النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة نوح : الآيات ١٩ - ٢١
لكم الأرضَ بساطًا تَسْتَقِرُون عليها وتَمْتَهِدونها .
وقولُه: ﴿لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُّلَا فِيجَاجًا﴾. يقولُ: لتَسْلُكُوا منها طرقًا شِعابًا(١)
متفرقةً . والفِجاج جمعُ فجّ، وهو الطريقُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٠١١/٢ ١ ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا
سُبُلًا فِجَاجًا﴾. قال: طُرُقًا وأعلامًا .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه :
لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلَا فِجَاجًا﴾. قال: طرقًا(٢) .
/حدَّثنى علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ ٩٨/٢٩
قولَه: ﴿لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلَا فِجَاجًا﴾. يقولُ: طرقًا مختلفةً(٣).
وقولُه: ﴿قَالَ نُوٌرَّبِّ إِنَهُمْ عَصَوْنٍ ﴾. ١ یقولُ تعالی ذکرُه: قال نوح: ربِّ
إن قومى عَصَوْنى٢، فخالَفوا أمرى، وردُّوا علىَّ ما دعَوْتُهم إليه من الهدَى والرَّشادِ ،
﴿ وَأَتَّبَعُوْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ: إِلَّا خَسَارًا﴾. يقولُ: واتَّبَعوا فى معصيتِهم إياى مَن
دعاهم إلى ذلك ممن كثُر ماله وولده فلم يَزِدْه كثرةُ مالِه وولدِه إلا خَسارًا وبُعدًا مِن
اللهِ ، وذَهابًا عن مَحَجَّةِ الطريقِ .
واختلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَوَلَدُهُ﴾؛ فقرَأَتَه عامةُ قرأةِ المدينةِ :
(١) فى م: ((صعابا)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣١٩/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٥٠/٢ - من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٦٩/٦ إلى ابن المنذر.
(٤ - ٤) سقط من : م.

٣٠٢
سورة نوح: الآيتان ٢٢،٢١
وَوَلَدُهُ﴾ بفتح الواوِ واللامٍ، وكذلك قرَءوا ذلك فى جميع القرآنِ. وقرَأ ذلك
عامةُ قرأةٍ الكوفةِ بضمِّ الواوٍ وسكونِ اللام، وكذلك كلَّ ما كان من ذكرِ الولدِ مِن
سورةِ ((مريمَ)) إلى آخرِ القرآنِ. وقرَأ أبو عمرٍو كلُّ ما فى القرآن مِن ذلك بفتح الواوِ
واللامُ غيرَ هذا الحرفِ الواحدِ فى سورةِ ((نوح))، فإنه كان يَضُمُّ الواوَ منهُ(١).
والصوابُ مِن القولِ عندَنا فى ذلك أن كلَّ هذه القراءاتِ قراءاتٌ معروفةٌ ،
مُتقارباتُ المعانى ، فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَارًا﴾. يقولُ: ومكروا مكرًا عظيمًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿كُبَّارًا﴾. قال: عظيمًا(٣) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ
مَكْرًا كُبَارًا﴾: كبيرًا(٢)، كهيئةٍ قوله: ﴿لَّا يَسَّمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا كِذَّبَ﴾(ْ
[ النبأ : ٣٥].
والكُبَارُ هو الكبيرُ، كما قال ابنُ زيدٍ. تقولُ العربُ: أمرٌ عجيبٌ وعُجَابٌ ،
(١) بعده فى م: ((فى)) .
(٢) أى يَضُم الواو ويُسكن اللام، وينظر ما تقدم فى ٦١٩/١٥.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) فى م: ((كثيرا)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٦١.

٣٠٣
سورة نوح : الآيات ٢٢ - ٢٤
بالتخفيفِ ، وعُجَّابٌ بالتشديدِ، ورجلٌ حُسَانٌ وحُسَانٌ، وُجُمَالٌ وجُمَّالٌ،
بالتخفيفِ والتشديدِ ، وكذلك كبيرٌ وكُبَارٌ، بالتخفيفِ والتشديدِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمْ وَلَ نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا
٢٤٠
وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا وَلَا نَزِدِ اُلَلِينَ إِلَّا ضَلًا
٢٣
يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن إخبارِ نوح عن ١ قومِه: ﴿ وَقَالُوْلَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمُ
وَلَا نَذَرُنَّ وَذَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ . وكان هؤلاء نفرًا مِن بنى آدمَ -
فيما ذُكِر عن آلهةِ القومِ الذين (١) كانوا يَعْبُدونها - وكان مِن خبرِهم، فيما بلَغَنا، ما
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن موسى ، عن محمدٍ / بنِ قيسٍ: ٩٩/٢٩
﴿ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال: كانوا قومًا صالحين من بنى آدمَ، وكان لهم تُتَّائعُ يَقْتَدُون
بهم ، فلما ماتوا قال أصحابُهم الذين كانوا يَقْتَدُون بهم: لوصوَّرناهم كان أشوقَ(٣)
لنا إلى العبادةِ إذا ذكَرْناهم. فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون ، دبَّ إليهم إبليسُ
فقال: إنما كانوا يَعْبُدُونهم، وبهم يُشْقَون المطرَ. فَعبَدُوهم(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مهرانُ ، عن سفيانَ ، عن أبيه ، عن عكرمةً، قال :
كان بينَ آدمَ ونوحٍ عَشَرَةُ قرونٍ (٥)، كلُّهم على الإسلامِ() .
وقال آخرون : هذه أسماءُ أصنامٍ قومٍ نوحٍ .
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م: ((التى)).
(٣) فى ص: ((أسوق)).
(٤) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ١/ ٢٤٨، وفى التفسير ٢٦٢/٨ عن المصنف.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أقرن)).
(٦) أخرجه ابن سعد ١/ ٤٢، ٥٣ من طريق سفيان الثورى به .

