع ذلك فى أماكنه، إن شاء اللّه ذلك وأمدّ منه بعون وقوّة . (١) قوله: ((أن يكون ... ) مبتدأ قوله ((فبين))، وما بينهما اعتراض طويل؛ وهذا دأب الطبرى أبداً ، حتى كأنه لم يكن يخشى على قارىء أن يسود فهمه أو تكل فلته . ﴿ القول فى البيان ) ﴿عن الأحرف التى اتفقت فيها ألفاظ العرب) ﴿ وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم) قال أبو جعفر: إن سألنا سائل فقال: إنك ذكرت أنه غيرُ جائز أن يخاطب اللّه تعالى ذكرهُ أحداً من خلقه إلا بما يفهمه ، وأن يرسل إليه رسالة إلا باللسان الذى يفقهه .. . . ١ - فما أنت قائل فيما حدثكم به محمد بن حُميد الرازى، قال : حدثنا حتّكّام بن سَلْ، قال: حدثنا عْبسة ، عن أبى إسحق، عن أبى الأحوص عن أبى موسى: ﴿يُؤْتِكُمْ كَفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [سورة الحديد: ٢٨]، قال : الكفلان : ضعفان من الأجر ، بلسان الحبشة(١). ٢ - وفيما حدثكم به ابن ◌ُمَيْد، قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة، عنأبى إسحق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [سورة المزمل: ٦] قال : بلسان الحبشة إذا قامَ الرجلُ من الليل قالوا: نشأ(٢). ٣ - وفیما حد ٹکم به ابن حميد قال: حد ◌ّثنا حکام، قال : حدثناعنبسة ، عن أبى إسحق، عن أبى ميسرة: (يا جيالُ أَوِّبِى معهُ﴾ قال: سبُّحى، بلسان الحبشة(٣)؟ قال أبو جعفر : وكل ما قلنا فى هذا الكتاب ( حد ٹكم ) فقد حدثونا به . (١) الخبر ١ - يأتى بهذا الإسناد فى تفسير سورة الحديد: ٢٨ وفى إسناده هناك خطأ. (٢) الخبر ٢ - يأتى بإسناده في تفسير سورة المزمل: ٦ (٣) الخبر ٣ - يأتى بإسناده فى تفسير سورة سبأ: ١٠ ١٣ ١٤ ٠ مقدمة التفسير ٤ - وفيما حدثكم به محمد بن خالد بن خداش الأزديّ ، قال: حدثنا سلم ابن قتيبة، قال : حدثنا حماد بنسلمة عنعلىبن زيد ، عن یوسف بن مهران، عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه سئل عن قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسورَةٍ﴾ [سورة المدثر: ٥١] قال: هو بالعربية الأسد، وبالفارسية شار، وبالنبطية أريا، وبالحبشية قسورة(١). ٥ - وفيما حدثكم به ابن حميد قال: حدّثنا يعقوب القمّى ، عن جعفربن أبى المغيرة، عن سعيد بن جُبّير قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجميًّاً وعربياً؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ، أعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىِّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدَى وَشِفَاءٌ﴾ [ سورة فصلت: ٤٤] فأنزل الله بعدهذه الآية فى القرآن بكل لسان فيه. ﴿حجارةٌ من سجيل﴾ [سورة هود: ٨٢، وسورة الحجر: ٧٤] قال: فارسية أعربت ((سنك وكل(٢))). ٦ - وفیما حدثكم به محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدىّ، قال: حدثنا إسرائيل ، عن أبى إسحق ، عن أبى ميسرة، قال : فى القرآن من كل لسان (٣) . ٧/١ وفيما أشبه ذلك من الأخبار التى يطولُ بذكرها الكتاب ، مما يدل على أن فيه من غير لسان العرب ؟ قيل له : إنّ الذى قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا - من أجل أنهم لم يقولوا: هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلاماً ، ولا كان ذاك (١) الخبر ٤ - يأتى بإسناده فى تفسير سورة المدثر: ٥١ (٢) الخبر ٥ - يأتى بإسناده فى تفسير سورة فصلت: ٤٤. ونص الخبر هناك: ((فأنزل الله بعد هذه الآية كل لسان فيه ... )) وهى أجود. وفى الدر المنثور٥: ٣٦٧: ((وأنزل الله تعالى بعد هذه الآية فيه بكل لسان . حجارة ... )). ثم يأتى بإسناده مختصراً فى تفسير سورة هود: ٨٢. وانظر سائر ما روى فى ((سجمل)) فى تفسير سورة الفيل: ٤. وقوله ((حجارة من مجميل)) .. كلام مستأنف، ضربه مثلا لما جاء فى القرآن من الألسنة الأخرى . (٣) الخبر ٦ - لم أجده فى مكان آخر بعد. وهو فى الدر المنثوره: ٣٦٧ وفيه: ((بكل لسان)). ١٥ مقدمة التفسير لها منطقاً قبل نزول القرآن، ولا كانت بها العرب عازفةً قبل مجىء الفرقان - فيكون ذلك قولا لقولنا خلافاً (١). وإنما قال بعضهم : حرف كذا بلسان الحبشة معناهُ كذا ، وحرفُ كذا بلسان العجم معناه كذا . ولم نستنكر أن یکون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد ، فكيف يجنسين منها؟ كما قد وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة ، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقر طاس، وغير ذلك - مما يتعب إحصاؤه وُيميلّ تعداده ، كرهنا إطالة الكتاب بذكره - مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى. ولعل ذلك كذلك فى سائر الألسن التى نجهل منطقها ولا نعرف كلامها. فلو أن قائلا قال - فيما ذكرنا من الأشياء التى عددْنا وأخبرنا اتفاقه فى اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية ، وما أشبه ذلك مما سكتنا عن ذكره - : ذلك کله فارسی لا عربى ، أو ذلك كله عربى لا فارسى ، أو قال : بعضه عربى وبعضه فارسى ، أوقال : كان يخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به ، أوقال : كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته- كان مُستجهَلاً (٢). لأن العربَ ليست بأولى أن تكون كان مخرجُ أصل ذلك منها إلى العجم، ولا العجم أحقّ أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب ، إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجوداً فى الجنسين . وإذْ كان ذلك موجوداً على ما وصفنا فى الجنسين ، فليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر. والمدّعى أن مخرج صل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر ، مدّعٍ أمراً لا يوصّل إلى حقيقة صحّته إلا بخبر يوجب العلم، ويزيل الشك"، ويقطع العذرَ محتُه. (١) خلاف: مخالف، وسيكثر مجيئها فى كلام الطبرى. (٢) قوله: ((كان مستجهلا))، جواب قوله: ((لو أن قائلا قال ... )). والفصل فى عبارة الطبرى يكون أطول من هذا، كما سيمر بك. واستجهل فلاناً: عده جاهلا، أو وجده جاهلا . والجهل هنا : فساد الرأى واضطرابه، لأنه مبنى على التحكم المحض، كما ترى فى رد الطبرى . ١٦ مقدمة التفسير بل الصواب فى ذلك عندنا: أنْ يسمّى: عربيًّا أعجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا، إذا كانت الأمّتان له مستعملتين - فى بيانها ومنطقها - استعمالَ سائر منطقها وبيانها . فليس غيرُ ذلك من كلام كلّ أمة منهما ، بأولى أن يكون إليها منسوباً - منه(١). فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفى معناها ، وُوُجد ذلك مستعملا فى كل جنس منها استعمالَ سائرٍ منطقهم ، فسبيلُ إضافته إلى كل جنس منها ، سبيلُ ما وصفنا - من الدرهم والدينار