٣٠٤
سورة نوح : الآية ٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمْ
وَلَا نَذَرُنَّ وَذَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾. قال: كان وَدِّ لهذا الحىّ من كَلْبٍ
بُدُومَةِ الجَنَّدَلِ، وكان(١) سُوَاعْ لَهُذَيلِ بِرُهَاطٍ (١)، وكان يَغُوثُ لبنى غُطَيفٍ من مُرَادٍ
بالجَوْفٍ(١) من سبأٌ، وكان يَعُوقُ لهَمْدَانَ بِبَلْخَعَ. وكان نَسْرٌ لذى كَلاعٍ من حِمْيَرٍ .
قال : وكانت هذه الآلهةُ يَعْبُدُها قوم نوح، ثم اتخذَها العربُ بعد ذلك، واللهِ ما عدا
خشبةً أو طينةً أو حجرًا .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ: ﴿لَا نَذَرُنَّ
ءَالِهَنَّكُمْ وَلَا نَذَرُنَ وَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال: كانت آلهةً يَعْبُدُها
[١٠١٢/٢ و] قومُ نوح، ثم عَبَدتها العربُ بعدَ ذلك. قال: فكان وَدٌّ لَكَلْبِ بدُومةٍ
الجَنَّدَلِ، وكان سُوَائعُ لهُذَيلٍ، وكان يَغُوثُ لبنى تُطَيفٍ من مُرَادٍ بالجَوفِ(٢) ، وكان
يَعُوقُ لهَمْدانَ، وكان نَشْرٌ لذى الكَلاع من حِمْيَرٍ ".
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَلَا نَذَرُنَّ وَذَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾. قال: هذه أصنام كانت
تُعْبَدُ فى زمانٍ نوحٍ() .
(١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((كانت).
(٢) فى م: ((برياط)). ورهماط: قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة. معجم ما استعجم ٢ / ٦٧٨.
(٣) فى م: ((بالجرف)). والجوف: أرض مراد باليمن. ينظر معجم ما استعجم ٢/ ٤٠٤، ٤٠٥.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢٠/٢ عن معمر به. وأخرج البخارى (٤٩٢٠) هذا الأثر عن ابن عباس
بهذا المتن .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٦ إلى المصنف وابن المنذر.

٣٠٥
سورة نوح : الآيتان ٢٣، ٢٤
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾. قال : هذه أصنامٌ ، وكانت
تُعْبَدُ فى زمانٍ نوحٍ(١) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾: هى آلهةٌ كانت تكونُ
باليمنِ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾. قال: هذه آلهتُهم التى يَعْبُدُونَ(١).
واختلفت القرَأةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿وَذَا﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (وُدًّا) بضمٌّ
الواوٍ ، وقرأته عامةُ قرَأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿وَذَا﴾ بفتحِ الواوِ(٣).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان فى قرأةِ الأمصارِ ،
فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُهِ مُخبِرًا عن قيلِ نوحٍ: وقد
ضلَّ بعبادةِ هذه الأصنام / التى أحدثت على صورِ هؤلاءِ النفرِ المسمَّيْنَ فى هذا ١٠٠/٢٩
الموضعِ كثيرٌ من الناسٍ. فنسَب الضَّلالَ، إذ ضلَّ بها عابدوها، إلى أنها المُضِلَّةُ .
وقولُه: ﴿ وَلَا نَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّ ضَلَالًا﴾. يقولُ: ولا تَزِد الظالمين أنفسَهم
بكفرِهم (٢) بآياتِنا ﴿إِلَّا ضَلَلًا﴾، إلا طبْعًا على قلبِهِ، حتى لا يَهْتَدِىَ للحقِّ .
(١) ينظر التبيان ١٠/ ١٤١.
(٢) قرأ نافع وأبو جعفر بضم الواو، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر الإتحاف ص ٢٦٢.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( كفرهم)) .
( تفسير الطبرى ٢٠/٢٣)

٣٠٦
سورة نوح: الآيتان ٢٥، ٢٦
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِّمَا خَطِيَِّهِمْ(١) أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ
٢٥
وَقَالَ نُحٌ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِبِنَ
لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا
٢٦
دَیَّارًا
٠
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مِّمَّا خَطِيَئِمْ﴾: من خطيئاتِهِم ﴿أَغْرِفُواْ﴾.
والعربُ تَجْعَلُ ((ما)) صلةً فيما نُوِى به مذهبُ الجزاءِ، كما يُقالُ: أَينَما تَكُنْ
أَكُنْ، وحيثما تَجْلِسْ أَجْلِسْ. ومعنى الكلام: من خطيئاتِهم ما(٢) أُغْرِقوا .
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنی یونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال :
قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿مِّمَا خَطِيئَِهِمْ﴾. قال: فبخطيئاتِهم ﴿ أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُواْ
نَارًا ﴾.
وكانت الباءُ هلهنا فصلًا فى كلامِ العربِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ قولَه: ﴿ مِّمَا خَطِيِّئَِهِمْ
أُغْرِفُواْ﴾. قال: بخطيئاتِهم أُعْرِقوا .
واختلفت القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مِّمَا خَطِيَِمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ قَرَأَةٍ
الأمصارِ غيرَ أبى عمرٍو: ﴿مِّمَا خَطِيْئَِهِمْ﴾ بالهمزِ والتاءِ. وقرَأ ذلك أبو عمرو:
( مِمّا خَطاياهُمْ) بالألفِ بغيرِ همزٍ .
والقولُ عندَنا أنهما قراءتان مَعْرُوفتان ، فبأيِتِهما قرَأ القارئُ فهو مُصيبٌ .
وقولُه: ﴿فَأَدْخِلُوْ نَارًا﴾: جهنمَ، ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ﴾ :
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((خطاياهم)). وهما قراءتان كما سيأتى.
(٢) سقط من : م .
(٣) ينظر النشر ٢٩٢/٢.

٣٠٧
سورة نوح : الآيات ٢٥ - ٢٨
تَقْتَصُّ لهم ممن فعَل ذلك بهم ، ولا تَحُولُ بينَهم وبينَ ما فُعِل بهم .
وقولُه: ﴿وَقَالَ نُحُ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: وقال نوح ربِّ لا تَذَرْ على الأرْضِ من الكافرين ديَّرًا . ويعنى بالدَّيَّارِ من
يَدُورُ فى الأرضِ، فَيَذْهَبُ ويَجِىءُ فيها، وهو فَيْعالٌ من الدورانِ ((دَيْوارًا))،
اجتمَعت الياءُ والواوُ، فسبَقت الياءُ الواوَ وهى ساكنةٌ ، وأدغِمت الواوُفيها ، وصُيِّرتا
و
ياء مشددةٌ ، كما قيلَ: الحىُّ القَيَّامُ. مِن: قُمْت ، وإنما هو قَيْوَامٌ. والعربُ تقولُ: ما
بها دَيَّارٌ، ولا عريبٌ، ولا دَوِّىٌّ(١)، ولا صافرٌ، ولا نافخُ ضَرَمةٍ ) . تعنى بذلك
كلِّه: ما بها أحدٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرً
كَفَّارًا (﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
وَلَا نَزِدِ الطَّلِينَ إِلَّا نَبَارًا
٢٨
/ يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلٍ نوح فى دعائِه إياه على قومِه: إنك يا ربِّ إن ١٠١/٢٩
تَذَرِ الكافرين أحياءٌ على الأرضِ، ولم تُهْلِكُهم بعذابٍ من عندِك، يُضِلُّوا عِبادَك
الذين قد آمَنوا بك، فيصدُّوهم عن سبيلِك، ولا يَلِدوا إلا فاجِرًا فى دينِك، كَفَّارًا
لنعمتك .
[٠١٢/٢ ١ظ] وذُكِر أن قيلَ نوح هذا القولَ ودعاءَه هذا الدعاءَ، كان بعدَ أن
أَوْحَى إليه ربُّه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ ﴾ [هود: ٣٦].
(١ - ١) سقط من : م.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((دبى)). والدَّوِّىُّ منسوب إلى الدَّوِّ، وهى الفلاة الواسعة، وهى أرض من
أرض العرب بين البصرة واليمامة . وقولهم: ما بها دَوِّى . أى ما بها أحد ممن يسكن الدو. ينظر اللسان (دوو).
(٣) الضَّرَمة : النار. الوسيط (ض ر م).

٣٠٨
سورة نوح : الآيتان ٢٧، ٢٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ رَِّّ لَا نَذَرْ
عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾: أما واللهِ ما دعا عليهم حتى أتاه الوحى من السماءِ.
﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْ ءَامَنَ ﴾. فعندَ ذلك دعا عليهم نبىُ اللهِ نوعٌ
إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ
فقال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا (
وَلَا يَلِدُوْاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، ثم دعا دعوةٌ عامةً فقال: ﴿ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ
وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ﴾. إلى قولِه: ﴿نَبَارًا﴾ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿لَا
نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِینَ دَیَّارًا ﴾ . ثم ذكر نحوه(١) .
وقولُه: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ﴾. يقولُ: ربِّ اعفُ عنى، واستُرْ علىَّ
ذُنوبى وعلى والدىَّ، ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا﴾. يقولُ: ولمن دخَل مسجِدِى
ومُصَلَاىَ مُصَلِّيًّا، ﴿ مُؤْمِنًا﴾. يقولُ: مصدِّقًا بواجبٍ فرضِك عليه .
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قوله: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِ مُؤْمِنًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ آدمَ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ مهدىٌّ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبى
سِناٍ، "عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾. قال: مسجِدِى".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ(٤)، عن أبى سِنانٍ سعيدٍ ، عن
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢٠/٢ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٢ - ٢) سقط من: م. وثابت هو ابن جابان. تنظر ترجمته فى الجرح والتعديل ٢/ ٤٥٠.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٤/٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٦ إلى ابن المنذر.
(٤) بعده فى النسخ: ((عن أبى سلمة)). وينظر ما تقدم فى ٢١٢/١٣، ٢١٦، ٢١٧، ٥٩٠/١٩.