والدواة والقلم ، التى اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد ، فى أنه مستحقٌّ إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس - اجتماعٌ واقترانٌ(٢). وذلك هو معنى من روينا عنه القول فى الأحرف التى مضت فى صدر هذا الباب، من نسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الحبشة ، ونسبة بعضهم بعض" ذلك إلى لسان الفرس، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الروم. لأنّ من نسب شيئاً من ذلك إلى ما نسبه إليه ، لم ينفٍ - بنسبته إياه إلى ما نسبه إليه - أن يكون عربيًّا، ولا من قال منهم: هو عربىّ ، نفى ذلك أن يكون مستحقًّا النسبة إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الأمم غيرها. وإنما يكون الإثبات دليلا على الفى ، فيما لا يجوز اجتماعه من المعانى ، كقول القائل : فلان قائم ، فيكون بذلك من قوله دالاً على أنه غير قاعد ، ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما. فأمّا ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى . وذلك كقول القائل ٨/١ فلان قائم مكلّمٌ فلاناً، فليس فى تثبيت القيام له ما دلَّ على نفى كلام آخر، (١) قوله ((منه))، متعلق بقوله ((بأولى))، أى ((بأولى مته .... (٢) فى المطبوعة ((باجتماع وافتراق)). وأراد الطبرى بقوله ((اجتماع واقتران)) أى أن يقال هو: ((عربى أعجى، أو حبشى عربى))، كما مر آنفاً فى كلامه. وسياق عبارته بعد حذف التفسير والاعتراض من كلامه هو هذا: «فسبيل إضافته إلى كل جنى منها، سبيل ما وصفنا ... اجتماع واقتران)). أى أن يجمع بين الوصفين أو يقرن بين النسبتين. ١٧ مقدمة التفسير جواز اجتماع ذلك فى حالٍ واحدٍ من شخص واحد . فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به . فكذلك ما قلنا - فى الأحرف التى ذكرنا وما أشبهها - غيرُ مستحيل أن يكون عربياً بعضها أعجميًا، وحبشيًا بعضها عربياً، إذ كان موجوداً استعمالُ ذلك فى كلتا الأمتين . فناسبُ ما تسبَ من ذلك إلى إحدى الأمتين أو كلتيهما محقّ غيرُ مبطل. فإن ظن ذو غباء أنّ اجتماع ذلك فى الكلام مستحيلٌ - كما هو مستحيل فى أنساب بنى آدم - فقد ظنّ جهلاً . وذلك أن أنساب بنى آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر، لقول الله تعالى ذكره: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْتَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ [سورة الأحزاب: ٥]. وليس ذلك كذلك فى المنطق والبيان، لأنّ المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفاً استعمالُه. فلو عُرِف استعمالُ بعض الكلام فى أجناس من الأمم - جنسين أو أكثر - بلفظ واحد ومعنى واحد ، كان ذلك منسوباً إلى كل جنس من تلك الأجناس ، لا يستحق جنسٌ منها أن يكون به أولى من سائر الأجناس غيره . كما لو أنّ أرضاً بين سهل وجبل، لها هواء السهل وهواء الجبل ، أو بين برٌّ وبحرٍ، لها هواء البر وهواءُ البحر ... لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سُهْلية جبلية(١). أو بأنها بَرِّية بَحْرية، إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافيةً حقَّها من النسبة إلى الأخرى . ولو أفردَّ لها مفردٌ إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الأخرى ، كان صادقاً محقًّا . وكذلك القول فى الأحرف