٣٠٩
سورة نوح : الآية ٢٨
الضحاكِ مثلَه .
وقولُه: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾. يقولُ: وللمُصَدِّقين بتوحيدِك
والمصدِّقاتِ .
وقولُه: ﴿ وَلَ نَزِدِ الظَِّينَ إِلَّا نَبَارًا﴾. يقولُ: ولا تَزِدِ الظالمين أنفسَهم
بکفرهم إلا خسارًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ إِلَّا نَبَارًا﴾. قال: خسارًا(١).
/وقد بيَنتُ معنى قولِ القائلِ: تَبَرتُ. فيما مضى بشواهدِه وذكرٍ أقوالٍ أهلٍ ١٠٢/٢٩
التأويلِ فيه، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، قال: قال معمرٌ: ثنا الأعمشُ، عن
مجاهدٍ ، قال : كانوا يَضْرِبون نوحًا حتى يُغْشَى عليه، فإذا أفاق قال : ربِّ اغفِرْ
القومى فإنهم لا يَعْلَمون(٢).
آخرُ تفسير سورة «نوحِ » صلی اللهُ علیه وسلم
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٤/٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ينظر ما تقدم فى ١٠/ ٤١١، ٤١٢، ١٤/ ٥٠٤، ٥٠٥
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢٠/٢ عن معمر به.

٣١٠
سورة الجن : الآيات ١ - ٣
بسمِ اللهِ الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ الجنّ
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنّ فَقَالُواْ إِنَّا
سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا
وَأَنَّهُ
يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرَِ بِرَبِنَا أَحَدًا
تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا
يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ عَزِّمِ: قُلْ يا محمدُ: أُوحَى اللهُ إلىَّ ﴿أَنَّهُ أُسْتَمَعَ
نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ هذا القرآنَ، ﴿ فَقَالُوا﴾ لقومِهم لما سمِعوه: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا
يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ﴾. يقولُ: يدُلُّ على الحقِّ وسبيلِ الصوابِ،
عجبًا
﴿ فَامَنَا بِهِ،﴾. يقولُ: ( فصدَّقنا به١)، ﴿ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًا﴾ من خلقِه .
وكان سببُ استماع هؤلاء النفرِ مِن الجنِّ القرآنَ، كما حدَّثنى محمدُ بنُ
معمرٍ ، قال : ثنا أبو هشامٍ ، يعنى المخزومىَّ، قال : ثنا أبو عَوانةَ ، عن أبى بِشرٍ، عن
سعيدِ بنِ لُجُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: ما قرَأَ رسولُ اللهِ مَ ◌ّهِ على الجنِّ ولا رآهم،
انطلَق رسولُ اللهِ عَ لَه فى نفرٍ من أصحابِهِ، عامِدين إلى سوقٍ عُكاظٍ . قال: وقد
حِيلَ بينَ الشياطينِ وبينَ خَبَرِ السماءِ، وأُرسِلت عليهم الشهُبُ، (٢فرجعت
الشياطينُ إلى قومِهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبينَ خبرِ السماءِ،
وأُرسِلت علينا الشهُب٢ُ) . فقالوا: ما حال بينكم وبينَ خبرِ السماءِ إِلا شىءٌ حدث .
قال: فانطلِقوا فاضرِبوا (٢) مشارقَ الأرضِ ومغاربها، فانظُروا ما هذا الذى حدَث.
(١ - ١) فى م: ((فصدقناه)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يضربون)).

٣١١
سورة الجن : الآيتان ٢،١
قال : فانطلَقوا يَضْرِبون مشارقَ الأرضِ ومغاربها ، يَتَبَّعون ما هذا الذى حالَ بينَهم
وبينَ خبرِ السماءِ . قال: فانطلَق النفر الذين توجّهوا نحوَ تِهامةَ إلى رسولِ اللهِ صَ لِّ
بنخلةً(١) ، وهو عامٌ إلى سوقٍ عُكاظٍ، وهو يُصَلَّى بأصحابِهِ صلاةَ الفجرِ. قال:
فلما سمِعوا القرآنَ استمَعوا له، فقالوا: هذا واللهِ الذى حال بينكم وبينَ خبرٍ
السماءِ. قال: فهنالِكَ حينَ رجَعوا إلى قومِهِم فقالوا: يا قومَنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرُءَانًا
يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِاَءَ بِيْنَاَ أَحَدًّا﴾. قال: فَأَنزَل / اللهُ ١٠٣/٢٩
إِلى(٢) نبيِّه ◌ِلَّه: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِ﴾، وإنما أَوحَى إليه قولَ
(٣)
الجنّ(٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عاصم، عن زِرِّ" قال :
قدِمِ رهطُ زَوْبَعةَ وأصحابُه مكةً على النبيِّ يَّهِ، فسمِعوا قراءةَ النبىِّ يَّهِ ثم انصرفوا،
فذلك قوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوَأْ
أَنْصِتُواْ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. قال: كانوا تسعةً فيهم زَوْبَعةُ (٥) .
مُحدِّثت عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِ﴾. هو قولُ اللهِ:
(١) نخلة: موضع على ليلة من مكة وهى التى ينسب إليها بطن نخلة. معجم ما استعجم ١٣٠٤/٤.
* إلى هنا ينتهى الخرم فى الأصل، المشار إليه ص١١٣ .
(٢) فى م: ((على)).
(٣) أخرجه أحمد ١٢٩/٤ (٢٢٧١)، والبخارى (٧٧٣، ٤٩٢١)، ومسلم (٤٤٩)، والترمذى
(٣٣٢٣)، والنسائى فى الكبرى (١١٦٢٤)، وأبو يعلى (٢٣٦٩)، وابن حبان (٦٥٢٦)، والطبرانى
(١٢٤٤٩)، والحاكم ٥٠٣/٢، والبيهقى فى الدلائل ٢٢٥/٢، ٢٢٦ من طرق عن أبى عوانة به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٦ إلى أبى نعيم فى الدلائل وابن مردويه وابن المنذر وعبد بن حميد.
(٤) فى م: ((ورقاء))، وفى ت ٢: ((ذر)).
(٥) تقدم تخريجه مختصرًا ١٦٥/٢١.

٣١٢
سورة الجن : الآيات ١ - ٣
﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾. لم تَحَرَسِ السماءُ فى الفترةِ بينَ عيسى ومحمدٍ ،
فلما بعث اللهُ محمدًا عَظِِّ حُرِست السماءُ الدنيا ، ورُمِيت الشياطينُ بالشُّهُبِ ،
فقال إِبليسُ : لقد حدث فى الأرضِ حَدَثٌ. فأمَر الجنَّ فتفرَّقت فى الأرضِ لتأتيه
بخبرِ ما حدَث ، فكان أولُ مَن بَعَث نفرًا مَن أهلِ نَصِيبينَ ، وهى أرضٌ باليمنِ ، وهم
أشرافُ الجنِّ وساداتُهم، فبعثهم إلى تِهامةَ وما يلى اليمنَ، فمضَى أولئك
النفرُ، فأتَوا على الوادِى وادِى نخلةً، وهو مِن الوادِى مَسيرةً ليلتَيْ، فوجَدوا
به نبىَّ اللهِ [٤٣/٤٨ظ] ◌َ لَّهِ يُصَلِّى صلاةَ الغداةِ، فسمِعوه يَتْلُو القرآنَ، ﴿فَلَمَّا
حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ﴾، يعنى: فُرِغ مِن الصلاةِ، ﴿وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم
◌ُنْذِرِينَ ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. يقولُ (١): مؤمِنين. لم يَعْلَمْ بهم رسولُ اللهِ وَه، ولم
يَشْعُرْ أنه صُرِف إليه أحدٌ ، حتى أَنزَلَ اللهُ عليه: ﴿ قُلْ أُوْجِىَ إِلَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ
الجِنّ﴾ .
وقولُه: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. اختَلَف أهلُ التأويل فى معنى ذلك ؛ فقال
بعضُهم: معناه: فَآمَنا به ولن نُشْرِكَ بربّنا أحدًا، وآمَنا بأنه تعالى أمْرُ ربَّنا وسلطانُه
وقدرتُه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ فى قولِهِ: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَلُّ رَبِنَا﴾. يقولُ: فعلُه وأمرُه وقدرتُه(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يعنى)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٥٠/٢ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٧١/٦ إلى ابن المنذر.

٣١٣
سورة الجن : الآية ٣
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: تعالى أمرُ ربِّنا.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى ، قالا : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا
شعبةُ، عن قتادةَ فى هذه الآيةِ: ﴿ تَعَلَى جَلُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: أَمرُ ربِّنا(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ (٢)، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ ، عن السدىِّ: ﴿تَعَلَى جُلُّ
رَيْنَا﴾. قال: أمرُ ربِّنا(٣) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿تَعَلَى
جَدُّ رَيِّنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا﴾. قال: تعالى أمرُه أن يَتَّخِذَ - ولا يَكُونُ الذى
اللَّهُ ١٠٤/٢٩
قالوا - صاحبةً أو (٤) ولدًا، وقرَأ: ﴿قُلْ هُوَ / اللَّهُ أَحَدُّ
اُلصَّمَدُ﴾ حتى ختَمَها [الإخلاص: ١، ٢]. قال: لا يَكُونُ ذلك منه .
وقال آخرون : عُنِى بذلك جلالُ ربّنا وذكرُه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه، قال: قال
عكرِمةُ فى قولِه تعالى: ﴿جَدُّ رَبِنَا﴾. قال: جلالُ ربِّنَا (٦).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمارةَ ، قال: ثنى خالدُ بنُ يزيدَ ، قال : ثنا أبو إسرائيلَ، عن
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢١/٢ عن معمر عن قتادة .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عبد الرحمن))، وفى م: (( بشار قال ثنا عبد الرحمن)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٥/٨.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ولا)).
(٥ - ت) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢١/٢ عن المعتمر بن سليمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٧١/٦ إلى عبد بن حميد .