التى تقدم ذكرُناها فى أول هذا الباب . وهذا المعنى الذى قلاء فى ذلك ، هو معنى قول من قال : فى القرآن من كل لسان - عندنا بمعنى، والله أعلم: أنّ فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التى تنطق به ، نظير ما وصفنا من القول فيما مضى . (١) النسبة إلى سهل (يفتح فسكون): سجل، بضم السين، على غير القياس. (٢) ١٨ مقدمة التفسير وذلك أنه غيرُ جائز أن يُتوهم على ذى فطرة صحيحة، مقرّ بكتاب اللّه، ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود الله - أن يعتقد أنّ بعضَ القرآن فارسى لا عربى، وبعضه نبطی لاعربى ، وبعضه رومى لا عربى ، وبعضه حبشى لاعربى (١)، بعد ما أخبر اللّه تعالى ذكرُه عنه أنه جعله قرآناً عربيًا. لأن ذلك إنْ كان كذلك، فليس قولُ القائل: القرآن حبشىٍّ أو فارسىٌّ، ولا نسبةُ من نسبه إلى بعض ألسن آلآم التى بعضُه بلسانه دون العرب - بأولى بالتطويل من قول القائل(٢): هو عربى. ولا قولُ القائل: هو عربىِّ بأولى بالصّحة والصواب من (١) فى المطبوع والمخطوط (وبعضه عربى لا فاربى)) مكان ((وبعضه رومى لا عربى))، وهو فاسد المعنى فآثرت أن أثبت ما يقتضيه سياق الكلام . وقد ذكر الروم آنفاً فى ص ١٦ . (٢) فى المطبوعة: ((بالتطول)) وأراد الطبرى بقوله ((التطويل)) نسبة القول إلى التزيد والسعة فى الكلام، حتى يستغرق الوصف بإحدى الصفات سائر الصفات الأخرى. وكلام الطبرى يحتاج إلى فضل بيان - مق أمل قوله: ((وذلك أنه غير جائز أن يتوهم ... )) إلى قوله: ((ولا جائز نسبته إلى كلام العرب)». فأقول : أراد الطبرى أن يقول : إنه لا يستقيم فى العقل أن يكون الرجل مؤمناً بكتاب الله ، عارفاً بمعانيه وحدوده، مقراً بأن الخبر قد جاء من ربه أنه جعل القرآن ((قرآناً عربيا)»، ولم يجعله أعجميا بقوله ((ولو جعلناه قرآناً أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أ أعجمى وعربى)» - ثم يعتقد مع ذلك: أن بعض القرآن فارسى لا عربى، وبعضه قبطى لا عربى ، وبعضه رومى لا عربى، وبعضه حبشى لاعربى. فإنه إن فعل، فقد نى عن بعض القرآن أنه عربى، وانه يصف القرآن كله بأنه عربى . وأثبت لبعض القرآن أنه أعجمى ، والله تعالى ينفى عن جميعه أنه أعجمى. وخبر اللّه تعالى عن كتابه أنه جعله ((قرآنا عربيا)) صفة شاملة لا يجوز لأحد أن يخصص شمولها على بعض القرآن دون بعض. ولو جاز لأحد أن يخصص شمولها من عند نفسه فيقول: (« بعض القرآن حيثى لا عربى، أو فارسى لا عربى ... ))، لجاز أيضاً لقائل أن يقول من عند نفسه: (( القرآن حيثى أو فارسى أو رومى، أو أعجمى)). وحجة الطبرى فى ذلك: أن الذى يخصص شمول الصفة من عند نفسه على بعض القرآن بأنه عربى، ويقول إن بعضه الآخر يوصف بأنه حيثى أو فارسى أو رومى - يدعى أن وصف القرآن بأنه عربى ، محمول على تغليب إحدى الصفات على سائر الصفات الأخرى. ولو جاز ذلك ، لجاز لقائل أن يقول : (((القرآن حبشى أو فارسى أو رومى))، لأنه فعل مثله، فغلب إحدى الصفات على الصفات الأخرى. وإذا اقتصر المقتصر على صفة بعضه فقال: ((القرآن حبشى أو فارسى))، لم يكن أولى بأن ينسب إلى التوسع فى الكلام والتزيد فى الصفة، من القائل: ((القرآن عربى))، لأنه اقتصر أيضاً على صفة بعضه ، فتوسع فى الكلام وتزيد فى الصفة . وإذا كان ما فى القرآن من فارسی و رومی ونبطى وحبشى ، نظير ما فيه من عربى ، فليس