٣١٤
سورة الجن : الآية ٣
فضيلٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا﴾. قال: جلالُ رِيِّنا(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيمِيِّ، قال: قال
عكرمةُ: ﴿تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا﴾: جلالُ ربّنا(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّمُ تَعَلَى جَدُّ
رَيِّنَا﴾. أى: تعالى جلالُه وعظمتُه وأمرُه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قوله :
﴿تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا﴾. قال: تعالى أمرُ ربِّنا؛ تعالَت عظمتُهُ(٢).
وقال آخرون : معنى ذلك(٤) : غِنَى ربِّنا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه ، قال : قال الحسنُ
فى قوله: ﴿تَعَلَى جَلُّ رَيِّنَا﴾. قال: غِنَى ربّنا (٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ ، عن سليمانَ التيمىِّ ، عن
الحسنِ: ﴿تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى رَبِّنا(١).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٥/٨.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢١/٢ من طريق سليمان التيمى به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢١/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٦ إلى عبد بن
حمید .
(٤) بعده فى ص، م، ت ١: (( تعالى)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢١/٢ عن المعتمر بن سليمان به .
(٦) أخرجه عبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ٣٣٥/٢ - من طريق سفيان به . وهو فى تفسير مجاهد
ص ٦٧٧ من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن .

٣١٥
سورة الجن : الآية ٣
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسن فى
قوله: ﴿ تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. [٤٤/٤٨ ظ] قال: غِنَى ربّنا(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن سليمانَ التيمىِّ، عن الحسنِ
وعكرِمةَ فى قولِه: ﴿تَعَلَى جَلُّ رَيِّنَا﴾. قال أحدُهما: غِناه. وقال الآخر: عظمتُه.
وقال آخرون: عُنِى بذلك الجدّ الذى هو أبو الأبِ. وقالوا: ذلك كان ( جَهْلَةً
من كلامِ الجنّ) .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی أبو السائبِ ، قال : ثنی أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبی سارةَ ، عن
أبيه، عن أبى جعفرٍ: ﴿تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا﴾. قال: كان كلامًا (٣) من جهلةِ الجدّ(٤).
وقال آخرون : ◌ُنِی بذلك ذِكْرُه .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى ١٠٥/٢٩
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى تَجيحِ، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللهِ: ﴿تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا﴾ قال: ذِكْرُه (٥) .
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به : تعالَت عظمةٌ
ربِّنا وقدرتُه وسلطانُه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى فتح البارى ٣٣٣/٢ - من طريق أبى رجاء به .
(٢ - ٢) فى م: ((من كلام جهلة الجن)). وفى ت ٢: ((جهل من كلام الجن)).
(٣) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣: ((كلام)).
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٩/ ٨.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٣١٦
سورة الجن : الآية ٣
وإنما قلْنا ذلك أولى بالصوابٍ ؛ لأن للجَدِّ فى كلامِ العربِ معنَئِين؛ أحدُهما :
الجَدُّ الذى هو أبو الأَبِ أو (١) أبو الأمّ، وذلك غيرُ جائٍّ أن يُوصَفَ به هؤلاء النفَرُ،
الذين وصفهم اللهُ بهذه الصفةِ، وذلك أنهم قد قالوا: ﴿فَامَنَا بٌِّ وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِّنَآَ
أَحَدًّا﴾. ومَن وصَف الله بأن له والدًا(٢) أو جدًّا، و(٢) هو أبو الأبِ أو أبو الأمّ، فلا
شكَّ أنه مِن المشركين. والمعنى الآخرُ: الجدُّ الذى هو [٤٥/٤٨ و] بمعنى الحَظِّ؛
يُقالُ: فلانٌ ذو جَدٍّ فى هذا الأمرِ. إذا كان له حظّ فيه، وهو الذى يُقالُ له
بالفارسيةِ : البَحْتُ . وهذا المعنى الذى قصَده هؤلاء النفَرُ مِن الجنِّ بقيلهم: ﴿ وَأَنَّهُ
تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا﴾. إن شاء اللهُ، وإنما عَنَوا أن حَظُوتَه من المُلُكِ والسلطانِ والقدرةِ
والعظمةِ عاليةٌ ، فلا تكونُ له صاحبةٌ ولا ولدٌ ؛ لأن الصاحبةَ إنما تكونُ للضعيفِ
العاجِزِ، الذى تَضْطَرُّه الشهوةُ الباعثةُ إلى اتخاذِها له(٥) ، وأن الولدَ إنما يكونُ عن
شهوةٍ أزعَجته إلى البِضاع (١) الذى يحدُثُ منه الولدُ؛ فقال النفَرُ مِن الجنِّ: علا مُلكُ
ربِّنا وسُلطانُه وقدرتُه وعظمتُه أن يكونَ ضعيفًا ضَعْفَ خلقِه الذين تَضْطَرُهم الشهوةُ
إلى اتخاذٍ (١) صاحبةٍ، أو وِقاع شىءٍ يكونُ منه ولدٌ .
وقد بيَّن عن صحةٍ ما قُلْنا فى ذلك إخبارُ اللهِ عنهم أنهم قالوا: ﴿ مَا أَّخَذَ
صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا﴾، فأخبر جلَّ ثناؤه أنهمُ) إنما نزّهوا اللهَ عن اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ
(١) فى الأصل: ((و)).
(٢) فى م: ((ولدًا)).
(٣) سقط من: ت ١، ت ٢.
(٤) سقط من: الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢.
(٥) سقط من: ص، م، ت.١، ت ٢، ت ٣.
(٦) فى م: ((الوقاع)). والبضاع: المجامعة. التاج (ب ض ع).
(٧) فى ت ٢، ت ٣: ((إيجاد)).
(٨ - ٨) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.