قول القائل: ((القرآن عربى))، أولى بالصحة والصواب من قول القائل: ((القرآن فارسى أو حبشى))، ١٩ مقامة التفسير قول ناسبه إلى بعض الأجناس التى ذكرنا . إذ كان الذى بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الأمم فيه ، نظير الذى فيه من لسان العرب . وإذا كان ذلك كذلك ، فبيِّن إذاً خطأ من زعم أن القائل من السلف : فى القرآن من كل لسان ، إنما عنى بقيله ذلك ، أنّ فيه من البيان ما ليس بعربيّ ، ولا جائز نسبته إلى لسان العرب . ويقال لمن أبى ما قلنا - ممن زعم أن الأحرف التى قدمنا ذكرها فى أول الباب وما أشبهها ، إنما هى كلام أجناس من الأمم سوى العرب ، وقعت إلى العرب فعرَّبته -: ما برهانك على صحة ما قلت فى ذلك ، من الوجه الذى يجب التسليم له ، فقد علمتَ من خالقك فى ذلك ، فقال فيه خلاف قولك ؟ وما الفرقُ بينك وبين من عارضك فى ذلك فقال : هذه الأحرف ، وما أشبهها من الأحرف غيرها ، أصلها عربى ، غير أنها وقعت إلى سائر أجناس الأمم غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها - من الوجه الذى يجبُ التسليم له ؟ فلن يقول فى شىء من ذلك قولا إلا ألزم فى الآخر مثله . فإن اعتلَّ فى ذلك بأقوال السلف التى قد ذكرنا بعضها وما أشبهها ، طولب فكلاهما أطلق صفة أحد النظيرين على الآخر . وإذا جاز لأحدهما أن يفعل ذلك مصيباً فى قوله ، جاز للآخر مثله مصيباً فى قوله . وهذا فساد من القول وتناقض، ومخالف لقوله تعالى: ((ولو جعلناه قرآناً أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أ أعجمى وعربى))، فهذه شهادة من اللّه تعالى بأنه لم يجعله أعجمياً، كشهادته سبحانه بأنه جعله ((قرآناً عربيا)). وقد اقتضى مذهب هذا القائل أن يقال: ((القرآن حيثى أو فارسى)). كما يقال: ((القرآن عربى)) سواء. فناقض هذا قول الله سبحانه. وهذا قول ((غير جائز أن يتوهم على فى قطرة صيحة، مقر بكتاب اله، ممن قرأ القرآن، وعرف حدود الله)) كما قال الطبرى رحمه الله. وإذن فقول القائل من السلف: ((فى القرآن من كل لسان)»، ليس يعنى به أن فيه ماليس بعربى مما لا يجوز أن ينسب إلى لسان العرب - بل معناه أن فيه ألفاظاً استعملتها العرب، وهذه الألفاظ أنفسها مما استعملته الفرس أو الروم أو الحيش، على جهة اتفاق اللغات على استعمال لفظ واحد بمعنى واحد ، لا على جهة انفراد الكلمة من القرآن بأنها فارسية غير عربية ، أو رومية غير عربية . فإن السلف أعرف بكتاب الله وبمعافيه وبحدوده، لا يدخلون الفساد فى أقوالهم، مناقضين شهادة الله لکتابه بأنه عرب غير أعجمى . ٢٠ مقدمة التفسير - مطالبتنا من تأوّل عليهم فى ذلك تأويله - بالذى قد تقدم بيانه . وقيل له: ٩/١ ما أنكرت أن يكون من نسب شيئاً من ذلك منهم إلى من نسبه من أجناس الأم سوى العرب، إنما نسبه إلى إحدى نسبتيه التى هو لها مستحق ، من غير نّفى منه عنه النسبة الأخرى ؟ ثم يقال له: أرأيتَ من قال لأرض سُهْلية جبلية: هى سُهلية ، ولم ينكر أن تكون جبلية ، أو قال : هى جبلية ، ولم يدفعْ أن تكون سُهْلية ، أناف عنها أن تكون لها الصفة الأخرى بقيله ذلك ؟ فإن قال: نعم ! كابر عَقْلَه. وإن قال : لا، قيل له: فما أنكرت أن يكون قولُ من قال فى سجّيل: هى فارسية ، وفى القسطاس : هى رومية - نظيرَ ذلك؟ وسئل الفرقَ بين ذلك، فلن يقول فى أحدهما قولا إلا ألزم فى الآخر مثله .