٣١٧
سورة الجن : الآية ٣
بقولِه: ﴿ وَأَنَهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًّا ﴾. يُقالُ منه: رجُلٌ جَدٌِّّ
وجديدٌ ومَجْدودٌ . أى: ذو حظٍّ فيما هو فيه؛ ومنه قولُ حاتم الطائىِّ(١):
اغْزُوا بَنِى ثُعَلِ فالغَزْوُ جَدُّكُمْ
عُدُّوا الرَّوايا(٢) ولا تَبْكُوا لمن قُتِلاً(٣)
وقال آخر (٤) :
سَقَتْنى إليك الأعادى سِجَالا
تَرَفَّعَ(٥) جَدُّك إنى امرؤٌ
[٤٥/٤٨ظ] وقوله: ﴿مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةً﴾ يعنى زوجةً ﴿ وَلَا وَلَدًا﴾ .
واختلَفت القرَأَةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَلَى﴾. فقرَأْ ذلك أبو جعفرِ القارئُ
وستةً أحرفٍ أَخرَ بالفتح، منها: / ﴿ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾، ﴿وَأَنَّ اُلْمَسَجِدَ لِلَّهِ ﴾، ١٠٦/٢٩
﴿ وَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا﴾، ﴿ وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ اُلْإِسِ ﴾، ﴿ وَأَنَّهُ لَمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ
يَدْعُوهُ﴾، ﴿ وَأَلَّهِ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾(١). وكان نافعٌ يَكْسِرُها كلَّها(٧) إلا ثلاثةَ
أحرفٍ؛ أحدُها: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ اُلْجِنِ﴾، والثانى: ﴿ وَأَلَّوٍ
أَسْتَقَمُواْ﴾، والثالثُ: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾(٨). وأما قرَأَةُ الكوفةِ غيرَ عاصم،
(١) ديوانه ص ٢٠٢.
(٢) فى م: ((الروابى)).
(٣) فى الديوان: ((نكلا)).
(٤) البيت للحطيئة فى ديوانه ص ٢٢٢ بلفظ: ((أعوذ بجدك إنى امرؤ .... )).
(٥) فى ص: ((برقع))، وفى م، ت ٢: ((يرفع))، وفى ت ١: ((توقع)).
(٦) قراءة أبى جعفر بفتح الهمزة فى خمسة مواضع فقط وهى قوله تعالى: ﴿أنه استمع﴾، وقوله: ﴿وأنه
تعالى﴾، وقوله: ﴿وأنه كان يقول﴾. وقوله: ﴿وأنه كان رجال﴾. وقوله: ﴿وأن المساجد ﴾، وبقية
المواضع يقرؤها بالكسر، وينظر النشر ٢٩٣/٢، والإتحاف ص ٢٦٣.
(٧) سقط من: م.
(٨) قراءة نافع هى بكسر الهمزة فى المواضع كلها إلا موضعين وهما ﴿أنه استمع﴾. وقوله: ﴿وأن
المساجد﴾ . ينظر المصدران السابقان .

٣١٨
سورة الجن : الآية ٣
فإنهم يَفْتَحون جميعَ ما فى آخِر سورةِ ((النَّجْم)) وأوَّلِ سورةِ ((الجنِّ))، إلا قولَه:
فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا﴾، وقوله: (قال(١) إنَّما أدعو ربى). وما بعدَه إلى آخرٍ
السورةِ ، فإنهم يَكْسِرُون ذلك غيرَ قولِهِ: ﴿ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِّهِمْ﴾.
وأما عاصمٌ فإنه كان يَكْسِرُ جميعَها إلا قوله: ﴿ وَ أَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾. فإنه كان
يَفْتَحُها (٢)، وأما أبو عمرٍو فإنه كان يَكْسِرُ جميعَها ("مِن أولِها إلى٣) قوله: ﴿ وَأَلَّوِ
أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. فإنه كان يَفْتَحُ هذه وما بعدَها (١) . فأما الذين فتحوا
جميعَها إلا فى موضع القولِ كقوله: ﴿فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا﴾. وقولِه: (قال إَّمَا أَدْعُو
رَبِّى )، ونحوِ ذلك، فإنهم عطَفوا ((أَنَّ)) فى كلِّ السورةِ على قوله: ﴿فَامَنًا
بِهِ﴾، وآمنًا بكلِّ ذلك. ففتَحوها بوقوع الإيمانِ عليها. وكان الفرّاءُ يقولُ(٥): لا
يَمنَعْك (٦) أن تجدَ الإِيمانَ يَقْبُعُ فى بعضٍ [٤٦/٤٨ و] ذلك - مِن الفتح، وإنَّ
الذى ("يُقْبِعُ مِنٌ) ظهورِ الإيمانِ قد يَحْسُنُ(٤) فيه فعلٌ مضارعٌ للإيمانِ يُوجِبُ (١)
فتحَ ((أنَّ))، كما قالتِ العربُ(١١):
(١) قراءة (قال) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر والكسائى ويعقوب وخلف، وقراءة ﴿قل)
بغير ألف هى قراءة أبى جعفر وعاصم وحمزة . وينظر المصدران السابقان .
(٢) قراءة الفتح فى جميع المواضع هى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وخلف وعاصم فى رواية حفص .
المصدران السابقان .
(٣ - ٣) فى م، ت١: ((إلا))، وفى ص، ت ٢، ت٣: ((إلى)).
(٤) قراءة أبى عمرو بالكسر فى جميع المواضع إلا موضعين وهما: ﴿أنه استمع﴾، ﴿ وأن المساجد﴾.
المصدران السابقان .
(٥) معانى القرآن للفراء ١٩١/٣.
(٦) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((يمنعنك)).
(٧) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بفتح) .
(٨ - ٨) فى الأصل، ت ١، ت ٣: ((يفتح من))، وفى ت ٢: (( بفتح من)).
(٩) فى الأصل: ((يحصل)).
(١٠) فى م: ((فوجب)).
(١١) تقدم فى ٢٢/ ٣٠١.

٣١٩
سورة الجن : الآية ٣
إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يومًا وَزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا
فنصَب العيونَ لإِتْباعِها الحواجبَ، وهى لا تُزَجَّجُ، وإنما تُكْحَلُ، فأضْمَر لها
الكَحْلَ، (١ كذلك يُضْمَرُ فى الموضع الذى لا يَحْسُنُ فيه ((آمنًا)): ((صدَّقْنا))،
و((أَلْهِمنا))، و((شهِدنا))(٢). قال: ويُقَوِّى(٢) النصْبَ قولُه: ﴿ وَأَلَّوٍ أَسْتَقَامُواْ عَلَى
اُلْطَّرِيقَةِ﴾. فينبَغِى لمن كسَر أنْ يَحذِفَ ((أن)) مِن ((لو))؛ لأنَّ((إنَّ)) إذا خُفِّفَت لم
تكن فى(٤) حكايةٍ، ألا تَرَى أنك تقولُ: أقولُ(٥) لو فعَلتَ لفعَلتُ. ولا تُدْخِلُ
((أنْ)). وأما الذين " كسروا كلَّها) وهم فى ذلك يقولون: ﴿وَأَلَّوٍ أُسْتَقَمُواْ﴾ .
فكأنَّهم أضْمَروا يمينًا مع ((لو))، وقطَعوها عن النَّسَقِ على أوَّلِ الكلامِ، فقالوا: واللهِ
أنْ لو اسْتَقاموا. قال: والعربُ تُدْخِلُ ((أنْ)) فى هذا الموضع مع اليمين وتحذِفُها ، قال
(٧)
الشاعر(٧):
سِواكَ ولَكِنْ لِم ◌َجِدْ لَكَ مَدْفَعَا
فأُقْسِمُ لو شىءٌ أتانا رَسُولُه
"قال: وأنشَدنى ◌ٌ آخَرُ(٩) :
وما بالحُرُّ أنتَ ولا العَتِيقِ
أما واللهِ أنْ لو كنتَ حُدًّا
فَأَدْخَل ((أنْ)). ومن كسَر كلَّها ونصَب: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾. فإنه خصَّ
(١ - ١) فى الأصل: ((كما تضمر)).
(٢) فى الأصل: ((سددنا)).
(٣) فى ص، م: ((بقول))، وفى ت ١، ت ٣: ((يقول))، وفى ت ٢: ((تقول)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) سقط من: الأصل .
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كسروها كلها))، وفى م: ((كسروها كلهم)).
(٧) تقدم فى ٣٦٢/١٢، ٠٥٣٣/١٣
(٨ - ٨) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((قالوا وأنشدنى))، وفى م: ((قالوا وأنشدنا)).
(٩) البيت ذكره الفراء فى معانى القرآن ٢/ ٤٤، ١٩٢/٣، وينظر خزانة الأدب ٤/ ١٤١، ١٤٣ - ١٤٥.

٣٢٠
سورة الجن : الآيات ٣ - ٦
١٠٧/٢٩ ذلك بالوَحْىُ، وجعَل: / ﴿ وَأَلَّوٍ﴾ مضمرةً فيها اليمينُ على ما وصَفْتُ . وأما
نافعٌ فإِنَّ ما فتَح [٤٦/٤٨ ظ] مِن ذلك، فإنه ردَّه على قوله: ﴿أُوْجِىَ إِلَ﴾ . وما
كسره فإنه جعَله مِن قولِ الجنِّ. وأحبُّ ذلك إلىَّ أن أقرَأَ به الفتحُ فيما كان وحيًا ،
والكسرُ فيما كان مِن قولِ الجنّ ؛ لأنَّ ذلك أفصحُها فى العربيةِ، وأَبْيَنُها فى المعنى ،
وإن كان للقراءاتِ الأُخَرِ وجوةٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها .
القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا
} وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنِسِ يَعُوذُونَ
وَأَنَّا ظَّآ أَنْ لَّن نَقُولَ الْإِنِسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا لَّ
◌ِعَالٍ مِّنَ أَلْجِنّ فَرَادُوهُمْ رَهَقًّا
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ عزَّ وجلّ مخبرًا عن قيلِ النفَرِ مِن الجنِّ الذين
استمعوا القرآن: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا﴾: وهو إبليسُ.
وبنحو الذى قلْنا فى ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ
يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. وهو إبليسُ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن رجلٍ مِن المكيِّين، عن
مجاهدٍ: ﴿سَفِيُهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. قال: هو إبليسُ . ثم قال سفيانُ: سمِعتُ أنَّ
الرجلَ إذا سجَد جلَس إبليسُ يَيكى يقولُ: يا ويلَه ، أُمِر بالسجودِ فعصَى ، فله النارُ،
(١) فى الأصل: ((الوحى)).
(٢) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإنه)).
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٩/ ٩، وابن كثير فى تفسيره ٢٦٦/٨.